الشيخ عزّ الدّين القسّام

*من تراثنا القومي المعاصر‏

في غمرة هذه الظروف العصيبة التي تتكالب فيها قوى الاستعمار والصهيونية على الأمة العربية والشعوب الإسلامية، وتتناوشها من كل جانب بغية تفريق شملها، وبعثرة قواها والسيطرة عليها، يتنادى العرب والمسلمون إلى إحياء (النهضة العربية - الإسلامية) للم الشعث ورص الصف وتوحيد الغاية، والمرابطة في خندق واحد لمواجهة هذه القوى وردها على أعقابها، ولا شكّ أن استذكارنا لأبطالنا، واستلهامنا أرواحهم، يزيد من عزائمنا على النضال، ومن ثقتنا بالنصر - ولعل خير بطل نحيي ذكره، في هذه الغمرة هو (المجاهد الشيخ عز الدين القسام) الذي حمل لواء هذه النهضة، وجاهد وناضل واستشهد في سبيل تحقيقها، فكان ظاهرة فذة في تاريخنا المعاصر، وقائداً قومياً لو اقتدى به الزعماء العرب لما حلّت بفلسطين العربي كارثة سنة 1948 وما استتبعته وتستتبعه حتى اليوم من كوارث ونوازل.‏

في مدخل جبلة(1) الشمالي، وفي الجانب الغربي من الحديقة العامة التي تقوم إلى يسار الداخل إلى المدينة، والتي تفصل ما بين أبديتين خالدتين: جامع السلطان إبراهيم بن أدهم شمالاً والمدرج الروماني جنوباً. يطلّ على الغادي والرائح نصب تذكاري بسيط متواضع، كتبت عليه العبارات التالية:‏

"أُقيم هذا النصب التذكاري تخليداً لذكرى البطل الشهيد عز الدين القسّام. ولد في جبلة سنة 1883(2) واستشهد في فلسطين سنة 1935- وضع حجر الأساس لهذا النصب في عهد الرئيس حافظ الأسد في 6/5/1973".‏

*نشأته:‏

في الحي الجنوبي من بلدة جبلة طريق(3) كانت تتلوى على جانبيه بيوت قديمة متراصة متلاصقة كأنها بنيان واحد، شأن طرق جبلة وبيوتها في أواخر القرن التاسع عشر.كان هذا الطريق على ضيقه يعجُّ بالحركة والنشاط، ويختلط فيه الإنسان والحيوان، وتتزاحم فيه العَجَل الموقرة بقضبان قصب السكر، وباقات الملوخية والنعناع وغيرها من أنواع الخضر والبقول، والجمال المثقلة بأكياس الحنطة والشعير والحمص والفول، وبحزم الحطب وهشيم العشب والزرع تنقلها من البرية إلى البلدة وقود للأفراد والتنانير - ويمور بالغادين والرائحين من المزارعين والسابلة، وبالأطفال الذين لا يجدون، بعد تسريحهم من كتاتيبهم متنفساً لهم غير الدروب يلعبون فيها ويلهون ويسمرون.‏

في بيت متواضع من بيوت هذا الطريق وُلد عز الدين، ونشأ وترعرع مع هؤلاء الأطفال، وقد ظهرت عليه أمارات القيادة منذ نعومة أظفاره، فكان يهيمن على أترابه بقوة شخصيته، ويقودهم قيادة حكيمة، وينظم نشاطهم ويوجههم نحو ألعاب الفروسية والقوة(4).‏

نشأ في أسرة عريقة، عرفت بالعلم والتقى والورع. كان جده الشيخ مصطفى القسام وأخو جده عالمين جليلين. وكان أبوه الشيخ عبد القادر عالماً باللغة والدين وعارفاً بالله متصوفاً. تزوج أبوه بامرأتين أولاهما من قلعة المرقب، وثانيتهما أم عز الدين السيدة حليمة القصاب من جبلة، فأنجب منهما سبعة أولاد، وكان عز الدين سادس سبعة إخوة وأشقاء. وثاني ثلاثة أشقاء - اقترن الشيخ بالسيدة أمينة النعنوع من جبلة فأنجب منها ولداً ذكراً واحداً أسماه محمداً، وثلاث بنات هنّ: عائشة وميمية وخديجة(5).‏

*دراسته:‏

قرأ القرآن الكريم وتعلم القراءة والكتابة والحساب في الكتَّاب، ودرس العلوم الدينية والفقه على أبيه. وتتلمذ أيضاً لشيخين جليلين عرفا بسعة العلم والمعرفة في اللغة والتفسير والحديث والفقه هما الشيخ سليم طيارة البيروتي الأصل، والشيخ أحمد الأروادي. ولما بلغ أشده، أنس أبوه منه فطنة ورغبة في العلم، فأوفده إلى مصر ليتابع دراسته في الأزهر. ويقال أنه حضر دروس الإمام الشيخ محمد عبده، والعلامة الشيخ أحمد بخيت، واجتمع بالشيخ رشيد رضا.‏

تخرج في الأزهر سنة 1909(6)، وعاد إلى جبلة عالماً يعمر صدره الإيمان بالله وبحق أمته في الحياة الحرة الكريمة، وجعل يدرس في جامع الزاهد الصوفيّ إبراهيم بن أدهم تفسير القرآن والحديث، ويلقي الخطب حاضاً على التمسك بشعائر الدين الحنيف، وبالخلق العربي الإسلامي، ثم عيّن موظفاً في شعبة التجنيد بجبلة(7) وكان بعد فراغه من عمله، ينصرف أيضاً إلى عقد الحلقات الدرسية في جوامع البلد.‏

*صفاته وشخصيته:‏

كان أميل إلى القصر منه إلى الطول، وأقرب من النحافة أسمر اللون، أسود العينين، كث اللحية، طلق المحيا(8)، مهيب الطلعة وقوراً سديد الرأي، صادق الفراسة، ثبت الجنان شجاعاً، حاضر البديهة سريع الخاطر، محدثاً لبقاً، واثقاً من نفسه، مستبشراً دائماً ومتفائلاً، إيماناً منه بالله وبقضائه وقدره. وكان رحيماً بالناس. متواضعاً وقانعاً باليسير من المأكل والبسيط من الملبس(9)، صادقاً إذا قال فعل، دؤوباً على العمل، شديد التحمل لمكارهه. "مرت سنوات من عمره في فلسطين، وعمله يبدأ من الفجر ولا ينتهي إلا في الساعات الأخيرة من الليل. يبدأ بعد صلاة الفجر بتعليم الأميين(10) من العمال والكادحين، وإعدادهم للجهاد في مدرسة البرج الإسلامية أو في جامع الاستقلال، ويصرف وقته منذ الضحى حتى صلاة الظهر في الاتصال الحي بالناس وبجماهير العمال في مواقع عملهم ومواطن جلوسهم، ويعود ظهراً إلى بيته ومعه على الأغلب بعض المجندين لمناقشتهم، ويمضي فترة بعد العصر في تقديم الدروس الجهادية. ويقوم بتدريب الحلقات على استخدام السلاح في جبل الكرمل. ويعود إلى بيته ليشارك في حوار ساخن أو متشعب مع المناضلين الذين يأتون إلى بيته عادة، في المساء.."(11).‏

وكان أبي النفس عزيزها، يربأ أن يعيش إلا من عمل يده وعرق جبينه، روى زميل السيد عز الدين علم الدين التنوخي أن المال نفد منهما، وهما في مصر يدرسان في الأزهر، فاقترح الشيخ عز الدين أن يعد التنوخي الحلوى المعروفة في مصر (بالنمورة)، وأن يقوم ببيعها، ليوفرا من ربحها حاجاتهما، ويستغنيا عن مسألة ذوي اليسار من رفاقهما. ويقول التنوخي، أن والده، وقد بلغه هذا الخبر، هنأه بصحبة الشيخ، وقال له: لقد علمك الاعتماد على النفس، وكسب الرزق الحلال الطيب، وحفظ ماء الوجه من ذل السؤال(12).‏

*رجل دين ومصلح اجتماعي:‏

أما أنه رجل دين، فقد كان قوي الإيمان بالله، عظيم الاعتماد على هذه القوة المعنوية. روي أنه حينما قدمت إلى اللاذقية سنة 1919 لجنة - من الأميركيين - لجنة كراين- لاستفتاء المواطنين في شأن تقرير مصير البلاد السياسي، واختيار دولة لتكون وصية عليها، شخص وفد من جبلة لمقابلتها، وكان الشيخ من أعضائه -ولما سئل عن رأيه قال بإيمان وجرأة: "لا وصاية ولا حماية" فقال رئيس اللجنة: نعتقد أنكم لا تستطيعون إدارة أنفسكم وحماية بلادكم، وأنتم على هذه الحال من الضعف وعدم التجربة، فرد عليه الشيخ قائلاً: إننا نستطيع وليس غيرنا أقدر منا على ذلك، إذ أن لدينا قوة لا يملكها سوانا"، وأخرج من جيبه القرآن الكريم، وقال: هذه قوتنا"(13) ثم انقلب هو وأصحابه إلى جبلة، وصدورهم تضطرم حقداً وضغينة على الحلفاء ونواياهم المبيتة في احتلال البلاد واستعمارها باسم الوصاية والانتداب. وقد ألّفت في جبلة بعدئذٍ حكومة مؤقتة ولي الشيخ فيها القضاء الشرعي(14).‏

وكان ذا غيرة وحمية على الدين ونقائه، وسيفاً مصلتاً على أعدائه. هب وهو في فلسطين يحارب بعنف وشدة بأس البهائيين الذين انحدروا إلى حيفا من إيران، والقاديانيين الذين قدموا إليها من الهند، ويفضح زيف معتقداتهم وشعوذاتهم(15) التي ترمي إلى إفساد عقيدة العامة من المسلمين، وإلى السيطرة على تفكيرهم، والاستبداد بإرادتهم وتوجيههم توجيهاً ملتوياً يخدم منافعهم الخاصة، وأوطار الاستعمار ومآربه.‏

وكان يمقت التعصب الديني والطائفي ويحاربه، ويدعو إلى الإجماع الوطني والتعاون بين العرب على اختلاف مذاهبهم وطوائفهم ومشاربهم، ويعتبر الخروج على هذا الإجماع خيانة قومية، وعداء للأمة(16).‏

كما كان صافي العقيدة، منعتقاً من ربقة الجمود والتزمت والغلو، منكراً لكل ما يند عن جوهر الدين وعن سمو مثله، وينبو عن طبيعة العقل الإسلامي المتحرر، وعن فكره السمح. قاوم البدع والتقاليد التي أقحمت على الدين، وندد برجال الدين الذين كانوا يقرونها أو يسكتون عنها، وشاركه في حملته الإصلاحية هذه صديقه الشيخ محمد كامل القصاب(17) وأيدهما الشيخ علي سرور الزنكلوني أحد علماء الأزهر بفتاواه وقد أثار ذلك حفيظة أولئك الشيوخ الرجعيين، فانبروا يردون عليه وعلى مؤيديه، وأصدر الشيخ محمد صبحي خزيران قاضي عكا آنذاك كتيباً أسماه "فصل الخطاب في الرد على الزنكلوني والقسام والقصاب" مما دعا الشيخين -القسام والقصاب- إلى إصدار كتيب أسمياه "النقد والبيان في رد أوامر خزيران" فنَّدا فيه ما جاء في كتيبه مستشهدين بالقرآن الكريم والسنة الشريفة(18).‏

وكذلك كان واسع الأُفق في فهم جوهر الدين وحقائقه ومفاهيمه الإنسانية والحضارية، ومدركاً إدراكاً واعياً لدور الدين ودور رجاله على مسرح الحياة العامة. فالدين عنده عقيدة ونظام، كل يكمل الآخر، ويؤلفان وحدة تهدف إلى تحقيق مصلحة الأمة ومنافعها أو إصلاح حالها وتقرير الأمن والطمأنينة فيها، وتوفير عزتها وسعادتها، كما كان يؤمن أن في أحكام الشريعة الإسلامية من اليسر والسعة والمرانة ما يتيح الاستجابة لحاجات المجتمع ومطالبه في جميع الأمكنة والأزمنة والظروف.‏

وانطلاقاً من كنه هذا الإدراك، لم يقف دروسه وخطبه على تفقيه الجماهير بالعبادات، وعلى دعوتهم إلى ممارستها ممارسة صادقة خالصة، فحسب، بل تعداها إلى شؤون الحياة بعامة، وإلى القضايا الوطنية والقومية بخاصة، ولا سيّما القضية الفلسطينية. فقد حمل بعنف وصراحة وشجاعة على الزعماء السياسيين التقليديين وعلى أساليبهم الرجعية الاستسلامية التي كانوا ينهجونها مع البريطانيين في معالجة القضية الفلسطينية ويبرهن على عقمها، كما أنه أهاب بالمجلس الإسلامي الأعلى أن يتوقف عن بناء الفنادق، وعن تزويد الجوامع والمساجد بالأثاث الفاخر وبمعالم الزينة والزخرف، بل أن يبيع ما تحويه - حتى المسجد الأقصى - مما ليس ضرورياً أن يقتنى في الجوامع التي هي بيوت للعبادة وليست متاحف ومعارض، وأن يشتري بثمنه العتاد والسلاح(19) لمقاومة طغيان البريطانيين والوقوف سداً منيعاً في وجه المد الصهيوني.‏

ومن أقواله في هذا المجال: "يجب أن تتحول الجواهر والزينة في المساجد إلى أسلحة.. فإذا خسرتم أرضكم كيف تنفعكم الزينة وهي على الجدران؟"(20).‏

وكذلك دعا، عندما استفحل الخطر، إلى إرجاء أداء فريضة الحج وبذل ما تستدعيه من نفقات في سبيل الإعداد للجهاد(21)، وذلك أن الحج ركناً من أركان الإسلام، فإن الجهاد هو حامي حمى الإسلام وأركانه، وهو الدرع الواقية التي ترد عن الأمة شر المستعمرين وأذى الطامعين. والإسلام شرع الجهات بالأموال والأنفس حيث لا مندوحة منه، ولا مسوغ لتركه، وجعله، في المرتبة، بعد الإيمان بالله ورسوله. قال تعالى: (يا أيُّها الذين آمنوا هل أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم، تؤمنون بالله ورسوله، وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون((22) وكذلك آثر عن رسول الله( وقد سُئل أي العمل أفضل؟ قوله: [إيمان بالله ورسوله. قيل ثم ماذا؟ قال: الجهاد في سبيل الله، قيل ثم ماذا؟ قال: حج مبرور](23).‏

وهكذا كانت أقواله وخطبه ودروسه جامعة تتأدب فيها الجماهير بأدب الإسلام الحق، ويتلقون فيها ثقافة قومية أصيلة تؤهلهم لتحمل المسؤوليات والتبعات الدينية والاجتماعية والقومية، و"كانت بنظر الكثيرين من مريديه إعلاناً لرأي الدين في ما يجري من شؤون السياسة والحياة وتحديداً لموقف الحق أمام المؤمن الحقيقي، على خلاف غالبية الأئمة، لم يستخدم منبر خطبه يوم الجمعة للهروب مما يجابه الشعب في معركته الوطنية إلى طقوس العبادة فحسب، بل على العكس تماماً استثمر المنبر المفتوح لأكثر الأحاديث جرأة في التحريض والتعبئة وحضّ المؤمنين على القتال، حتى استحق بجدارة لقب "داعية الجهاد(24).‏

المجاهد البطل، الانتفاضة الأولى‏

حينما هاجمت إيطاليا ليبيا سنة 1911 هبّ القسام بحماسة وحمية، يدعو الناس في جبلة إلى التطوع والتوجه إلى ساحة المعركة، والمحاربة في صفوف الجيش التركي المسلم، وطفق يجمع التبرعات لتمويل الحملة، ولمساعدة عائلات المتطوعين.‏

وقد استجاب لدعوته نفر كبير من الجبلاويين، وسار على رأسهم إلى اسكندرونة، أملاً بأن تنقلهم السلطات التركية بحراً، إلى حلبة الجهاد في ليبيا. ولكن الحكومة التركية أمرته هو ورجاله بالعودة إلى جبلة بعد أن أمضوا في اسكندرونة شهراً. ويبدو أن أسباباً سياسية حالت آنذاك دون ترحيلهم، ولعلها اعتزام تركية على إبرام معاهدة صلح مع الطليان. فقفل راجعاً هو ورجاله إلى جبلة والحسرة تملأ نفوسهم لحرمانهم من المشاركة في شرف الجهاد على أرض ليبيا العربية المسلمة(25).‏

وعندما نشبت الحرب العالمية الأولى تطوع للخدمة في الجيش التركي، وأرسل إلى معسكر جنوبي دمشق حيث أتقن التدرب على حمل السلاح وأساليب القتال(26).‏

ثورته على المستعمرين الفرنسيين:‏

بعد أن وضعت الحرب أوزارها، راع الشيخ أن ينكث الحلفاء بعهودهم التي قطعوها للعرب بالتحرر والاستقلال، وهاله أن يلجأ الفرنسيون إلى اقتحام سورية وغزوها وإذلال شعبها وبث روح الفتن والنعرات العنصرية والدينية والطائفية في نفوس أبنائها، ولا سيّما في منطقة اللاذقية، فوثب كالليث الغضنفر يؤذن بالناس: أن حي على الجهاد.‏

وقد لبى نداءه جمع غفير من المتطوعين من جبلة، فأخذ يدربهم على حمل السلاح وأفانين القتال على شاطئ خليج بحري يدعى (البحيص) جنوبي جبلة. ولكن أعين الفرنسيين التي كانت مبثوثة في كل مكان لم تغفل عنه، فأخذوا يضيقون عليه الخناق، ويتربصون به وبرجاله الدوائر، ولما أوجس منهم الريبة، واستشعر الكيد والغدر، ورأى أن منازلتهم في سهول جبلة المكشوفة تتيح لجيشهم الجرار قمع ثورته في مهدها، تطلع إلى موقع آخر أكثر حصانة ومنعة وأبقى على الكفاح المسلح، فاختار جبال صهيون(27) ميداناً للجهاد، فيمم شطرها مع رجاله، وكان من أبرزهم: الحاج خالد صهيوني(28).‏

وكان يده اليمنى - والشيخ أحمد عبد الحليم(29). والحاج محمد الحاج يوسف، وحسن الحاج عبيد، والحاج محمود عمر الشداد. وما أن بلغ قنن هذه الجبال حتى اتخذ قاعدة عسكرية له في قمة منيعة منها تقع قرب قرية (الزنقوفة)، وطفق هو ورجاله يغيرون على المراكز العسكرية الفرنسية في الجبال وفي مشارف المدن الساحلية، ويقاوم ببسالة وشدة بأس الحملات التي كان الفرنسيون يجردونها لمقاتلته ويردها على أعقابها مخذولة. ولكن هذه المقاومة أخذت تضعف وتتضاءل مع الأسف، بعد أن ثبت الفرنسيون أقدامهم في المنطقة وبسطوا سيطرتهم عليها، فخشي أن يطوقوا قاعدته ويفتكوا به وبرجاله، فانسحب منها إلى بلدة (جسر الشغور) التي كانت إحدى القواعد العسكرية لثورة المجاهد إبراهيم هنانو. ويقال أنه في الوقت الذي كانت القوات الفرنسية توجه إنذارها إلى الملك فيصل، كان الشيخ هو وفصائله من أصحابه المجاهدين قد غادروا بلدة جسر الشغور متجهين إلى دمشق لخوض غمار المعركة، ولكنهم لم يبلغوها إلا بعد فوات الأوان.‏

لقد كان لثورته في صهيون أثر شديد الوقع على الفرنسيين، لما لمسوه فيه من إيمان بالله وبحق أمته بالتحرر والاستقلال، ومن مضاء عزيمته وقوة شكيمته، وحاولوا استمالته، فأوفدوا إليه رسولاً يحمل منهم رسالة شفوية يدعونه فيها إلى مسالمتهم والكف عن مقاومتهم، وإلى العودة إلى جبلة آمناً، ويعدونه بتعيينه قاضياً شرعياً في المنطقة، ولكنه رفض دعوتهم بحزم، وقال لرسولهم: عد من حيث أتيت، وقل لهؤلاء الغاصبين: "إنني لن أقعد عن حربهم أو ألقى الله شهيداً" ونكالاً به حكموا عليه غياباً بالإعدام(30).‏

في فلسطين‏

موطن الأنبياء والمرسلين، ومثوى المجاهدين والصديقين‏

لئن استطاع الفرنسيون أن يقمعوا ثورة الشيخ عز الدين في جبال صهيون بالحديد والنار، بعد أن بسطوا سلطانهم على منطقة اللاذقية وعززوا فيها قواتهم، لقد عجزوا أن يطفئوا نور الإيمان في قلبه، وأن يخمدوا نار الجهاد التي يلتهب أوارها في صدره حقداً عليهم وعلى حلفائهم المستعمرين الغاصبين، أو أن يثنوا عزيمته عن المضي قدماً في طريق النضال القومي الذي سلكه منذ أن شبَّ عن الطوق، وبلا الاستعمار وويلاته، لقد رنا بعد أن غادر جبال صهيون، إلى ميدان آخر من ميادين الجهاد، فكانت فلسطين المنكوبة ضالته وقصده، فشدّ إليها الرحال سنة 1921 هو ورهط من مجاهدي جبلة، وحلوا بمدينة حيفا - وبعد أن استقرَّ به المقام فيها عينته الجمعية الإسلامية مدرساً في مدرسة للإناث وفي مدرسة البرج الإسلامية للذكور(31) سنة 1922 وهي سنة تأسيس المدرسة الأخيرة منهما، وظلَّ يعمل فيها حتى سنة 1925 إذا عينته الجمعية إماماً لجامع الاستقلال الذي تم بناؤه في تلك السنة. وفي سنة 1346هـ (1928م) أسست جمعية الشبان المسلمين في فلسطين، وأجري أول انتخابات فيها ففاز برئاسة هيئتها الإدارية بمدينة حيفا، ثم عينته المحكمة الشرعية مأذوناً شرعياً في حيفا ومنطقتها(32).‏

كانت هذه الوظائف والأعمال التي تولاَّها جسوراً وصلته بالجيل الجديد من الشباب المثقف، وبالزعامات المحلية، وبالكتل والأحزاب السياسية وبالمنظمات والمؤسسات الاجتماعية وبمختلف طبقات الشعب وأتاحت له فرصاً مواتية ليطلع على الأوضاع التي كانت تهيمن على البلاد، ويتعمق بدراستها ويستوعب أسرارها وخفاياها ويكشف عوراتها وتناقض مآتيها. وقد رأى أن المجتمع العربي كان آنذاك متفكك العرى، رازحاً تحت وطأة شديدة من الصراعات العائلية، ومن مهاترات الكتل والأحزاب والزعماء الرجعيين المحليين، ومن سياسات الملوك والرؤساء العرب الذين تحكمت بمعظمهم الأهواء الخاصة والمطامع الشخصية، وحدتهم على أن يؤثروا السلامة على ركوب المخاطر، ويعتمدوا الأساليب الاستسلامية، أو ما كانوا يدعونه (بالطرق المشروعة) التي كانت مزيجاً من احتجاجات وإضرابات وتظاهرات، كان يسقط في ساحها كثير من المواطنين الأبرياء، دونما جدوى أو طائل من ناحية، ومن تعاون مريب مع سلطات الاحتلال، وثقة بهم، وركون إلى مهادنتهم ومفاوضتهم، من ناحية أخرى، بينما كانوا هم دعامة الشعب يدركون أن هذه السلطات كانت تمكر بالعرب، كما مكرت بهم من ذي قبل، وتكيد لهم، وتحتضن الصهاينة وتأخذ بأيديهم لإقامة مجتمعهم الاستيطاني، وبناء دولتهم حجراً بعد حجر.‏

وقد عبر القسام عن التواء هذه الأساليب أبلغ تعبير وأوجزه بقوله: "من جرب المجرَب فهو خائن"(33).‏

وقد خلص الشيخ من سبر أغوار هذه الأوضاع إلى العبر والحقائق التالية:‏

أ-إن التشبث بأذيال ما أسموه (الطرق المشروعة) ليس إلا لهواً وعبثاً بالأماني القومية، ولعبة سياسية مفضوحة، بل مؤامرة خطيرة حيكت ضد مصلحة الوطن والعروبة.‏

ب-إن الجهاد المسلّح هو الوسيلة المشروعة الوحيدة للمقاومة.‏

جـ-إن البريطانيين هم (رأس الداء وأصل البلاء). وإن السلاح ينبغي أن يشهر أولاً في وجوههم للتخلّص منهم، ثم في وجوه صنائعهم الصهاينة. ويجب معالجتهم بالقتال قبل أن يتمكنوا من بسط سلطانهم على البلاد، وقبل أن تتعاظم، في ظلهم، قوى الصهاينة، ويصبحوا في حال يستطيعون معها أن يختاروا هم الظروف المناسبة للانقضاض على العرب والظفر بهم، ومن أقوالهم في هذا الشأن: "إن اليهود ينتظرون الفرصة لإفناء شعب فلسطين، وللسيطرة على البلد، ولتأسيس دولتهم"(34).‏

في هدي هذه الحقائق التي تكشفت له، شمر القسام عن ساعد الجد، متجاوزاً جميع التناقضات الروحية والفكرية والسياسية، وشرع ينظم ثورته ويعد لدواعيها ولأسباب قوتها، ويوعيِّ الجماهير، ويدرب من اصطفاهم من المجاهدين على القتال.‏

التوعية والاستنفار:‏

لم يقصر ميدان نشاطه في توعية الجماهير على المدارس والجوامع، بل تجاوزه إلى الأماكن والأوساط الشعبية، فكان يغشى الأحياء الفقيرة، ويزور العمال والكادحين في مراكز أعمالهم، وأماكن استراحتهم وبيوتهم، ويختلف إلى المزارع والقرى ومضارب البدو، وكان يجالس الجميع ويحاورهم ويناقشهم في الشؤون الدينية والسياسية والوطنية، ويبصرهم بجوهر القضية الفلسطينية. ويوضح لهم أبعاد السياسة البريطانية ومطامع الصهيونية، ويكشف لهم زيف الزعامات المحلية، وما ينجم عن ذلك كله من عواقب وخيمة تفضي إلى ضياع الوطن وتقتيل أبنائه وطردهم من ديارهم وتشريدهم في الآفاق، حتى لكأن حجب الغيب وأشعاره كانت متكشفة أمام عينيه، فكان ما يقوله هو عينه ما حل بالفعل، بعده، في فلسطين من كوارث منذ عام 1948 حتى يومنا هذا. وكان، خلال محاوراته لهم يوقظ ضمائرهم، ويستنهض هممهم وعزائمهم، ويستنفرهم لحمل السلاح والجهاد في سبيل الله والوطن. وقد كان صدق إيمان القسام بما يدعوهم إليه، وقوة شخصيته وحماسته أواصر وثقت صلاته بهم، وجذبتهم إليه، واستمالتهم إلى الثقة به، وإلى احترامه والولاء له، من ناحية، وجمعت شتاتهم ووطدت عرى الأخوة بينهم، وألفت بين قلوبهم ووحدت أهدافهم الروحية والوطنية، فأقبل عليه جمع غفير منهم ملبين دعوته، ومعاهدين الله على السير وراءه في طريق الجهاد.‏

وكذلك كانت حركته أول تنظيم عربي ثوري عقائدي يقوم على قاعدة ثابتة صلبة تنتظم جماهير العمال والكادحين والفلاحين الذين هم يمثلون بحق، القوى الوطنية المؤمنة الأصيلة، والطاقات الفاعلة في جميع الحركات الثورية العقائدية التقدمية.‏

الترويض الخلقي والتدريب العسكري:‏

كان يروّض رجال عصبته، قبل كل شيء، على ما كان يسميه (الجهاد الأكبر) أي مجاهدة النفس وأهوائها، والصبر على المكاره والشدائد، وعلى الشجاعة والتضحية والفداء، حتى إذا أنس فيهم ما كان يبغيه من تكامل في شخصياتهم روحياً وخلقياً، عكف على تدريبهم عسكرياً في جبل الكرمل على حمل السلاح والتمرس بالقتال، وكان يعاونه في التدريب وحدة عسكرية من رجاله. أما السلاح فكان يشتريه مما كان يقدمه أصحابه ومؤيدوه ومريدوه، وبعض المنظمات الشعبية من تبرعات. وكان التكتم والسرية يكتنفان جميع تحركاته وأعماله في هذا المجال.‏

الاستشهاد‏

في رحاب الله وذمة التاريخ‏

كان الجو السياسي في فلسطين قد بلغ ذروة التوتر والخطر سنة 1935 فالتظاهرات الصاخبة، والإضرابات الشاملة اجتاحت البلاد احتجاجاً على السياسة البريطانية الموالية للصهاينة، واستنكاراً لوسائل القمع الوحشية التي مارستها السلطات ضد العرب، في هذا الجو المحموم خرج القسام من حيفا على رأس نفر من رجاله إلى تلال (يعبد) في منطقة جنين في الثاني عشر من شهر تشرين الثاني سنة 1935(35)، وزعهم على بعض القرى. بيدَ أن عيون البريطانيين والصهاينة أحسَّت بغيابهم عن الساح، فنشطوا في البحث عنهم في كل مكان. وكان، من الصدف، أن شاهد المجاهد المعهود إليه بأمر المراقبة دورية للعدو مؤلفة من ضابط يهودي وشرطي عربيّ تجوب تلك النواحي متجهة نحو الخط الأمامي للمجاهدين، فأطلق النار على الضابط فأراده قتيلاً. وخلى سبيل الشرطي. وقد أدى ذلك إلى افتضاح أمر المجاهدين، وإلى الإحاطة علماً بمواقعهم، فجردت السلطات عليهم حملة كبيرة أحكمت الطوق على معاقلهم، ودعت قائدهم البطل إلى الاستسلام فأبى، وقال لأصحابه: "لن نستسلم، إن هذا جهاد في سبيل الله والوطن. فلنمت شهداء"(36)، فقاتلوا قتالاً ضارباً حتى نفد عتادهم، فهاجمهم الأعداء من كل حدب وصوب، فقضى القائد هو وأربعة من المجاهدين الأبرار في ساحة الشرف، وأُصيب بعض المجاهدين بجراح وسلّم بعضهم وأسروا جميعهم. وقد أُقيمت للشهداء جنازة مهيبة في حيفا. أما القائد القسام فقد شيعته الجماهير مشياً على الأقدام وحمل على الأكف إلى مثواه الأخير في قرية (الباجور) التي تبعد من حيفا قرابة عشرة كيلو مترات.‏