أحداث عام 1964 في سوريا

1964 : طغيان التيار اليساري المتطرف بين المدنيين والعسكريين في حزب البعث، وصلاح جديد يستفيد من هذا الوضع للاطاحة بصلا ح البيطار الذي يشكل الوزارة من جديد - صدور مراسم التأميم العشوائية- الاشتراكيون يرفضون تاييد مراسيم التأميم - أمين الحافظ يقمع الحركات المقاومة للتأميم - ميشيل عفلق يؤيد التأميم بقوة ويدعو للتقارب مع الاتحاد السوفييتي.

حكومة صلاح البيطار والمعارضة البعثية اليسارية.

تألفت حكومة صلاح الدين البيطار نتيجة تسوية هشة بين فرقاء البعث الحاكم، المختلفين على كل شيء، ولذلك كانت عرضة بعد تأليفها لخلافات مستمرة مع الفريق أمين الحافظ الذي أقصته هذه التسوية عن رئاسة الحكومة بدعم صلاح البيطار من قبل خصمه محمد عمران، كما كانت حكومة صلاح البيطار غير موثوقة بل ومتآمرة بالنسبة لليساريين في حزب البعث، وكان هدف صلاح البيطار المتحالف مع عمران التعاون مع تجار دمشق واليمين السوري والبعثيين الناصريين داخليا، ودعم هذه الحكومة عربيا بالاتفاق مع جمال عبد الناصر وعبد السلام عارف في معركتها ضد اللواء صلاح جديد والقيادة القطرية واليساريين العسكريين، وهكذا شرع صلاح البيطار ومحمد عمران منذ تأليف الحكومة بعقد الاجتماعات العلنية والسرية مع تجار دمشق ووعد البيطار هؤلاء التجار "بأن الثقة والرساميل ستعود، وانه لا مبرر لوجود العنف في سورية" وفي هذا القول ما فيه من تعريض باللواء صلاح جديد والقيادة القطرية والعسكريين الثوريين ومعظمهم من أبناء الريف.

وبهذه المناسبة، أذكر أن نائب طرطوس سابقاً رياض عبد الرزاق، قد اجتمع بي سراً في هذه الفترة، وكنت متوارياً عن الأنظار، وعرض علي التفاهم مع محمد عمران وقال لي أنه على صلة معه، وأن خالد العظم يؤيد هذا التفاهم فكان جوابي له:

إن محمد عمران غير موثوق في اعتقادي ولي تجربتي معه.

لقد اجتمع بي رياض عبد الرزاق مرة ثانية، عندما كان خالد العظم مقيما في بيروت فقال لي انه على استعداد لنقلي الى لبنان من ميناء طرطوس لمقابلة خالد العظم والتفاهم معه، لأن السفارة الاميركية تؤيد هذا التفاهم فاعتذرت له وقلت:

إن ثمن التفاهم والتأييد الذي ستطالبني به السفارة الأميركية سيكون علىحساب القضية الفلسطينية وعلى حساب موقفنا من السياسة البترولية في سورية والبلاد العربية.

استهل البيطار وزارته الجديدة بالايعاز الى الاذاعة والتلفزيون والصحف بعدم الرد على الحملات المصرية والعراقية، فأثار هذا الإيعاز نقداً شديداً في أوساط العسكريين البعثيين الذين يكنون الخصومة لعبد الناصر وعبد السلام عارف، وقد بلغ الخلاف ذروته بين النظامين المصري والعراقي من جهة وبين البعث السوري من جهة أخرى عندما قام عارف باعتقالات واسعة في العراق، فكان بين المعتقلين أحمد حسن البكر وعدد كبير من البعثيين بتهمة محاولة انقلاب فاشلة بقيادة علي صالح السعدي بمساعدة المخابرات السورية التي هربت الأسلحة والألغام للقيام بهذا الانقلاب.

كما كان مؤتمر القمة في القاهرة موضع خلاف بين حكومة البيطار والعسكريين سواء بالنسبة للاشتراك بهذا المؤتمر أو بالنسبة للمقررات التي أصدرها وكان من راي العقيد فهد الشاعر الذي كان عضواً في الوفد السوري قوله اثناء مناقشة تحويل روافد الأردن: "انه يجب أن نعارض تحويل الروافد إذا كنا سنسترد فلسطين".

ووسط استغراب المؤتمرين تابع قوله:

نعم يجب اعلان الحرب لاسترداد فلسطين بدلاً من تحويل روافد الأردن، فأي معنى يبقى لفلسطين واستردادها إذا استعدناها ووجدناها بدون ماء، وإذا كانت الروافد محولة عنها؟ إن التحويل من وجهة نظري اعتراف بضياع فلسطين، إذ يعني أن نكتفي بالماء دون الأرض (الحياة 12/9/64).

بمثل هذه المزاودات كانت سورية تقاد من قبل العسكريين البعثيين اليساريين مما جعل صلاح جديد يرى أن الوقت قد أصبح ملائماً لإحراج حكومة البيطار وجعلها تضطر إلى الاستقالة، بعد الانعكاسات التي أحدثتها في الوسط العسكري مواقف صلاح البيطار ومحمد عمران لمعالجة المشاكل المطروحة على حزب البعث على المستويين الداخلي والخارجي، ولتشكيل حكومة جديدة برئاسة أمين الحافظ الذي كان على خصومة مزمنة مع محمد عمران ولتكون هذه الحكومة واجهة
لمجلس الرئاسة الذي سيقبض فيه اللواء صلاح جديد، مع القيادة القطرية، على زمام السلطة الفعلية.

وهكذا "قرر" المجلس الوطني لقيادة الثورة بتاريخ 3/10/64 قبول استقالة صلاح البيطار ومنصور الأطرش من عضوية مجلس الرئاسة "وانتخب" بدلاً عنهما اللواء صلاح جديد والدكتور يوسف زعيّن عضوين في هذا المجلس ، وكلف الفريق أمين الحافظ بتشكيل حكومة جديدة، ولما يمض اكثر من خمسة أشهر على تأليف حكومة البيطار ومجلس الرئاسة السابقين، كما عين صلاح جديد نائباً لرئيس مجلس الرئاسة الفريق أمين الحافظ، وتقرر ان يكون مسؤولاً عن شؤون الدفاع والأمن، وان يكون الدكتور زعين مسؤولاً عن قطاع الزراعة والخدمات العامة، وان يكون الدكتور الأتاسي مسؤولاً عن العمل والشؤون الاجتماعية وشؤون الموظفين والرقابة التفتيش، وأسند للواء عمران مسؤولية القطاع الاقتصادي.

أما أعضاء الوزارة الجديدة فهم:

الفريق أمين الحافظ رئيساً لمجلس الوزراء والدكتور نور الدين الأتاسي نائباً للرئيس. اللواء غسان حداد وزيراً للتخطيط، الوليد طالب وزيراً للعمل والشؤون الاجتماعية، الدكتور عادل طربين وزيراً للزراعة، صالح المحاميد وزيراً للشؤون البلدية والقروية، الدكتور حسان مريود وزيراً للخارجية، الدكتور مصطفى حداد وزيراً للتربية والتعليم، الدكتور عبدالرحمن الكواكبي وزيراً للأوقاف، اللواء ممدوح جابر وزيراً للدفاع، عبد الفتاح البوشي وزيراً للمالية، علي تلجبيني (عامل نقابي) وزيراً للؤون الاجتماعية والعمل، ابراهيم البيطار وزيراً للاقتصاد، سليمان الخش وزيراً للثقافة والإرشاد، حسن مهنا وزيراً للعدل، المقدم عبد الكريم الجندي وزيراً للاصلاح وللداخلية بالوكالة، جميل شيا وزيراً للتموين، الدكتور مصطفى نصار وزيراً للصحة، مشهور زيتون وزيراً للاعلام، سميح فاخوري وزيراً للمواصلات، ممدوح نجار وزيراً للأشغال العامة. ومن الملاحظ ان هذه الوزارة قد ضمت اثني عشر وزيراً جديداً بعضهم من صغار الموظفين غير المعروفين بماضيهم النضالي الحزبي أو السياسي.

بعد تشكيل أمين الحافظ لهذه الوزارة بفترة قليلة انفجر الخلاف بينه وبين صلاح جديد وعدد كبير من الضباط البعثيين، وقبل الحديث عن تفاصيل هذه الأزمة لا بد من الإشارة الى حدثين هامين على المستوى الدولي والعربي:

ففي تاريخ 15/10/1964 أعلن في موسكو نبأ استقالة نيكيتا خروشوف من منصبه كأمين عام أول للحزب الشيوعي السوفييتي ومن رئاسة مجلس الوزراء وحلول ليونيد بريجينيف مكانه كأمين عام للحزب الشيوعي وألكسي كوسيغين رئيساً للوزارة، أما الحدث الثاني على المستوى العربي فهو خلع الملك سعود ومبايعة الأمير فيصل ملكاً على السعودية.

انفجرت الأزمة بين أمين الحافظ وصلاح جديد اثر حضور الحافظ مؤتمر عدم الانحياز في القاهرة على رأس وفد ضم في أعضائه محمد عمران ومنصور الأطرش وحسان مريود (وهؤلاء الثلاثة من أنصار صلاح البيطار وسياسته في الوزارة السابقة)، فقد عقد جمال عبد الناصر على هامش المؤتمر ثلاثة اجتماعات مع أمين الحافظ وأعضاء الوفد السوري بحضور رئيس الجمهورية العراقية عبد السلام عارف، وتم الاتفاق في هذه الاجتماعات على المصالحة بين سورية ومصر والعراق وعلى توقف الحملات الاعلامية المتبادلة بينها بعد أن تعرض عبد الناصر إلى الوضع في العراق ووصفه بأنه مهدد بخطر التيار الرجعي بالإضافة إلى الخطر الكردي والتركي وهي أخطار تهدد سورية ايضاً.

وقبل أن يغادر الحافظ القاهرة بوداع حافل من جمال عبد الناصر، كان الرئيس عارف قد أبرق الى بغداد بوجوب توقف الحملات الاعلامية على حكم البعث في سورية، ولكن تصرف أمين الحافظ وقبوله بالصلح مع عبد السلام عارف واجه اعتراضاً شديداً من قبل صلاح جديد وجماعته ومن معظم الضباط النافذين في الجيش واعتبروا أن هذه المصالحة تعني التخلي عن البعثيين المضطهدين في العراق، وفي هذا ما فيه من خيانة للبعث، وتمكين لناصر وعارف من ضرب نظام البعث في سورية، فصدرت الأوامر باستئناف الحملات الاعلامية على العراق ومصر.

وتجاه هذا الموقف الذي وجد فيه نفسه الفريق أمين الحافظ فكر بالسفر الى فرنسة بحجة إجراء عملية جراحية، بينما استمرت الحملات الإعلامية ضد الحكم في العراق، وقامت المسيرات تطلق الهتافات المعادية لعبد السلام عارف في المدن السورية خلال أسبوع سمي أسبوع نصرة العراق، وقد اشترك قادة البعث في هذه المسيرات بينما أشاع الاعلام السوري أن صدام حسين عضو اللجنة المركزية لحزب البعث في العراق قد مات في سجون عبد السلام عارف في بغداد.

وبالوقت الذي كانت فيه الصحف السورية تتجاهل تجاهلاً تماماً أخبار الأزمة والخلاف بين أطراف الحكم الذي لم يكن خافياً على أحد، حاولت جريدة الحياة(1) التي كانت أكثر الصحف اللبنانية اهتماماً بالأحداث السورية أن تحلل أسباب هذا الخلاف وأن تكشف عن أطرافه، وذلك في المقال المنشور بتاريخ 9/12/64 تحت العناوين التالية:

استقالة اللواء عمران من الجيش احتجاجاً على ترفيع حافظ أسد الى رتبة لواء.

سيطرة صلاح جديد ورفاقه على اللواء سبعين، بينما بلغ النزاع بين العسكريين والبعث المدني أشده. وفي ما يلي معظم هذا المقال:

"منذ أن عاد الرئيس الحافظ من القاهرة ثم سافر الى باريس في تشرين أول الماضي والوضع الداخلي في سورية يجتاز أزمة صعبة، ولكن الحاكمين تعمدوا إبقاء النزاع في طي الخفاء، هذا النزاع يدور على محاور مختلفة لا بد من التنويه بها حتى يدرك القارىء معنى الحوادث التي وقعت في الأيام الأخيرة:

1- هناك أولاً نزاع شديد بين الضباط والمدنيين في حزب البعث، ومعلوم أن جميع الضباط الحاكمين، أو الكامنين وراء الحكم ينتمون الى البعث، ولكنهم تعالوا علىالمدنيين البعثيين واستأثروا عملياً بالسلطة من وراء الواجهة الحزبية وقد شاع ان الغاية الحقيقية من عودة السيد ميشيل عفلق(2) (من ألمانيا الغربية في تشرين ثاني) هي للعمل على تعبئة المدنيين من أعضاء الحزب في مواجهة العسكريين (بعد سقوط حكومة صلاح البيطار) ومحاربتهم بالحرم من قبل القيادة القومية إذا استمروا باستئثارهم بالسلطة.

2- هنالك النزاع بين كتل الضباط، وقد تمثل أخيراً بين الكتلة التي يترأسها رئيس الأركان اللواء صلاح جديد وبين اللواء محمد عمران الذي هو من ابرز الضباط العلويين، ولكن صلاح جديد استطاع بذكائه ودهائه اجتياح معاقل محمد عمران، فسيطر على اللواء سبعين كله، وانضم إليه كبار الضباط النافذين وعلى رأسهم عبد الكريم الجندي آمر سلاح الاشارة، وحافظ الأسد آمر سلاح الطيران، والزعيم أحمد المير قائد اللواء سبعين، ولما فقد عمران سيطرته على القاعدة العسكرية فقد قوته الفعلية.

3- هنالك نزاع بين كتلة الضباط المعادية لأي تفاهم مع الناصرية(3) وكتلة الضباط الراغبة في مصالحتها، وحين عاد الحافظ من القاهرة حاملاً الدعوة الى تفاهم ما مع عبد الناصر وأيده محمد عمران في ذلك، انضم اكثر الضباط الى كتلة صلاح جديد فرجحت كفته نهائياً فاضطر الحافظ للسفر مؤقتاً الى أوربا، وفي غيابه أبعد جديد الضباط المناصرين له من المناصب الحساسة.

4- أثناء الاسبوعين الأخيرين بعد عودة الحافظ سيطر جديد على جهازالحكم وأصبح الحافظ رئيساً شكلياً وترددت شائعات (موعز بترديدها من صلاح جديد) تزعم ان في نية صلاح جديد تعيين نور الدين الأتاسي رئيساً للدولة محل أمين الحافظ.

5- في الاسبوع الماضي استصدر صلاح جديد قراراً برفع رتبة المقدم حافظ أسد الى رتبة لواء فاعتبر عمران هذا التدبير رشوة لحافظ أسد لاكتساب سلاح الطيران.

6- على اثر ذلك قدم محمد عمران استقالته من الجيش ومن منصب نائب رئيس مجلس الرئاسة، ورفع الى مجلس الرئاسة والقيادة القومية مذكرة تقع في عشرين صفحة يشرح فيها وجهة نظره في الوضع العام في سورية، وينتقد اسلوب الحكم ويعترض على الترفيعات التي جرت في الجيش.

7- قبلت قيادة الجيش استقالة عمران فوراً، والسر في قبولها أن قبول الاستقالة من الجيش عائد للواء صلاح جديد، أما استقالة عمران من مجلس الرئاسة فقد جمدت لأنها من صلاحية القيادة القومية للحزب، وقد دعيت القيادة القومية لحزب البعث والقيادة القطرية الى عقد مؤتمر للنظر في هذه الأزمة والبت بالموضوع وبالفعل فقد وصل الىدمشق عدد من القيادات البعثية وبعضهم من لبنان.

8- يعتبر المطلعون ان اجتماع الحزب بقيادتيه القومية والقطرية مظاهرة دبرها الأعضاء المدنيون (ميشيل عفلق) في وجه كتلة صلاح جديد العسكرية التي استتب لها الأمر في الجيش .

9- ينتظر أن تعلن قيادة الجيش وهي الآن في يد جديد وأنصاره عن ترفيعات جديدة بين عدد من الضباط في قيادة الجيش لإغراق القيادة القومية والفريق أمين الحافظ وأنصارهم.

10- يتوقعون تعيين اللواء حافظ أسد محل عمران في منصب نائب رئيس مجلس الرئاسة وهكذا انتصر صلاح جديد، بعد أن سيطر على القوة الرئيسية في الجيش، على القيادة القومية والحزب المدني مما اضطرهما الى التسليم بانتصار العسكريين بزعامة صلاح جديد، فقبلت استقالة عمران من مجلس الرئاسة ايضاً وعين سفيراً لسورية في اسبانيا بتاريخ 13/12/64 ، وقد قرر اللواء جديد نقل الضباط الموالين لعمران من مختلف فروع القيادة وايفاد بعضهم في بعثة عسكرية الى موسكو.

وقد علقت جريدة الحياة بتاريخ 15/12/64 على هذه التطورات بقولها:

"يمكن اعتبار هذه النهاية فوزاً ساحقاً للكتلة العسكرية التي يترأسها رئيس الأركان صلاح جديد، وتكريساً لانتصارها على الجناح المدني في حزب البعث، والمعروف أن عمران طالب في مذكرته التي قدمها للقيادة القومية تطبيق الدستور بصورة تعطي للجناح المدني الرجحان في القيادة، ويؤكد المطلعون ان الرئيس الحافظ وافق على جميع هذه التدابير، وانه متفق مع اللواء صلاح جديد على تنفيذها، ويشاع ان تعيين اللواء حافظ الأسد أصبح وارداً مكان عمران في مجلس الرئاسة".

بعد عودته من ألمانيا، دعا ميشيل عفلق القيادة القومية الى اجتماع استثنائي كان الغرض منه أن يستعيد -كأمين عام- سلطته على الحزب، وأن ينقذ عمران من السقوط، وأن يحد من ايغال العسكر في السيطرة على الحزب والحكم، وأن يدين القيادة القطرية التي يسيطر عليها الضباط بتجاوز صلاحياتها وبعدم التعاون مع القيادة القومية، ولكن المقررات التي صدرت عن هذا الاجتماع بقيت حبراً على ورق، فكان نفي عمران وسيطرة صلاح جديد على الحزب والجيش إذلالاً لعفلق واضعافاً لنفوذه في الحزب.

وفيما يلي نص هذه المقررات التي اقترح منطلقاتها الدكتور منيف الرزاز، وذلك بلا شك، بإيعاز من ميشيل عفلق، وكان أهم ما ورد فيها استبدال اللجنة العسكرية بمكتب عسكري تابع للقيادة القطرية، وهي اللجنة التي تشكلت في القاهرة، كما ذكرنا سابقاً، وظل أمرها مكتوماً عن الحزب الى أن أفشى عمران سرها الى القيادة القومية، كذلك تقرر ألا يتجاوز تمثيل العسكريين في المؤتمرات القطرية نسبة 10% وأن يكونوا مجرد مراقبين.

وقد نشرت جريدة الحياة هذه المقررات بتاريخ 23/1/1965 تحت عنوان المقررات السرية التي اتخذتها القيادة القومية لحزب البعث، مع ملاحظة أن النص كما نشر لم يذكرأن القرار (15) القاضي بإنشاء جهاز للمخابرات العامة قد جرى عليه التصويت بالإضافة الى القرارات 5،12،13،14 التي لم يجر عليها التصويت أيضاً.

الرقم: 15.

التاريخ: كانون الأول 1964.

عقدت القيادة القومية دورة استثنائية ابتدأت بتاريخ 4 كانون الأول 1964 وانتهت بتاريخ 14 كانون الأول 1964 واتخذت القرارات التالية:

القرار الأول - تثبيت الحلول التي تقدم بها الرفيق منيف الرزاز كمنطلقات اساسية لا جدال فيها. وتتلخص هذه المنطلقات بما يلي:

1- ان الحزب هو الاساس، والحزب كما يتمثل في مؤتمراته وقياداته، هو المنطلق والمصدر، لا يحل محله فرد ولا كتلة، ولا الدولة نفسها، ولا اي جهاز من اجهزتها. والحزب كتلة واحدة تسمح باختلاف الرأي ولا تسمح بالتطاحن والتخريب. ليس في الحزب مدنيون وعسكريون وانما في الحزب حزبيون عقائديون ملتزمون.

2- الحزب فيه جهاز حزبي يتمثل في قياداته ومكاتبه المختلفة، وفيه دولة تحكم باسمه. ويتبع الدولة جيش عقائدي ملتزم. ولكل من هذه الأقسام الثلاثة عمله التنفيذي وميدانه الخاص به. وان كان الحزب يجمع بينها جميعا. فالجهازالحزبي ميدان عمله الشعب، والتنظيم الشعبي خارج نطاق الحكومة. وهو بذلك يجب ان يشرف على النشاط الجماهيري تنظيماً وتوعية. وان يكون اشرافه على ادوات التعبير عنه، ولا سيما في الصحافة اشرافاً كاملاً مستقلاً عن اجهزة الدولة. وان يكون عمله التنظيمي طوعياً مستقلاً كذلك عن اشراف الدولة، بل وعن استعمال وسائلها ما أمكن.

وأما الحكم، فإن له رسالته في اقامة حكم شعبي ديمقراطي تقدمي قومي، يهدف الى تحقيق الوحدة والحرية والاشتراكية، بتأييد من القوى العاملة في الشعب، ومستنداً اليها، وفي ظل قيادة حزب البعث، واستصدار القوانين والأنظمة التي تهييء السبيل لذلك كله.

وأما الجيش فان عليه حماية البلاد من العدوان الخارجي، وحماية الثورة من أعداء الثورة، والاستمرار في تغذية الجيش العقائدي بالروح العقائدية.

وهذه الميادين الثلاثة لعمل الحزب، يجمع بينها وينسقها ويوحدها القيادات العليا للحزب، ولا سيما قياداته القومية وقياداته القطرية. ولا يجوز ان تتعدى السلطات حدودها الطبيعية، فالجهاز الحزبي ليس من عمله اليومي التدخل في شؤون الدولة، وان كان للحزب في مؤتمراته وقياداته العليا حق الاشراف على سير الدولة وحق التخطيط لهذا السير.

ولا يجوز للحكومة ان تتدخل بما لها من سلطان في عمل الجهاز الحزبي الشعبي والإشراف عليه، لأنها منبثقة عن الحزب وليس الحزب منبثقاً عنها.

ولا يجوز للجيش ان يتدخل في امور الدولةاليومية الا بالقدر الذي يخصه او يخص ميدان وظيفته، كما لا يجوز ان يتدخل بأعمال الجهاز الحزبي. وان محافظتنا على هذه الحدود لتكفل تجنب التخبط وتجنب التضارب في الصلاحيات، وتجنب الحزب نزاعاته الداخلية المخربة.

3- ان الحزب يتكون من قيادات متتالية في المستوى، والقيادة الدنيا تابعة للقيادة العليا تنظيماً وتنفيذاً واشرافاً. وليس من حق أية قيادة ان تثور على مستوى قيادة اعلى، فعلى رغم اهمية الديمقراطية في الحزب، بل بسببها للقيادة العليا سلطة عليها، لأنها في تشكيلها تمثل قاعدة أوسع في الحزب، وفي سلمها الهرمي لها صلاحيات اوسع، وان وحدة الحزب لا يمكن ان تتأكد باستقلال كل قيادة بأمورها بل بالتبعية الهرمية لهذه القيادات.

ان القيادة القومية هي اعلى سلطة في الحزب، وتليها في سوريا القيادة القطرية، وما لم يتم تعاون كامل غير محدود بين هاتين القياتين، عمت الفوضى او ساد الاضطراب، سيما وان هاتين القيادتين هما المسؤولتان عن ادارة الحكم البعثي القائم وعن نجاحه، وعن اعطائه الصورة الايجابية للحزب، كما أنهما هما المسؤولتان عن تقسيم الأقسام الثلاثة لميادين عمل الحزب، الجهاز والدولة والحزب.

4- ما دام الحزب حزباً شعبياً عقائدياً يقوم على الوعي الشعبي القومي، فإنه يجب
ان يوضح افكاره باستمرار، لا لاعضائه فحسب، ولكن للشعب كله وفي
الوطن العربي كله، وفي توضيحنا لأفكار الحزب، يجب ان نذكر دائماً أن منطلقنا وقائدنا هو عقيدة الحزب الأساسية، وليست ضرورات المرحلة وظروفها. ومن أهم واجبات الحزب الفكرية ان يفرق بين ما يؤمن به وما يسعى الى تحقيقه،
وبين ما تضطره الى المشي فيه بتؤدة او الى تأجيله او الى الانحراف عنه. ومن اجل ان تتضح الأفكار وتنمو وتنضج، فإن على الحزب ان يفتح ابواب الحوار في كل المشاكل
التي تصادفه على مصراعيها، ما دامت ضمن عقيدة الحزب وخطه
الأساسي، فبغير الحوار لا ينمو فكر، والحوار يستدعي اختلافاً في الرأي،
واختلاف الرأي يجب ان يشجع. ولكن على ان لا يتحول الى عناد في الرأي ولا الى تكتلات فردية، والحوار يكون في الرأي، أما التكتل فيكون في الأشخاص وبينما الحوار عامل بناء، فالتكتل عامل هدم (قرار بالاجماع).

القرار الثاني - تقرر القيادة القومية مبدأ الفصل الكلي بين الجيش والعمل السياسي على جميع المستويات، كما تقرر تثبيت مبدأ وحدة التنظيم الحزبي بشقيه المدني والعسكري (فاز هذا القرار بالاجماع 11 على 11).

ثالثاً - قررت القيادة القومية استبدال اللجنة العسكرية بمكتب عسكري تابع للقيادة القطرية، كأي مكتب من مكاتبها (اكثرية 10 على 11).

رابعاً - قررت القيادة القومية الأخذ بمبدأ تعيين موجهين سياسيين في الجيش، وهم مرتبطون تنظيمياً بالمكتب العسكري ويتلقون التوجيه من القيادة القطرية (فاز الاقتراح بالأكثرية 10 على 11).

خامساً - تقرر ان يمثل الرفاق العسكريون في المؤتمر القطري كأعضاء مراقبين بنسبة 10 بالمئة ويستثنى قائد الجيش ووزير الدفاع اذا كان حزبياً، حيث يعتبران عضوين طبيعيين في المؤتمر.

سادساً - قررت القيادة القومية ان يكون الاتصال بين القيادة القطرية والفروع العسكرية بطريق المكتب العسكري (فاز الاقتراح بالأكثرية 10 على 11).

سابعاً - قررت القيادة القومية ان يخير الرفاق العسكريون بين بقائهم في الجيش، وبين ممارستهم المهام السياسية في الحكم او قيادات الحزب. ويتم تنفيذ هذا القرار بشكل سريع اي خلال شهرواحد (فاز الاقتراح بالاكثرية 10 على 11).

ثامناً - لا يجوز الجمع بين اكثر من منصبين في المؤسسات الحزبية والرسمية التالية: عضوية القيادة القومية، عضوية القيادة القطرية، عضوية مجلس الرئاسة، عضوية الوزارة، قيادة الجيش (فاز بالاجماع 9 على 9).

تاسعاً - تقرر انه لا يجب ان يكون اكثر من ربع اعضاء القيادة القطرية مشتركين في مهام الحكم (فاز بالاجماع 9 على 9).

عاشراً - تقرر الاستمرار بتطبيق الدستور المؤقت وتشكيل لجنة لوضع دستور دائم في مهلة لا تتعدى آخر كانون لثاني 1965 (فاز بالأكثرية 7 على 9).

حادي عشر- تقرر توكيد مبدأ فصل السلطات التنفيذية والتشريعية (فاز بالاجماع).

ثاني عشر - تقرر عدم الجمع بين رئاسة المجالس المختلفة (مجلس الرئاسة، المجلس الوطني، رئاسة مجلس الوزراء) .

ثالث عشر - تقرر السماح للرفيق امين الحافظ فقط ان يجمع بين قيادة الجيش ومنصب سياسي آخر.

رابع عشر - توصية بالاسرع بتوسيع المجلس الوطني على ان يمثل العمال فيه عن طريق الانتخاب.

خامس عشر - تقرر الاسراع بانشاء جهاز للمخابرات العامة ليعود كل جهاز امن (المخابرات والشعبة السياسية) لدوره الطبيعي.

سادس عشر - في قضية الرفيق عمران، اتخذت القيادة القومية القرار الآتي: لما كانت القيادة القطرية استناداً الى النظام الداخلي لا تملك حق نزع الصفة القيادية عن عضو من اعضائها، او بالأحرى منعه من مزاولة صلاحياته المخولة اليه بهذه الصفة. ولما كان قرار القيادة القطرية بابعاد الرفيق عمران ماساً بصفته القيادية فضلاً عن أن عقوبة الإبعاد غير موجودة في النظام الداخلي، فإن القيادة القومية هي السلطة الوحيدة المخولة حق نزع الصفة اقيادية عن العضو القائد بأكثرية ثلثي الأصوات. وانه لا يجوز اتخاذ عقوبة الا بعد تحقق يدين العضو المتهم. لذلك،

1- تعتبر القيادة القومية قرار القيادة القطرية كأنه لم يكن.

2- تشكل القيادة القومية لجنة تحقق في الاتهام الموجه الى الرفيق عمران.

3- تقرر القيادة القومية ادانة القيادة القطرية بتجاوزها صلاحياتها كما تدين اسلوبها في فرض عقوبة ليست من صلاحياتها وغير مألوفة في الحزب (اقر الاقتراح بأكثرية ساحقة).

سابع عشر - اصدار نشرة داخلية عن قضية ابعاد الرفيق عمران (اجماع).

ثامن عشر - تقرر اصدار بيان للشعب توضح فيه نتيجة الدورة الاستثنائية للقيادة القومية والخطوات الجديدة التي ستطبقها في المرحلة القادمة (اجماع).

تاسع عشر - قررت القيادة القومية تجميد نشاط القيادة القطرية القيادي وتكليف لجنة قومية لقيادة الحزب في القطر السوري تحت اشراف القيادة القومية حتى المؤتمر القطري المقبل (بأكثرية 8 على 9).

عشرون - قررت القيادة القومية ان تقوم بزيارة جميع الفروع العسكرية والمدنية بعد ان تنجز دورتها الاستثنائية (فاز بالأكثرية).

القيادة القومية.

لقد كان سقوط عمران وفشل ميشيل عفلق نتيجة للتطرف اليساري والماركسي الذي بدأ ينتشر بسرعة في أوساط المدنيين والعسكريين على السواء، بدلاً من المقولات المهترئة للقيادة القومية التي فشلت فشلاً ذريعاً في أوساط الحزب، حتى ان حافظ اسد تلميذ وهيب الغانم أحد مريدي الاستاذ زكي الأرسوي خصم الشيوعية والماركسية ذي النزعة القومية على الطريقة النازية، قد انتسب الى الخلية الماركسية التي كان يترأسها حمود الشوفي، والتي انضم إليها علي صالح السعدي والعديد من القيادات الحزبية في سورية ولبنان والعراق، ولا شك ان التنظيرات الماركسية التي غمرت المكتبات السورية، وكذلك التنظيرات الماركسية لياسين الحافظ قد كان لها دورها في طغيان التيار اليساري الماركسي على حزب البعث الذي سيطر على مؤتمر القيادة القطرية في ايلول 1963 عندما انتخب حمود الشوفي أميناً قطرياً والضابط حافظ الأسد عضواً في هذه القيادة التي انضوت فيما بعد تحت لواء صلاح جديد.

كان حافظ أسد أصغر رتبة عسكرية من صلاح جديد ومحمد عمران في اللجنة العسكرية التي تشكلت في القاهرة، وبعد الثامن من آذار، عندما رفع عمران وجديد الى رتبة لواء كان حافظ الأسد يتنقل بين الاثنين منتظراً فرصته الملائمة التي سنحت له عندما انضم الى كتلة صلاح جديد الذي رفعه الى رتبة لواء وعينه آمراً لسلاح الجو السوري.

"ثم أدى سقوط عمران الى مزيد من الفائدة لأسرة الأسد، فحين جابهت اللجنة العسكرية قبل ذلك ببضعة شهور تمرداً داخلياً، شكلت قوة ضاربة صغيرة لحماية جناحها في الحزب كانت مؤلفة بكاملها من عناصرها المخلصين، وكان يقودها في الأصل محمد عمران، ولكن بعد نفيه انتقلت إمرتها الى شقيق الأسد الأصغر رفعت، وكانت هذه هي نواة ما تطور فيما بعد ليصبح الحرس الحامي لرئاسة الأسد، أو سرايا الدفاع ذات الشهرة، أو كما يقول بعضهم ذات السمعة السيئة" (كتاب باتريك سيل عن حافظ الأسد ص160 - لندن - دار الساقي).

تأميم المعامل والشركات في سورية

بعد استقالة البيطار وتشكيل الحافظ وزارته الجديدة، وسيطرة صلاح جديد وجماعته على الجيش والحزب، كان التيار اليساري والماركسي والمزاودات اللامسؤولة قد عمت الأوساط الحزبية من مدنية وعسكرية بصورة أصبح معها الشعب السوري يسمع يومياً من إذاعته بعض التعابير الغريبة على القاموس السياسي السوري مثل الفرز العلمي بين الطبقات والتصفية الجسدية، وبتاريخ 2/1/1965 صدرت أربعة مراسيم اشتراعية تقضي بتأميم معظم الشركات المساهمة السورية وعشرات المؤسسات الصناعية والزراعية.

وقبل استعراض هذه المراسيم لا بد من الإشارة الى أن انتصار صلاح جديد الذي أحرزه بإصدار هذه المراسيم قد هيأ له الخطوات الأولى لنجاح الانقلاب الذي قام به ضد أمين الحافظ والقيادة القومية بتاريخ 23/2/66، مع أن الحافظ قد أظهر استعداده لتنفيذ التأميم بالقوة في مواجهة أي معارضة، كما هيأ نفي عمران وترفيع حافظ أسد الى رتبة لواء وتعيينه آمراً لسلاح الطيران الخطوة الأولى للانقلاب الذي قام به ضد صلاح جديد في أواخر عام 1970 والذي سماه الثورة التصحيحية.

لقد أدى المرسوم الأول الى تأميم احدى وعشرين شركة تأميماً تاماً، بينما أمم المرسوم الثاني تسعين بالمائة من ملكية اربع وعشرين شركة، وأمم الثالث خمساً وسبعين بالمائة من ملكية احدى وستين شركة، على أن يطبق التسيير الذاتي في هذه الشركات وتتحول أسهمها سندات على الدولة لمدة خمس عشرة سنة بفائدة 3% وتكون قابلة للتداول بقيمتها الاسمية، ويقضي المرسوم الثالث بدفع القيمة الاسمية للمعسرين الذين كانوا يعيشون على ريع ما يملكون من أسهم، أما الرابع فيقضي بسجن كل من "يقوم باي وجه من الوجوه على عرقلة التشريعات الاشتراكية" بالأشغال الشاقة المؤبدة وتشديد الحكم عند الاقتضاء حتى الاعدام وتنظر المحكمة العسكرية في هذه القضايا.

وبتاريخ 5/1/1965 صدرت مراسيم أخرى قضت بتأميم ثماني شركات صناعية جديدة، وفرض رجال الأمن الحراسة على جميع الشركات المؤممة، كما شددت الحراسة على الحدود ومنع السفر لمنع تهريب الأموال، ونزلت الدبابات الى شوارع دمشق وحلب.

كان الانتقاد الرئيسي الذي يوجه لبعض الشركات السورية هو أن أصحابها يهربون أموالهم الى خارج سورية بينما ينشئون ويمولون شركاتهم على حساب القروض من المصارف السورية، بالإضافة الى محاولة السيطرة على الحكم بما يتوافق مع مصالحهم، لذلك أصدر حزب البعث بياناً ذكر فيه أرقاماً عن الأموال الخاصة المستثمرة وعن القروض التي حصلت عليها الشركات من المصارف ورد فيه:

الشركات المؤممة تأميماً تاماً وعددها (21) المال المدفوع 000ر692ر111

المال المقترض 000ر864ر51

عدد العمال 5580

الشركات المؤممة بنسبة 90% المال المدفوع 000ر272ر46

وعددها 24 شركة المال المقترض 000ر045ر14

عدد العمال 2850

الشركات المؤممة وعددها 61 المال المدفوع 000ر478ر22

عدد العمال 3350

من هذه الأرقام يتبين لنا أن العدد الأكبر من الشركات المؤممة هو شركات صغيرة قائمة فقط على الأموال الخاصة وعلى جهد الانسان السوري وجده ونشاطه، وكثير منها كان مجرد ورشات صغيرة، وقد اعترف الفريق أمين الحافظ فيما بعد، عندما كنا لاجئين في بغداد، ان أسماء الشركات المؤممة قد أخذت من دليل الهاتف.

وبتاريخ 8/1/65 ألقى الحافظ بصفته رئيس مجلس الرئاسة، رئيس مجلس الوزراء، الحاكم العرفي بياناً بتأييد التأميم أعلن فيه ان الثورة "قررت احداث المحكمة العسكرية الاستثنائية لتقوم بإجراءاتها القانونية القامعة في ظل الأحكام العرفية السارية المفعول" وصدر بالتاريخ نفسه المرسوم القاضي بذلك:

مجلس الرئاسة بعد الاطلاع على الدستور المؤقت يرسم ما يلي:

المادة الأولى: تحدث في مدينة دمشق وحيثما تدعو الحاجة من المدن الأخرى، محكمة عسكرية استثنائية تباشر مهامها فور صدور هذا المرسوم التشريعي ولرئيس هذه المحكمة حق عقد جلساتها في أي مكان يراه مناسباً.

المادة الثانية: تؤلف المحكمة من ضباط عسكريين، رئيس واربعة اعضاء، بقرار يصدر عن رئيس مجلس الرئاسة.

المادة الثالثة: تختص المحكمة العسكرية الاستثنائية بالنظر في الجرائم الآتية:

أ‌- الأفعال التي تعتبر مخالفة لتطبيق النظام الاشتراكي في الدولة، سواء أوقعت بالفعل ام بالقول ام بالكتابة ام بأية وسيلة من وسائل التعبير والنشر.

ب‌- الجرائم الواقعة خلافاً لأحكام المراسيم التشريعية رقم واحد واثنين تاريخ 2-1-1965 ورقم خمسة تاريخ 4-1-65 وجميع المراسيم التشريعية التي صدرت او ستصدر ولها علاقة بالتحويل الاشتراكي.

ج?‌- الجرائم الواقعة على امن الدولة الداخلي والمعاقب عليها بالمواد من 291 الى 311 من قانون العقوبات.

د‌- مخالفة أوامر الحاكم العرفي.

ه?‌- مناهضة تحقيق الوحدة بين الأقطار العربية، او مناهضة اي هدف من أهداف الثورة او عرقلتها، سواء أكان ذلك عن طريق القيام بالتظاهرات أم بالتجمعات ام اعمال الشغب ام بالتحريض عليها ام بنشر الأخبار الكاذبة بقصد البلبلة وزعزعة ثقة الجماهير بأهداف الثورة.

و - قبض المال او أي عطاء آخر او الحصول على أي وعد أو أية منفعة اخرى من دولة أجنبية او هيئة او افراد سوريين او غير سوريين او اي اتصال بجهة اجنبية بقصد القيام بأي تصرف قولي او فعلي لأهداف ثورة 8-2- 1962 .

ز‌- الهجوم او الاعتداء علىالأماكن المخصصة للعبادة او لممارسة الطقوس الدينية او على مراكز القيادة والمؤسسات العسكرية والدور والمؤسسات الحكوميةالأخرى، والمؤسسات العامة والخاصة بما فيها المعامل والمصانع والمحلات التجارية ودور السكن، او باثارة النعرات او الفتن الدينية او الطائفية او العنصرية، وكذلك استغلال هياج الجماهير والمظاهرات للإحراق والنهب والسلب.

ح- احتكار التجار والباعة للمواد الغذاية او رفع اسعارها بصورة فاحشة.

ط‌- اخراج الأموال النقدية ووسائل الدفع الأخرى من الجمهورية العربية السورية خلافاً للأنظمة النافذة.

المادة الرابعة: أ- يعاقب مرتكبو الافعال المنصوص عليها في الفقرات "أ" و "ب" من المادة السابقة بالأشغال الشاقة المؤبدة ويجوزالحكم بعقوبة الاعدام تشديداً.

ب‌- يعاقب مرتكبو الأفعال المنصوص عليها في الفقرتين "ج" و "د" من المادة السابقة بالعقوبات المنصوص عليها في القوانين النافذة.

ج- يعاقب مرتكبو الأفعال المنصوص عليها في الفقرة "هـ" من المادة السابقة بالأشغال الشاقة المؤقتة.

د- يعاقب مرتكبو الأفعال المنصوص عليها في الفقرتين "و" و "ذ" من المادة السابقة بالاعدام.

هـ - يعاقب مرتكبو الأفعال المنصوص عليها في الفقرة "ح" من المادة السابقة بالاعتقال المؤقت.

و- يعاقب مرتكبو الأفعال المنصوص عليها في الفقرة "ط" من المادة السابقة بالاعتقال المؤقت.

المادة الخامسة: يشمل اختصاص المحكمة العسكرية الاستثنائية جميع الأشخاص المتهمين بصرف النظر عن حصاناتهم القانونية.

المادة السادسة: لا تتقيد المحكمة العسكرية الاستثنائية بالأصول المنصوص عليها في التشريعات النافذة وذلك في جميع أدوار اجراءات الملاحقة والتحقيق والمحاكمة.

المادة السابعة: تكون قرارات المحكمة العسكرية الاستثنائية غير قابلة لأي طريق من طرق الطعن، عادية كانت ام غير عادية غير انها لا تكون نافذة إلا بعد تصديقها من قبل رئيس مجلس الرئاسة الذي له حق الغاء الحكم او تخفيفه او حفظ الدعوى. ويكون لحفظها مفعول العفو العام.

المادة الثامنة: الأحكام الصادرة عن المحكمة العسكرية الاستثنائية بصورة غيابية غير قابلة لإعادة المحاكمة في حال القاء القبض على المحكوم عليه الا اذا كان قد سلم نفسه طواعية ففي هذه الحالة تعاد محاكمته من جديد.

المادة التاسعة: ينشر هذا المرسوم التشريعي في الجريدة الرسمية ويعتبر نافذاً من تاريخ صدوره.

ومن الملاحظ أن موضوع تحقيق الوحدة العربية وهو التغطية المستمرة لحكام الثامن من آذار قد أقحم إقحاماً في هذا المرسوم، كما أن الهجوم على المساجد وأماكن العبادة لم يكن وارداً بالنسبة لمقاومي التأميم.

انفجر الوضع في سورية بعد صدور مراسيم التأميم ولا سيما في دمشق التي عمها الاضراب الشامل وحدثت فيها اشتباكات دامية قتل فيها عدد من الضحايا، وصدرت بحق بعض المعتقلين أحكام بالاعدام، ومراسيم تشريعية بمصادرة أملاك اثنين وعشرين تاجراً وتسع وستين مخزناً من مخازن سوق الحميدية الذي أضرب بكامله، وبتاريخ 27/1/65 حطمت قوى الأمن، بحراسة الجيش، أقفال المتاجر المغلقة بالمطارق، وتحت ضغط كسر الأقفال والاعتقال وأحكام الاعدام والمصادرة فتحت دمشق متاجرها وعادت عن إضرابها، بينما بلغ عدد المعتقين حسب تصريح وزير الداخلية محمد خير بدوي 400 معتقلاً (الحياة 27/1/65).

وقد نظم حزب البعث مظاهرة مؤيدة للتأميم القى فيها "حجّاج دمشق" الفريق أمين الحافظ كلمة حمل فيها حملة شعواء على التجار ووصفهم بأنهم متآمرين استغلوا الدين لعرقلة القرارات الاشتراكية كما حمل بشدة على الاخوان المسلمين وسماهم الاخوان الكفرة ثم هدد وتوعد قائلاً:

"سنسحقهم، سنقتلهم باسم الشعب، لقد قتلوا من جنودنا وجرحوا ضباطاً وقتلوا من العمال، وسنعمل السيوف قريباً في رقابهم" ثم لجأ الى لغة الأحذية التي استعملها عبد الناصر سابقاً في سورية فقال مخاطباً المتظاهرين: "ستسحقون هؤلاء المتآمرين بأحذيتكم" وفيما يتعلق بتهريب الأموال:

"إن الأموال التي هربها رجال الأعمال الى الخارج ستعود، أو يبقون في السجون حتى يموتوا كلاباً".

كما حمل عل المحامين لاشتراكهم بالاضراب وقال: "انهم سينالون عقاباً عادلاً حتى يتعلموا كيف يكون الحق وكيف يكون الوقوف الى جانب الحق". كما حمل على الموظفين ولا سيما الاخوان المسلمين منهم فوعد بتطهير جهاز الدولة منهم، ولم ينس الساسة القدماء الذين وصفهم بأنهم "العملاء حقاً، الذئاب حقاً".

بعد هذه الأحداث، بدأت السلطات فوراً بمراجعة ما قامت به من تأميم عشوائي فأعلن محافظ حلب طالب ضماد عن إعادة ست عشرة شركة ومؤسسة شملها التأميم إلى أصحابها، وقال ان هذه الإعادة جاءت بعد الدراسة التي قامت بها اللجنة الوزارية مع اللجان الفرعية المؤلفة في مدينة حلب، وكانت هذه اللجنة قد اقترحت أيضاً إعادة ثلاثين شركة ومؤسسة إلى أصحابها.

لقد رفض الاشتراكيون العرب في أواخر عهد الوحدة التأميمات التي قام بها عبدالناصر بسبب ان الشركات السورية هي شركات وطنية ومعظمها شركات مساهمة، بالإضافة إلى ان سورية بلد ناشيء في مجال الصناعة وان على الدولة تشجيعه وتوسيعه، أما الانتقادات التي توجه الى بعض الشركات فيمكن تلافيها في وضع ديموقراطي مستقر.

لذلك أيضاً رفضت تأييد التأميمات العشوائية التي حدثت بعد الثامن من آذار، عندما حاول عفيف البزرة الاتصال بي بغرض اقناعي بتأييدها، ولا شك ان ذلك كان بدفع من الاتحاد السوفييتي والحزب الشيوعي السوري ولا سيما بعد أن دخل لأول مرة في تاريخ سورية وزير شيوعي في وزارة أمين الحافظ هو سميح فاخوري وزير المواصلات.

وعن الغرض من إصدار مراسيم تأميم الشركات تحدث حافظ اسد مع باتريك سيل قائلاً: "لقد كنا مصممين على انهاء استغلال حفنة من العوائل لأن ذلك هو الشرط الأول لبناء نظام جديد اكثر مساواة في سورية" (صفحة 161 كتاب الأسد - دار الساقي).

إن ما حدث من تأميمات في سورية لم يكن له علاقة بحفنة من العوائل، فحكم الثامن من آذار بطبيعة تكوينه الطائفي العسكري هو حكم معاد بطبيعته للبرجوازية السورية المتمركزة في المدن والتي تشكل الطبقة الوسطى في السلم الاجتماعي، وقد كانت هذه الطبقة متفردة باتساعها في سورية بالنسبة للمجتمعات العربية الأخرى.

لقد أدت البرجوازية السورية بنشاطها الاقتصادي والتجاري والصناعي والاجتماعي والوطني والعربي خدمة للقضية السورية والعربية لا تقدر بثمن، فهي التي قادت النضال الوطني في مواجهة الانتداب الفرنسي، وكان لها الفضل في تحقيق الاستقلال وجلاء الجيوش الاجنبية عن سورة.

وقد ذكر لي أحمد عبد الكريم أثناء تأميم الشركات خلال شهر كانون ثاني 1965 انه سمع من إذاعة اسرائيل خطاباً لغولدا مائير القته في مستعمرة عين غيف القريبة من الحدود السورية، حملت فيه بشدة على البرجوازية السورية المعادية بطبيعتها لاسرائيل، بسبب تطلعاتها الوحدوية نحو جيرانها العرب.

إن سياسة حزب البعث تحطيم البرجوازية السورية قد سددت طعنة نجلاء للنهضة السورية على مختلف المستويات وأساءت لاقتصادها بصورة خاصة إساءة بالغة، فقد استبدلت هذه الطبقة الذكية النشيطة في الميدان الاقتصادي والصناعي والوطني بطبقة طفيلية لا هم لها إلا جمع الملايين عن طريق استغلال السلطة بواسطة النافذين في الحزب والجيش.

ميشيل عفلق يدعو للتحالف مع الحزب الشيوعي والاتحاد السوفييتي

بعد طغيان التيار اليساري والماركسي على الأوضاع في سورية، انقلب ميشيل عفلق من منظر للقومية العربية إلى منظر للاشتراكية الماركسية فدعا "إلى تحالف أوثق وتلاق أمتن بين القوى اليسارية التقدمية في الوطن العربي، وبين هذه القوى والقوى الاشتراكية في العالم أجمع" "وان القرارات الاشتراكية الحاسمة التي اتخذها الحزب والحكم في سورية أوجدت مناخاً طبيعياً لتعاون التجارب الاشتراكية الأصيلة في القطر السوري وفي المتحدة وفي دول العالم الاشتراكي" "لقد كان حزب البعث في حالة صراع جانبي مع إحدى الحركات اليسارية (يقصد الحزب الشيوعي) ولكن أصبح الآن واضحاً أن الرجعية وجميع أعداء الاشتراكية في معسكر والاشتراكيين الحقيقيين في معسكر آخر" (جريدة البعث 13/1م1965).

لم يكن ما كتبه ميشيل عفلق -المخالف لقناعته- عن التأميم والتدابير الاشتراكية والحزب الشيوعي والمعسكر الاشتراكي هو الأول من نوعه، بل كان آخر هذه المواقف عندما أعلن اسلامه لصدام حسين رئيس الجمهورية العراقية وأوصاه أن يشهر هذا الاسلام بعد وفاته. لقد طلب مني وفد من اعضاء حزب البعث القدامى وبعضهم من المسيحيين ان أرسل برقية بمناسبة الحفل الأربعيني لوفاة ميشيل عفلق الذي اقيم له في بغداد عام 1990 فاعتذرت عن تلبية رغبتهم، وقد كنت أرى ان مصلحة القضية العربية أن يكون ميشيل عفلق المسيحي أميناً عاماً لحزب البعث العربي الاشتراكي ليعطي الحزب المثل الفعلي بأنه حزب عربي تقدمي غير طائفي ولا عنصري".

_______________

(1) كانت جريدة الحياة أحد الصمادر الهامة التي اعتمدت عليها خلال إقامتي في فرنسا، في تدقيق تواريخ هذه الفترة لأنها كانت الصحيفة الوحيدة المشرقية في مكتبة فرساي الوطنية التي تشكل اعدادها مجموعة كاملة، بالاضافة الى اهتمامها البالغ بالأحداث السورية.

(2) كان من عادة ميشيل عفلق أن يغادر سورية كلما فشل أو تهدد مركزه، وكان لا يعود إليها إلا إذا قدر أن الفرصة قد أصبحت ملائمة لعودة مركزه ونفوذه على الحزب، وقد فعل ذلك بعد نشر رسالته المشهورة الى حسني الزعيم التي حل بها الحزب وانسحب منه فسافر الى الأرجنتين وأقام بها في ضيافة خاله، وهكذا فعل الآن بعد أن أقام فترة قصيرة في ألمانيا الغربية عند شقيقه الذي وظفه في السفارة السورية.

(3) كانوا الأكثرية الساحقة في الجيش.