مذكرات جورج تينيت «في قلب العاصفة» (2)

الحياة

نشرت «واشنطن بوست» في 11 تشرين الثاني (نوفمبر) 1998 الخبر الآتي: «ذكرت بعض المصادر أنّ مدير وكالة الاستخبارات المركزية جورج ج. تينيت أبلغ الرئيس كلينتون في الشهر الماضي أنّه يجد من الصعب عليه البقاء مديراً إذا ما أطلق سراح الجاسوس الإسرائيلي المدان جوناثان بولارد كجزء من اتفاق سلام في الشرق الأوسط.
«من الصعب» هي الكلمة الخاطئة. وربما تكون «من المتعذّر» أقرب إلى الصحّة، لكن حتى تلك الكلمة لا تفي الموقف حقّه. إليكم ما حدث في أواسط تشرين الأول (أكتوبر) 1998 في مركز المؤتمرات بواي بلانتيشن، وهو عقار جميل يمتدّ على مساحة 100، 1 فدان على نهر واي، عند الشاطئ الشرقي لمِرِلند. غير أنّ القصّة نفسها تبدأ قبل ذلك بثلاث سنوات، بحادثة اغتيال وحشية.
اغتيل رئيس الوزراء الإسرائيلي إسحاق رابين في تشرين الثاني 1995 على يد إسرائيلي يعارض عملية السلام، بعد مرور أقل من سنتين على تشارك رابين جائزة نوبل للسلام مع وزير خارجيته شمعون بيريز، وياسر عرفات. وكان لذلك تأثير عميق لا في مؤيدي رابين فحسب، وإنّما في الفلسطينيين أيضاً. كان الإسرائيليون معتادين على ابتهاج الفلسطينيين على سطوح المنازل كلما وقعت كارثة في الجانب الآخر من الحدود. لكن ليس هذه المرة. فقد أطلق مقتل رابين دفقاً من المشاعر الحقيقية في أوساط الفلسطينيين، وصاحب ذلك بداية حدوث تغيّر تامّ في تصوّر الإسرائيليين لجيرانهم. تسلّم بيريز منصب رابين وإرثه وزخمه، ومضت أشهر لم يبدُ فيها السلام معقولاً بين الإسرائيليين والفلسطينيين فحسب، بل ممكناً في شكل حقيقي أيضاً.
بعد ذلك جاءت موجة من التفجيرات الانتحارية، بدءاً من أواخر شباط (فبراير) 1996 - أربعة في تسعة أيام خلّفت أكثر من ستين قتيلاً - نفّذتها حركة حماس الإسلامية المتشدّدة. ردّ عرفات على ذلك بسرعة مفاجئة، وكان انتُخب رئيساً للسلطة الفلسطينية في كانون الثاني (يناير)، فأمر باعتقال عشرات من المتشدّدين بمن فيهم الرجل المشتبه بأنّه جنّد المفجّرين الانتحاريين، وشنّ غارات على أكثر من عشرين منظمة ومؤسسة إسلامية يعتقد أنّها تقدّم الدعم المالي وغير المالي الى حركة حماس.
كان من الواضح بالنسبة إلينا في السي آي إيه أنّ العنف فاجأ عرفات، فقد أدرك أنّ حماس أقوى مما يعتقد، بل قوية بالقدر الكافي لتهديد سلطته. لم تؤدّ التفجيرات إلى إخراج عملية السلام عن سكّتها فقط - فتلك قصة قديمة في الشرق الأوسط. بل إنّها هذه المرة شكّكت في بنية العملية بأكملها والمقدّمات المنطقية التي بنيت عليها.
من الصعب المبالغة في تقدير أهمية السلام في الشرق الأوسط. فهذه القضية تتجاوز الاهتمامات الإنسانية في وقف العنف والمعاناة. بل إنّها أكثر أهمية من الرغبة في القضاء على السبب الأساسي لجانب كبير من الإرهاب العالمي الذي يزعج العالم. فأفضل الآمال وأسوأ المخاوف في العالم مستثمرة في هذه الرقعة الصغيرة نسبياً في الأرض.

في آذار (مارس) 1996، توجّه وفد أميركي رفيع المستوى إلى الشرق الأوسط للاجتماع بالقادة هناك بغية إعادة بدء المفاوضات. وكان في عداده بيل كلينتون الذي يستكمل ولايته الأولى فيما أصبحت حملة إعادة الانتخابات وشيكة، ودنيس روس، مبعوث كلينتون الخاص إلى المنطقة برتبة سفير، ورئيسي في ذلك الوقت جون دويتش؛ وآخرون. وفي أثناء الرحلة، كما أخبرني دنيس روس لاحقاً، طرح الرئيس سؤالاً بسيطاً: ماذا علينا أن نفعل لننقذ عملية السلام؟ ومن ذلك السؤال ولدت قمة صنّاع السلام التي عقدت في ذلك الربيع في منتجع شرم الشيخ المصري على البحر الأحمر. وكانت القمة ترمي إلى أن توضح أمام الإسرائيليين في شكل لا لبس فيه ما كان بيّناً قبل أن تشرع حماس في رحلة القتل - أنّهم ليسوا وحدهم. وكان الفلسطينيون مهدّدين بالأخطار نفسها التي تتهدّد الإسرائيليين، لذا دانوا أيضاً هذه الأعمال العنيفة.
لم يتوقّف كلينتون والآخرون عند هذا الحدّ. ففي الرحلة نفسها، تم التوصّل إلى قناعة أخرى: من دون تحقيق تقدّم متزامن في القضايا الأمنية، لن تؤدّي العملية السياسية وحدها إلى جلب السلام إلى الشرق الأوسط. يمكن التوصّل إلى كل الاتفاقات في العالم بكل النيات الحسنة التي يمكن تصوّرها، لكن، ما لم تكن القوى الأمنية الفلسطينية والإسرائيلية في اتصال دائم وتعمل على تحقيق الأهداف النافعة المتبادلة، فستتمكّن حماس، أو أي مجموعة مماثلة، من تدمير ما أنجز السياسيون. كان الإسرائيليون يريدون التحقّق من أنّ الفلسطينيين لا يمنحون الإرهابيين ملاذاً آمناً. وكان الفلسطينيون يريدون في المقابل التحقّق من عدم قيام جهاز أمن إسرائيلي قمعي بالتنكيل بشعبهم.
اتفق كلينتون وروس على المبدأ، لكنّهما ارتأيا أن يكون أحدٌ ما مسؤولاً عن إنجاز الترتيبات الأمنية، ويبدو أن جون دويتش قال، «إنّني أعرف الشخص المناسب لهذا العمل». وتبيّن أنّ ذلك الشخص هو أنا. كان الأمن الموضوع الرئيسي، فبإمكانك أن تتحدّث عن السيادة والحدود والانتخابات والأراضي وما شاكل طوال اليوم، لكن الأمر لا يهمّ إذا لم يشعر الجانبان بالأمان.
قال لي أحد المفاوضين الفلسطينيين بعد جلسة مرهقة، «نعلم أنّ لديكم علاقة وثيقة واستراتيجية مع الإسرائيليين لن نتمكّن قط من إنشاء مثلها معكم، لكن، كل ما نطلب منكم أن تكونوا منصفين». وذلك مبدأ يجب الالتزام به في الشرق الأوسط، وكان قاعدتنا الذهبية من البداية إلى النهاية.
في أوائل آذار (مارس) 1996، قبل أيام من انعقاد قمة صنّاع السلام في شرم الشيخ، وفي أول ممارسة حقيقية لواجباتي، توجّهت إلى إسرائيل مع بعض كبار المسؤولين لمحاولة التوصّل إلى أرضية مشتركة بين أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية والفلسطينية. وكان من المحتّم أن ينشر الخبر قبل أن تحطّ طائرتي على الأرض، فقد أفادت صحيفة «جيروزالم بوست» نقلاً عن مصادر مغفلة في 10 آذار أنّ «الوفد الأميركي سيرأسه نائب مدير السي آي إيه جورج تينيت». وكتب تيم واينر في صحيفة «نيويوك تايمز» أنّ «الاجتماعات الرسمية بين مسؤول في الاستخبارات الأميركية على مستوى تينيت ونظيره الفلسطيني قد تكون غير مسبوقة».
لا يمكنني القول ما إذا كان الأمر كذلك، لكنّ التشديد على قضايا الأمن كمسار موازٍ للقضايا السياسية - الإقرار بأنّ عملية السلام غير ممكنة بدون الأمن - كان فريداً، في تجربتي على الأقل. وشدّد دنيس روس، كبير المفاوضين الأميركيين في شرم الشيخ، على النقطة نفسها أمام ياسر عرفات. وكما روى دنيس روس لاحقاً ما دار بينه وبين الرئيس الفلسطيني، «ستنتهي عملية السلام ما لم تفعل شيئاً في القضية الأمنية. ولا يمكنك تزوير الأمر، بل يجب أن يكون حقيقياً»، وقد وصلت الرسالة، فالتفجيرات أقنعت عرفات بالفعل بالتهديد الذي تشكّله حماس عليه، شخصياً وسياسياً. وعندما أقنعه روس بأنّنا جاهزون للمساعدة وأنّه لا يستطيع أن يرفض عرضنا، أبلغ عرفات كلينتون بأنّه مستعدّ للتحدّث مع الإسرائيليين، فدارت عجلة عملية السلام ثانية، إلى حدّ ما.
طلب مني دنيس روس التوجّه إلى الشرق الأوسط ومساعدة الفلسطينيين في تطوير خطة أمنيّة محدّدة يُحْضرونها معهم إلى واي - نوع من بوليصة التأمين بأنّ القدرة على التأثير ستكون حاضرة عند الحاجة إليها - وهكذا وجدت نفسي، قبل أيام فقط من بدء القمة، محصوراً في غرفة المعلومات الحسّاسة في القنصلية الأميركية في القدس مع محمد دحلان، وجبريل الرجوب (مدير جهاز الأمن الوقائي في الضفة الغربية) وأمين الهندي (المسؤول عن جهاز الاستخبارات العامة الفلسطيني).
كان هدفي، وفقاً للتعليمات الحصول كتابة على التنازلات المحدّدة التي كان الفلسطينيون مستعدّين لتقديمها وتنفيذها. وكان هدفهم، كما تبيّن بسرعة، أن يفعلوا كل شيء سوى ذلك.
في البداية تصوّرت أنّهم غير منظّمين أساساً أو غير قادرين على وضع الرسوم البيانية وفتح ميكروسوفت وورد كي يبدأوا الكتابة. لكنّني سرعان ما أدركت أنّ الفلسطينيين قلقون من الاحتمال الكبير لتسرّب كل ما يضعونه على الورق إلى الإسرائيليين، ومن الإسرائيليين إلى وسائل الإعلام، قبل أن يصل أحد إلى واي. وذلك يعني مواجهة المشاكل في مجتمعهم لأنّهم قدّموا تنازلات، لكن كانوا يرون أيضاً أنّ من غير الحكمة الالتزام بأي شيء، على الورق أو في المفاوضات الثنائية، قبل أن يروا لون العملة الإسرائيلية ويعرفوا ما التنازلات المقابلة التي يرغب الإسرائيليون في تقديمها.
كان اجتماعي الثاني أكثر نجاحاً، أو بدا هكذا في ذلك الوقت. فقد طلب مني دنيس أيضاً الاجتماع بعامي أيالون، رئيس الشين بيت، أي جهاز الاستخبارات الداخلية الإسرائيلي. وكان دنيس قلقاً من أن يطلب نتانياهو لأسباب سياسية مطالب تتجاوز المعايير المعقولة. كان عامي، وهو أميرال متقاعد في البحرية الإسرائيلية، صريحاً، وفي وسعنا الاعتماد عليه في عدم المناورة. وصحبه في اجتماعنا أحد نوّابه، إسرائيل حسّون.

في تشرين الأول 1998، عندما التقى الجميع في واي رفر، بدا عامي المسؤول الوحيد تقريباً الذي لم يكن حاضراً أو في طريقه إلى الحضور. ترأس بنيامين نتانياهو وياسر عرفات وفديهما بطبيعة الحال، لكن الطبقة الثانية من القياديين كانت فاعلة أيضاً في عملية السلام. وكان إلى جانب عرفات، أبو علاء وأبو مازن وصائب عريقات وجبريل الرجوب ومحمد دحلان.
ضمّ الوفد الإسرائيلي شلومو يناي، كبير المخطّطين العسكريين، ومئير داغان، مستشار نتانياهو لمكافحة الإرهاب؛ والجنرال مايك هرتزوغ، رئيس قسم التخطيط الاستراتيجي في الجيش الإسرائيلي؛ والجنرال عاموس غيلَند، وهو ضابط استخبارات رائع. وجاء إسرائيل حسّون لتمثيل الشين بيت، وتبيّن أنّه واحد من الأبطال المغمورين لهذه العملية بأكملها.
وضمّ الفريق الأميركي، بالإضافة إلى الرئيس، ساندي بيرغر؛ ووزيرة الخارجية مادلين أولبرايت؛ ودنيس روس؛ ومارتن إندِيك، مساعد وزيرة الخارجية للشرق الأدنى؛ وستان موسكوفتز، أحد كبار ضبّاط السي آي إيه في الشرق الأوسط؛ وجمال هلال، المترجم في وزارة الخارجية. وحضر نائب الرئيس آل غور بعد ظهر يوم الأحد مدّة ساعات ليضيف حضوره أيضاً.
لكنّ ذلك كان مسرح بيل كلينتون منذ البداية. فالرئيس يحب محاولة حلّ المشاكل الكبيرة، وليس هناك أكبر من هذه المشكلة. لكن، كان ثمة ما يرتبط بها أكثر من ذلك، بل حتى أكبر من الأمن الإقليمي والشواغل الإنسانية. فإيجاد حل للقضية الإسرائيلية - الفلسطينية قد يكون له تأثير كبير في الظروف التي تعزّز الإرهاب في الشرق الأوسط. وكان كلينتون يدرك ما هي المخاطر في نهاية المطاف، وعمل فترة رئاسته على إيجاد حلّ.
وكما يفعل دائماً، درس القضية في شكل واسع. ومن المدهش مقدار التفاصيل التي انغمس فيها وسهولة استرجاعه لها. ولم يكن يعتزم السماح بفشل هذا الاجتماع مهما طال. وفي وقت متأخّر من الليل، أحياناً في الثانية أو الثالثة صباحاً، كان بوسعك سماع مروحية كلينتون وهي تُقلع متجهة إلى البيت الأبيض، حيث يعمل حتى الفجر على قضايا الموازنة. وفي الصباح تسمع هدير المروحية وهي عائدة. لم أكن أعرف متى ينام وكم يمتدّ به الوقت من دون أن ينام. فقد وصلنا إلى مركز واي يوم الجمعة متوقّعين أن نعود إلى البيت في نهاية يوم الاثنين التالي على الأبعد. وبحلول يوم الثلاثاء دون أن تلوح النهاية في الأفق، كان علي التحرّك بسرعة للحصول على ثياب نظيفة.
سلّط افتتاح المناقشات الضوء على لبّ المشكلة، فللتنازلات وخطط العمل ضدّ البنية التحتية والعسكرية لحركة حماس عواقب سياسية بالنسبة إلى الفلسطينيين. وانعدام الثقة، واحتمال حدوث تسريبات، يمكن أن تصوّر دحلان تابعاً لإسرائيل. لم يكن حرج موقف دحلان خافياً على الإسرائيليين، لا سيما إسرائيل حسّون، الذين يدركون معضلته. مع ذلك لم تكن تفوتنا أيضاً حاجة الفلسطينيين المطلقة إلى العمل والسؤال في نهاية المطاف عما فعلوه وما لم يفعلوه.
هنا جاء دور السي آي إيه. فنحن الهيئة التي يثق بها الجانبان. لكن، يجب أن تكون هناك خطة عمل ومواعيد قابلة للقياس كي يحظى التعاون الثنائي بفرصة. مع ذلك كان يتمّ إحراز تقدّم متزايد. وفي صباح الأربعاء، بعد نحو خمسة أيام من المناطحة، حصلنا في النهاية على مسوّدة اتفاق، وعندئذ قرّر الإسرائيليون اتخاذ إجراءات متصلّبة. فقد وضعوا حقائبهم في الخارج، للإشارة إلى أنّهم عائدون إلى وطنهم. وذلك يوحي بأنّ المسوّدة الأمنية غير مقبولة. ومن دون ذلك لا يمكن عمل أي شيء، فلماذا نبقى؟
لم يتأثّر دنيس روس هذه المرّة. فقد أبلغ مادلين أولبرايت؟ «اسأليهم متى يريدون المغادرة كي نجري الترتيبات». وكان دنيس يعتقد أنّهم عندما يُخرجون حقائبهم، فإنّهم لا ينوون المغادرة. وإذا كانوا ينوون الرحيل، فلن يكون الفلسطينيون الخاسرين بل نتانياهو - الشخص الذي ضيّع فرصة تاريخية للسلام.

لم أكن واثقاً جداً من ذلك، لذا ذهبت أبحث عن إسحاق مردخاي، وزير الدفاع الإسرائيلي الذي وصل إلى واي قبل أقل من يوم واحد. ومردخاي رجل جاد لا يثق باستعراض السياسيين الشعبيين. وكانت مادلين أولبرايت طلبت مني أن أتجاهل الحقائب، لكن، لم يكن باستطاعتي أن أدخل المبنى من دون أن أتعثّر بها، لذا ناديت بعض الإسرائيليين الواقفين قربها ويبدو على وجوههم مظهر المرتبكين خجلاً، «ما هذه الحقائب؟ هل تريدون الذهاب إلى مكان ما»؟ ثم وجدت مردخاي وطلبت منه أن نتمشّى معاً. قلت له، «هذا ما وصلنا إليه وما لدينا»، وتابعت لأجمل له المفاوضات الأمنية حتى اليوم. فقال لي: «سأذهب وأتحدّث إليهم. وسأقنعهم بالموافقة». وبعد ذلك أعيدت الحقائب إلى الغرف وعدنا إلى العمل. ربما كان الإسرائيليون يقومون بتمثيل دور الشرطي الصالح/الشرطي السيئ، لكن الأمر نجح، أياً تكن الخلفية. وكان مردخاي حاسماً في المراحل النهائية من المفاوضات الأمنية، بما في ذلك تقديم بعض التنازلات التي جعلتنا نتجاوز المطلوب.
وأخيراً، في اجتماع يوم الأربعاء في 21 تشرين الأول في السادسة بعد الظهر، تمّ التوصّل إلى اتفاق (...).
بدونا جميعاً متفقين في شأن القضايا الأمنية، لكن كان هناك مسألة أخيرة لم تحلّ: جوناثان بولارد.
دين جوناثان بولارد سنة 1986 لتقديمه موادّ سرية جداً إلى الإسرائيليين عندما كان يعمل محلّلاً في استخبارات البحرية. وكان في ذلك الوقت (ولا يزال) يقضي عقوبة السجن مدى الحياة في سجن فدرالي في بتْنر، كارولينا الشمالية (...).
يذكر مارتن إندِيك أنّ قضية بولارد أثيرت في أول اجتماع بين الرئيس كلينتون ونتانياهو في واي. لم أكن حاضراً في ذلك الاجتماع. وفي أعقاب الاجتماع، وفقاً لمارتن، سأل ساندي بيرغر الرئيس، هل أثار بيبي قضية بولارد؟ أجاب الرئيس نعم، وأنّه أبلغ بيبي بأنّه سيتعامل مع ذلك في النهاية.
في يوم الخميس، دعا ساندي بيرغر إلى اجتماع ضمّني ودنيس روس ومادلين أولبرايت وآخرين، وفي هذا الاجتماع كشف ساندي عما كان قنبلة مذهلة بالنسبة إلي. فقد قال، «عليكم أن تدركوا أنّ نتانياهو طرح موضوع بولارد للبحث».
أجبته «لا. أنت مخطئ. بولارد ليس مطروحاً للبحث». وبعد ذلك نهضت وغادرت الغرفة. لحق بي ساندي. قلت له، «هذا أمر سخيف. ليس لبولارد شأن في ما نقوم به هنا».
قال لي، «لم يوافق الرئيس على أي شيء، لكني أعد بأن أمنحك فرصة عرض وجهة نظرك على الرئيس إذا ما عاود الإسرائيليون طرح الموضوع».
التقيت كلينتون وقلت له: «سيدي الرئيس، علي أن ألفت انتباهك إلى أمر ما. لقد أنجزنا اتفاقاً أمنياً هنا أعتقد أنّه مهمّ. ونتيجة ذلك، أعتقد أنّ المفاوضات يمكن أن تنجح، لكن إذا أطلق بولارد، فلن أعود مدير الاستخبارات المركزية في الصباح. فليس لهذه القضية علاقة بهذه المفاوضات».
أستطيع أن أكون شخصاً عاطفياً. لكنّني كنت هادئاً جداً في تلك اللحظة، وغير عاطفي البتة. كنت أعرف ما يجب عمله. وتابعت قائلاً، «لقد عملت جاهداً لإعادة الروح المعنوية إلى الوكالة. وأعتقد بأنّ جهودنا بدأت تثمر، لكنّني شاركت في التفاوض في شأن هذا الاتفاق الأمني. والكل يعرف ذلك. وإذا أطلق سراح جاسوس نتيجة هذه المفاوضات، لن يكون في وسعي أن أقود رجالي».
عندما انتهيت، شكرني الرئيس وخرجت من الغرفة غير موقن إذا ما كنت سأحتفظ بمنصبي في الصباح التالي.
في السادسة صباحاً، كنت أنا وستان جالسين في غرفة صغيرة خارج منطقة المفاوضات الرئيسة مع بعض المشاركين الإسرائيليين والفلسطينيين، بمن في ذلك بيبي نتانياهو ومحمد دحلان، عندما دخل الرئيس مع عرفات ومشى معه باتجاه نتانياهو كي يتصافحا وينهيا الاتفاق. وبعد جولة من التهاني، بدأ الجميع بالخروج من الغرفة.
عندما ظهر دحلان عند الباب وقال: «سيكون هناك أمر إضافي».
قلت: لا، قضي الأمر. ألم ترَ المصافحة»؟
فقال: «الإسرائيليون يريدون دائماً شيئاً إضافياً».
ذلك بالضبط ما يقوله الإسرائيليون عن الفلسطينيين، لكنّ دحلان كان مصيباً في هذه الحال.
كنت واثقاً من أنّ موقفي من بولارد مصيب - لكنّ ذلك لم يعفني من الشعور بقدر كبير من الضغط الذاتي. ماذا لو كنت السبب في انهيار عملية السلام بأكملها؟ فكّرت في ذلك. تمشّيت مع دنيس روس وأبلغته أنّني لا أعتقد أنّ لديّ أي خيار سوى اعتماد الموقف الذي اتخذته، لكنّني قلق حقاً من أن أصبح عائقاً بشرياً أمام السلام. فقال لي دنيس، «لا تقلق، سنحصل على اتفاق في النهاية».
عندما رأيت الرئيس ثانية أنا وستان موسكوفِتز، كان من الواضح أنّه قد اتخذ قراره. وبدلاً من تجنّب الموضوع، وضع يده على كتف ستان، ونظر إليّ وقال مازحاً، «لمَ لا نبادل ستان ببولارد».

وافق الإسرائيليون بطبيعة الحال على الاتفاق، مثلما كنت أنا ودنيس مقتنعين. لقد كانت تلك لعبة عضّ أصابع؛ تمسّك نتانياهو وجماعته بموقفهم إلى اللحظة الأخيرة كي نقول آخ. ووقّع الفلسطينيون أيضاً. فقد كانت مذكّرة واي رِفر لمصلحتهم بقدر ما كانت لمصلحة الإسرائيليين، وصار بوسعنا أن نهنّئ أنفسنا مدّة قصيرة جداً على إنجاز المهمة في شكل جيد. وتغيّبت عن احتفال توقيع اتفاق واي رِفر بعد ظهر يوم الجمعة في الغرفة الشرقية للبيت الأبيض. فلم أكن أعتقد أنّ حضور رئيس الجواسيس تلك المناسبة أكثر ملاءمة مما كان عليه الوضع في اجتماع التقاط الصور الفوتوغرافية في بداية المفاوضات.
هل كان هذا السلام خاتمة كل السلام؟ لا، كان مجرّد بداية، لكن الفلسطينيين كانوا مستعدّين للتصرّف بطريقة لم يقدموا عليها من قبل. ونتيجة للتعاون الأمني، تراجعت حوادث الإرهاب بين 1996 و1999. يستحقّ الجانبان حصة الأسد من الثناء، لكن ضباط السي آي إيه لعبوا دوراً حاسماً وفتحوا خطوط الاتصال. كما كانت الولايات المتحدة منخرطة سياسياً أيضاً. وكما قال ستان موسكوفِتز، كانت السي آي إيه ترعى الثقة بالفلسطينيين. وكان دبلوماسيونا يضغطون على عرفات، وكان يثق بنا لأنّهم يضغطون على الإسرائيليين أيضاً. لقد نجحت مكافحة الإرهاب لأنّ الأمن والدبلوماسية اجتمعا في الوسط. وقد قدّم دور السي آي إيه الى حكومتنا الأساس للمساعدة في التدخّل في السنوات التالية، ومنح العملية السياسية الأوكسجين الذي تحتاج إليه لمواصلة التنفّس.