حروب الأيديولوجيا.. والاستخبارات

أغرب ما في ظاهرة تنظيم "فتح الإسلام" في لبنان، أن الأسئلة التي طُـرحت قبل بدءِ معاركه الطاحنة مع الجيش اللبناني قبل نيف وثلاثة أشهر، بقِـيت هي نفسها الأسئلة بعد انهياره (التنظيم) وسيطرة الجيش اللبناني على مخيم نهر البارد، الذي كان يتحصَّـن به.
ما سر هذا التنظيم؟ ومن يقف وراءه أو أمامه؟ وكيف يمكن لحركة عنيفة سياسية حديثة العهد أن تُـولَـد قوية على هذا النحو؟

الاجتهادات التي طفت على السطح مع الظهور العلني القوي لـ"فتح الإسلام" في شمال لبنان في أوائل شهر يونيو الماضي، تعدّدت بتعدُّد المصادر.

فخصوم أمريكا من الإيرانيين إلى السوريين في المنطقة، أضفوا على هذه الحركة من البداية سِـمة أيديولوجية جِـهادية بحتة، ثم أنّـهم بعد أن تبرّؤوا من أي علاقة بها، أنحوا باللائمة على السياسة الأمريكية في العراق وأفغانستان وفلسطين، وأيضاً على الدّعم السعودي للأصوليين الإسلاميين لنشأة مثل هذه التنظيمات.

هذا الرأي استند إلى تبرير قوي آنذاك: "فتح الإسلام" وغيرها من الحركات العنيفة المتطرّفة، تكفّـر كل من كان من غير أهل السُـنة، وهي تجْـهر بأنها تنوي أعمال السّيف في رقابهم، تمهيداً لإقامة إمارات وممالك إسلامية جديدة. وبالتالي، من غير المنطقي أن تعمد دمشق أو طهران إلى تزويد مَـن ينوي حفر قبرهما، بالمعاول اللازمة لذلك.

في المقابل، أكّـد خصوم سوريا وإيران أن "فتح الإسلام" وأشباهه من التنظيمات، من اختراع هاتين الأخيرتين من الألِـف إلى الياء.

الدلائل؟

إنها (برأي الخصوم)، كثيرة:

1. ولادة التنظيم قبل نحو سنتين في سوريا تحت تسميات مُـختلفة بما في ذلك "جند الشام" قبل انتقاله إلى لبنان. صحيح أن السلطات السورية أعلنت عن اشتباكات عديدة بين قواتها وبين أفراد التنظيم، إلا أن ذلك يُـمكن أن يكون مجرّد ذرّ للرماد في العيون لإخفاء الأهداف الحقيقية لإنشاء هذه الحركة.

2. احتمال وجود علاقة نشأة بين أبو خالد العملة، مؤسس حركة "فتح الانتفاضة" وبين "فتح الإسلام". وإذا ما كانت هذه الفرضية صحيحة، فإنها ستؤكِّـد دَور دمشق في إقامة أو رعاية هذا التنظيم، لأن أبو خالد كان مُـقرّباً من كل من الماركسيين والشيوعيين ومن سوريا.

3. وجود سوابق على دعم كل من دمشق وطهران للتنظيمات السُـنَية العنيفة، وهكذا يقال الآن أن الثانية كانت ولا تزال تُـمَول وترعى وتستقبِـل على أراضيها عناصِـر عدّة من تنظيم "القاعدة"، العاملة في العراق ضدّ الأمريكيين، إضافة إلى تنظيمات سُـنَية عدّة أخرى. وكذا تفعل دمشق، وتبعاً لذلك، لا يُـستغرب أن يكون الطرفان متورِّطين في هذه الظاهرة الجديدة.

حروب استخباراتية

أي الطرفين الأقرب إلى الصحة؟ كلاهما! لكن، كيف يُـمكن لوجْـهتي نظر متناقضتين لبعضهما البعض، أن تكونا على حق آن؟

السبب بسيط: الجميع في الشرق الأوسط، بلا استثناء، يلعب هذه الأيام ورقة التنظيمات الإرهابية أو المتطرفة، وهذه ليست لُـعبة جديدة.

وللتذكير: الاستخبارات الأمريكية كانت وراء نشأة عشرات التنظيمات اليسارية المتطرِّفة في حِـقبة الستينات والسبعينات من القرن الماضي، والتي كانت شعاراتها المُـعلنة تدعو إلى "ثورة أممية عالمية ضد الإمبرياليتين، الأمريكية والسوفييتية". وقد تكشف لاحقاً أنها كانت أداة في يد واشنطن لتشْـويه سُـمعة اليسار وزعزعة الإتحاد السوفييتي. وكذا الأمر في الثمانينات، حين رعت الولايات المتحدة، بدعم عربي، قيام النواة الأولى لتنظيم "القاعدة" في أفغانستان.

وبالمثل، يؤكِّـد جون كولي في كتابه الشهير "الحرب غير المقدسة"، وبالوثائق، أن إيران تدعَـم الكثير من التنظيمات المتطرفة في شتى أنحاء العالم، بغَـضِّ النظر عن إيديولوجية هذه التنظيمات وتوجهاتها.

وعلى أي حال، حرب الرهائن التي شنَّـتها طهران على واشنطن منذ اللّـحظة الأولى لانتصار الثورة الإسلامية في أواخر السبعينات، كانت تستلزِم في الدرجة الأولى إقامة تنظيمات سرية متطرِّفة للقيام بمثل هذه العمليات.

"موضة" التطرف

ماذا يعني كل ذلك؟ إنه يعني بوضوح، أن ما يجري الآن في لبنان من معارك دامية، استمرت 100 يوم وأودت بحياة 180 جندي لبناني وعددٍ مماثل من عناصر "فتح الإسلام"، ليس في محصِّـلته النهائية، سوى حرب استخبارية بوسائل أخرى، وهذا لا يعني أن عناصر "فتح الإسلام"، ربما يكونون مشبعين بالفعل بالإيديولوجيات المغلقة التي تحفِّـزهم على الانتحار، قد يكونون كذلك، لكنهم حَـتماً لا يدرون أنهم مجرّد أداة لتحقيق أهداف أخرى، لا علاقة لها البتّـة بأيديولوجيتهم الخاصة.

المناخ العام في الشرق الأوسط يشجِّـع على تفريخ مثل هذه التنظيمات، وأجهزة الاستخبار الدولية والإقليمية جاهزة أكثر من أي طرف آخر لـ"استثمار" الظاهرة حتى الثمَـالة، وهي بالمناسبة، ثمالة طويلة الأمد.

فأغلب الظن أن ظاهرة العنف الانتحاري ستبقى معنا طويلاً، وهذا بالطبع، على عكس رأي العديد من المستشرقين والخبراء الغربيين الذين "تنبَّـؤوا" قبل فترة بقُـرب انحسار هذه الظاهرة.

الأسباب باتت معروفة: حالة الاكتئاب العامة التي تسود المنطقة العربية والتي تدفع أمَّـة بأسرِها إلى "الحلول الانتحارية"، على حدِّ تعبير محمد حسنين هيكل، والاجتياحات العسكرية والأمنية الغربية، التي أعادت إلى الأذهان صورة الاستعمار القديم، وأخيراً، الكساد الاقتصادي - الاجتماعي الكبير في كل الشرق الأوسط العربي تقريباً، والذي يدفع الشباب، إما إلى المنافي أو إلى التكفير والهجرة.

هذه العوامل غير مرشّـحة لأن تزول قريباً بفعل غياب التخطيط وسيادة التخبّـط في مُـعظم الدول العربية، وهذا يعني أن محصّـلاتها ونتائجها لن تزول قريباً أيضاً، وفي مقدمتها العنف الانتحاري.

الأمر شبيه إلى حدٍّ كبير بحِـقبة الحروب الصليبية التي شهدت ولادة ظاهرة الحشاشين. هذه الفرقة الإسماعيلية استندت، كما هو معروف، إلى اليأس الذي ساد شباب ذلك العصر من تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط الإسلامي وطوَرت عقيدة دينية ممْـزُوجة بالحشيش، كانت تُـعد مريديها بالجنة الفورية، إذا ما نفّـذوا عمليات انتحارية.

استمرت ظاهرة الحشّـاشين زُهاء قرنين ولم تنحسر إلا بعد أن برزت في قلب الشرق قوة إمبراطورية إسلامية جديدة (الدولة العثمانية)، التي أعادت الاستقرار إلى البلاد والعِـباد.

العنف الانتحاري الرّاهن، له متشابهات حديثة أيضاً. ففي أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين، برزت الحركة الفوضَـوية الماركسية الأوروبية، التي رفضت كل أنواع السلطة ودفعت عناصرها إلى تنفيذ أعمال إرهاب انتحارية واسعة النطاق ضد رموز الدولة (السلطة السياسية) والمجتمع (السلطة الأبوية) كافة.

كذلك، في ستينات القرن العشرين، شهد العالم موْجَـة من التطرّف الانتحاري اليساري، جسـَدته مُـنظمات مثل "الألوية الحمراء" و"الدرب المُـضيء" و"التوباماروس"، التي دفعها اليأس من قُـدرة الأنظمة الاشتراكية آنذاك، على تحقيق الجنّـة الشيوعية على الأرض، إلى محاولة استيلادها بقوة الإرهاب.

ظاهرة التطرّف الانتحاري الإسلاموي إذن ليست جديدة، لا في التاريخ الإسلامي ولا غير الإسلامي، إنها، إذا ما جاز التعبير، حركة "طبيعية" تُـنتجها ظروف "طبيعية"، وإن استثنائية، وهي ستبقى طالما بقِـيت هذه الظروف.

كل هذه المعطيات دفعت العديد من المحِّـلين اللبنانيين إلى القول بأن "فتح الإسلام" لن يكون التنظيم الأخير الذي يشُـقّ عصا الطاعة على الدولة اللبنانية، محاولاً إقامة إمارات إسلامية كما في العراق وأفغانستان.

"الجيش هو الحل"

هذا عن تنظيم "فتح الإسلام"، ماذا الآن عن مُـستقبل الجيش اللبناني بعد انتصاره المكلّـف في هذه الحرب؟ هناك شِـبه إجماع في لبنان الآن على أن أحداث نهر البارد ستُـشجِّـع على طرح أدوار سياسية جديدة للمؤسسة العسكرية اللبنانية، متناسقة مع أدوارها العسكرية المستجدّة والتي كانت بالنِّـسبة لها الأولى من نوعها منذ نشأة هذه المؤسسة عام 1943.

هذا الإجماع عبّـر عنه بوضوح شريط إعلاني جهّـز مؤخراً في بيروت ونال فوراً استقبالا حماسياً، له دلالات كبرى من كل اللبنانيين.

الشريط يُـصوِّر العلاقة بين المواطنين والجنود اللبنانيين بصورة معكوسة: بدل أن يؤدي الجنود التحية العسكرية للمواطنين، يقوم هؤلاء بالنزول من سياراتهم إلى الطُّـرقات العامة ليُـؤدّوا التحية العسكرية للجنود.

شريط إعلاني ذكي بالفعل، وهو حشد التأييد للجيش اللبناني خلال معاركه في مخيم نهر البارد، لكن الأهم هو ما أثاره الشريط من أصداء قوية بين معظم فئات الشعب اللبناني، ممّـا يدُل على أنه ضرب على وتَـرٍ وطني حسّـاس، برغم الانقسامات السياسية الحادة هذه الأيام في بلاد الأرز.

هذا التطور، إضافة إلى التضحِـيات البشرية الجِـسام التي يقدِّمها الجيش الآن في المعارك الرّاهنة، أعادت طرح سؤال قديم عمره أكثر من 40 سنة (إبّـان عهد الرئيس فؤاد شهاب): هل "الجيش هو الحل" و"هل يُـمكنه أن يكون مَـخرجاً معقولاً أو مُـمكناً للبنان من أزماته الطائفية والمذهبية القاتلة؟

يرى الكثيرون في لبنان (أو يُـريدون أن يروا) ذلك. فالجيش في النهاية، هو المؤسسة الرسمية الوحيدة التي تعمل على صهر مُـكونات الشعب اللبناني في بَـوتقة واحدة، وهو أيضاَ الإطار الوحيد الذي يَـسقط فيه ضحايا، يُـمكن اعتبارهم بحق شهداء الوطن لا شهداء الطائفة أو المذهب.

وفوق هذا وذاك، فإن الجيش اللبناني، كما كل جيوش العالم، هو الحِـصن الأول للحداثة والتطوّر، بحكم ارتباطه الوثيق بتِـقنيات العصر ونظرياته.

هذه العوامل تؤهِّـل الجيش كي يكون هو الحل. وألان، يجب أن يُـضاف إلى كل ذلك معمودية دَم الجيش في المعارك الأخيرة، والتي حوّلته بين ليلة وضُـحاها من قوات عسكرية بالاسم إلى وَحَـدات مُـقاتلة بالفعل.

لكن مهلاً، كل هذه التحليلات تبقى في أطار التمنِّـيات أو التفكير الرغائبي ما لم تقترن فكرة "الجيش هو الحل" بمشروع سياسي وطني شامل. لماذا؟ لأن اعتراض أي طائفة، مهما صغُـرت على دور الجيش، قد يؤدّي إلى انقسامه أو على الأقل إلى شلله، كما حدث خلال الحرب الأهلية ما بين 1975- 1989.

معارك مخيم نهر البارد انتهت، لكن، وطالما أن الأسئلة حول تنظيم "فتح الإسلام" ونشأته ومَـن يقف وراءه لا تزال معلّـقة في الهواء من دون إجابات، فهذا سيعني أن الظروف المحلية والإقليمية والدولية، التي أنجبَـت هذا التنظيم، ستنجِـب العديد مثله خِـدمة لمصالحها المُـتضاربة في الشرق الأوسط.

وتبعاً لذلك، فإن معارك نهر البارد قد لا تكون سوى "بروفة" أو نُـسخة منقّـحة عن كل ما جرى (وسيجري لاحقاًُ) في لبنان وفي مُـعظم دول الشرق الأوسط، تحت لواء الشعارات الأيديولوجية في العلن، والاستخبارية في السِـرّ.