طريق الحرير (1)

أهمية الحرير:
يعتبر الحرير من أهم مكتشفات الشعب الصيني قديماً ومبتكراته الحضارية المفيدة عبر العصور. وقد تزايدت أهمية الحرير التاريخية والاقتصادية والفنية بمرور الزمن حتى غدا الحرير من أهم مواضيع التبادل التجاري والتجارة الخارجية العالمية. وقد أصبحت للحرير مهن فرعية مختلفة وأسواق تجارية خاصة. وإن تزايد أهمية الحرير وتجارته جعل (طريق القوافل التجارية) التي تنقله من الصين إلى روما يعرف عالمياً باسم (طريق الحرير).

وإن أهمية (طريق الحرير) وأثره الكبير في التبادل التجاري والحوار الفكري والتفاعل الحضاري.... قد دفعت (منظمة اليونيسكو) كي تناشد مجتمعات العالم والدول الأعضاء في هيئة الأمم المتحدة للقيام بكل ما من شأنه بحث واستقصاء ومتابعة آثار (طريق الحرير) عبر أقطار عديدة في قارات آسيا وإفريقيا وأوروبا براً وبحراً... وذلك في سبيل متابعة طريق الحرير أملاً من منظمة اليونيسكو في فتح (حوار حضاري) جديد يسهم جدياً في تقارب الشعوب والأمم. وتقدم المجتمع الإنساني، وازدهار الاقتصاد، وتوثيق العلاقات المختلفة بين دول العالم.

وإذا كان (طريق الحرير) موضوع بحث علمي، ورمز إنجاز حضاري، وعامل اتصال تاريخي وحضاري وودي بين عالم الشرق وعالم الغرب قديماً، فانه غدا في عصرنا الحاضر موضوع بحث حوار فكري وتفاعل حضاري بين أقدم الحضارات الإنسانية العالمية التي نشأت وازدهرت في كل من الصين وتركستان وكوريا وأفغانستان وشبه القارة الهندية وإيران وبلاد ما بين النهرين وبلاد الشام وشبه الجزيرة العربية واليمن السعيد ومصر واليونان وإيطاليا... الخ.

وإذا كان التاريخ يبدو أحياناً في نظر بعضهم وكأنه فقط (تاريخ معارك وحروب وغزوات وحكام وقواد وملوك وأباطرة..)، فإن دراسة (طريق الحرير) تظهر من جديد أهمية دراسة (التاريخ الحضاري) محلياً وإقليمياً ودولياً وعالمياً.

مصدر اسم (طريق الحرير):
بعد قيام العالم الجيولوجي والرحالة الألماني (فرديناند فون ريتشهوفن Ferdinand von Richthoffen ) عام 1860م برحلاته العديدة والمختلفة إلى أقطار الشرق، وعاد منها إلى أوروبا عام 1872م أطلق على هذا الطريق التجاري الهام ـ المنطلق من الصين حتى روما اسم (طريق الحرير)، وذلك بعد ما كان قد استنتج أهمية الحرير التاريخية والعلمية والحضارية والاقتصادية المتميزة... فصار اسم (طريق الحرير) في عصرنا الحاضر مقبولاً وشائعاً. وموضع بحث علمي واهتمام جدي. ويتضمن هذا المصطلح العملي الجديد ما يلي:

1ـ طريق الواحات
2ـ طريق مدن القوافل التجارية
3ـ طريق الأراضي المقفرة

من الأساطير القديمة المتعلقة باكتشاف الحرير:
إذا كان لكل اكتشاف أسطورة خيالية أو قصة تاريخية... فإن لاكتشاف الحرير أكثر من قصة طريفة وأسطورة جذابة تدل على أهمية دقة الملاحظة الذكية في تحقيق الاكتشافات الهامة في تاريخ الحضارة الإنسانية، ودور الصدفة السعيدة في تحقيق منجزات مفيدة في ميادين الحياة.

وتوارثت الأجيال المتعاقبة تلك الأسطورة الطريفة. وذكرها المؤرخون والباحثون. ويمكن تلخيص أسطورة اكتشاف الحرير كما يلي:

في نحو عام 2640 ق.م كانت زوجة الإمبراطور (هوانج تي) الإمبراطورة (سي ـ لينغ ـ تشي Si Ling - Chi) أو (لوي ـ تسي Loui-Tsé) قد لاحظت بذكائها المتميز ودقة ملاحظتها الذكية أن الشرانق تنحل إلى خيوط دقيقة وطويلة في الماء الساخن المغلي، فكانت هذه الملاحظة الذكية بداية قصة اكتشاف خيوط الحرير وحسن الإفادة منها.

وهناك من ينسب إلى هذه الإمبراطورة نفسها فضل تعليم الصينيين زراعة أشجار التوت Murier وتربية دودة القز على أوراقها.

كما ذكرت التقاليد الصينية القديمة اسم الحاكم الصيني (فوهشي Fuhsi) في نحو 2852 ق.م كأول حاكم صيني مستنير، علّم أبناء شعبه فنون الكتابة والموسيقا والصيد وتربية دود الحرير.

وهناك أيضاً من ينسب فضل اكتشاف الحرير إلى الإغريقية (بامفيلي Pamphili) في جزيرة (كوس).

من تقاليد الإشادة بهذا الانجاز الحضاري:
إن أهمية صناعة الحرير في بلاد الصين قديماً قد جعلت من تقاليد كل إمبراطورة أن تشيد بهذا الإنجاز الحضاري المتميز ومبدعه، وتضحي سنوياً على شرف تلك الإمبراطورة الصينية القديمة في المعبد الذي أقيم لها، وأهدي لها في العاصمة بكين. وقد استمرت هذه التقاليد حتى سنة الثورة عام 1911م.

وتشير النصوص القديمة أن بلاد الصين عرفت فن صناعة نسيج خيوط الحرير قبل حوالي خمسة آلاف سنة، فاشتهرت بهذه الصناعة الفنية، وأخيراً انتقلت من بلاد الصين أسرار معرفة الحرير من تربية دود القز إلى مختلف الأقطار المجاورة الواقعة في غربي بلاد الصين، وكان قدماء الرومان يطلقون على الأقطار الواقعة وراء نهر الغانج اسم بلاد الحرير Seres.

الحرير مادة ترف وبذخ:
تميز الحرير بلونه الأبيض الجميل الضارب إلى الصفرة، وخصائصه المتميزة العديدة (كالنعومة والمتانة، وشبه الشفافية الجميلة الجذابة.. الخ)، مما جعل الحرير مادة جميلة حرص الملوك القدماء وكبار السادة الأغنياء من رجال ونساء على شرائها والظهور بها بمظهر الغنى والترف والبذخ والجمال والوقار والاحترام.. في عصر كان فيه (ثمن الحرير بوزنه ذهباً).

ومنذ القرن الأول الميلادي، استخدم الحرير الصيني الجميل في (صناعة الملابس الحريرية الجميلة Sericae Vestes) التي كانت مطلوبة كثيراً في روما عاصمة الإمبراطورية الرومانية، وسيدة العالم القديم، في عصر تميز بتذوق جمال الضخامة والعظمة والإثارة الجمالية. ولم تكن النساء الإمبراطورات والثريات وحدهن الراغبات في التدثر بتلك الملابس الحريرية الجميلة والثمينة والنادرة... لأن أباطرة روما وكبار الأغنياء كانوا أيضاً يرغبون في ذلك في سبيل الظهور بتلك الملابس الحريرية الجميلة بمظهر العظمة والجلال والوقار والاحترام والجمال، وإثارة شعور التقدير والإعجاب بهم في نفوس الآخرين أجمعين. وقد ورد في (تاريخ أوغست) أن الإمبراطور (إيلاجبال 218-222) كان أول من أبدع عادة تدثر أباطرة روما بالملابس الحريرية الجميلة الصافية. فاعتبر بعضهم ذلك بمثابة تصرف غير مناسب للرجال Degradante.

وكانت ندرة الحرير، وارتفاع ثمنه الباهظ جداً مما كان يحول دون حياكة الأقمشة من خيوط حريرية صافية فقط، لهذا كان الحائكون ينسجون الأقمشة من خيوط كتانية وقطنية مع خيوط حريرية وذلك بنسب مختلفة. وكثيراً ما كانوا يضطرون إلى إعادة استخدام خيوط الأقمشة الحريرية الصافية المستوردة من الشرق. ومنذ القرن الثالث الميلادي، بدأ التمييز الدقيق بين نوعين من الملابس الحريرية المختلفة كما يلي:

1ـ ملابس قماشها من الحرير الصافي Vetement de Holo Sericae Vestas Pure Soie التي لم تكن عامة الانتشار، بل كانت خاصة بالأباطرة وكبار الأثرياء قديماً.

2ـ ملابس قماشها من خيوط كتانية وقطنية مع خيوط حريرية وذلك بنسب مختلفة Vetement de Semi-Soie أو Vestas Subsericae.

وفيما بعد، انتشر تذوق الحرير وصار استخدامه تدريجياً على نطاق واسع، حتى غدا بعض الأشخاص من ذوي الإمكانات المحددة يتدثرون بملابس من أقمشة من خيوط كتانية وقطنية مع خيوط حريرية بنسب مختلفة. كما غدا الحرير من أجمل الهدايا الرسمية الثمينة المقدمة في المناسبات الرسمية. وكان الإمبراطور الروماني يحرص على اغتنام فرص المناسبات والاحتفالات والألعاب، وذلك كي يقوم بتوزيع هدايا من ملابس حريرية وغيرها، على من كان يستحق التكريم والتقدير والمكافأة.

صعوبة اجتياز طريق الحرير قديماً:
كانت الفتن والاضطرابات التي يثيرها أفراد قومية (شيونغنو/الهون) القديمة في الصين من أهم أسباب صعوبة اجتياز طريق الحرير قديماً، مما كان يؤدي إلى خسارة مادية وأزمات اقتصادية لها نتائجها الخطيرة المختلفة. مما جعل الإمبراطور (وو ـ دي 140 ق.م - 87 ق.م) من أسرة (هان الغربية الملكية) يهتم بهذا الموضوع الخطير والهام. ويرسل مبعوثاً من قبله يدعى (تشانغ تشيان) مرتين الى أقطار آسيا الوسطى لمعالجة الموضوع، وذلك بإجراء اتصالات عديدة ومفيدة مع:

ـ دويلة داروتشي القديمة (في شمالي نهر آموداريا).
ـ دويلة دوسون (في حوض نهر بيلي، في شمال جبال تشيان).

فوصل هذا المبعوث الإمبراطوري تشانغ تشيان إلى أقطار عديدة مجتازاً نحو خمسة آلاف كيلومتر، في فترة تزيد عن عشر سنوات، تجشم خلالها المتاعب المختلفة والمصاعب العديدة، وواجه الأخطار المختلفة. ولكنه بذكائه ودهائه وإخلاصه وحرصه على حسن قيامه بمهمته، استطاع أن يتعرف على مناطق مختلفة، ويطلع على شؤونها السياسية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ويلاحظ عادات سكانها وتقاليدهم الاجتماعية وكل ما يتعلق بهم. مما جعله باكتشافاته بمثابة (كولومب بلاد الصين). وبعد عودته إلى بلاده، رفع تقريره الرسمي، وتوصياته المفيدة والعديدة الى الإمبراطور (وو ـ دي) الذي هنأه على حسن إعداد تقريره الرسمي، وتبنى توصياته التي كان منها ما يلي:

ـ إقامة العلاقات الودية مع سادة تلك المناطق المختلفة، ما أسهم جدياً في تسهيل عملية مرور القوافل التجارية في طريق الحرير عبر أراضيها، وذلك بكل أمن وأمان واطمئنان وسلم وسلام.

ـ تأسيس أربع ولايات (هي: وو دي، تشاتفيه، جيو تشيوان، دوا نهوانغ)، فتحت أبوابها التجارية للعالم الخارجي. أضف إلى ذلك بناء أسوار الحراسة، وإقامة الأبراج النارية للمراقبة والإنذار، وتنظيم جنود مرابطين فيها، يقومون بعملية إصلاح الأراضي، وإقامة دائرة خاصة للإشراف على هذه المناطق في غربي بلاد الصين نيابة عن السلطة المركزية... الخ.

ـ حسن الإفادة من ممرين في شمالي (قانسو) في ضواحي محافظة أو ولاية (دوانهوانغ) في: يوغين، يانفقوان. مما جعل القوافل التجارية تنطلق من تشانغان عاصمة أسرة هان الغربية الملكية في طريق الحرير مجتازة الولايات الأربع والممرين الهامين، وكان هذا الطريق يتفرع إلى:

ـ طريق فرعي جنوبي: يتجه نحو الغرب من شمالي جبال أرجين وكونلون، مروراً بمناطق تشيمو، وجنيجيوي، وخوتان، وبيشان، وشاتشه...، إلى أن يخترق هضبة البامير، ثم ينعطف في جهة الجنوب الغربي إلى أقطار شبه القارة الهندية، أو إلى جهة الغرب حيث هناك مناطق شمال نهر آموداريا، ومنه إلى بلاد إيران فبلاد ما بين النهرين، فبلاد الشام، فالساحل السوري، فاليونان، فايطاليا، فأقطار أوروبا.

ـ طريق فرعي شمالي: يتجه إلى جهة الغرب من جنوبي (جبال تيانشان) مروراً بمناطق (بانتشي، وولي اكوتشار، آكسو، كاشفر...) حتى يخترق (هضبة البامير) حيث هناك مدن هامة ومراكز اقتصادية متميزة (مثل: فرغانة، سمرقند...) ثم يعطف الطريق إلى جهة الجنوب الغربي كي يصل أخيراً إلى بلاد إيران فبلاد ما بين النهرين فبلاد الشام فالساحل السوري فبلاد اليونان.. إلى روما.

وكانت (طريق الحرير البرية) تمتد وتنحرف وتتجه وتنعطف نحو المناطق التي توفر للقوافل التجارية في طريق الحرير الأمن والأمان والاطمئنان، والسلم والسلام والراحة، والاستقرار والفعاليات والازدهار.

وهكذا كانت تلك القوافل التجارية تنطلق من بلاد الصين (بلاد الحرير) من مدينة تشانغان في طريق الحرير البري عبر ممر فهشي الذي يفيد اسمه معنى ممر غربي النهر. ويشتهر باسم ممر قانسو الذي جرت فيه معارك عديدة وذلك في سبيل الحفاظ على طريق الحرير مفتوحاً أمام القوافل التجارية.

وكثيراً ما كان تجار الحرير ينقلون بضائعهم بوساطة القوافل التجارية حتى بلاد تركستان إلى المدينتين الحدوديتين الهامتين وهما: كاشفر وخوتان. ومن هناك ينطلق طريقان إلى بلاد الشام والساحل السوري إلى عالم البحر المتوسط، وذلك إما من جهة بحر قزوين... أو عبر نهر الفرات.

وكانت مدينة (تشانغان/مدينة شيان الحالية في مقاطعة شنشي) نقطة البداية في طريق الحرير، إذ أنها كانت عاصمة البلاد في عهد أسرة هان الغربية الملكية 206ق.م-220م وأسرة تانغ الملكية 816-907 ق.م.

وإذا كانت طريق الحرير البرية تمر بـ (Sogdian) فإن هناك طريقاً بحرياً للحرير كانت مراكبه تتجه إلى سيلان لنقل الحرير وغيره إلى المرافئ المختلفة في الخليج والبحر والأحمر وعالم البحر المتوسط. وكان طريق الحرير البري هاماً أيضاً، ويمتد من شبه القارة الهندية المرتبطة بمناطق هامة (مثل باكتريان، كابول..) ويتجه:

ـ إما نحو مرافئ الخليج.
ـ أو نحو مرافئ شواطئ البحر الأحمر.

وإذا كانت أسرة (هان الخامسة الملكية 206ق.م-202م) قد اتخذت كل ما يلزم لحماية أمن وسلامة القوافل التجارية في طريق الحرير البري، فإن هذه السياسة الاقتصادية قد استمرت أيضاً في عهد الأسرتين الجنوبية والشمالية 420-589م. وأصبح لطريق الحرير ثلاثة منطلقات من شيان، ومن شمالي قانسو، ومن دونهوانغ. وقد استمرت هذه السياسة الاقتصادية أيضاً في عهد أسرة سوي 581-618م الملكية التي اهتمت بحماية طريق الحرير، وأسست عدداً من المراكز والنقاط الأمنية في مناطق غربي بلاد الصين، وقامت باتخاذ كل ما يلزم في سبيل تأكيد سلامة أصحاب القوافل التجارية على امتداد طريق الحرير.

ولكن انهيار حكم أسرة تانغ 618-907م الملكية، وضعف سيطرة الحكومة المركزية على شمالي غربي الصين، وظهور سلطات محلية انفصالية أثارت الفتن والاضطرابات في المناطق الغربية وشمالي قانسو. كل هذا قد أدى إلى تراجع فعاليات التبادل التجاري على طريق الحرير البري، وزيادة أهمية طريق الحرير البحري في اتصال الصين بأقطار العالم. مما أسهم في مجيء أفواج الرحالة الملاحين والتجار والمسافرين. وكان من تلك الرحلات المشهورة رحلة ماركو بولو 1254-1323م ومشاهداته المختلفة التي ذكرها في كتابه، فأسهمت في اطلاع الأوروبيين على حضارة الصين الراقية وأسرارها الغامضة.

المحافظة على أسرار فن تربية دودة القز وصناعة الحرير:
منذ اكتشفت الإمبراطورة الصينية سي ـ لينغ ـ تشي بذكائها ودقة ملاحظتها طريقة الحصول على خيوط الحرير من الشرانق، أدرك سادة الصين أهمية هذا الاكتشاف وفوائده العديدة، ووجوب المحافظة على أسرار فن تربية دود القز وصناعة الحرير الصيني التي اشتهر بها الصينيون وأفادوا مادياً من هذه الصناعة الفنية فائدة كبيرة. مما جعلهم يدركون ضرورة المحافظة على هذه الصناعة الفنية وأسرارها واحتكارها وذلك لضمان استمرار مواردها الاقتصادية الهامة والكبيرة، ووجوب متابعة سياستهم الاقتصادية المتعلقة باحتكار هذه الصناعة الفنية، واتخاذ كل ما يلزم لاستمرارها وازدهارها وحسن الإفادة منها بتصدير منتوجاتهم الحريرية إلى أسواق العالم القديم براً وبحراً.

كل هذا جعل صناعة الحرير سراً من الأسرار العلمية والفنية الغامضة طيلة فترة طويلة من الزمن، استطاع الصينيون خلالها أن يحتكروا هذه الصناعة الفنية الهامة، ويفيدوا منها كثيراً من احتكارها والمحافظة على أسرارها، وبيع إنتاجها بأسعار مرتفعة جداً، في عصر كانت فيه أهمية الحرير كأهمية الذهب والماس وقيمته بوزن الذهب. مما يوضح مدى اهتمام سادة الصين القدماء باتخاذ كل التدابير المختلفة اللازمة والفعالة في سبيل تنفيذ سياستهم الاقتصادية، والمحافظة على أسرار هذه الصناعة الفنية، واحتكار إنتاجها الثمين.

وفي الواقع، كانت تدابير سادة الصين القدماء فعالة ومجدية إلى حد كبير، وحققت لهم حماية هذه الصناعة الفنية، واستمرار احتكارهم معرفة أسرارها، ومتابعة الاتجار بمنتوجاتها الحريرية بأسعار مرتفعة جداً مدة طويلة من الزمن.

وكان الرومان ـ كغيرهم من الشعوب القديمة ـ يجهلون كلياً طبيعة الحرير، وأسرار صناعته الفنية، واستمر ذلك في العصر البيزنطي حتى عام 555م، وكان بعضهم يعتقد بأنه يصنع من زغب نباتي، وأن أصل الحرير نباتي.. الخ. وقد دام هذا الاعتقاد حتى فترة حياة المؤرخ والجغرافي الإغريقي بوزانياس في القرن الثاني الميلادي. فأخذ بعضهم يشير إلى الأصل الحيواني للحرير، وكانوا يسمون البلاد الواقعة فيما وراء نهر الغانج باسم بلاد الحرير من لفظ الحرير مما يدل على أن اسم الحرير مصدره من الصين.

وفي الواقع، كان الغرب يجهل اللؤلؤ والحرير، وغيرهما من روائع الشرق القديم ومكتشفاته ومنجزاته الحضارية. ودام عدم معرفة الغرب اللؤلؤ حتى العصر الهيلينستي، وغدا بعدئذٍ من البضائع التي تهتم بها قوافل طريق الحرير، وذلك نتيجة انفتاح الغرب على الشرق منذ حملة الإسكندر المكدوني 356-323ق.م. وإذا كان تصدير الحرير الصيني إلى أوروبا متأخراً زمنياً، فإن حملات الرومان الحربية المختلفة في أقطار الشرق القديم وبخاصة في حوض الفرات جعلتهم على صلة مباشرة مع عالم الشرق القديم وفعالياته المختلفة وتحفه ونفائسه وروائع صناعاته الفنية منذ نهاية القرن الأول قبل الميلاد.

والجدير بالذكر أن عمليات تصدير الحرير الصيني كانت تتم في ثلاثة أشكال كما يلي:
1ـ حرير خام.
2ـ خيوط حريرية صينية.
3ـ أقمشة حريرية صينية.

وكانت صناعة الأقمشة الحريرية تشمل ما يلي:
1ـ حياكة خيوط الأقمشة الحريرية.
2ـ صنع الخيوط الحريرية بالألوان، وبخاصة بالأرجوان الأحمر القاني الجميل.
3ـ المطرزات المختلفة... مما كان يضاعف السعر.

تسرب أسرار فن تربية دود القز وصناعة الحرير من الصين:
رغم كل التدابير المختلفة التي اتخذها سادة الصين القدماء في سبيل المحافظة على أسرار فن تربية دود القز وتقنية صناعة الحرير، فقد تسربت هذه الأسرار خارج الصين بطرق مختلفة ومن قبل جهات مختلفة. مما هدد احتكار الصين لهذه الصناعة الفنية ومواردها الاقتصادية الهامة والكبيرة.

فقد ورد في كتاب المناطق الغربية في عهد أسرة تانغ الملكية 618-907م أن دويلة تشويسادانا في خوتيان / من شينجيانغ حالياً كانت تجهل زراعة أشجار التوت وفن تربية دود القز وتقنية صناعة الحرير الفنية. وأدرك ملكها بذكائه وخبرته أهمية الحرير الاقتصادية، فرغب في نقل هذه الصناعة الفنية الهامة إلى بلاده للإفادة منها اقتصادياً وفي مختلف ميادين الحياة. فبعث موفدين إلى الدولة الشرقية(أي الصين المتميزة بأشجار التوت العديدة والمفيدة والخبراء في ميادين تربية دود القز وصناعة الحرير الفنية. استقبل ملك الصين الموفدين الذين حدثوه عن مهمتهم، بأن معرفة أسرار أشجار التوت ودود القز والشرانق من بلاده يقع تحت طائلة العقوبات الجزائية الصارمة. مما أثار استياء ملك تشويسادانا الذي أخذ يفكر من جديد في الطريقة المجدية التي من شأنها أن تحقق رغبته في معرفة أسرار صناعة الحرير الفنية. فبدت له فكرة ماكرة من شأنها أن تحقق غايته ومآربه البعيدة وذلك بمشروع زواج ملكي. طلب ملك تشويسادانا يد أميرة من أميرات الدولة الشرقية / أي الصين، وذلك بأجمل العبارات الأدبية والمختارة والمنمقة، مرفقة بأجمل الهدايا الملكية الثمينة والفاخرة والنادرة، مما أسهم في الحصول على الموافقة على مشروع زواج تلك الأميرة الشرقية. وبعدئذ عهد ملك تشويسادانا إلى مندوبه بإعداد كل ما يلزم لحسن استقبال تلك الأميرة الشرقية، وإعلامها سراً بأنه ليس في مملكة تشويسادانا حرير، وأنه من المستحسن أن تحمل معها أو مع أمتعتها عدداً من بيوض دودة القز. استجابت تلك الأميرة الشرقية الفتاة لهذا الطلب، وقد وثقت بالمندوب الموفد لمساعدتها في السفر من بلادها إلى مملكة تشويسادانا، فوضعت عدداً من بيوض دود القز سراً في لباس رأسها. وعندما مرت مع موكبها بمركز المراقبة والتفتيش على حدود بلادها، كان من الطبيعي أو لا يجرؤ أحد على تفتيشها. فتسربت للمرة الأولى أسرار فن تربية دود القز وصناعة الحرير خارج الصين موطنها الأصلي. والجدير بالذكر أن عالماً آثارياً غربياً عثر في عام 1900م في أطلال معبد قديم في (خوتيان/من شينجيانغ حالياً) على أثر فني قديم ثمين وهام يمثل قصة هذا الزواج الملكي كما يلي:

ـ في الوسط: تبدو الأميرة الفتاة سيدة عظيمة متدثرة بالملابس الحريرية الجميلة والثمينة والفاخرة، ويعلو رأسها تاج فخم... وقد وقف إلى يمينها رجل يحمل دولاب الغزل وتبدو إلى يسارها سلة مليئة بشرانق دود القز... كما تبدو خادمة تشير بيدها اليسرى إلى تاج هذه الأميرة الفتاة.

مما جعل هذا الأثر الفني الهام المكتشف يمثل وصفاً جميلاً ودقيقاً لحكاية تلك الأميرة الشرقية الفتاة وحادث خروجها من بلادها الصينية إلى بلاد زوجها في مملكة تشويسادانا ناقلة معها سراً عدداً من بيوض دود القز.... وهكذا حقق ملك تشويسادانا بذكائه رغبته في معرفة أسرار صناعة الحرير الفنية، فتسربت أسرار فن تربية دود القز وصناعة الحرير الفنية خارج بلاد الصين.