أسرار حرب لبنان

كتاب ألان مينارغ أسرار حرب لبنان من انقلاب بشير الجميل الى مجازر المخيمات الفلسطينية (آلبان ميشال، باريس 2004) حدث في التأريخ لحروب لبنان وفي بناء ذاكرة الأجيال الجديدة لتلك الحروب. لم تجتمع قبلاً تلك الكمية من المعلومات والوثائق بين دفتي كتاب من 553 صفحة كما هي مجموعة فيه. يعجّ الكتاب بالعناصر الجديدة من احداث وبراهين وادلة واعترافات والتي يجب ان تثير اهتمام اي دارس لحروب لبنان او اي مهتم بالتعرف اليها خصوصاً من أبناء الجيل الجديد الذين يحدوهم فضول كبير للتعرّف على جائحة طوّحت حياتهم تطويحاً وقررت الى حد بعيد مصائرهم وهم لا يدرون عنها الا النزر القليل، أسباباً ووقائع واحداثاً وفواجع ودروساً وعبراً، في ظل الصمت والتحريم السائدين.

اعتمد الكاتب لانجازه هذا على طنّ من الوثائق، حسب تعبيره، عائدة بالدرجة الأولى الى أرشيف القوات اللبنانية . وقارن ما ورد في تلك الوثائق مع معلومات المسؤولين الإسرائيليين، السياسيين والعسكريين والأمنيين، عن الملف اللبناني، واجرى العشرات من المقابلات مع المشاركين في تلك الحروب او المعنيين بطريقة او بأخرى. والمعروف عن المؤلف انه كان على علاقة وثيقة بـ القوات اللبنانية بأطرافها المختلفة خلال الحرب. ثم ألحق بكتابه 12 ملحقاً وصف بعناية الاصول التي اخذها منها. ولكن ما لم يمارسه الكاتب من مهمات الموثّق، طالما انه لا يدّعي انه مؤرخ، هو وصف المواد الأرشيفية وتعيين مصادرها وإثبات صور لوثائق نموذجية.

يتحصن الكاتب بـ السر الصحافي المهني للامتناع عن كشف المصدر الذي سلّمه أرشيف القوات اللبنانية . ولكن اذا صدق ما تقوله أوساط صحافية لبنانية من ان فادي فرام، القائد السابق لـ القوات اللبنانية ، هو مَن وضع الأرشيف في تصرّف مينارغ، فيستحق فرام التحية على مبادرة تقدم مساهمة حيوية في بناء ذاكرة حروب لبنان، كائناً ما كانت الاعتبارات التي حدت به الى دفع تلك الوثائق الى العلن. فبصدور كتاب مينارغ يسجّل الفريق الذي كان منضوياً في اطار القوات اللبنانية سبقاً في تزويد الجمهور بعناصر لبناء ذاكرة حروب لبنان على الفرقاء الآخرين، اعني الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية وحركة امل و حزب الله وسواها التي لا تستطيع ان تدعي انها قدمت للجيل الجديد والقراء عموماً مثل هذا القدر من البيانات والوثائق من عندياتها.

النص الذي يلي قراءة في الكتاب تركّز على ثلاث نقاط بارزة تشكل، في رأيي، العناصر الأكثر جدة فيه: قصة وصول بشير الى السلطة بواسطة ما سمي أطول انقلاب في تاريخ لبنان ، دور الشرعية الممثلة بالياس سركيس في ذلك الانقلاب وتجاه الغزو الإسرائيلي للبنان، والوقائع الجديدة او التأكيدية عن مجزرة صبرا وشاتيلا.

ترددتُ كثيراً قبل دفع هذه المراجعة الى النشر. واخّرت النشر في انتظار صدور ردود فعل من الأطراف المعنية مباشرة بتلك الوثائق، دون طائل. فالصمت مطبق على هذا الموضوع على ما يبدو. كذلك حاولت النأي بالمراجعة عن اي تسييس لا مبرّر له خلال التطورات السياسية الأخيرة. طبعاً، هناك من سوف ينتقد او يهاجم محاولات نكء الجراح وجوابي على ذلك بسيط: خير ان نفتح جراحاً قديمة ونتعلّم منها من ان نمهّد لجراح جديدة (1).

من الحفاظ على المؤسسات والدستور الى الانقلاب عليهما

عند انتخاب بشير الجميل رئيساً، علّق كريم بقرادوني على الحدث بقوله: هذا أطول انقلاب في تاريخ لبنان. لعل القسم الأكثر إثارة في كتاب مينارغ هو روايته القصة التفصيلية لذلك الانقلاب معززة بالوقائع والوثائق والمحاضر والمذكرات والمقابلات.

تبدأ قصة انقلاب بشير الجميل للاستيلاء على السلطة السياسية في لبنان عام 1976 مع تسلمه القيادة العسكرية لميليشيا حزب الكتائب، اثر مقتل قائدها وليام حاوي خلال حصار تل الزعتر. وتتدرج صعوداً عبر محطات عدة ابرزها: تأمين انحياز فرع حزب الكتائب في كسروان لبشير عام 1977 ومحاصرته فرع الحزب في المتن الموالي لأخيه امين؛ مجزرة اهدن بحق طوني فرنجيه وعائلته عام 1978؛ حصار القوات السورية لبيروت الشرقية خلال ما سمي معركة المئة يوم التي انتهت بمغادرة القوات السورية بيروت الشرقية وتحوّل بشير الى بطل المقاومة المسيحية ؛ مجزرة الصفرا بحق ميليشيا النمور التابعة لكميل شمعون في تموز 1980 التي اعقبها توحيد ميليشيات الجبهة اللبنانية في اطار القوات اللبنانية برئاسة بشير؛ الى دوره في المعارك بين القوات السورية و القوات اللبنانية في الأشرفيّة وزحلة في العام التالي... الخ.

يبدأ مينارغ روايته عندما يتحقق لمشروع الانقلاب السيطرة على مارونستان فيصير في الإمكان الانتقال للاستيلاء على السلطة في لبنان كله. لتبيّن أهمية قصة ذاك الانقلاب، يجب التذكير بأن حزب الكتائب خاض حرب السنتين 1975-1976 تحت شعار حماية الدستور والمؤسسات. وقد واظب الحزب على رفض اي تعديل دستوري واي اصلاح مهما يكن متواضعاً في وجه قطاعات واسعة من الرأي العام كانت ترى في الإصلاح لا ضرورة وحسب وإنما فدية يمكن تقديمها من اجل وقف الاقتتال. وسيّان لدى حزب الكتائب اجاءت اقتراحات الإصلاح في حدها الأدنى داعية الى زيادة مشاركة المسلمين في الحكم توخياً لتطبيق روح الميثاق الوطني او هي اندفعت الى الحد الأقصى مطالبة بإلغاء الطائفية السياسية واعتماد قانون مدني اختياري للاحوال الشخصية ونظام انتخابي قائم على النسبية والدائرة الواحدة.

وبلغ التعنّت الكتائبي ذروته مع انفراد بيار الجميل برفض اي اصلاح من الإصلاحات التي اقرتها هيئة الحوار الوطني معلناً ان الدستور والميثاق الوطني لا يمسّان وان اي تعديل لاي منهما يجب ان يحظى بإجماع اللبنانيين! وقد لخّص امين الجميل هذا النهج في حوار مع إذاعة راديو فرانس انترناسيونال بقوله: حاولنا إنقاذ المؤسسات من اي تغيير. رغم ان العنف لا يؤدي الى نتيجة، فقد سمح لنا على الأقل ان ننقذ ما يمكن إنقاذه. كان عنفاً للحفاظ على النظام ( السفير ، 9 آب 1975).

للحفاظ على النظام دون اي تعديل، منع حزب الكتائب تطبيق الوثيقة الدستورية التي على أساسها قام التحالف بين الحكم السوري والياس سركيس وحزب الكتائب. وكان الحزب امتنع عن إعلان معارضته لتلك الوثيقة، التي صيغت بالتعاون مع الوسطاء السوريين، ليقينه بأن كمال جنبلاط والحركة الوطنية سوف يعارضانها لعدم التزامها إلغاء الطائفية السياسية. وكانت تلك الوثيقة قد دعت الى التوازن بين الرئاسات الثلاث والمناصفة في التمثيل السياسي وفي الوظيفة الإدارية بين ممثلي المسيحيين وممثلي المسلمين، بما يقارب كثيراً ما شرّع له الاتفاق الثلاثي وبعده اتفاق الطائف. ولكن بيار الجميل، ومعه حزب الكتائب وسائر فرقاء الجبهة اللبنانية ، عارضوا تنفيذ الإصلاحات والتعديلات الدستورية التي تضمنتها الوثيقة الدستورية وقد استجاب الياس سركيس للضغط الكتائبي فطوى ملف الإصلاحات ووضع الوثيقة الدستورية على الرف واخذ يتصرّف باعتبار ان حرب السنتين قد انتهت الى غالب ومغلوب.

على عكس كل هذا الادعاء بالحفاظ على الدستور والمؤسسات، يكشف كتاب مينارغ انه بعد انقضاء السنتين الأوليين من عهد سركيس والانفراط العملي للشراكة السورية الكتائبية السركيسية، صار الهاجس الأساسي لـ لجبهة اللبنانية وقد انتقلت القيادة فيها ومركز الثقل الى القوات اللبنانية بقيادة بشير الجميل تحقيق انقلاب عسكري ميليشيوي تستولي بموجبه القوات اللبنانية على السلطة وتجري تعديلات جذرية على الدستور والمؤسسات. ولا تترك المحاضر والخطط والمذكرات في كتاب مينارغ مجالاً للشك في ان غرض الانقلاب كان التغيير البنيوي لدستور العام 1926 لاعتماد الصيغة الفيديرالية وتعديل الكيان والنظام السياسي اللبنانيين تعديلاً جذرياً في اتجاهين:

1) الحسم في الهيمنة المارونية السياسية على السلطة السياسية على حساب اي شكل من اشكال الشراكة المسيحية الإسلامية؛

2) إعادة تكوين الكيان اللبناني تكويناً مركباً على قاعدة ثنائية الهيمنة: الهيمنة على السلطة المركزية من جهة والاحتفاظ بالسيطرة على كانتون مسيحي متوسع يحتل معظم مساحة لبنان ويحتوي على القسم الأكبر من موارده.

من جهة أخرى وضع ميشال عون وأنطوان نجم اول مشروع للانقلاب العسكري بتكليف من بشير (27 أيلول 1980 الملحق الرقم 1، ص501-505). تُعيّن الخطة ساعة الصفر على انها زمن حصول فراغ في الرئاسة الأولى بسبب انتهاء العهد او الاستقالة او الوفاة او اي سبب مفاجئ آخر. ويتصوّر واضعا الخطة احتمالات عدة لتسلّم السلطة. الشرعي منها يقوم به الجيش قبل حصول فراغ في السلطة فيتولى شلّ كافة مراكز القرار السياسية والعسكرية ما يجعلها غير قادرة على العمل ضد القوات اللبنانية . وفي حال تعذّر ذلك، يعمل الطرفان على إيصال سياسي صديق الى الرئاسة الأولى يتعهد خطياً تنفيذ مشيئة ذلك الفريق من الجيش و القوات اللبنانية .

اما في حال تسلّم الحكم بطريقة غير دستورية ، فتقول الخطة انه يجب التوصل سلفاً الى اتفاق مع إسرائيل واعتراف متبادل وعقد اتفاقية دفاع مشترك . ويستطرد واضعا الخطة قائلين: على ان هذه المعاهدة سوف تستتبع تأكيداً إنشاء دولة مسيحية محاصرة إسلامياً، اللهم الا اذا تفككت الكيانات السياسية في الشرق الأوسط واعيد تنظيمها على اسس اتنية وطائفية (ص503). اكتفي هنا بالدعوة الى التفكّر في هذا التصوّر دون الدخول في التفاصيل العملانية لتلك العملية.

اكتفى مشروع ميشال عون أنطوان نجم بالتخطيط الانقلابي في مناخ من عدم وضوح موقف الياس سركيس. غير ان المشروع الانقلابي الثاني الذي وضعه كريم بقرادوني وجوزف ابو خليل (في كانون الأول 1980) اتخذ شكل مذكرة سرية سلمت الى الرئيس الياس سركيس وهدفها تحقيق تعاون خلاصي بين الشرعية والمقاومة المسيحية ، وهو يدعو صراحة الى ان غرض الانقلاب العسكري إيجاد صيغة جديدة للبنان هي الفيديرالية تحل محل دستور العام 1926 (ص508).

والطريف في الامر ان بشير واعوانه لم يتركوا جهة خارجية معنية بالنزاع اللبناني الا وعرضوا عليها مشروعهم الانقلابي العسكري: سوريا، العراق، السعودية، الولايات المتحدة الأميركية وطبعاً إسرائيل التي كانت اول من تبنى المشروع.

اريد دولة... اريد الشمال وزحلة والشوف ، يفصح بشير في اول لقاء له مع المسؤولين الأميركيين (ص128). ويكرّر النغمة ذاتها في لقاء مع محمد الخولي، المبعوث السوري وقائد المخابرات الجوية: اريد دولة قوية للبنان... اريد اولاً كل البلد (ص138). وبعد مضي نحو عام على صياغة مشروع الانقلاب، في 4 كانون الأول 1981، وصل زاهي البستاني وايلي حبيقة الى بغداد لعرض مشروع الانقلاب، على القيادة العراقية. فاستحصلا من طارق عزيز على تأييد حماسي لمشروع اريد كل البلد لقاء توصية عراقية بالتعاون مع صائب سلام ووليد جنبلاط.

وجدير بالذكر ان النظام العراقي أغدق المساعدات المالية والعسكرية على القوات الى حد فاجأ القيادة القواتية ايما مفاجأة. ومع تطوّر العلاقات بالأميركيين، افصح بشير لغنتر دين السفير الأميركي بطريقة لا تترك مجالاً للشك في ان الانقلاب، وما يستتبعه من تعديل دستوري، يرميان الى بناء دولة مسيحية على شاكلة إسرائيل ومثالها: اذا تسلمنا السلطة سوف نكون بالنسبة اليكم بمثابة إسرائيل ثانية مع كل الفوائد ولكن من دون كل معوقاتها (ص142). والمقصود بغياب المعوقات هو ان الدولة المسيحية العتيدة سوف تكون مقبولة عربياً على عكس الدولة العبرية.

وعلى الغرار نفسه من التمثّل بالدولة العبرية، أسرّ كميل شمعون لمناحيم بيغن خلال احد اللقاءات بنصيحة معبّرة جداً. قال: فَرَض علينا الفرنسيون لبنان الكبير. عندما حققنا استقلالنا [يقصد استقلال لبنان عن سوريا عام 1920] ضموا الينا مناطق يسكنها مسلمون. وكان ذلك سبب كل علاتنا. لا تحتفظوا بأراضٍ يعيش عليها مسلمون. تحاشوا هذا الوضع والا سوف تجرّون على انفسكم المشاكل ذاتها (139).

والنصيحة، كما هو واضح، حمّالة اوجه. تسمح بأخذ النصيحة على انها دعوة الى الانسحاب من الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1976، مثلما تسمح بأخذها على وجه الحض على تهجير الفلسطينيين من تلك الأراضي، ناهيك عن تهجير فلسطينيي الأراضي المحتلة عام 1948.

اما اللهجة تجاه السعودية فاذا هي تراعي المناخ الفكري والمصلحي للاسرة الحاكمة، فقد دعا الخطاب القوات الى قيام مثلث استراتيجي يضم الولايات المتحدة العربية السعودية القوات اللبنانية لمجابهة الخطر الشيوعي والسوفييتي وحليفتيه سوريا ومنظمة التحرير الفلسطينية.

تنتقل فكرة الانقلاب الى طور جديد مع تجلي خطة الغزو الإسرائيلي العسكري للبنان. فيكلّف بشير أنطوان نجم بالتعاون مع العقيدين في الجيش اللبناني نسيب عيد وعامر شهاب وضع مشروع آخر لانقلاب عسكري يأخذ في الاعتبار غزو القوات الإسرائيلية للأراضي اللبنانية. انقلاب يبادر اليه الجيش وتدعمه القوات اللبنانية خلال الغزوة الإسرائيلية. بناء على ذاك السيناريو المعدل، كان على الرئيس الياس سركيس، فور نجاح الانقلاب، إعلان حل البرلمان وتعليق الدستور واستدعاء بشير لترؤس الحكومة ثم يتولى سركيس الدفاع عن شرعية الانقلاب أمام الرأي العام العالمي. ولكن مع اقتراب موعد الانتخابات الرئاسية، خشي بشير وجماعته ان لا يكون الفوز في الانتخابات الرئاسية مضموناً له. فجرى التفكير لفترة وجيزة بالتمديد لسركيس ريثما تستكمل استعدادات القوات والجيش لاحداث انقلابهما (ص198).

مطلع العام 1982، عرض شارون على بشير الجميل خطة اجتياح لبنان في صيغتها المختصرة المسماة الصنوبرات الصغيرة . وكان يرافق شارون صديقه ورجل المهمات الخاصة لديه، افراهام تامير. وكان الأخير عند كل محطة من محطات تلك الزيارة، ينتحي ببشير جانباً ويبلغه سوف نجعل منك رئيساً للجمهورية . ثم جال بشير بالوفد في بيروت الشرقية والجبل. وكان في عداد الوفد يهوشوا ساغي، مدير مخابرات الجيش ( امان ) والمعروف ان هذا الجهاز كان متشككاً جداً في جدوى التعاون مع الفالانغوت ، كما يسمّون الكتائبيين في الدوائر الإسرائيلية. وبينما الوفد يشرف على بيروت من عل، راق لبشير ان يستفز ساغي باتهامه الضباط الإسرائيليين بأنهم جميعهم يكرهون القوات اللبنانية ، فرد عليه مدير الامان بنبرة جافة وبشيء من الازدراء: تريد الحرب. ولكن هل تعرف فعلاً ما هي الحرب؟ ستكون لك بيروت! ستحصل عليها مدمرة! هل تفهم ذلك؟ . فرد بشير: نحن مستعدون لكل هذا (22).

من هنا يبدأ البحث الطويل في دور القوات اللبنانية في الغزو الإسرائيلي الوشيك.الإسرائيليون يريدون ان تتولى القوات احتلال بيروت الغربية وتطهيرها من الفلسطينيين. وبشير ومستشاروه يترددون ويراوغون. فالأميركيون، وقد حضنوا بشير لادراجه في خطة تمرير اتفاقية كمب ديفيد ، ينصحون بمراعاة المسلمين لأنهم يريدون ان يكون بشير مقبولاً إسلامياً وعربياً. وهكذا فيما القواتيون يدعون الى تأجيل اقتحام بيروت الغربية الى ما بعد انتخاب بشير رئيساً، كانوا يثيرون، من جهتهم، موضوعاً آخر: الى اي مدى سوف يصل الاجتياح؟ فحسب الخطة المختصرة، كان مقدراً ان تصل القوات الإسرائيلية الى طريق بيروت دمشق، فيما بشير يريد ان تحرر له القوات الإسرائيلية كل الشمال اللبناني وان تتولى إخراج القوات السورية من لبنان وليس فقط الفلسطينيين.

يوم 15 شباط 1982، أعلم مناحيم بيغن بشير رسمياً انه سوف يكون رئيساً لجمهورية لبنان. وانه اتفق مع الأميركيين على تشكيل قوة مشتركة لإخراج السوريين من لبنان. ولكن، عندما تبلورت فكرة الاجتياح الإسرائيلي، تبين ان بشير يريد كل لبنان على طريقته: يريد السيطرة على السلطة في كل لبنان بما هو رئيس للجمهورية، ولكنه يريد الاحتفاظ بالسيطرة على الكانتون المسيحي الموسع: من الحدود مع فلسطين جنوباً الى جبل تربل فوق طرابلس شمالاً، مروراً بجبل لبنان كله وضاماً زحلة والقرى المسيحية من البقاع (ص237).

للعلم: هذه هي تقريباً حدود المنطقة المسيحية الصافية (المسماة ارز ) التي لحظها مشروع الفيديرالية الذي وضعه أنطون نجم في كتابه شرعة من أجل ميثاق وطني جديد (بيروت، آفاق مشرقية 1979).

ويفيد هنا ان نعطي فكرة سريعة عن هذا المشروع. ينطلق نجم من ان الميثاق الوطني الأصلي قد اخفق لأن الديانتين تتنازعان حقين يلغي واحدهما الآخر: المسيحيون لا يريدون ان يكونوا أهل ذمة، والمسلمون يرفضون ان يحكمهم حاكم مسيحي. وقد كان وهماً، حسب نجم، التصور ان المسلمين سوف يتخلّون عن نزعتهم للسيطرة. لذا يقترح مستشار بشير الاقرب خلال تلك الفترة الحل الفيديرالي. بموجبه، يقسّم لبنان خمس مناطق: 1) بيروت، العاصمة، 2) عرقة، وتضم طرابلس والضنية وعكار والهرمل وبعلبك، 3) أرز، وتضم الزاوية وحدث الجبة والكورة والبترون وجبيل وكسروان والمتن وزحلة والقرى المسيحية في قضاءي بعلبك الهرمل، 4) باروك، وتضم بعبدا وعاليه والشوف وجزين والبقاع الأوسط وحاصبيا وراشيا، 5) عامل، وتضم صيدا والنبطية وصور وبنت جبيل ومرجعيون. يكون للكيان الجديد برلمان مركزي يضم عدداً متساوياً من الأعضاء عن كل منطقة ينتخبهم سكان المنطقة أنفسهم، تتخذ فيه القرارات بغالبية الثلثين. اما الجهاز التنفيذي فيتكون من 10 وزراء يختارهم النواب من خارج البرلمان ومنهم يَنتخب رئيساً للجمهورية ونائباً للرئيس ويمنع الجمع بين النيابة والوزراة.

وفق تلك الصيغة الفيديرالية، تتولى الحكومة المركزية شؤون السياسة الخارجية والعملة الجمارك والموازنة والنظام الضريبي والدفاع والتشريعات المدنية والتخطيط المركزي. وما عدا ذلك اي الاقتصاد والتربية والتعليم والثقافة وغيرها فتناط بمجالس المناطق التي لها الحق باستلام المساعدات المالية والاستدانة من الخارج وعقد الاتفاقات الثقافية مع الخارج. ويكون لكل منطقة جيشها البري، اما الطيران والبحرية والمخابرات فشأن فيديرالي. ويتكون الجيش الوطني من الجيوش المناطقية ويقوده مجلس تتمثل فيه المناطق على قدم المساواة.

الى هذا، كان الحل الفيديرالي يؤمن تخلّص المناطق الغنية من لبنان من المسؤولية عن تنمية الأطراف الأقل نمواً، حسب المعادلة التي صاغها بشير في برنامجه الاقتصادي الاجتماعي وتضمنها خطاب القسم الذي كان معداً له: حتى لا تسيطر منطقة على أخرى ولا تتطفل منطقة على منطقة .

لكن الحل الفيديرالي، وهو معروف منذ العام 1977، كان مشروعاً دفاعياً، يعود الى فترة الانكفاء داخل الكانتون المسيحي، الغرض منه تحقيق سيطرة القوات اللبنانية على أكبر كتلة بشرية من المسيحيين في منطقة مسيحية صافية (أرز)، وتمتّع الممثلين السياسيين للمسيحيين في السلطة الفيديرالية بحق النقض على كافة القرارات الفيديرالية. لكن الأمور كانت قد اختفلت كلياً في العامين 1981 و1982 حيث بات بالإمكان سيطرة القواتيين لا على رئاسة الجمهورية وحسب وإنما على السلطة السياسية المركزية مع احتفاظهم بالسيطرة على أكبر تجمع سكاني مسيحي.

إضافة الى الخطة العسكرية للاستيلاء على السلطة في ظل الاحتلال الإسرائيلي، وضعت خطة سياسية تدعو لبقاء القوات الإسرائيلية على الأراضي للبنانية لستة أسابيع على الأقل (كذا!) الى ان يتم انتقال السلطة بهدوء. وتلحظ الخطة أيضاً عدم إعطاء الاحتلال شرعية مسيحية لعدم تعريض فرص بشير في لعب دور منقذ الأمة بدعوة القوات السورية والإسرائيلية الى الخروج في آن واحد من الأراضي اللبنانية. اذذاك، طرأ تحوّل على الانقلاب العسكري الميليشيوي مع تزايد فرص انتخاب بشير رئيساً بواسطة البرلمان، فباتت وظيفة الانقلاب ان يجعل من الانتخاب الرئاسي فرضاً للأمر الواقع ليس الا. فدعت الخطة السياسية الى ان يتم الانقلاب قبل الانتخابات الرئاسية، فتتشكل حكومة تكون فيها الحقائب الأساسية (الدفاع، الخارجية، المال، الاعلام) بيد عناصر من القوات ، ثم يتم انتخاب بشير رئيساً للجمهورية فيتولى إعلان حالة الطوارئ، وتعلن الحكومة اللبنانية طرد الفلسطينيين الذين دخلوا لبنان بعد العام 1967، وتلغي كافة الاتفاقات مع منظمة التحرير الفلسطينية، وتتحول القوات اللبنانية حرساً وطنياً يحق له التواجدوالتجوّل في كافة ارجاء البلاد، واخيراً تجري مفاوضات مباشرة مع إسرائيل لتحقيق ما سمّي تطبيع العلاقات بين البلدين (ص238).

وفي الخطة السياسية، تبين انه عند دخول القوات الإسرائيلية، سوف تتولى مدفعية القوات اللبنانية القصف، بغرض التدمير للأبنية التابعة للإذاعة اللبنانية وتلفزيون لبنان وبعض الصحف والإذاعات (ص536)!

ولا شك في انه من وحي تلك الخطة، أدلى مسؤول كتائبي الى صحيفة لو ماتان الفرنسية (الأربعاء 7 تموز 1982) بتصريح عما سوف يجري عند دخول بيروت الغربية، قال فيه بعد انسحاب منظمة التحرير الفلسطينية من بيروت، الجيش اللبناني هو الذي سيدخل المدينة. لكننا سندخل في أعقابه وسيكون هناك افراط في التجاوزات من قبل القواعد والقيادات المتوسطة، لأنه توجد بيننا تسوية حسابات دم. سوف نتجنب حمام الدم. ولكننا لن نستطيع منع انفجار الحقد، مع انه سيكون قصيراً ومحدود النطاق (راجع: فواز طرابلسي، عن امل لا شفاء منه. من دفاتر حصار بيروت، حزيران تشرين الثاني 1982. بيروت، مؤسسة الأبحاث العربية، 1984، ص38).

ومن نوادر المشروع الانقلابي ان الشخص الوحيد الذي ظل متمسكاً به كان سليم الجأهل الممثل الوحيد لبشير في الوزارة الذي تحفّظ عن وصول بشير الى السلطة بواسطة البرلمان وظل مصرّاً على فكرة الانقلاب العسكري، مقترحاً تفريغ مؤسسة الرئاسة من أي وزن سياسي وايكال رئاسة الوزراء الى بشير عند انتهاء ولاية سركيس. لن يسير بشير في خط الوزير الانقلابي، فقد طمأنه المبعوث الأميركي فيليب حبيب الى ان البرلمان مضمون له (ص380).

هكذا تم الانتقال من الانقلاب بواسطة جيش الشرعية اللبنانية الى الانقلاب بواسطة الجيش الإسرائيلي. ولكن تركت الفكرة الانقلابية بصماتها البيّنة على خطاب القسم المنسوب اعداده الى سجعان قزي. وليس غريباً ان يُنعت ذلك الخطاب بأنه بمثابة إعلان عن مشروع لـ الاستبداد الدستوري (عباس بيضون، الحياة ، 22 تشرين الثاني 1992). يظهر بشير في خطاب القسم على انه منتصر في حرب لا فائز في انتخابات رئاسية. يعلن انه أدلى مضمون خطاب القسم خلال ثماني سنوات من المقاومة قبل ان يتلوه امام النواب ويرى قائد القوات اللبنانية الى نفسه مجسداً الأمة وقد تسلّمت الأمةُ الدولةَ لأول مرة . ومن النقاط البارزة في ذلك الخطاب، إعادة تعريف هوية لبنان على انه مشرقي ذو صلات عربية وإعلان الرئيس المنتخب، وقد اتم انقلابه على الدستور والمؤسسات، ان معارضة الشرعية مرفوضة. فعلى المعارضة ان تقف عند حدود سياسات الدولة لا ان تمس مؤسسات الدولة ! (راجع النص الكامل لمشروع خطاب القسم، النهار 15 أيلول 1992). هذه هي النيات التي سماها العقيد جوني عبده ديموقراطية (ندوة الشاطر يحكي 23 آب، 2002).

يقدم الكتاب فيضا من البيانات والوقائع والأحداث والاجتماعات والمحاضر التي تدل ليس فقط على التلاحم بين القوات اللبنانية وموقع الرئاسة اللبنانية وإنما على عمق الدور الذي لعبته الشرعية اللبنانية ممثلة بالرئيس الياس سركيس وخصوصا من خلال مدير مخابرات الجيش آنذاك، جوني عبده، في دعم بشير وتقديم الغطاء الشرعي له والتوسط له لدى غير طرف. والاهم من ذلك دور عبده ومن ورائه سركيس في التحضير للغزو الإسرائيلي للبنان والتغطية عليه.

في البدء، قدم بشير الاتصالات الأولى لجوني عبده بالإسرائيليين على انها اتصالات ضابط مسيحي قريب من القوات لا بصفته ممثلا للدولة اللبنانية بل انه أبلغ ميندي، المسؤول في الموساد انه لو جرى الاتصال بجوني بما هو ممثل رسمي للبنان، فسوف يبلغهم بأنه لا شيء لديه يقوله لهم (ص 300) ولكن عندما سأل ارييل شارون خلال الاجتماعات التحضيرية للغزو، عن الضمان بأن الدولة اللبنانية لن تطالب بانسحاب القوات الإسرائيلية، اجابه بشير اني اتحمل شخصيا المسؤولية الكاملة عن ذلك. واذا كنتم ترغبون، فسوف يعطيكم جوني عبده الضمانة ذاتها (ص306).

فعلى عكس ما ادعاه جوني عبده في حلقة الشاطر يحكي لمارسيل غانم على تلفزيون ال.بي.سي المخصصة للذكرى العشرين لانتخاب بشير الجميل رئيسا للجمهورية (في 23 آب 2002) انه لم يلتق الإسرائيليين بل كان يجهز بيته في الحازمية للقاءات بين القوات والإسرائيليين ويغادر قبل الاجتماعات. يتبين من الكتاب ان اتصالاته بالإسرائيليين لا عد لها ولا حصر وعلاقاته بهم تشمل كل كبيرة وصغيرة، من سياسية وعسكرية وأمنية واستخبارية. كذلك يتبين ان عبده كان الشريك الفعلي لبشير ليس في العلاقة مع إسرائيل وحسب وإنما في التخطيط والتنفيذ لتسلم بشير السلطة. حتى ان شارون عندما يعدد اتصالاته الـ52 التي اجراها مع القوات اللبنانية خلال تلك الفترة، يضع اسم جوني عبده مباشرة بعد اسم بشير على رأس لائحة من كان يجري معهم المفاوضات من الطرف اللبنانيّ (ص 442).

ونعلم من كتاب مينارغ انه في تلك اللقاءات كان مدير مخابرات الجيش اللبناني هو الأكثر الحاحا على الإسرائيليين بضرورة اقتحام بيروت الغربية بسرعة والا فات الاوان. كما نعلم ان جوني عبده لم يكن يستبعد دورا ممكنا للجيش في تلك العملية، لكنه اشترط ان يطلب منه نبيه بري ذلك باسم الشيعة (ص331). خلال الاجتماع يوم 5 تموز 1982 بين الفريقين القواتي والإسرائيلي، اقترح جوني عبده ان ينضم هو نفسه الى لجنة برئاسة صائب سلام تبحث في شكليات خروج المقاتلين الفلسطينيين، وقدم تقريراً للمجتمعين قدّر فيه عدّد المقاتلين الفلسطينيين في بيروت الغربية بـ7000 مقاتل (ص 355). كذلك كُلّف عبده من المجتمعين بالاتصال بابو عمار. ودار بحث وتداول بين الطرفين الإسرائيلي واللبناني في تنظيم عمليات اغتيال إسرائيلية او قواتية ضد القادة الفلسطينيين. وقد تابع عبده والجميل هذا الامر عن كثب. ويوم 8 آب 1982، استدعاهما شارون وسألهما عن مكان وجود ابو جهاد. وكان الطيران الإسرائيلي قد ضرب موقعين في بيروت الغربية وشارون يريد معرفة ما اذا كان ابو جهاد اصيب في اي منهما (ص391).

قرار اجلاء المدنيين الفلسطينيين وجرف المخيمات اتخذ أيام بشير

في ما يتعلق بمجزرة صبرا وشاتيلا يؤكد الكتاب واقعتين معروفتين، ولو على نطاق ضيق، لكنه يعززهما بسند المرجعية الكتائبية.

الواقعة الأولى هي ان قرار اجلاء المدنيين الفلسطينيين بالقوة من مخيمات بيروت، وجرف المخيمات، اتخذ أيام بشير ولم يكن قط قرارا انفعاليا للانتقام من مقتله. هذا ما يقوله بشير عن المخيمات في حديث مع شارون: قراري بسيط...سوف نساعدكم على اجلائهم [الفلسطينيين] الى مقربة من الحدود السورية بحيث نستطيع طردهم الى دمشق حين تتسلم الحكومة اللبنانية الجديدة صلاحياتها. في المكان الذي تقف فيه الآن [يقصد مقر قيادة القوات اللبنانية ]، كان يوجد مخيم الكرنتينا، عندما سيطرنا عليه العام 1976، جرفناه بالجرافات. سوف يصبح مخيم صبرا في بيروت حديقة الحيوان الوطنية اللبنانية . (ص333).

طبعا، لم يكن مخيم الكرنتينا يضم فلسطينيين، كان مخيما لفقراء اللبنانيين يضم عددا من السوريين ومن ذوي الجنسيات قيد الدرس. كل ما في الامر ان عناصر من المقاومة الفلسطينية شاركت في الدفاع عنه، مع تنظيمات لبنانية متعددة، عندما حاصره مقاتلو حزب الكتائب، وتمكنوا اخيرا من اقتحامه وارتكبوا فيه مجزرة موصوفة صورتها الصحافة العالمية وكتبت عنها. لكن الامر سيان عند الزعيم القواتي ومن ينحو منحى تفكيره الى الآن: الفقراء هم الغرباء أيضا!

اما الواقعة الثانية، فتتعلق بمسؤولية القوات اللبنانية عن مجزرة صبرا وشاتيلا. يجدر الوقوف عند هذا الموضوع لأن السنوات الأخيرة شهدت محاولة حثيثة لتبرئة ايلي حبيقة من المسؤولية عن تلك المجزرة وتلميع صورته لدى الرأي العام والرد على ما ورد في كتاب كوبرا عنه خلال مقابلات تلفزيونية اجريت معه. كانت التهمة جاهزة لدحضها. فقد تولى بعض الاعلام شخصنة مجزرة صبرا وشاتيلا بربطها باسمي شارون وحبيقة. والدليل الاتهامي الرئيسي على ذلك ان الرجلين شوهدا معا على سطح بناية محاذية للسفارة الكويتية تشرف على المخيمين. وهكذا فاذا امكن نسف هذا الدليل، يجري تبرئة هذا وذاك من المسؤولية عن المجزرةّ! وهكذا حصل: على شاشات التلفزيون، أثبت حبيقة انه لا يعقل ان يكون شارون على سطح تلك البناية فقد كان يحضر اجتماعا لمجلس الوزراء الإسرائيلي في ذلك اليوم وتلك الفترة الزمنية. وفي ما يخصه هو، زعم حبيقة انه لا يعقل ان يكون هو أيضا على سطح البناية لأنه كان طوال أيام المجزرة في المجلس الحربي على الدورة يحقق مع حبيب الشرتوني المتهم باغتيال بشير. من الأسفٍ ان قطاعا لا يستهان به من الرأي العام اخذ بالتهمة كما جرى تقديمها مثلما أُخذوا بدحضها الكاريكاتوري هذا. فكأن القائد لا يمكنه ان يكون في مكان ويأمر جنوده او مقاتليه ان ينفذوا عملية عسكرية او أمنية في مكان آخر!!

المهم ان كتاب مينارغ، يثبت ادوار القوى المختلفة التي تعاقبت على المخيمين على النحو الحاسم الموثق الآتي:

- المبادرة الى دخول المخيمين، يوم 15 أيلول، كانت لوحدة عسكرية إسرائيلية خاصة من قوات الاستطلاع ( سايريت متعكال ) مكونة من 32 عنصرا يرتدون الزي العسكري ولكن بلا شارات مميزة. وكان أفراد تلك الوحدة يقتحمون البيوت وينادون بالاسم على المطلوبين بواسطة مترجم يتكلم العربية بلهجة غير لبنانية، فيخرج المطلوب فيردى ببرودة في رصاصة في قذاله. هكذا قضت الوحدة على 63 مثقفا وكادرا فلسطينيا، رجالا ونساء. عرف بأمر الوحدة لأن قائدها الرقيب بني حاييم اصيب خلال العملية فبادر ممرضه الى نزع سترته العسكرية ورميها بعيدا خوفا من ان تتفجر الرمانات اليدوية المعلقة فيها، فسقطت معها بطاقة هوية الرقيب العسكري فما لبث ان عثر عليها المحققون على ارض المخيم (ص 469 470).

- عند خروج الوحدة الإسرائيلية دخلت الى المخيم مجموعة تابعة لجيش لبنان الجنوبي الذي يرأسه سعد الحداد يوم 16 أيلول، وكانت ترافق القوات الإسرائيلية النظامية التي دخلت بيروت. ارتكبت تلك المجموعة ما ارتكبته من قتل وذبح وغادرت بعد ظهر ذلك اليوم. حتى ان ثلاثة من أفرادها خرجوا من المخيم من مخرج غير متعارف عليه مع الإسرائيليين، فاطلق عليهم الجنود الإسرائيليون النار ظنا منهم انهم مقاتلون فلسطينيون، فقتلوا احدهم وجرحوا اثنين. واعترف شارون ذاته امام لجنة كاهان بالحادثة وقال ان الثلاثة كانوا يرتكبون مجزرة في المخيم (ص 474).

- على ان الدور الأكبر في المجزرة كان لعناصر القوات اللبنانية . فقد نقلت القوات الإسرائيلية مجموعات من القوات اللبنانية الى مطار بيروت في اوسع حشد لتلك التشكيلة العسكرية خلال الحرب. ثم دخلت عناصر منها مخيمي صبرا وشاتيلا وارتكبت المجزرة فيهما بأمر من القيادة. فادي افرام القائد العام لـ القوات اللبنانية هو الذي اصدر الامر بتحريك القوات والعناصر المسلحة الى المطار والى المخيم، وقد تولى التنفيذ كل من فؤاد ابي ناضر، ابن شقيقة بشير الجميل وقائد الوحدات النظامية، وايلي حبيقة، مسؤول جهاز الأمن.

وكان الدور الأبرز في المجزرة لعناصر الأمن الذين يطلق عليهم تسمية الهنود او الاباتشي . فمع ولاء هؤلاء الكبير لـ القوات الا انهم كانوا يرفضون الانضباط العسكري والانضواء في الوحدات النظامية. وقد رعاهم ايلي حبيقة واستخدمهم لتنفيذ العمليات الخاصة لمصلحة جهاز الأمن. وكان هؤلاء ينضوون في ثلاث مجموعات: مجموعة بقيادة جورج ملكو، في حي السريان، ومجموعتين بقيادة ميشال زوين ومارون مشعلاني. ولكن لا يقتصر الامر على غير النظاميين فقد شاركت القوات النظامية أيضا في المجزرة. يوم 17 أيلول، وكان القتل قد بدأ في المخيمين منذ يوم ونصف اليوم، طالب فؤاد ابي ناضر الإسرائيليين تزويد قواته بجرافات لجرف صبرا وشاتيلا وتحويلهما حديقة حيوان تنفيذا لوصية بشير الآنفة الذكر (ص487). وتأكيدا لأن المجزرة ارتكبت بعلم القيادة وبناء على اوامرها، فقد انسحبت العناصر القواتية من المخيمين ومن ارض مطار بيروت بأمر مباشر من فادي افرام ذاته (ص 488-490).

ملاحظات متفرقة

دور ميشال عون:

واضح من الكتاب أن ميشال عون كان أقرب العسكريين اللبنانيين إلى بشير الجميل. فهو واضع أول مشروع انقلاب عسكري وهو الذي يرد اسمه عند البحث فيمن يستطيع اقتحام بيروت الغربية، وهو الذي تولى على رأس قواته الإشراف على ترحيل المقاتلين الفلسطينيين. والغريب في الأمر أن عون، يعلن، في حلقة بالعربي مع جيزيل خوري، أن مشروع وصول بشير إلى السلطة نوقش معه لكنه لم يكن يعرف بخطة لتنفيذ ذلك، مع أنه هو واضع أول خطة عسكرية قواتية لهذا الغرض.

من جهة أخرى، عندما كان المسؤولون الإسرائيليون يلحون على ان تتولى القوات اللبنانية دخول بيروت الغربية، رد بشير بتفضيله ان يتولى الجيش اللبناني تلك المهمة. والمقصود بالجيش هنا الوحدات العسكرية تحت امرة العقيد ميشال عون التي تربو على الـ250 عنصراً، وفرقة المكافحة المكونة من 500 عنصر والتابعة لاستخبارات جوني عبده. ولا بد من القول ان ميشال عون، حسب مينارغ طبعا، رفض تنفيذ تلك المهمة دون امر من قيادة الجيش.

يتضح من كتاب مينارغ الفارق بين فريقين من المستشارين:

فريق جوزف أبو خليل كريم بقرادوني، وفريق أنطون نجم ميشال عون والعسكريين. الأخير داعية انقلاب ودولة مسيحية وعلاقة حاسمة مع إسرائيل. واما الفريق الأول (حسب مذكرتهما في كانون الأول 1980) فداعية تحويل المقاومة من مسيحية الى وطنية بتأمين شرعية الياس سركيس الغطاء لها. وهذا الفريق من المستشارين كان اكثر ميلا الى تأسيس شراكة جديدة مع أفرقاء مسلمين، وإن تكن مختلة لمصلحته. فهو يوصي بالتحالف مع وليد جنبلاط وحركة امل والمرابطون، مع ترجيح وليد جنبلاط من اجل تحرير الجبل.

ملاحظة ختامية:

لقد أغفلت عن قصد البحث في نظرية مينارغ عن اغتيال بشير الجميل التي أولتها وكالات الأنباء والصحافة الصدارة في تقديمها الكتاب. يقترح مينارغ أن الطرف الرسمي السوري لم يكن له مصلحة في اغتيال بشير، وينسب العملية إلى الأجهزة الفلسطينية التي كان حبيب الشرتوني مرتبطا بها، موحيا بأن سبب الاغتيال هو أن بشير الجميل كان مجتمعا بشارون عشية اغتياله لوضع الصيغة النهائية لاتفاقية تطبيع العلاقات الإسرائيلية اللبنانية. التعليق الوحيد الذي تستدعيه تلك النظرية هو أن موقف المؤلف هنا صادر عن تكهن، أو عن تحليل في أحسن الأحوال، لا عن معلومات. من هنا فهو لا يقدم ما يستحق الأخذ في الاعتبار أو التدقيق.

أما عن الأسطورة السيادية القائلة إن بشير قال لبيغن، الذي كان يصر على عقد اتفاقية سلام عاجلة، أنه إذا كان يعتقد ان المقاومة اللبنانية بذلت كل التضحيات ضد السوريين من أجل الرضوخ للإسرائيليين فهو خاطئ فلم نعثر لها على أثر في ما ينقله مينارغ عن لقاء ناتانيا العاصف مع مناحيم بيغن يوم الأول من أيلول 1982 (ص423 - 431).

هامش:

(1) لا يخلو الكتاب من عدد من الأخطاء، نكتفي بتصحيح اثنين منها، الأول يتعلّق بمنظمة العمل الشيوعي التي يعرّفها مينارغ بأنها تروتسكية منشقة عن الحزب الشيوعي، فهي ليست تروتسكية وكان الذين غادروا الحزب الشيوعي اللبناني أقلية بين أعضائها الذين تحدّر القسم الأكبر منهم من أصول قومية عربية. أما عن النواب الذين أمنّوا النصاب لبشير وصوّتوا له، فثمة أخطاء في المعلومات عن البعض منهم: سالم عبد النور ليس درزياً كما ورد، وإنما هو روم كاثوليك؛ وفؤاد طحيني ليس درزياً أيضاً وإنما هو ماروني؛ كذلك يجب تصحيح اسم النائب العضو في كتلة ريمون إده ليصير إميل روحانا صقر، بدلاً من إميل رابانا صالح...
(فواز طرابلسي -النهار)