اللجنه العسكريه للبعث السوري-1-

قصة اللجنة العسكرية للبعث السوري ( 1 / 4 )
د. كمال خلف الطويل : ( كلنا شركاء) 5/5/2005
يعود مروان حبش من صقيع شباط / فبراير - البعث، ليحدثنا عن اللجنة العسكرية للبعث حديث العارف. والحاصل أن هذه اللجنة السرية والتي حكمت سوريا ما بين 8 آذار / مارس 1963 وحتى 13 تشرين أول 1970، هي واحدة من أهم سياقات البعث التاريخية التي لم تخرج قسماتها ومساراتها للنور بعد.
الثابت هو أن ضباط البعث العربي الإشتراكي - بفلقتيه البعث العفلقي- البيطاري .. والعربي الإشتراكي الحوراني - لعبوا دورا شديد الأهمية سواء في الانقلاب على الشيشكلي في شباط / فبراير 1954 أم في التأثير على الحياة السياسية السورية التي تلت ذلك الانقلاب وصولا إلى الوحدة.
كان نجمهم مصطفى حمدون - الحوراني الولاء - هو بطل تمرد حلب الذي تفشى في عديد من المحافظات دون دمشق ونجح في إقناع الشيشكلي بأن سبيله للبقاء - وكان ممكنا - هو الولوغ في الدم واصطدام قطعات الجيش ببعضها البعض. فضل الشيشكلي بعد ما ينوف عن سنوات أربع من الحكم - غير المباشر ثم المباشر - اجتناب طريق الدم واللجوء عند حلفائه آل سعود. كان رجحان فئة الحوراني من ضباط البعث الاشتراكي غالبا. فمنهم حمدون وقنوت ودريعي وعياش والمنجد والمفتي والشاغوري وموسى باشا وزكار، وكانوا الأعلى رتبة من الضباط صغار الرتبة كعمران ومجايليه. كانت هناك أيضا فئة بعثية لم تدخل لعبة المحاور داخل الحزب مثل جمال الصوفي وبشير صادق ونبيه الصباغ وأمين الحافظ. في آذار / مارس 57 دخل البعثيون العسكريون أول بروفة إنقلاب في فترة ما بعد الشيشكلي عندما غضبوا لقرار اليمين السوري المتحالف معهم في وزارة ائتلافية نقل حليفهم عبد الحميد السراج ملحقا عسكريا في الهند. أحسوا أن من يبدأ بالسراج سيثني بالبعث وأن خسران موقع مدير المخابرات العسكرية هو ضربة في الصميم لا مناص أمامهم من ردها. في فترة 1954-1958 توزعت مح! اور العسكريين السوريين السياسية على:
1- البعث.
2- بقايا الشيشكلي وعلى رأسهم العقيد أمين النفوري وأحمد عبد الكريم وحسين حدة وطعمm العودة الله وأحمد الحنيدي، وهم متحالفون مع تيار المليونير الأحمر خالد العظم وهو السياسي السوري الذي ركب موجة التقارب مع الاتحاد السوفيتي رغم يمينيته القاطعة في الداخل.
3- المحايدون وهم الذين كانوا مقربين من الشيشكلي لكنهم لم يدوروا في فلكه لدرجة الارتباط ومنهم: عبد الحميد السراج وجاسم علوان ومحمد النسر وأكرم الديري وياسين الفرجاني وعبد الله جسومة ومصطفى رام حمداني وغالب الشقفة.
4- اليمين وعلى رأسهم ضباط مثل توفيق نظام الدين - رئيس الأركان الذي خلف شوكت شقير عام 56 - وطالب الداغستاني وسهيل العشي وزهير الصلح وعمر القباني وهشام السمان وحسن العابد ورياض الكيلاني.
ما الذي فعله البعثيون العسكريون في آذار / مارس 1957؟ هم رفضوا قرار شكري القوتلي رئيس الجمهورية وصبري العسلي رئيس الحكومة وخالد العظم وزير الدفاع بنقل السراج واعتصموا بمعسكر قطنا معلنين العصيان وتحت سيطرتهم القوة الآلية (لواء مجحفل) وهي أقوى القطعات حينها في الجيش. كان هذا العمل مقرونا بتدخل محمود رياض، السفير المصري بدمشق كفيلا بانصياع اليمين المدني الشريك في الحكم وعدوله عن قراره. أراد حمدون الاندفاع أكثر لدرجة الانقلاب الصريح لصالح إيصال البعث للسلطة لكن الحوراني لجمه لا لنبل في السبب وإنما لتقديره الصحيح للقدرة. كانت أهم نتائج عصيان قطنا هي التدهور المتسارع لوضع اليمين العسكري ذلك أن عمـر القباني كان شريكا في العملية الانقلابية المجهضة في نهاية تشرين الأول / أكتوبر 56 - على يـد السراج والتي رعتها المخابرات المركزية وجهاز المخابرات البريطاني M16 وجمعت الحزب القومي السوري وعديدا من سياسيي اليمين ومنهم أسماء لامعة بعضها غير متوقع مثل بدوي الجبل وكذلك ضباط مسرحين اشتغلوا عملاء لمخابرات العراق الهاشمي أمثال محمد صفا ومحمد معروف وحسين الحكيم. كان عمر القباني باعتراف بيل ليك! لاند في كتابه حبال من رمال عميلا رسميا للمخبرات المركزية الأميركية (سي آي إيه) ومنسقا مع الرأس المدني الأكبر ميخائيل إليان.
طوال ربيع وصيف 1957 تنامت حملة التصفية لليمين العسكري لتصل ذروتها في آب / أغسطس 1957 بإقالة رمزه، رئيس الأركان، توفيق نظام الدين وتعيين عفيف البزرة الماركسي الولاء رئيسا للأركان وحوله مجلس قيادة من مجموع 24 ضابط هم بالإضافة للبزرة: أمين النفوري وأحمد عبد الكريم وطعمة العودة لله وحسين حدة وأحمد الحنيدي عن بقايا الشيشكلي ... أمين الحافظ ومصطفى حمدون وبشير صادق وجمال الصوفي وعبد الغني قنوت عن البعث .. إبراهيم فرهود مع البزرة عن الماركسيين / الشيوعيين .. عبد الحميد السراج وأكرم الديري ومصطفى رام حمداني ومحمد النسر وجادو عز الدين وجاسم علوان وعبد الله جسومة وياسين الفرجاني وغالب الشقفة ونورالله الحاج إبراهيم ولؤي الشطي عن المستقلين.
حكم مجلس القيادة العسكرية سوريا شهورا ستة فرض فيها أجندته على الحياة السياسية السورية والتي كانت في المجمل متلاقية على طول الخط مع رغبات ومشاعر جماهير الشعب السوري وهي باختصار الوحدة مع مصر عبد الناصر. كان ذلك أيضا متلاقيا مع رغبة البعث - المنقسم داخليا - والذي وجد في الاتحاد مع سوريا تساوقا مع الرغبة الشعبية .. تحقيقا لواحد من شعاراته .. هروبا إلى الأمام من أزمته الداخلية .. وفرصة لقادته ليحكموا سوريا عبر صيغة الاتحاد كونهم الأقرب فكريا وسياسيا لعبد الناصر وفرصة لعفلق بالذات ليضحي مفكر عبد الناصر - أي سوسلوف العربي - تاركا له الرمزية والقيادة. عند مسألة الوحدة تلاقت التيارات العسكرية الثلاث وأسهمت في هذا التلاقي أمور ثلاث:
خوف كل كتلة من الأخرى وانعدام الثقة بينها بل والتربص لبعضها البعض .. خوف الجميع من التهديد العراقي - التركي المرعي أنجلو- أميركيا .. شعور الجميع بأن رغبة الشعب السوري لا ترد. في ذات الشهر الذي تولى فيه مجلس القيادة العسكرية مسؤولياته قام عبد الحميد السراج نجم المجلس ومدير المخابرات العسكرية بإلقاء القبض على الكولونيل هيوارد ستون الملحق العسكري الأمريكي وطرده خارج سوريا كشخص غير مرغوب فيه وذلك لرعايته محاولة إنقلاب كان سهمها أديب الشيشكلي .. مرة أخرى. بهذا الفشل صعّدت واشنطن من تهديداتها لسوريا عبر أمر حليفتها الأطلسية تركيا بحشد قواتها على طول حدود سوريا الشمالية مهددة بالاجتياح في تشرين الأول / أكتوبر 1957.
رد عبد الناصر بإنزال قوات بحرية محمولة بحرا في ميناء اللاذقية تضامنا مع سوريا ورسالة لأصحاب التهديد بالتوقف عته. مع نهاية 1957 تبلور الموقف داخل مجلس القيادة لصالح الوحدة مع مصر. لم يكن متبلورا عندهم شكل الوحدة لكنهم ببساطتهم واندفاعهم تركوا الأمر لعبد الناصر. بالمقابل كان عبد الناصر شديد التهيب من مسألة الوحدة - أو حتى الاتحاد - مفضلا المزيد من أعلى درجات التنسيق والتكافل في كل المجالات وعبر سنوات انتقالية خمس يمكن بعدها ترجمة النهج بوحدة دستورية.

مع اشتداد تقلصات الرغبة الوحدوية في المجلس أوفد عبد الناصر العميد حافظ إسماعيل رئيس أركان القيادة المشتركة للقاء صريح مع المجلس وضع فيه أمامهم تصور عبد الناصر للوحدة - رغم الممانعة الجادة - فيما لو قامت وهي بكلمة واحدة وحدة اندماجية تطابق بين الواقع المصري والمطلوب في سوريا أي حل الأحزاب وخروج الجيش من السياسة ومركزية الحكم. لم ينقض شهر على زيارة العميد إسماعيل - الذي لم يسمعوا بعده شيئا من القاهرة - إلا وقرر المجلس يوم 12 كانون الثاني / يناير 1958 إرسال معظم أعضائه للقاء مباشر مع جمال عبد الناصر. باختصار وافق الجميع على شروط عبد الناصر بعد انهيار مقاومته لفورية الوحدة وحلت الأحزاب نفسها وعين عبد الناصر الحوراني نائبا له ورئيسا لاحقا للوزراء في إقليم سوريا ومعه البيطار والكلاس وحمدون وقنوت والطرابلسي والمالكي والحاج يونس (كلهم باستثناء البيطار من فئة الحوراني) وزراء بعضهم في المركز والآخرون في الإقليم. وكما هو متوقع في مسألة تأمين الجيش لنظام يوليو فإن الضباط الحزبيين أي بالتحديد الشيوعيين والبعثيين كان يجب أن يخرجوا من الجيش أو على الأقل ينقلوا لإقليم مصر أو لمراكز ثا! نوية في إقليم سوريا. هذا ما حدث بالتدريج مع تنظيم الضباط الأحرار ذاته في مصر. من هذا المنطلق وقع الفأس في رأس الضباط الشيوعيين أولا لسبب سياسي حاد وهو رفض الشيوعيين السوريين مباركة الوحدة ومقاطعة خالد بكداش زعيمهم جلسة البرلمان السوري المدشنة للوحدة وتلكؤ الاتحاد السوفيتي في إبداء التأييد لها. كان أول ضحية لهذا الصدام هو قائد الجيش الأول - السوري - عفيف البزرة والذي أقيل من منصبه في ربيع 58 ليخرج بعده عشرات من الضباط الشيوعيين مسرحين.
التفت المشير عامر بعد ذلك صوب البعث مبقيا بعض ضباطه في سوريا وناقلا عديدهم إلى مصر وهو ما تم طوال سنة 1959. يجدر التنويه هنا إلى أن ضباط البعث - خارج مجلس القيادة - لم يكونوا شديدي الرضا عن حل حزب البعث بموافقة قادته الثلاث. هم كانوا مع الوحدة ولكن ضد حل الحزب ومن هنا فهم استاؤا من الأساتذة الثلاثة .. هذه واحدة ثم أنهم صمموا على الحفاظ على كينونتهم البعثية حتى ولو - بل ربما لكونهم - في المنفى المصري عل المقبل من الأيام يعيد لهم حيوية دورهم مع عبد الناصر .. أم حتى بدونه.
لم يكونوا يفكرون بانقلاب فهم أولا وحدويون ثم أنهم كانوا لا يملكون من وسائله شيئا .. وهم قابعون في الكنانة. كانوا يتخندقون في انتظار غودو مراهنين على أن عبد الناصر سيكشف عقم تعاونه مع بعض شرائح اليمين السوري على حساب البعث وسيكتشف عدم جدارة الضباط المحايدين - اليمينيين بالثقة الممنوحة لهم بلا حدود بقرار من مشيره عامر. كانوا أيضا يشعرون بأن خروجهم من المولد بلا حمّص - كما شعروا - لا يجب أن يتركهم لعبث الأقدار وأن التهيؤ ليوم ما واجب وأن عليهم في ذات الوقت وهم جغرافيا في مصر أن يتعلموا من عبد الناصر طرائقه وأخطاءه ونجاحاته وأن يراقبوا مسارات مدنيي البعث المنحل ليستطيعوا في وقت لاحق نسج وشائج عمل مشترك فالعسكر في حاجة للحزب والحزب في حاجة للعسكر. هم في الباطن استثنوا من تفكيرهم الرضوخ لفكرة اندثار البعث.
تشكلت اللجنة العسكرية الأولى برئاسة بشير صادق أعلى البعثيين رتبة وضمت: مزيد هنيدي وعبد الغني عياش وممدوح الشاغوري ومحمد عمران. خلال عام 1959 شهدت علاقة البعث بفلقتيه مع عبد الناصر تدهورا تدريجيا ولكن وطيدا، من تجلياته: رسوب البعث في انتخابات الاتحاد القومي في حزيران / يونيو وإعادة تنظيم البعث خارج جمهورية الوحدة بقيادة السوري عفلق عبر مؤتمر قومي عقد في آب وفصل من صفوفه ناصري الهوى عبد الله الريماوي وتزايد استياء الأساتذة الثلاثة من تزايد نفوذ وزير داخلية الإقليم وصاحب الحظوة عند عبد الناصر أي السراج ثم من انتداب المشير عامر في أكتوبر مقيما عاما في دمشق بسلطات رئيس الجمهورية. في 24 كانون الأول / ديسمبر 1959 قدم الحوراني النائب والوزراء من البيطار إلى قنوت استقالاتهم من حكم الوحدة. والحاصل أن باكورة الفراق كانت إقالة عبد الناصر المهينة لرياض المالكي وزير إعلام الإقليم في أيلول 1959 وتسليم صلاحياته للسراج. كانت أخبار الفراق بين عبد الناصر والأساتذة تجلب المزيد من السخط عليهم في نفوس عسكريي البعث لأنهم فرطوا بسهولة بالحزب كما يعتقدون. كما كان المؤتمر القومي في آب بشارة إحي! اء لمركبة يؤمنون بضرورتها لهم في رحلة المستقبل. لا شكل أن الإستقالة البعثية تسببت في المزيد من عدم الارتياح تجاه ضباط البعث المنتدبين لإقليم مصر ومن هنا نقل بعض وجوههم إلى السلك الدبلوماسي إبعادا نهائيا عن صفوف الجيش. من هنا اضطرار بشير صادق ومزيد الهنيدي وعبد الغني عياش وممدوح الشاغوري للإنفكاك عن اللجنة العسكرية الأولى. أصغرهم رتبة الرائد محمد عمران تكفل بإعادة تشكيل اللجنة ليكون فيها الأعلى رتبة. والثابت أن عمران كان جديرا بالاستخلاف فهو كان أحد نجوم تمرد قطنا/1957 وهو الأكثر ثقافة ثم الأعلى رتبة. لكن المثير للانتباه أن التشكيل الجديد عكس غلبة واضحة للأقليات المذهبية في جسم البعث العسكري بعكس ما كان عليه سابق الحال.
هنا الآن: محمد عمران وصلاح جديد وحافظ أسد، العلويون، وأحمد المير وعبد الكريم الجندي الإسماعيليان (رغم أن تسنن بعض آل الجندي من إسماعيلية السلمية متداول) ثم عثمان كنعان ومنير الجيرودي السنيان. هل كان ذلك قرارا بوعي مقصود أم أنه عكس صورة تضاريس الجسم العسكري البعثي المنفي حينها؟ أظن - ولا أقطع - أن الجواب هو في منزلة بين المنزلتين إذ أن جمعا غفيرا من ضباط البعث السنة كان متوافرا في إقليم مصر ثم أن الأجواء الطائفية التي استعرت لاحقا في هزيع الستينات وبعدها لم تكن بادية في مطلعها بل وأن كلا من عمران وجديد وأسد - كل في وقته - لجأ لأدوات طائفية في تجميع قوته ولكن ليس بالضرورة من منظور طائفي محض أي من منطق التكتيك و ليس الاستراتيجية زاولت اللجنة العسكرية بتشكيلها الثاني السباعي دورها طوال عام 60 ووصولا إلى 28 أيلول / سبتمبر 1961 يوم الانفصال السوري. عند ذاك المفصل تمت إعادة كل الضباط السوريين إلى بلدهم الذي خضع الآن لقيادة عسـكرية يمينية على رأسها عبد الكريم النحلاوي - سكرتير المشير عامر - وموفق عصاصة.
لم تنتظر هذه القيادة طويلا إذ قامت في آخر يوم من عام 61 بتسريح ما ينوف عن 70 ضابطا جلهم من البعثيين ضمت منهم كل أعضاء اللجنة العسكرية باستثناء السنيان عثمان كنعان ومنير الجيرودي. هذا إضافة إلى عدم إعادة أي ضابط بعثي مسرح للخدمة بل ونقل بعض الضباط ملحقين عسكريين في الخارج كما الحال مع أمين الحافظ الذي ذهب للخدمة في الأرجنتين مع أول يوم من عام 1962
في واقع الحال لم يبق للبعث في الخدمة العسكرية غير نفر صغير من الضباط يضم إضافة لكنعان والجيرودي: موسى الزعبي وحمد عبيد وإبراهيم العلي وسليمان حداد وموسى العلي وسليم حاطوم وعبد الحميد الجمل وجلال الجهني وآخرون.
صاحب الانفصال السوري وفي أعقابه مباشرة انفجار البعث إلى شظايا أربع: الوحدويون الاشتراكيون .. وهم ناصريو البعث والعدد الأكبر نسبيا من كوادره - القطريون .. وهم يساريوا البعث والذين رفضوا حله عشية الوحدة واستمروا على شيء من الترابط خلال عهد الوحدة مخالفين قرار الحل - الإشتراكيون العرب .. وهم الحزب العربي الإشتراكي سابقا أي جماعة الحوراني - وأخيرا الموالون لميشيل عفلق وصلاح البيطار ممن دعوا بالقوميين. كانت الشظية الخامسة والأهم وإن بدت غير مرئية هي البعث العسكري بقيادة اللجنة السباعية. هذا الشطر قرر مد خيوطه وإن بدرجة متفاوتة مع كل الشظايا الأربع مع ابتعاد ملحوظ عن أكرم الحوراني لتقديرهم الصحيح للموقف حينها والذي مؤداه أن الحوراني حرق نفسه سياسيا بتوقيعه وثيقة الانفصال وبإسناده عهده.
ما إن سرحت غالبية اللجنة العسكرية حتى بدأت في البحث عن حلفاء عسكريين لها يشاركونها في الإطاحة بعهد الانفصال وذلك لإدراكها حجم ونوعية الضعف البنيوي للبعثيين في الجيش. ما كان لها من حليف موضوعي في ظروف الانفصال إلا الناصريين وهم كثرة غير منظمة من الضباط كانت تحتاج لعون قلة منظمة ومن هنا حصل التلاقي في 30 آذار / مارس 1962 عبر تمرد حمص ثم حلب والذي قاده جاسم علوان عن الناصريين ومحمد عمران عن البعثيين. كان سامي الجندي - من الوحدويين الإشتراكيين - أحد أهم وسائط التحالف التكتيكي المستجد بين الطرفين. هذا التحالف برهن عن هشاشته وارتجاله يوم 1 نيسان / أبريل 1962 عندما دب الخلاف بين الحليفين حول إعلان عودة الوحدة من عدمه وانتهى اليوم بفرار قياديي اللجنة العسكرية من حلب متوارين عن الأنظار بعد أن ارتكب بعثيان هما حمد عبيد وإبراهيم العلي حماقة إعدام ضباط أربعة من الموالين لسلطة دمشق قبل انهيار التمرد. ترك فشل ربيع 1962 مرارة في حلقي الطرفين لكن تفاعل تطورات عهد الانفصال واشتراك البعث والناصريين في تلقي عداوة النظام المترنح ساهمت في إخماد سعير الخلاف وجعله مستترا وتحت السطح. مثال ذلك! اعتقال العديد من ضباط الطرفين المتمردين ومنهم علوان وعمران والقاتلين عبيد والعلي وكذلك لؤي الأتاسي ثم مقالات صلاح البيطار الودودة تجاه عبد الناصر في جريدة البعث وانحيازه إليه ضد هجوم الحوراني الضاري عليه.