عندما كان كارل ماركس يسخر من الصحافة البريطانية

التجاوزات التي ارتكبها جنود "السباهية" [1]المتمرّدين في الهند، هي في الواقع مروّعة وبشعة وتفوق الوصف، من النوع الذي يمكن توقّعه فقط في حروب التمرّد والقوميات والأعراق، وخصوصاً الأديان. بكلمةٍ واحدة، من النوع الذي اعتادت انكلترا المحترمة التصفيق له عندما كان يرتكبها أهل مقاطعة "الفانديه" الفرنسية (من الملكيين) بحق "الزرق" (الجمهوريين)، أو التي دبّرها الثوار الأسبان ضد الفرنسيين المارقين، أو الصرب بحقّ جيرانهم من الألمان والمجريين، أو ما أنزله الكرواتيون بمتمرّدي فيينا وفرسان الحرس بقيادة كافانياك، أو أنصار بونابرت من حزب "الديسامبريين" بأبناء وبنات فرنسا البروليتارية. ومهما بلغت شناعة سلوك السباهية، فهي ليست سوى انعكاس مركّز لسلوك انكلترا في الهند، ليس فقط إبان تأسيس إمبراطوريتها الشرقية، بل أيضاً خلال السنوات العشرة الأخيرة من هيمنتها الطويلة. ولتوصيف هذه الهيمنة، يكفي القول بأن التعذيب كان يمثّل مؤسسةً عضوية لسياساتها الضرائبية. وهناك في التاريخ البشري ما يشبه الثواب، وإنها لقاعدة الثواب التاريخي بأن تكون أدواتها ليست من صنع المضطهَدين بل من قبل المضطهِدين أنفسهم. فالضربات الأولى التي تلقّتها الملكية الفرنسية جاءتها على يد النبلاء لا من الفلاّحين. والثورة الهندية لم يبدأها الرعايا الفلاّحون الذين عانوا التعذيب والإذلال والحرمان على يد البريطانيين، بل الجنود السباهية الذين كان البريطانيون يكسونهم ويطعمونهم ويدلّلونهم ويسمّنونهم ويفسدونهم. وللعثور على مثيلٍ لفظاعات السباهية، لسنا بحاجة، كما تدّعي بعض الصحف اللندنية، إلى العودة إلى القرون الوسطى، ولا حتى تخطّي تاريخ انكلترا المعاصرة. لا حاجة إلاّ إلى دراسة الحرب الصينية الأولى، وهو حدثٌ من الأمس، إذا أمكننا القول. فالجيش البريطاني ارتكب الفظائع، من باب التلذّذ. مشاعر هذا الجيش لم تكن معبّئة بالعصبية الدينية ولم تصعّدها الكراهية تجاه عرق غازٍ، كما لم تتسبّب بانفجارها مقاومة بطولية. فاغتصاب النساء وسفد الأطفال وحرق الوجوه لم تكن سوى نزوات وحشيّة، لم يرتكبها الموظّفون الصينيون الكبار بل الضبّاط البريطانيون أنفسهم. وفي الكارثة الراهنة أيضاً، من الخطأ المطلق الافتراض بأن الضراوة كلها جاءت من جانب جنود السباهية، وأن حليب الحنان كان يسيل من جهة الانكليز. فرسائل الضباط البريطانيين ترشح بالكراهية. إذ يكتب أحدهم من بيشاور، واصفاً نزع أسلحة كتيبة الفرسان غير النظامية التي حُلّت لأنها لم تهاجم فرقة المشاة رقم 55 من السكان الأصليين كما أُمرت. ويبتهج للقول بأنه لم يُصرّ فقط إلى نزع سلاح الرجال، بل إلى تجريدهم من ستراتهم وجزماتهم، وأنه بعد حصولهم على 12 بنساً للرأس الواحد، جرى تحميلهم على مراكب فوق نهر الهندوس وإرسالهم مع التيار حيث يتوقّع صاحب الرسالة متلذّذاً بأنّهم سيغرقوا في المجاري السريعة. ويخبرنا آخر أن بعض سكان بيشاور، وبعد أن تسبّبوا في استنفارٍ ليلي بسبب إطلاقهم مفرقعات من بارود المدفعية بمناسبة أحد الأعراس (وهو تقليدٌ وطني)، قد سيقوا مقيّدين وأذيقوا "الضرب بحيث لن ينسوه بسهولة". أما اللورد جون لورنس، الذي أبلغ بأن ثلاثة من الزعماء الأصليين يتآمرون، فقد طلب إرسال جاسوس إلى اجتماعاتهم؛ وبناءً على تقرير هذا الأخير، بعث برسالةٍ ثانية: "اشنقوهم"، وهذا ما حصل. وقد كتب أحد الموظّفين المدنيين في إله أباد يقول: "لنا سلطة الحياة والموت، ونؤكّد لكم بأنّنا لا نتهاون". ومن المدينة نفسها كتب آخر: "لا يمرّ يومٌ لا نعلّق فيه ما بين 10 و15 (من غير المقاتلين)". ويروي أحد الضبّاط فرحاً: "هولمز يأخذهم بالدزينات، "دكمة"". ويشير آخر إلى عملية الشنق السريعة لمجموعة من السكان الأصليّين، فيقول: "جاء دورنا كي نتسلّى". وآخر: "محاكمنا العسكرية متنقّلة معنا، وكل أسود نصادفه نشنقه أو نطلق عليه رصاصةً في الرأس". ومن مدينة بينارس، أن ثلاثين "زمنداراً" (جابي ضرائب) قد جرى شنقهم بشبهة التعاطف مع مواطنيهم. كذلك تحوّلت قرى بأكملها رماداً للسبب نفسه. ويقول أحد الضباط من بينارس في رسالة نشرتها "التايمز اللندنية": "لقد تحوّلت القوات الأوروبية إلى شياطين في مواجهة السكان الأصليين". ويجب ألاّ ننسى بأنّه فيما تروى فظاعات الإنكليز باعتبارها أفعالاً شجاعة عسكرية، وتوصف باختصار وبساطة دون التشديد على التفاصيل المثيرة للاستنكار، فإنّه يصار عمداً إلى المبالغة في وصف تجاوزات السكان الأصليين، مهما بلغت قسوتها. فمن أين جاء، مثلاً، التقرير المفصّل الصادر أوّلاً في صحيفة "التايمز" والذي نشرته فيما بعد الصحف اللندنية كافّة حول الفظائع التي ارتكبت في دلهي وميرطه؟ من قسٍّ جبان مقيم في بنغالور، في (مقاطعة) ميسور، على بعد ألف ميل طيران من مسرح الأحداث.

 

أمّا التقارير الموضوعية الصادرة من دلهي، فتُظهر أن خيال قسٍّ إنكليزي قادرٍ على توليد الفظائع هو أسوأ من المزاج المتوحّش لمتمرّدٍ هندوسي. فجدع الأنوف وقطع صدور النساء، الخ.، أي باختصار التشويهات الفظيعة التي ارتكبها السباهية، تثير مشاعر الأوروبيين أكثر من قصف مساكن كانتون بالمدفعية بأمرٍ من أمين سرّ "جمعية مانشستر للسلام" أو شيّ العرب في المغارة التي تكدّسوا فيها من قبل ماريشال فرنسي، أو الجنود البريطانيين الذين سُلخوا أحياء بواسطة (سوط) "الهرّ ذي الأذناب التسعة" بأمرٍ من المحكمة العسكرية، وغيرها من الأساليب الرؤوفة، والسائدة في معتقلات المستعمرات البريطانية. فللقسوة، كما لأي شيءٍ آخر، موضتها المتغيّرة بحسب الزمان والمكان. هكذا يروي جول سيزار، القيصر الأديب المتمكّن، بكل براءة، كيف قُطعت اليد اليمنى لعدة آلاف من المحاربين الغاليين، بناءً على أوامرٍ منه. كان نابليون سيخجل من فعل ذلك. فهو كان يفضّل إرسال كتائبه المتّهمة بالنزعة الجمهورية إلى مستعمرة سان دومينغ ليموتوا على أيدي السود أو بسبب الطاعون. وتذكّر أعمال التشويه الشائنة التي ارتكبها جنود السباهية بممارسات الإمبراطورية البيزنطية المسيحية أو بفروض قانون الإمبراطور شارل الخامس الإجرامي أو، أيضاً، في أوروبا يعقوبات الخيانة العظمى، كما سجّلها القاضي بلاكستون. ففي نظر الهندوس، الذين جعلت منهم ديانتهم بارعين في فنّ تعذيب أنفسهم، يبدو ما ينزل بأعداء عرقهم ودينهم من تعذيبٍ أمر طبيعي؛ وهو كذلك بالطبع في نظر الانكليز الذين كانوا، لسنواتٍ خلت، يحصّلون المداخيل من أعياد الـ"جوغرنوت" [2] بفضل توفير الحماية والرعاية لشعائرٍ دمويّة خاصة بديانة القسوة. فالزئير المحموم لـ"هذه التايمز العجوز الدموية"، كما كان يسميها كوبيت [3]، وطريقتها في لعب دور الشخصية الغاضبة، في أوبرا لموزار، التي تسعد بنبرتها السيّالة لفكرة القبض على العدو ثم شوائه وفسخه وخوزقته فسلخه حيّاً. هذه الحمّى الثأرية كانت لتبدو بلهاء لو لم نُدرِك، خلف الخطابية المأساويّة، خيوط الملهاة المسرحية البارزة. إذ تبالغ صحيفة "التايمز" اللندنية؛ وليس فقط بسبب الذعر. فهي توفّر للكوميديا موضوعاً فات موليير، ألا وهو "طرطوف (المرائي) الثأر". وما تسعى له، ببساطة، هو الضجّة الإعلامية لتوفير موارد الدولة والتغطية على الحكومة. وكما أن دلهي لم تسقط من نفح الريح، على غرار جدران أريحا، فإن جون بول الانكليزي سيصاب بالدوار من سماع صراخ الثأر كي ينسى مسؤولية حكومته عن الضرر اللاحق والأبعاد الضخمة التي اتخذها هذا الضرر عمداً.

 

[1]  "سباهي" تعني جندي بالفارسية، والكلمة دخلت التركية وبعض لغات الهند بهذا المعنى. وفي اللغة العربية، الكلمة تحيل إلى بعض فرق الفرسان الأتراك (العثمانيين)، وكذلك لاحقاً إلى الجنود المغاربة في الجيش الفرنسي. وهي لم تستخدم على ما يبدو للإشارة إلى الثورة الهندية التي يتحدّث عنها المقال، بل يتم استخدام تهجئة: سيبوي cipaye المأخوذة عن الإنكليزية، رغم أن أصل الكلمة هو المعنى الفارسي نفسه.

[2] هذه الكلمة مأخوذة من اللغة السنسكريتية وتعني "إلاه الكون" وهي دلالة على أحد أسماء الإلاه كريشنا.

[3] صحافي وكاتب رأي ورجل سياسي بريطاني (1763-1835).

كتب كارل ماركس هذا النص في الرابع من أيلول/سبتمبر 1857، وقد صدر في صحيفة "نيويورك دايلي" بتاريخ 16 أيلول/سبتمبر 1857.