كرسي الإعتراف (1)

في لحظات الاضطراب الطبيعية أو المهنية
كما يلجأ الأسد إلى عرينه
والنسر إلى عشه
والغريب إلى وطنه
والقاضي إلى مراجعه
والمحامي إلى مبالغاته
ألجأ إلى الهذيان المتقن كجراح العصور الذهبية
وهديل الحمام المهووس بالخوف
والاحتماء بين أرجل المارة وعجلات السيارات.
***

يا أيقونة الرعاع والمجرمين
بيني وبين هذه القارة المنحوسة التباس قديم
ولذلك أقرأ أي شيء لفك سحره :
النشرة الجوية
بؤس الربيع في المدن المزدحمة
وتاريخ العائلات الميئوس من انقراضها أو تلطيخ سمعتها
ثم أرقد حتى الصباح هانئاً مطمئناً
في عش من الأشجار المقطوعة على الطريقة الاسلامية.

2

يا زهرتي الجميلة
لن يعود أجدادك المناذرة والمماليك
وبنو هلال وعنترة وشجرة الدر وزنوبيا
ولا حريق روما
والقاهرة وابن رشد .
هل تخافين الوأد ؟
لا عليك ، سنظل مطمورين حتى العنق
في النصف المتبقي من الوطن
ولذلك لن تذرونا الرياح
وإليك النشرة بالتفصيل:
ما يتبقى من الأوطان التي يخليها المستعمر طواعية أو إكراهاً
بعضه رمزي أو مرتهن للطغاة ومراكز القوى .. قصور .. مسابح .
بساتين .. استراحات .. قبور عائلية ودورات مياه خاصة
والبعض الآخر يتلاشى يوماً بعد يوم وجيلاً بعد جيل على نعال
الأحذية وعجلات السيارات والدراجات والطنابر والحوافر وجيوب
المغتربين أو تذروه الرياح
وكلما رأيت أو سمعت بعاشق بما تبقى من هذا التراب أصفق فرحاً
كشاعر اكتشف بحراً جديداً من بحور الشعر
بل وأرقص كإنسان بدائي اكتشف رمحاً أو بلطة جديدة.

3

لأن الغيوم المترهلة محاصرة بين الجبال
كثرت حوادث التعذيب بالعطش
والانتحار بالمسدسات
والقفز من النوافذ
بينما السحب النحيلة تعمل كالأقنان
فوق السجون وأماكن التعذيب والإغماء
دون أن تسقط منها قطرة واحدة
على وجه أو يد أو لسان ممدود
يبدو أن لا أحد
يريد لهذه الأمو أن تصحو .

4

أيها الحزن
يا حبي الأول والأخير
لقد نفذ كل ما عندي ومن حولي
من خمر
وتبغ
وخبز
وأغطية
ووسائد
وأدوية
ورسائل
وطوابع بريدية وتذكارية
ولم تترك لي دفتراً على مكتب
أو قميصاً على مشجب
أو وساماً على صدر
أو حذاء على عتبة
أو صديقاً في مقهى
أو جاراً يقرع بابي
وقد أحببتك حتى كدت أشرك
ولكن آن لنا أن نفترق .
***

ولأنني لا آمن جانبك
عليك أن تثبت وجودك كل مساء
عند المختار أو في أقرب مخفر .

5

أيها الضباب الأصفر اللانهائي
هل أنت محبرتي ؟
رحمي ؟
طفولتي ؟
شيخوختي ؟
كرامتي ؟
وقاري ؟
قلعتي ؟
كوخي ؟
زريبتي ؟
خوذتي ؟
رمحي ؟
هزيمتي ؟
شام ، سلافة ، لينا ، آلاء ، هادي ، مي ، كنانة
أنتم قطرات الماء في صحرائي
الريش على أجنحتي
الربيع على أغصاني
الطيور في سمائي
الكروم على شفتي
اليمام على نافذتي
وأجراس الميلاد في دفاتري
وكل أمواج البحار المتلاطمة
أنتم صخرتي ومنارتي .

6

كيف أقتنع بوطن
غيومه ، وأنهاره وأشجاره ونجومه وجباله ووديانه وسهوله وفصوله
غير مقنعة ؟
حتى لو فُرِض عليّ كالإقامة الجبرية
سأجد أكثر من طريقة للتخلص منه .
***

فالوطن ليس مجرد خريطة ونشيد وصورة لعسكري أو مدني
نكرة في الدوائر الرسمية أو على الدفاتر المدرسية
وبضعة حوادث مرور ومراكز جمرك وحوانيت ومطاعم وسفارات
ونشيد
وبضعة أمتار من الحدود والممرات الجبلية أو المائية أو الرملية
وبضعة جوامع وكنائس وحانات وبساتين ومصنع
معجنات ومفرقعات
يرفرف فوقها جميعاً علم من قماش الستائر أو الوسائد أو فوط
الخدم والطهاة
***

هل أبصق على قدميّ كورق الطوابع
لتلتصق بهذه الأرض ؟ .

7

سأكتب عن الجوع بالسنابل
وبالزهور عن الخريف
وبالأجنحة عن الأقفاص
وبالثلج عن المشردين
وبالرياح عن الشموع
والحب والثأر والفداء
وآلام الموت والولادة والاحتضار
حتى يهطل المطر من قلمي
وتغرد العصافير في دفاتري
سأبسّط تعقيدات اللغة
وإجراءات الدفن والرثاء
والبطولة والخيانة
بحيث يشتهي أي كان
أن يعيش أو يموت
أو يخون أي شيء
في سبيل أي شيء .

8

لا أحب أن أعبأ في جنود الاحتياط
كالقش أو الرمل
أحب أن أكون فاتحاً أو أسيراً
أكره الأمان و أزرار الإنذار
والحراس الليليين
وكتائب التموين والأشغال العامة
أحب كتائب الفداء
ولا قناع على وجهي
أو عنوان في جيبي
كما لا أحب فعل الخير في الضباب
أو تحت جنح الظلام
وصراخ الغربان في كل مكان
كما أكره حفيف الأشجار
لأنه تذكير بالجوع والعطش ورق الأطفال
***

جذوري في حذائي
وحيث أقف وأتثاءب هو وطني

***

أستخدم عكازي لتفادي الحفر
ومظلتي للوقاية من المطر
والخبز والماء لمواجهة العطش والجوع
والمعطف والوشاح والقبعة لتفادي الزكام
وكل ما أكتبه بعد ذلك هو للوقاية من الوطن
لأنني لا أستطيع مواجهته دفعة واحدة .

9

فجأة ودون سابق إنذار ...
أخذت قطرات من الدم تقطر من قلمي وأظافري المهملة بسبب
الكسل أو ضغط النفقات ..
دم أحمر كدم الكرز لم أر ولم أسمع بمثله منذ الحروب الصليبية
وحطين وذي قار
وأخضر كدم الربيع
وأصفر كدم الخريف
وأزرق كدم الفجر
وأسود كدم الليل
ورمادي كدم الغروب
ومشرق كدم الشمس
حذر كدم الصحراء
هادر كدم البحر
دافئ كدم الثلج
متغطرس كدم الثوار
غامض كدم الثوار
رخيص ومهدور كدم الكلاب والشعراء
وألوان أخرى في الملاهي والحانات والسجون
وفي فلسطين
ولبنان
والعراق
والجزائر
وتونس
والمغرب
واليمن
والسعودية
والأردن
وفي البوسنة والهرسك والشيشان وأفغانستان
ولذلك أنا خائف أن يأتي يوم لا نجد فيه ما نقدمه لأي بلد شقيق
أو صديق في أي معركة مع عدوه سوى دماء الحيض والختان !.

10

أيها الشَعر الجميل والمزعج كمطر النزهة
من يعيدني إلى قريتي النائية على أطراف الصحراء ؟
والشمس والغبار والتقاليد البالية
إلى قطرة اللؤلؤ والمراهم المحرقة
والخربشات الدينية على الخدود المنفوخة
وقراءة الطالع
وتفسير الأحلام والكوابيس
وتبييض الفال
وإبعاد الغجر عن الأطفال
***

ولعب الدحل في المقابر
والورق حول الموائد
وشي الذرة على لهيبها
والبيض والبطاطا في رمادها
إلى ...
أجراس القطعان في مراعيها
والعتابا على بيادرها
والحداء في بواديها
والتلويح للطائرات العابرة في أجوائها
من على الجدران وأشجار التوت المعمرة
والاستحمام في عتبات البيوت
وتفلية الرأس في أحضان الأمهات والجدات المسنات
مع تبادل التحيات والمشورة مع العابرين
إلى الصيد أو الصلاة
و زرق الدجاج على القصص الشعبية المستعارة أو المقتناة
وعلى الستائر الريفية الهفهافة :
براعم يانعة لن تتفتح أبداً
وطيور ملونة لن تطير أبداً
***

اشتقت لألوان دفاتري وثيابي
لتغيير طبقات الصوت
وآلام الصدر والبلوغ والمراهقة
لتظاهرة ضد مستعمر ، محتل
وخراطيم المياه
والهراوات وصفارات الإنذار و أعقاب البنادق
إلى التبرع بالماء والدم
أو ضد باشا ، آغا ، مختار
ضد التدخين ، أو الإجهاض ، أو رداءة الطقس .