عمالقة الهندسة اللاإقليدية(غوص)

قصة الهندسة(16)-العمالقة: غوص
Johann Carl Friedrich Gauss
1777 - 1855



في مقالي السابق كتبت "عمالقة الهندسة اللاإقليدية: بولايي، غوص و
لوباتشيفسكي". لكن العدل و الإنصاف يقتضيان، حين نتحدث عن غوص، أن نصفه
بأنه العملاق، من دون أي تحديد إضافي.

ذلك أن يوهان كارل فريديريك غوص، الذي سماه أقرانه "أمير الرياضيات"
(كما سمي أحمد شوقي "أمير الشعراء") كان عالما متعدد الإختصاصات و
مجالات الإبداع: فمن الهندسة للجبر للجغرافيا لعلم الفلك للمغنطيسية
للإحصاء و الإحتمالات... نعم، كان هو "الأمير" بحق.

أولى تظاهرات عبقرية غوص كانت في الخامسة من عمره، حين طلب منه مدرسه
مارتان بارتلس أن يحسب مجموع الأعداد من 1 إلى 100، فما كان من الطفل
يوهان غوص إلا أن أجابه أن هذا المجموع يساوي مجموع 50 زوجا قيمة كل
منها 101، و أعطاه الجواب بعد عملية ضرب بسيطة(*).

ملحوظة جانبية: هذا المدرس، Martin Bartels، سيكون لاحقا مدرسا
للوباتشيفسكي أيضا.

دخل غوص الجامعة عام 1792، و خلال دراسته الجامعية تمكن من استنتاج
نظريات رياضية عديدة لعل أكثرها إثارة كان إنشاءه الهندسي، باستخدام
المسطرة و الفرجار، لشكل هندسي منتظم ذو 17 ضلع، و هو أول اكتشاف في
هذا المجال منذ أيام الإغريق...

ملحوظة جانبية: خلال دراسته الجامعية كان لديه صديق واحد، فاركاس
بولايي، والد جوناس بولايي، الذي سأتحدث عنه لاحقا.

و حين قدم غوص أطروحة الدكتوراه، عام 1799، و هي تتحدث عن نظرية
الأعداد، فإنه ضمنها برهان النظرية الأساسية في الجبر(**)... لا أكثر و
لا أقل!

لن أطيل الحديث عن اكتشافاته الأخرى: دراسته لحركات الكواكب و حله
لمعادلات حركتها بالطرق التقريبية(***)، طريقته لحل منظومات معادلات
الدرجة الأولى، دراسته في المغنطيسية (وحدة قياس المغنطيسية تسمى
"غوص")، في الإحتمالات (جميعكم يعرف منحني غوص، منحني الجرس)...

دعنا نتحدث عن مساهمات غوص في الهندسة اللاإقليدية...

أو بالأحرى... عن عدم مساهمته!
ذلك أن غوص لم يترك أي عمل في هذا المجال! لكننا من خلال قراءة رسائله
نلاحظ أنه يقول أنه عمل فيها.

فمثلا حين قام فاركاس بولايي بإرسال نسخة عن عمل ابنه، جوناس، لغوص كي
يطلع عليه، كان جواب غوص كما يلي:
"لا أستطيع أن أمدح عمل ابنك لأنني سأكون مادحا لعملي: لقد توصلت لهذه
النتائج منذ سنوات طويلة!"

يصعب التشكيك بصدق غوص: هذا الرجل الذي اعترف كل أقرانه بعبقريته و
جعلوه أميرهم، لم يكن بحاجة للفشخرة الفارغة على حساب رياضي شاب و
مغمور... فنتساءل: لماذا لم ينشر أعماله؟

نجد جوابا جزئيا في رسالته إلى بيسيل Bessel (عام 1829) :
"كلما فكرت في هذا الأمر ازدادت قناعتي أن الهندسة لا يمكن برهانها
بشكل صارم... لن أقوم بنشر ما توصلت إليه من نتائج معمقة جدا خوفا من
صرخات البيوثيين التي ستتعالى إن كتبت حقا ما أراه"...

شرح المفرودات: البيوثيين Boeotians شعب عاش أيام الإغريق و كان يضرب
بهم المثل في محدودية الأفق و الهمجية... و منه، فغوص يقصد بكلامه
"الرياضيين السيئين" من ذوي العقول المتحجرة.

دعنا نأخذ الجزء الثاني من كلامه: هل كان غوص يخشى حقا صرخات
البيوثيين؟ غوص، و هو من اعترف بعبقريته كل أقرانه، كان يخشى صرخات بعض
الأغبياء ذوي العقول المتحجرة ممن لا يعتد بهم؟

حجة مرفوضة!

كان غوص أمير الرياضيات بلا منازع. لو أنه قال، فقط لو أنه قال: "هذه
هي الهندسة اللاإقليدية، و إني أعلن شرعيتها!" لتبعه كافة الرياضيين
طائعين سامعين مسبحين بحمده، و مبشرين بعبقريته مرة أخرى!

لا! الجزء الأول هو الأهم: غوص لم يكن يؤمن يإمكانية برهان الهندسة
اللاإقليدية... و لعلنا نجد تأكيدا لذلك في رسالته لأولبرس Olbers (عام
1817)، حيث يكتب:
"تتعمق قناعتي أن الهندسة لا يمكن إثبات صحتها، على الأقل من عقل
إنساني لعقل إنساني آخر (...)، يجب اعتبار الهندسة علما مكافئا، لا
للحساب، و هو علم برهاني حقا، لكن للميكانيك"...

إذن؟

إذن... لنا الخيار...
فإما أن نعتبر جملة غوص الأخيرة، اعتباره الهندسة مكافئة للميكانيك (أي
أنها علم تجريبي) خيانة حقيرة للمبادئ الأفلاطونية... و أن نعتبر غوص
جبانا متخاذلا...

أو أن نعترف بعظمة العالم الرياضي الذي تكونت لديه فكرة لكنه عجز عن
إثباتها، فرفض أن يقدمها بشكل منقوص...

و في الحالتين، النتيجة هي أن الهندسة اللاإقليدية لم تنسب إليه، فهي
ليست "هندسة غوص"، لكنها هندسة لوباتشيفسكي...

فستكون لي عودة للحديث عن لوباتشيفسكي، بعد أن أتحدث عن جوناس بولايي.

--------------------------
(*) لأن مجموع 1 إلى 100 هو مجموع (1 + 100) + (2 + 99) + (3 + 98) +
... + (50+ 51) = 101 + 101 + (50 مرة) 101 = 50 * 101.

(**) النظرية الأساسية في الجبر تقول أن المعادلة الجبرية من الدرجة ن
تقبل ن حلا. صيغتها الأبسط هي: أي معادلة من الدرجة 1 فما فوق تقبل حلا
واحدا على الأقل.

(***) الطرق التقريبية هي الطرق العددية. يعني عوضا عن أن نحل المعادلة
بصيغتها العامة فنحن نحدد مدى الدقة التي نرغب بها -مثلا واحد بالمليون
أو واحد بالمليار- ثم نحسب حل المعادلة عن طريق إنجاز حلول تقريبية
تتوالى و تزداد دقتها شيئا فشيئا حتى توصلنا للشيء المطلوب.