جون بيركنز في "التاريخ السري للإمبراطورية الأمريكية"(3)

يواصل جون بيركنز الذي يطلق على نفسه اسم "المخرب الاقتصادي" حديثه لقناة "الديمقراطية الان" وينتقل الى الحديث عن ما تعنيه الهزائم العسكرية بالنسبة للأمريكي العادي، وما تعنيه بالنسبة لشركات الأسلحة والانشاءات، ثم يتطرق الى قيام إسرائيل في المنطقة العربية، والسبب الحقيقي الذي حتم تعويض اليهود عن نكبتهم في المانيا النازية في هذه البقعة من العالم بالذات·

· آمي جودمان: تحدثت عما تسمى الهزائم في فيتنام والعراق، وماذا تعنيه بالنسبة للشركات؟

- جون بيركنز: نعم··· نعم··· أنت وأنا ننظر اليها كهزائم، وربما أي شخص اخر بالتأكيد ممن فقد ولدا او قريبا او زوجا في هذين البلدين سيعتبرها كوارث او هزائم،و ولكن الشركات حصلت على اموال طائلة من الحرب في فيتنام، والصناعة العسكرية، الشركات الكبيرة، شركات الانشاء، وهي بالطبع تفعلها بطريقة أكبر بكثير في العراق، وهكذا، بالنسبة لبيروقراطية الشركات، او "الشرقاطيون" الناس الذين يصرون في الحقيقة، على ان يواصل شباننا، نساء ورجالاً، الذهاب الى العراق والقتال، يحصدون كمية هائلة من الاموال· هذه الهزائم ليست اخفاقا بالنسبة لهم، بل هي نجاحات من وجهة نظر اقتصادية بالغة القوة، واعرف ان هذا يبدو مكرا، وانا نفسي كنت ماكرا، كنت هناك، ورأيت الامور كيف تجري، ولكن، كما تعرفين، يجب ان نتعلم الا ندعم هذا بعد الان، كلنا·

· آمي جودمان: الان تمر الذكرى الأربعون لحرب 1967 العربية - الإسرائيلية، وانت تحدثت في كتابك عن اسرائيل كقلعة امريكية في الشرق الأوسط·

- جون بيركنز: اعتقد انه من المحزن جدا، ان الاسرائيليين منقادون في معظم الأحوال، الى الاعتقاد انهم منحوا هذه الارض تعويضا عن "الهولوكوست"، لانهم يستحقون التعويض، و"الهولوكوست" بالطبع كانت مرعبة، هم يستحقون ان يعتني بامرهم ويعوضوا ويستقروا، ولكن لماذا علينا ان نحدد لهم ذلك المكان في وسط العالم العربي، اعدائهم التقليديين؟ لماذا نضعهم في ذلك المكان في منطقة غير مستقرة مثل هذه؟ السبب هو انه يخدمنا كقلعة ضخمة في حقول نفط هي الأكبر بين الحقول المعروفة اليوم في العالم، وقد عرفنا هذا حين اقيمت اسرائيل هناك· واعتقد ان الاسرائيليين تم استغلالهم استغلال مروعا في هذه العملية·

اذا حقيقة الأمور اننا انشأنا هذه القاعدة العسكرية الكبيرة، انشأنا معسكرا مسلحا، في وسط حقول نفط الشرق الاوسط، قاعدة تحيط بها مجتمعات عربية، وخلال هذه العملية من الواضح اننا خلقنا كما هائلا من الغضب والامتعاض، ووضعا من الصعب جدا ان نرى له ناتجا ايجابيا، ولكن حقيقة المسألة، امتلاكنا لهذه القاعدة العسكرية في اسرائيل هو دفاع كبير عنا، انها مكان يمكن ان نشن منه هجمات، وان نعتمد عليه، انها بالنسبة لنا المكافئ للقلاع الصليبية في الشرق الأوسط، وهذا امر محزن جدا جدا، واعتقد انه محزن الى درجة بالغة بالنسبة للاسرائيليين ان يقعوا في شرك كل هذا· وأمر بالغ الحزن بالنسبة للشعب الامريكي، امر بالغ الحزن بالنسبة للعالم ان يستمر هذا الوضع·

· حين نتجول في العالم كما فعلت بالضبط في سنواتك كمستشار دولي، بعد ان جندتك وكالة الامن الوطني، ثم اصبحت اقتصاديا ذا مرتبة عليا في مؤسسة استشارات دولية، أنت كتبت ايضا كتبا عن "الشامانية"، وكتبت ايضا عن "التبت"، اين موقع "التبت" المناسب في هذه الصورة؟

- جون بيركنز: كما تعلمين، كنت في التبت قبل سنتين فقط، وكان امرا رائعا، لانني اخذت مجموعة من ثلاثين شخصا معي الى التبت كأعضاء في منظمة لا تسعى الى الربح، وكنت قائد الرحلة، بعض من هؤلاء كان معي في الامازون، وأماكن أخرى، والتبت الان بالطبع تدعو الى الكآبة لان الحضور الصيني بالغ القوة، وتشاهد كيف قمعت الثقافة التبتية، وخلال ذلك تكون على وعي دائم ان هنالك جنودا صينيين حولك، وجواسيس وادرك الكثيرون في هذه الرحلة الحالة المرعبة هنا· "تبت حرة" كلنا نعرف عن هذا الامر، ولكن الاشخاص الذين كانوا معي في الامازون، حيث كانت شركات النفط وعسكرنا يفعلون الاشياء ذاتها، قال، "ولكن الا يذكرنا هذا بما نقوم بعمله في الكثير من انحاء العالم؟"، وهذا شيء نميل الى تناسيه· يمكننا جميعا ان نلوح بالشعارات عن "تبت حرة"، وهو ما علينا ان نفعله، ولكن ماذا عن تحرير البلدان التي هي في قبضتنا ايضا؟ بالتأكيد التبت ليس تقريبا··· حسنا، انا اكره قولها بهذه الطريقة، لان بعض الناس قد لا يتفقون معي، ولكنني اعتقد ان العراق في وضع اسوأ من وضع التبت في هذه الايام، رغم ان كلا البلدين في حالة يرثى لها· ما شاهدناه في التبت هو النموذج نفسه الذي نراه مطبقا في مختلف انحاء العالم· ومع ذلك، غالبية الامريكيين لا تعي اننا نفعل هذا· انهم واعون بان الصينيين يفعلونه، ولايعون اننا نفعل الامر نفسه على مستوى في الحقيقة أوسع مما يفعل الصينيون·

· حدثنا عن تحولاتك، جمعت الكثير من المال، وترحلت في العالم، وكنت في منصب اتاح لك اللقاء برؤساء دول ورؤساء وزارات جعلتهم يركعون، ما الذي غيرك؟ وأخيرا وفي نهاية المطاف قرارك الكتابة عن كل هذا؟

- جون بيركنز: حين بدأت··· نشأت في وسط المذهب الكالفيني، وعمره ثلاثة، او اربعة قرون، في نيوهامبشاير وفيرمونت، على مبادئ اخلاقية، قوية وسط عائلة جمهورية محافظة، حفاظا شديدا، وطيلة السنوات العشر التي كنت فيها مخربا اقتصاديا، من العام 1971 الى العام 1981، كنت شابا لامعا، الا ان ضميري لم يكن مرتاحا، ورغم ذلك كان الكل يقولون لي ان ما افعله كان صوابا، ومثلما قلت، رؤساء البلدان، رئيس البنك الدولي، روبرت ماكنمار، طبطبوا على ظهري مشجعين ومستحسنين· وطلب مني ان احاضر في هارفارد واماكن اخرى عديدة عما افعله·

وما كنت افعله لم يكن غير شرعي، هل هو كذلك، نعم هو شرعي، ومع ذلك في اعماقي، كان يمزق ضميري دائما· كنت متطوعا في فيالق السلام، وشاهدت· وبمرور الوقت، بدأت افهم المزيد والمزيد، وتزايدت اكثر فاكثر صعوبة ان اواصل القيام بهذا العمل، كانت لدي هيئة موظفين من خمسين شخصا تعمل من أجلي، وكانت الامور تتطور·

وعندئذ، ذات يوم، كنت في إجازة، ابحر بالقرب من الجزر العذراء، ورسوت بزورقي الصغير بجوار جزيرة سان جون، وتسلقت جبلا هناك صعودا الى خرائب مزرعة قصب هناك، وكان المكان جميلا، وأشجار بوكنفيليا، والشمس توشك على الغروب· وجلست هناك، وشعرت بسلام نفسي بالغ·

وفجأة ادركت ان هذه المزرعة قامت على عظام الاف العبيد· واصابني حزن وغضب شديدين، واستيقظت على وعي مفاجئ بانني كنت بعملي اواصل هذه العملية ذاتها، وانني تاجر عبيد، وانني اجعل الامر نفسه يحدث، وان بطريقة مختلفة قليلا، طريقة اكثر تهذيبا، ولكن بالنتيجة، الامران سيان في سوئهما، وعند هذه النقطة قررت انني لن افعلها ابدا مرة اخرى، وعدت بعد ايام الى بوسطن وتركت وظيفتي·

· اذاً تركت وظيفتك··· ولكن هذه كانت خطوة واحدة، والكتابة عنها خطوة اخرى· حدثنا عن جهودك طيلة هذا الوقت·

- جون بيركنز: بعد تركي للوظيفة، حاولت عدة مرات ان اكتب كتابا، وهو ما نشر باسم "اعترافات مخرب اقتصادي"، وفي كل مرة التقيت فيها بمخربين اقتصاديين اخرين عملت معهم او ابناء آوى لتسجيل قصصهم، كان الامر ينتشر، وتصلني تهديدات، كانت لدي ابنة انذاك، عمرها الان خمس وعشرون سنة، وعرضت عليّ بعض الرشاوي· في الحقيقة، قبلت رشوة بحوالي نصف مليون دولار·

هي ما يسمى الرشوة الشرعية، ولكنها رشوة اعطيت لي بشرط الا اكتب الكتاب· هذا امر لا تساؤل حوله، وقد وصفته بالتفصيل، وكفرت عن ذنبي بان وضعت جزءا كبيرا من هذا المال في مؤسسة غير هادفة للربح انشأتها، هي "تحالف حلم التغيير" تقدم معونات لشعب الامازون الذي يقاوم شركات النفط، ولكنني لم اكتب القصة، وحدث هذا عدة مرات، وكان عليّ ايجاد عذر او آخر، وكتبت كتابا اخر عن السكان الاصليين، لقد عملت مع هؤلاء الناس، وكتبت كتبا من التي اشرت اليها، عن "الشامانية" وما الى ذلك، وهكذا، كنت اصرف نفسي عن الكتاب، واكفر عن ذنبي، ومضى بي الحال هكذا زمنا·

ومع 11 سبتمبر، كنت في الامازون مع شعب "الشوار"، مع مجموعة من الناس جاؤوا ليتعلموا من السكان الاصليين في الامازون، ولكن بعد ذلك بوقت قصير، ذهبت الى نيويورك، الى مكان سقوط البرجين، وهناك، وانا انظر الى تلك الحفرة المرعبة والدخان يتصاعد منها، وما زالت رائحة اللحم المحترق في الهواء، ادركت ان عليّ ان اكتب الكتاب، لم اعد استطيع التأجيل بعد اليوم، وان الشعب الأمريكي ليس لديه فهم لماذا الكثير من الناس في مختلف انحاء العالم غاضبون ومحبطون ومرتعبون، وان علي ان اتحمل مسؤولية ما حدث في 11 سبتمبر· حقيقة علينا كلنا ان نتحمل مسؤولية معينة، والتي لا تعني باي حال التسامح مع القتل الجماعي على يد ايا كان، انالا اتسامح مع هذا باي طريقة، ولكنني ادركت ان الشعب الامريكي بحاجة الى ان يفهم لماذا هناك هذا القدر الكبير من الغضب في مختلف انحاء العالم وكان علي ان اكتب الكتاب·

هذه المرة لم اخبر احدا بنيتي، حتى زوجتي وابنتي، عرفتا انني اكتب شيئا ما، ولكنهما لم تعرفا موضوعه، لم اطلب لقاء احد من الناس، ومع ان هذا جعل الكتابة على شيء من الصعوبة، الا انني اخيرا وضعته بين يدي وكيل نشر ممتاز من نيويورك، فارسله الى الناشرين، عند هذه النقطة، اصبحت هذه المخطوطة، افضل وثيقة، تأمين بالنسبة لي، فلو حدث لي شيء غريب، بما في ذلك في الوقت الحالي فسترتفع فجأة مبيعات الكتاب، ومع انه ظل على قائمة الكتب الافضل مبيعا، فانه كان سيبيع اكثر لو حدث شئ·