التاريخ السري للموساد (1)

ــ غودون توماس -

وكالة الاستخبارات الإسرائيلية "الموساد"، جهاز عريق، وشهرته تجاوزت المنطقة الجغرافية للكيان الصهيوني نفسه، وأصبحت أسطورة أحيانا. "إنها قوة سرية تتيح ل"إسرائيل" أن تمارس الضغوط على الأقوياء، بمن فيهم وكالة الاستخبارات الأمريكية. وأيضاً اصطياد النازيين واختراق الحكومات ، وتصفية "الإرهابيين" وضبط المعلومات الأساسية، وأيضا أخطاء في الحسابات وحالات كذب عاشتها الموساد".
هذا هو ملخص الكتاب/ التحقيق الذي يحمل عنوان "التاريخ السري للموساد من 1951 إلى يومنا" ل"غوردن توماس"، الكاتب المتخصص في عالم التجسس، والذي نشر 37 تحقيقا ترجمت في العالم بأكمله، في محاولة للتقرب من عالم هذا الجهاز الذي لا يشبه غيره من الاستخبارات العالمية، والتابع لدولة لا تشبه غيرها من دول العالم الأخرى.

بولارد هرّب 1000 وثيقة أمريكية سرية إلى "إسرائيل"
يبتدئ الكتاب بفصل معنون ب"الجانب الآخر من المرآة". المكان هو غرفة في شقة في المقاطعة الباريسية الرابعة والقريبة من "مركز بومبيدو". والموساد يمتلك عشرات من الشقق من هذا النوع، مشتراة أو مستأجرة، في كل كبريات المدن العالمية. معظمها يبقى شاغرا إلا حين يتطلب الأمرُ استعمالا طارئا. هذه الشقة كانت القاعدة العملياتية لمهمة ابتدأت منذ يونيو/ حزيران ،1997 هو تاريخ وصول "السيد موريس" إلى باريس. "تخرج في مدرسة الموساد سنة ،1982 وعمل في أوروبا وجنوب أفريقيا والشرق الأقصى. في حياته العادية يظهر بمظهر رجل أعمال، أو صحافي مستقل أو وكيل تجاري". الأمور التي كانت تعيشها وكالة الاستخبارات "الإسرائيلية" كانت سيئة ،إذْ كانت التعيينات والتطهيرات قد وصلت إلى حد خلخلة هذه المؤسسة، وقد تعقدت الأمور مع تعيين بنيامين نتنياهو رئيسا للوزراء في "إسرائيل". وعلى الرغم من المعرفة الدقيقة للملفات المتعلقة بالموساد، فإنه قرر حشر نفسه حتى في الإجراءات العملياتية.
بل حتى زوجته حشرت أنفها في موضوع الموساد، فقامت باستدعاء كبار الموظفين إلى بيتها، وأمطرتهم بوابل من الأسئلة على غرار الاهتمام الذي كانت تبديه هيلاري كلينتون بوكالة الاستخبارات الأمريكية.
يستطيع هذا العميل "الإسرائيلي" أن يرصد شخصية جوهرية، تشتغل في فندق "ريكس" الباريسي الذي يملكه المليونير المصري محمد الفايد، وهو "هنري بول"، الذي سنعرف لاحقا بأنه هو سائق سيارة المرسيدس التي كانت تقل الأميرة ديانا ودودي الفايد حين الحادثة التي أدت لمقتلهم جميها، ويكتشف أن له رغبات في الحصول على الأموال من خلال بيع معلومات عن مرتادي الفندق لمصوري مجلات الإثارة "الباباراتزي".
تتوطد العلاقات بين الرجلين(الجاسوس "الإسرائيلي" ورئيس الحرس في فندق ريتز)، ويبدأ في التحدث من دون أن يطلب منه الجاسوس "الإسرائيلي" ذلك. يصف الفندق وطريقة العمل ومرتاديه الكثير. يتحدث عن الزبائن العرب بطريقة أقل ودية: لكن قبيل أن يبدأ الجاسوس في جلب المعلومات من العميل الجديد يأتي الخبر الصاعق، والمتعلق بمقتله مع الأميرة ديانا وعشيقها المصري دودي الفايد.
ولكن العلاقات ما بين "الموساد" وبول هنري ظلت لغزا، فيما اعتبرت "الموساد" أن الأمر يندرج في إطار ما تسميه ب"أشياء تخص حدودها". أما فيما يخص محمد الفايد فقد اتهم، بعصبية، أجهزة مخابرات غير محددة بأنها استهدفت ديانا ودودي. وعلى الرغم من أن صحافيين من مجلة "تايم" تحدثا عن ارتباطات بين هنري بول والمخابرات الفرنسية، فإنه لم يتطرق أحدٌ للعلاقات الممكنة مع الموساد.
يُوردُ المؤلف الصورة النمطية التي تروج في الغرب عن العرب، فها هو هنري بول يصرح أمام الجاسوس "الإسرائيلي": "إن معظم العرب بذيئون ومتعجرفون، وإنهم يريدون من عمال وخدم الفندق أن يسرعوا لتلبية مطالبهم حال يطقطقون أصابعهم". يتدخل العميل، ويقول، كي لا ينفضح، "ولكني سمعت، أيضا، أن الزبائن اليهود مراسهم صعب"، لكن هنري بول، يُعقّب بأن اليهود زبائن جيدون.
نعرف أيضا أن نظام المراقبة إيشلون Echelon، وهو نظام التنصت الأكثر تطورا للنازا NSA (وكالة الأمن القومي الامريكية) وضع الأميرة ديانا تحت المراقبة المستمرة بسبب نضالها ضد الألغام المضادة للأفراد، وهو ما كان يهدد مستقبل الكثير من العمال الذين يشتغلون في هذا الميدان.
كما نقرأ كيف أن المؤلف التقى بمحمد الفايد في متجره الشهير في لندن "هارودز"، فيقترح عليه منح مليون من الدولارات مقابل المعلومات التي يتوفر عليها جهاز الموساد، متهجما على الملكة وعلى الأمير فيليب وشخصيات أخرى واصفا إياهم "بالعاهرات والقوادين" ومتهما جهاز الاستخبارات البريطانية بالقتلة". ويضيف الفايد بأن عملاء الموساد يعرفون الحقيقة ويطالب المؤلف بإحضارهم: "أحضرهم إليّ وسوف أجعلك رجلا سعيدا..." ولم ينس الفايد التحدث عن السائق هنري بول، الذي كان يحبه كثيرا كما كان يحبه ابنه دودي.
يقنع المؤلّف العميل "الإسرائيلي" الشهير "بين ميناشي" Ben Menache بالعمل مع الفايد، ولكن "ميناشي" يطلب مبلغ 750000 دولار سنويا بالإضافة إلى مبلغ آخر مقابل الأعباء الأخرى. لكن العقد لم يتمّ لأن الفايد كان يلحّ على معرفة "الأدلة" قبل أن يوقع على الصكّ.
يعقب المؤلف على طريقة اشتغال الموساد من خلال تسخير العميل موريس لهنري بول بالقول، إن العديد من زملاء "موريس" رأوا فيها: "علامة إضافية على أنه لا يوجد أحدٌ متحكم فعلا في الموساد، وبأن الموساد ينطلق في عمليات مجازفة ومتهورة من دون مراعاة النتائج المتوقعة على المدى البعيد بالنسبة له كما بالنسبة ل"إسرائيل" وللسلام في الشرق الأوسط، ولا بالنسبة للعلاقات ما بين "إسرائيل" وأقدم وأوفى أصدقائها أي الولايات المتحدة".
لا أخلاقية
فصل "قبل تاريخ" يعتبر من بين الفصول الأخرى التي تذكر بالطرق اللأخلاقية، التي يلتجئ إليها عملاء الموساد من أجل الوصول إلى أهدافهم. من بينها القصة الطريفة التي تتعلق باستدراج رجل دين يهودي مبجل إلى باريس من لندن، بدعوة مشاركته في حفل ختان شخصية مرموقة، لإرغامه على التصريح بمكان تواجد طفل مختطف: "يتم استقباله في المطار من قبل شخصين لابسين لباسا أسود وهو لباس المتديّنين اليهود الأرثوذوكس. واللذين كانا في واقع الأمر من عملاء الموساد. التقرير الذي كتبه هؤلاء إلى قادتهم لا يخلو من سخرية سوداء: "تمت قيادة الحاخام إلى ماخور في منطقة "بيغال" الباريسية، من دون أن يشك قيد أنملة في الهدف. ألقت عاهرتان مدفوعتا الثمن نفسيهما على رقبته في الغرفة التي كان يتواجد فيها. وتم تصويره في هذه المشاهد.(...) أريناه الصور وطلبنا منه مكان الصبي، ولكنه أقنعنا بأنه ليس على علم بالموضوع، فكان أن مزقنا الصور أمام ناظريه".(64-65)
أمثلة أخرى كثيرة أوردها المؤلف على الجرأة واللأخلاقية، التي يمكن اللجوء إليها من أجل الوصول إلى المآرب. الغاية تبرر الوسيلة. والأمور بالنتائج.
ولكنه يجب ألا نغفل وجود مهنية عالية وتقدير كبير للمسؤولية والمحاسبة. وقد كانت "إسرائيل" على خلاف الكثير من المخابرات الأخرى، ومن بينها الأمريكية(التي تركز كثيرا على التكنولوجيا) تركز على العامل البشري(المعلومة ارتكازا على العامل البشري).
اختطاف "ميغ 21"
يأتي شخص، تحت اسم "سلمان"، إلى السفارة "الإسرائيلية"، ويقدم لها اقتراحا مهما ومغريا وجريئا". يطلب منهم مليون دولار نقدا، ويدعي قدرته على تسليم "إسرائيل" طائرة من نوع "ميغ 21" روسية، من أكثر الطائرات حينها تطورا، وأضاف بكثير من اليقين: "ارسلوا أحد عملائكم إلى بغداد، وليس عليه سوى الاتصال برقم الهاتف ويسأل عن جوزيف، ولا تنسوا أن تجهزوا مليون دولار".(69)
ناقشت الإدارة "الإسرائيلية" القضية، وتساءلت حول ما إذا كان سلمان عميلا مزدوجا، ويشتغل مع السلطات العراقية، ولكن فكرة الحصول على طائرة روسية متقدمة أصبحت حلما لا يُقاوَمُ.
يكشف لنا المؤلف أن الموساد مؤسسة وطنية، وهي مصدر فخر لكل "الإسرائيليين"، وموظفوها أحيانا يمكنهم ألا يناقشوا القرارات مع القيادة السياسية، أو أنهم يخبرونها في الدقائق القليلة قبل الحسم واتخاذ القرار.
"في اللحظة المناسبة تم إخبار بن غوريون ورئيس الأركان إسحاق رابين، فما كان من الرجلين إلا أن أعطيا موافقتهما. ولكن المسؤول الاستخباراتي حرص على التذكير باستعداده لسحب كل العملاء من العراق: "في حالة الفشل، أحرص على وضع رأسي وحده على النطع. لقد دفعت خمس مجموعات. الأولى مكلفة بالاتصالات بين بغداد وبيني. التعليمات التي تلقيتها تتمثل في عدم قطع الصمت إلا في حالة خطر داهم. أما إذا لم يكن من خطر فأنا لا أريد أن اسمع عنها بأية حال من الأحوال. المجموعة الثانية يجب أن تتوجه إلى بغداد من دون أن يعلم بوصولها أحد، لا من قبل العميل "بايكون" ولا من قبل أفراد المجموعة الأولى. وكان دورها يتمثل في وضع العميل "بايكون" تحت المراقبة في حالة ما إذا كان يلعب دورا مزدوجا، وأيضا مراقبة جوزيف، إن أمكن. دور المجموعة الثالثة ينحصر في مراقبة العائلة، في حين تقوم المجموعة الرابعة بإجراء الاتصالات مع الأكراد المسلحين من طرف "إسرائيل"، المفروض أنهم سيقومون بلعب أدوار في ما يخص المرحلة النهائية من العملية. أما المجموعة الخامسة فهي من تقوم بالاتصال مع الأتراك والأمريكيين. إذْ أن طائرة "ميغ 21" كي تغادر التراب العراقي، يتوجب عليها أن تجتاز المجال الجوي التركي قبل أن تصل إلينا. الأمريكان الذين يتوفرون على قواعد في الشمال التركي يتوجب عليهم ممارسة ضغوط على الأتراك من خلال إيهامهم بأن هذه الطائرة متوجهة إلى أمريكا".(74-75)
في يوم 15 من شهر أغسطس/ آب سنة 1966 ومع إشراقة الشمس، انطلق الطيار "منير" في قيادة طائرة "الميغ 21" في مهمة روتينية وما أن ابتعدت عن القاعدة حتى ضاعفت من قوة محركاتها، ووصلت إلى الحدود التركية قبل أن يتلقى الطيارون الآخرون الأوامر بإسقاطها. بعد ذلك رافقتها طائرات فانتوم من الجيش الأمريكي، حتى رست في قاعدة تركية حيث تم تزويدها بالوقود.(...) لاحقا، بعد ساعة، كانت "الميغ" تحط في قاعدة عسكرية في شمال "إسرائيل".
بهذه العملية استطاع الموساد إنجاز دور من الطراز الأول على صعيد التجسس العالمي. وفي عالَم الاستخبارات "الإسرائيلية" الصغير سيتم من الآن فصاعدا تقسيم تاريخ الخدمة إلى "ما قبل العميل أميت" Amit و"ما بعد مايير Meir".(76-77)
ليس من المبالغة القول إن كثيرا من شهرة وسمعة الموساد كان فيها مبالغة، ولكن الجدية والمهنية التي تسود بين أفرادها غير قابلة للدحض ولا للتشكيك. ومن بين من صنع الموساد ومن يعود له الفضل في قوتها وجبروتها وقوتها وعجرفتها يظل اسم "مايير أميت" Meir Amit ماثلا للعيان. وكان هذا الرجل الذي تقاعد عن العمل في شهر مايو/ أيار من سنة ،1997 يجيب دائما على منتقديه بسبب ما يلاحظونه من "قفزاته الخيالية "بالجملة الشهيرة: "تذكروا طائرة الميغ 21 التي سرقناها من العراقيين".
من بين مزاياه العملية التركيز كثيرا على العامل البشري في الأرض. وهو ما أتاح عليه اختراق المخابرات المصرية وكذلك المخابرات السورية.
التجسس على العرب
كان "أميت" يثير رعب وبارانويا أعدائه، إذ أنه جنّد عددا لا سابق له من المخبرين والعملاء العرب. وكان ينطلق من مبدأ بسيط مستقى من قوانين الاحتمال، ويتمثل في أنه كلما كان عدد المخبرين كبيرا كانت الحظوظ كبيرة في الحصول على معلومات مفيدة. و"قد ساهم العديد من العرب الذين تمت استمالتهم في إلحاق الكثير من الخسائر في أوساط منظمة التحرير الفلسطينية بمدّهم لنا معلومات عن مخابئ أسلحتهم ومواعيدهم وأجنداتهم. ومقابل كل "إرهابي" كانت الموساد تقوم بتصفيته كانت تمنح للعميل و"المخبر العربي" دولارا واحدا".(80)
طريقة العمل الاستخباراتية "الإسرائيلية" تحت إدارة "أميت" كانت مثيرة للانتباه والدهشة. فقد كان المطلوب من العميل مدّها بمعلومات شخصية عن الطيارين المصريين. من بينها المسافة التي يتوجب على الطيار المصري أن يقطعها ما بين قاعدته العسكرية ومكان تناول الطعام. والوقت الذي يتطلبه استبدال المجموعات والطواقم ما بين مجموعات الليل والنهار، وكم من الوقت يظل فيه الطيار المصري حبيسا في ازدحام السير في شوارع القاهرة. ومعرفة إن كان لهذا أو لذاك عشيقة.
كان مركز الاستخبارات في تل أبيب يتلقى كل أسبوع معلومات ثمينة من هذا النوع، وأيضا حول طريقة وتوقيت صيانة طائراتهم وطريقة حياة طياريهم وتقنييهم وميولهم إلى الشرب وإلى الجنس، ومن منهم له ميول نحو الغلمان أو المواخير.
كان "مايير أميت" يقضي أوقاتا طويلة من أجل معرفة، ضعاف النفوس، الذين يمكنهم أن يتعاونوا مع المخابرات "الإسرائيلية". وكان يقول: "الأمر ليس مسلّياً، ولكن يجب أن نعرف بأن التجسس عملٌ قذرٌ".(81)
وكانت طريقة العمل تتلخص في إرسال خطابات ورسائل إلى عائلات هؤلاء الطيارين والتقنيين، رسائل تطفح بمعلومات وتفاصيل وافرة ودقيقة وصريحة عن عاداتهم الحميمية: عادات تخص هذا الابن البارّ أو هذا الزوج الوفيّ، وهي رسائل كثيرا ما كانت أحيانا تدفع هذا الطيار أو ذاك إلى طلب إجازة مرضية. في حين أن العديد من الضباط يتلقون مكالمات تخصّ الحياة الشخصية لزميل لهم، وغيرها من التفاصيل التي كانت تتطرق لمناح عديدة من الحياة الشخصية.
وبفضل اشتغال الجواسيس والعملاء والمخبرين على عين الواقع، فسّر "أميت" لرؤساء القيادة الجوية "بأن أهدافهم العسكرية يجب أن تُضرب ما بين الساعة الثامنة صباحا والساعة الثامنة والنصف. وإذن فإن ثلاثين دقيقة كافيةٌ لتدميرها، وستكون القيادة العسكرية المصرية محرومة من قسم كبير من الأفراد المهيئين للردّ والتصدّي".(83)
وهكذا كان. إذْ أنه في الساعة الثامنة ودقيقة واحدة من يوم الخامس من يونيو ،1976 قام الطيران الحربي "الإسرائيلي" بإنجاز ضربة قاصمة بفعالية مرعبة، وفي ثوان فقط كانت السماء مصبوغة بالأحمر والأسود، بسبب النيران والدخان الذي يتصاعد من شاحنات الوقود ومن الطائرات التي تم تدميرها بسبب انفجار الأسلحة التي كانت على متنها.(83)
وعلى الرغم من أن القائد الاستخباراتي "الإسرائيلي" "أميت" غادر دهاليز وأروقة الموساد، فإن نظريته وطرق اشتغاله وكيفية تجنيده للمخبرين والعملاء، يهودا كانوا أم عربا أو آخرين، ظلت كما كانت ولم تُمس. من يستطيع تغيير نظام اشتغال أثبت، بصور مدهشة، نجاعته؟
"لا يمكن قبول أيّ عميل "إسرائيلي" يهودي إذا كان مدفوعا في المقام الأول بعامل الربح المادي. وكذلك فالصهيونيون المتحمسون، هم أيضا، ليس لهم مكانٌ في الموساد. لأن التعصب يمنع من رؤية واضحة لأهداف المهمات. إن مهمتنا تستدعي حكما واضحا وهادئا ودقيقا. الناس تريد أن تلج الموساد لأسباب عديدة ومختلفة. السبب الأول هو المكانة والبريستيج. ثم هناك الرغبة في المغامرة. البعض الآخر يتصورون أنه من خلال وُلوجهم أروقة الموساد يمكنهم أن ينجزوا صعودا اجتماعيا. "إنهم أناسٌ وضيعون وصغار يريدون أن يصبحوا كبارا. بينما يتخيل البعض الآخر أن الموساد يمكنها أن تمنحهم سلطات سرية. إن واحدة من هذه الأسباب لا يمكن أن تكون صالحة".(85)
"إسرائيل" لا تفرّط قط في عملائها اليهود. يرى "أنيت" أن "كل عميل يجب أن يحسّ بأنه يمكن أن يعتمد على الموساد من خلال دعمها ومؤازرتها الكاملة. يجب تعهد عائلته، مهما حدث. كما أنه يجب توفير الحماية لها. كما أنه يجب توفير الحماية له هو أيضا. فإذا ما علمت زوجته، مثلا، بأنه يتوفر على عشيقة، فيجب طمأنتها. وإذا كانت له بالفعل عشيقة فلا يجب بأي حال من الأحوال تأكيد الأمر لزوجته. تحسيس العملاء بأنه يمكننا أن نكون معهم ولهم وبأننا نشكل معهم عائلة واحدة. بهذه الطريقة فقط يمكننا الحصول على ولائهم، ويمكننا التأكد من أن العميل سيقوم بأي شيء نطلبه منه".(85)
الجاسوس ذو القناع الحديدي
الكثير من المراقبين لعمل الموساد متأكدون من استقلاليتها عن الصديق والحليف الأمريكي، بل إنها تتجسس على الأمريكان حتى في عقر دارهم. يورد المؤلف في الفصل المعنون ب"الجاسوس ذو القناع الحديدي"، تفاصيل مثيرة عن الاختراق "الإسرائيلي" للأمريكيين، وخصوصا على يدي "رافي إيتان" Rafi Eitan والعميل بولارد Pollard.
"عاد إيتان إلى "إسرائيل" لقطف ثمار النظام الجديد للموساد. هذه الثمار فاقت آماله الأكثر جموحا وجنونا. فهو لم يتأخر في الحصول على تفاصيل آخر تسليم للأسلحة الروسية لسوريا ولدول عربية أخرى، مع تحديد دقيق لصواريخ إس إس 21 وإس آ ،5 بالإضافة إلى الخرائط وصور الساتالايت للترسانة السورية والعراقية والإيرانية. ولمصانع الأسلحة الكيماوية والبيولوجية. هذه المعلومات منحته رؤية ممتازة عن مجموع الطرق الأمريكية في التجسس واستجلاب المعلومات، ليس في الشرق الأوسط وإنما أيضا في جنوب افريقيا. العميل "بولارد" نجح، ضمن ما نجح فيه، في إيصال تقرير لوكالة الاستخبارات الأمريكية يعرض البنية الكاملة لشبكة الجواسيس في هذا البلد(جنوب أفريقيا)، نجح في إيصاله ل"إسرائيل". كما نجح في إيصال تقرير حول تفاصيل تفجير جنوب أفريقيا لأول قنبلة نووية في 14 أيلول/سبتمبر من سنة 1979 في جنوب المحيط الهندي. وقد كانت حكومة جنوب أفريقيا تنفي دائما هذا الخبر. وقام أيتان بتسليم سلطات جنوب أفريقيا نسخا من كل الوثائق الأمريكية المتعلقة بجنوب أفريقيا، وقد تسبب الأمرُ بتفكيك فوري لشبكة المخابرات الأمريكية، مما اضطر 12 عميلا من الأمريكيين إلى مغادرة بريتوريا".(126)
يورد المؤلف تفاصيل أخرى عن إنجازات العميل "الإسرائيلي" بولارد: "خلال الشهور الاثنا عشر التي أعقبت انسحاب الأمريكيين من جنوب افريقيا، في تحويل المعلومات الهامة التي ترِدُ إلى المحطات السرية الأمريكية إلى "إسرائيل". وكانت الحصيلة أنه نقل أكثر من 1000 وثيقة "بالغة السرية"، إلى "إسرائيل"، حيث كان أيتان، شخصيا، يقوم بدراستها العميقة قبل أن يسلمها إلى جهاز الموساد. وقد أتاحت هذه المعطيات لناحوم أدموني، مستشار حكومة الائتلاف "الإسرائيلية" التي يترأسها شيمون بيريز، أفضل الطرق للردّ على السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط، وهو ردّ كان في السابق مستحيلا".(126)
وقد جعلت هذه الظروف وهذا العمل الاستخباراتي من العميل بولارد عنصرا حاسما في السياسة "الإسرائيلية"، وكذا في اتخاذ القرارات الاستراتيجية. وقد سمح رافي أيتان للعميل بولارد الحصول على جواز سفر باسم "داني كوهن"، بالإضافة إلى منحه مرتبا شهريا مهما جدا. ولكنه في المقابل طلب منه تفاصيل إضافية حول نشاطات التجسس اللإلكترونية لوكالة الأمن القومي الأمريكية NSA في "إسرائيل"، وطلب منه معلومات حول طرق التنصت ضد السفارة "الإسرائيلية" في واشنطن، وضد المهمات الدبلوماسية الأخرى للدولة اليهودية في الولايات المتحدة.(127)
لكن العميل تم إيقافه في 21 نوفمبر من سنة ،1985 قبل أن يقوم بتسليم هذه الطلبات. وبعيد إيقاف بولارد، بساعات خمس، استطاع العملاء ياغور وسيلا وإيريت إرب الانسحاب من التراب الأمريكي والوصول إلى "إسرائيل"، حيث لفظتهم الأرض بين أقرانهم من العملاء الذين تعج بهم "إسرائيل".
ولكن "إسرائيل" وفية لعملائها، من اليهود، فقد مارست ضغوطا شديدة على الإدارة الأمريكية، من خلال العديد من المنظمات واللوبيات المنتشرة في الولايات المتحدة من أجل إطلاق سراح عميلها. سنة 1999 قام مؤتمر المنظمات اليهودية الكبيرة بمناشدة الإدارة الأمريكية إطلاق بولارد بدعوى أنه لم يرتكب خيانة عظمى "لأن "إسرائيل" كانت في تلك الفترة، ولا تزال لحد الساعة، أقرب حليف للولايات المتحدة".
العديد من مسؤولي وكالة الاستخبارات الأمريكية كانوا ضد إطلاق سراحه. كانوا خائفين من أن يُقْدِم الرئيس كلينتون في بعض شطحاته الدونكيشوتية على إطلاق سراح العميل "الإسرائيلي" قبل انتهاء ولايته الرئاسية من أجل إرغام "إسرائيل" على الدخول في اتفاق سلام مع العرب ومنحه النجاح الأخير في سياسته الخارجية. وهو نفس التخوف الذي انتاب رئيس الاستخبارت الأمريكية في حينها "جورج تينيت" Georges Tenet، حين قال للرئيس كلينتون: "إطلاق سراح بولارد سيثبط من معنويات الأجهزة السرية الأمريكية".
أما ما يخصّ رافي أيتان، الذي يراقب عن كثب، تطور الأحداث فهو يردد لرجاله: "حين سيصل جوناثان بولارد أخيرا، إلى "إسرائيل" سأشرب معه كأس قهوة". وفي انتظار إطلاق سراح عميله، فأيتان يواصل فرك أصابعه، مسرورا من العملية التي أشرف عليها بعنايته ضد الولايات المتحدة، وهي العملية التي جعلت من "إسرائيل" أول قوة نووية في الشرق الأوسط.

هكذا تم اغتيال أبوجهاد والشقاقي ومحاولة اغتيال مشعل
من بين الفصول الأكثر إثارة للرعب والتقزز من الوسائل التي تلجأ إليها الموساد، نقرأ فصلا حمل عنوان "المنتقمون"، وهو يتحدث بالطبع عن الصراع الدامي بين المقاومة الفلسطينية و"إسرائيل". هذه المرة سيدخل إلى الحلبة إسحاق رابين الحاصل على جائزة نوبل للسلام. يقول المؤلف إن رابين كان يداوم، منذ ثلاث سنوات من رئاسته للحكومة "الإسرائيلية"، على حضور جنازات ضحايا العمليات الفلسطينية التي كانت تطال الكيان. بنفس طريقة اشتغال العملاء والجواسيس "الإسرائيليين" التي رأيناها في غير ما موضع. يورد المؤلف أنّه "خلال شهرين، قام مخبرو الموساد بمراقبة شاملة لفيلاّ أبو جهاد في "سيدي بوسعيد" بالقرب من العاصمة التونسية. طرق الإيصال ونمط ومستوى التسييجات وتنقلات الحرس.. كل شيء تمّ تسجيلُهُ والتحقق منه ومعاودة التحقق منه..." (162)
كما أن المراقبة طالت حتى أم جهاد، زوجة القائد الفلسطيني، فكانت تتعرض للمراقبة حين كانت تلعب مع أولادها، وحين تتوجه إلى صالون الحلاقة. وكان الموساد يتنصت على المكالمات الهاتفية بينها وبين زوجها. وضع الموساد أجهزة تنصّت في مخدعهما الزوجي، سجلت ادق اللحظات الحميمة بينهما.
يورد المؤلف تفاصيل اختراق الكوماندوس لفيلاّ القائد الفلسطيني وتصفية حارسيه، ثم مفاجأته وهو داخل غرفته منهمكا في مشاهدة شريط فيديو لمنظمة التحرير الفلسطينية وقتله بدم بارد. ثم تهديد زوجته ومطالبتها بالاحتماء في غرفتها. بعد العملية تبخر الكوماندوس في الهواء.
وعلى الرغم من انتقاد بعض "الإسرائيليين" لهذا الانتقام الوحشي، فإن الموساد واصلت تصفياتها واغتيالاتها. بعد شهرين من اغتيال أبو جهاد، كشفت جنوب إفريقيا عن قيام "إسرائيل" بتصفية رجل الأعمال "ألان كيدجر"، في جوهانسبورغ بدعوى أنه قام بتسليم إيران والعراق تجهيزات بالغة التقنية للمساهمة في صناعة الأسلحة البيوكيماوية. بعد ستة أشهر قامت الموساد بتصفية ثلاثة من أعضاء الجيش الجمهوري الإيرلندي. ويعود اهتمام "الموساد" بالجيش الجمهوري الإيرلندي إلى الفترة التي دعت فيها حكومة مارغريت تاتشر، في سرية تامة، "رافي إيتان"، لزيارة بلفاست، كي يشرح لموظفي الاستخبارات البريطانية العلاقات الوثيقة، التي تربط بين الجيش الجمهوري الإيرلندي وحزب الله.
يروي إيتان هذه القصة: "وصلتُ ذات يوم ممطر، وأعلمتُ البريطانيين بما كنت أعرفه. ثم توجهتُ إلى الرّيف الإيرلندي إلى حدود جمهورية إيرلندا الجنوبية. من دون أن ألجها خوفا من احتجاج حكومة دبلن، في حالة اكتشافي". (165-166)
كانت الزيارة مثمرة إذ إنه منذ هذه الزيارة استطاعت "الموساد" بالتنسيق مع الاستخبارات البريطانية تصوير مسؤولين من الجيش الجمهوري الإيرلندي مع قياديين من حزب الله في بيروت. (166)
الفصل يعج بمعلومات، لا عد لها ولا حصر، ومن ضمن ما تتضمنه مطاردة الزعيم الفلسطيني فتحي الشقاقي، زعيم تنظيم الجهاد الإسلامي، ويدخل الكاتب في تفاصيل عن تنقلاته وطريقة عيشه وعلاقاته الوثيقة مع الكثير من القادة العرب والمسلمين، إلى مقتله في مالطا على أيدي الموساد، بعد زيارته للجماهيرية الليبية.
"في هذا المساء الذي حان فيه مصيره بين يدي الموساد، كان الشقاقي يتواجد في بيته مع زوجته "فتحية". (...) وبينما كان يتمتع بوجبة الكسكس، قال لزوجته إنه لا يخاطر بنفسه في زيارته القادمة إلى الجماهيرية الليبية. وإنه بصدد الحصول على مساعدات إضافية من الرئيس القذافي. كان يأمل العودة بمقدار مليون دولار. وهو المبلغ الذي طلبه عن طريق الفاكس من الزعيم الليبي".
دامت المطاردة فترة من الوقت. وطوال هذه الأوقات كان عملاء "الموساد" على علم بتاريخ وصوله من العاصمة الليبية. وهنا بعض التفاصيل عن اللحظات الأخيرة من حياة هذا الزعيم الفلسطيني.
"وصل فتحي الشقاقي في هذا اليوم على متن سفينة طرابلس-لافاليت، محفوفا ببعض الحرس الليبيين الذين ظلوا على متن السفينة. وكان الشقاقي قبيل عودته من الجماهيرية قد حلق ذقنه. قدّم نفسه لمسؤولي الجمارك تحت اسم إبراهيم درويش بجواز سفر ليبي. وبعدها نزل في فندق "ديبلومات" وهناك جلس في مقهى الفندق وطلب العديد من كؤوس القهوة التي شربها مع تناول الحلويات العربية. وخلال هذه الفترة أجرى اتصالات هاتفية عديدة.
في صباح اليوم التالي وحين كان متوجّها إلى ممر الإقلاع، ومعه قمصان وعد ابنه بشرائها، ظهر رجلان يركبان درّاجة نارية وتوقفا في مستواه، وقام أحدهما بإطلاق ست رصاصات عن قرب، فمات الشقاقي على الفور.. (178).
بعد مقتل الشقاقي بأربعة أيام، عرف إسحاق رابين، الذي كان قد تحول من صقر إلى حمامة نفس المصير، ولكن هذه المرة على يد قاتل يهودي، وهو إيغال أمير.

يتبع.........