الوثائق الإسرائيلية (14)

مع استمرار لجنة أغرنات في استعراض شهادة رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي، الجنرال ايلي زعيرا، حول فشل جهازه في اعطاء تقدير دقيق للاستعدادات الحربية المصرية السورية في سنة 1973 واصراره على الموقف الاستعلائي المستهتر بالقدرات العربية على محاربة اسرائيل، لا بد من اعطاء القارئ فكرة عن هذا الجهاز وتاريخه الحافل بالاخفاقات. فقد تأسس جهاز الاستخبارات العسكرية كمؤسسة قائمة بذاتها، مثل سلاح الجو أو سلاح المدرعات، يقودها ضابط برتبة لواء، سنة 1953، أي بعد مرور خمس سنوات على قيام اسرائيل. فالاستخبارات العسكرية كانت قبل ذلك الوقت عبارة عن عدة دوائر في الأجهزة والألوية المختلفة. ومنذ تأسيسها وحتى اليوم يندر أن تسجل انجازا جديا ذا وزن سياسي أو عسكري كبير. والانجاز الوحيد الذي يستحق الذكر هو تمكنه من التقاط وتسجيل مكالمة هاتفية بين الرئيس المصري، جمال عبد الناصر، والعاهل الأردني، الملك حسين، في اليوم الثاني من حرب الأيام الستة سنة 1967. في حينه كانت اسرائيل قد استطاعت تدمير طائرات سلاح الجو المصري وهي ما زالت جاثمة على أرض المطارات، وبدأت عمليات الغزو والاجتياح في سيناء. ولكن أنباء المعارك الحقيقية لم تعلن. فالعرب من جهتهم أطلقوا البيانات التي تتحدث عن قرب انهيار اسرائيل، واسرائيل من جهتها، وبسبب مبادرتها الى شن الحرب خشيت من اعلان نتائجها الحقيقية في تلك المرحلة خوفا من تدخل سوفيياتي لانقاذ العرب. وعندما اتصل عبد الناصر بالملك حسين، أبلغه بأن الطائرات المصرية تقوم بتدمير طائرات سلاح الجو الاسرائيلي وهي على أرض المطار، أي عكس الحقيقة تماما. وحسب التحليلات الاسرائيلية، فإن الرئيس المصري كان يحاول بذلك أن يغري العاهل الأردني بالانضمام الى الحرب، فيفتح جبهة تخفف الضغط عن مصر. وينطلق الاسرائيليون في ذلك من القناعة بأن عبد الناصر كان يعرف بالضبط ما هي حقيقة الصورة في المعركة، ويمتنعون عن طرح احتمال أن يكون قال ما يعرفه من التقارير المشوهة لرئاسة الأركان المصرية. ولذلك قرر وزير الدفاع الاسرائيلي، موشيه ديان، في حينه نشر نص المكالمة الهاتفية في الإذاعة بالتسجيل الحي بصوتيهما. وفعل ذلك في التاسع من يونيو (حزيران)، حتى يظهر عبد الناصر بعيدا عن الصدق. لكن تاريخ شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي، كان يزخر بأحداث الفشل. وحسب رصد أجراه الباحث الاسرائيلي، أوري بار يوسف، نعدد فيما يلي أهم محطات الفشل: ـ في سنة 1955، فشلت هذه الاستخبارات في رصد صفقة بيع السلاح التشيكي لمصر، وتم قطع شوط طويل حتى اكتشفتها.
ـ في 18 فبراير (شباط) سنة 1960، أخبرت روسيا مصر بأن اسرائيل تنوي محاربة سورية، التي كان يربطها بها حلف عسكري، فقررت مصر الاستعداد لمؤازرتها. ورفدت الى سيناء 500 دبابة، عبرت القنال وانتقلت الى سيناء، استعدادا للوصول الى الحدود مع اسرائيل. وتبين لاحقا بأن شعبة الاستخبارات العسكرية لم تعلم بالبلاغ ولا القرار ولم تستطع اكتشاف عملية نقل 500 دبابة.

ـ سنة 1962، أجرت مصر تجارب على اطلاق أربعة صواريخ. ولم ترصد اسرائيل الاطلاق، ولم تعرف شيئا عنه.

ـ سنة 1966، أصدرت شعبة الاستخبارات تقريرا تقول فيه إن مصر لن تحارب اسرائيل بسبب انشغال قواتها في اليمن. فطالما ان هذه القوات تحارب في اليمن، فإن مصر ستحرص بألا تغامر في حرب جديدة. وتبين ان مصر خاضت الحرب مع اسرائيل من دون أن توقف نشاطها الحربي في اليمن. ـ في سنة 1968 فشلت الاستخبارات العسكرية في الحصول على معلومات بخصوص الاشتراك المباشر لضباط وخبراء سوفييات في حرب الاستنزاف في سيناء الى جانب القوات المصرية.

ـ سنة 1977، كادت الاستخبارات العسكرية تتسبب في أزمة سياسية كبرى بين اسرائيل ومصر من جهة وبين اسرائيل والولايات المتحدة من جهة أخرى، وذلك عندما خرجت بتقرير تقول فيه إن زيارة الرئيس المصري، أنور السادات، الى اسرائيل ما هي إلا خديعة تنطوي على خطة عسكرية جهنمية للايقاع باسرائيل. وبلغ بقادتها الشأو أن يستعدوا لمواجهة خطر هذه الخديعة عسكريا، فنصبوا قوة من القناصة من حول طائرة السادات في مطار اللد لكي يفجروا الطائرة من بعيد في حالة خروج مقاتلين انتحاريين من الكوماندوز المصري بدلا من الرئيس السادات. وكان رئيس أركان الجيش، مردخاي غور، قد تأثر بهذا التقرير وآمن بما جاء فيه، ولذلك ألقى في حينه تصريحه المشهور الذي شكك به في زيارة السادات. ولكن ما منع التدهور في النهاية هو وزير الدفاع، عيزر فايتسمان، الذي وبّخ رئيس الأركان ومنع المصيبة. لكنه لم يمنع الجيش بالتالي من اتخاذ اجراءات احتياطية، حيث ان جميع قادة اسرائيل كانوا في المطار ينتظرون السادات، ولم يكن ممكنا تركهم عرضة لهجوم كوماندوز مصري انتحاري. ـ في سنة 1987 فشلت الاستخبارات العسكرية، وبقية أجهزة الأمن الاسرائيلية العاملة هناك، في التنبؤ بأمر الانتفاضة الفلسطينية.

ـ في سنة 1990، فوجئت اسرائيل بقيام العراق باحتلال الكويت، وهذا أمر يعتبر من اختصاص الاستخبارات العسكرية أيضا.

ـ في سنة 1994، قدمت الاستخبارات العسكرية تقريرا قالت فيه إن الملك حسين لن يقدم على عقد اتفاق سلام مع اسرائيل، لأن لديه قرارا مبدئيا بأن لا يفعل ذلك إلا بعد أن تعقد سورية اتفاقا كهذا. وبنيت هذه الفكرة على أساس أن الملك الأردني يخشى من رد فعل شعبي ضد السلام في بلاده. وكما هو معروف، فإن الملك حسين وقع اتفاق سلام مع اسحق رابين في السنة نفسها.

ـ في سنة 2000، قدمت الاستخبارات تقريرا حذرت فيه حكومة ايهود باراك، من الانسحاب الأحادي الجانب من لبنان، قالت فيه ان انسحابا كهذا سيؤدي الى تعاظم اطلاق صواريخ الكاتيوشا على الشمال الاسرائيلي. وتبين أن هذا التقدير خاطئ.

ـ في سنة 2003، وبالادعاء بأن شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي تعرف تفاصيل ما يجري في العراق، عممت اسرائيل تقريرا على الاستخبارات في دول الغرب تدعي فيه ان لديها معلومات من مصادرها الخاصة تقول إن صدام حسين نجح في صنع أسلحة كيماوية وانه امتلك ما يلزم من المواد للبدء في مسار لانتاج الأسلحة النووية. وكانت المخابرات الأميركية قد أصدرت تقريرا بهذه الروح، لكن الدول الأوروبية شككت في التقرير، وجاء تقرير المخابرات الاسرائيلية ليسند الموقف الأميركي. ـ وفي السنة نفسها، فوجئت اسرائيل بالاتفاق بين الولايات المتحدة وليبيا، على وقف مشروع طرابلس لتطوير التسلح النووي، وزاد من ضيقها ان استخباراتها العسكرية لم تعرف شيئا عن هذا المشروع مسبقا، لا من مصادرها الخاصة ولا من المصادر الغربية التي تتعاون معها.

ويضاف الى هذا المسلسل بالطبع إخفاق شعبة الاستخبارات العسكرية في الجيش الاسرائيلي في معرفة حقيقة ما يدور على الجبهتين المصرية والسورية عشية حرب أكتوبر العام 1973، التي يحاسب الجنرال ايلي زعيرا عليه أمام لجنة التحقيق. وكما كنا نشرنا في السابق، فإن زعيرا اعتبر قرار اللجنة ادانته بمثابة تعبير عن ولاء أعضاء اللجنة الى رئيسة الوزراء، غولدا مئير، ووزير دفاعها، موشيه ديان. واعتمد في دفاعه عن نفسه على اتهام القيادة السياسية بإخفاء معلومات عن لجنة التحقيق وعلى التشكيك بالعميل المصري الذي أخبر اسرائيل بالموعد الأقرب للحرب. واصدر زعيرا كتابا بهذا الخصوص، وخلال لقائه بالصحافيين بمناسبة صدوره، أفصح عن اسم ذلك العميل. وبسبب ذلك خرجت مجموعة من معارضيه، في مقدمتهم رئيس «الموساد» في فترة الحرب، تسفي زمير، بهجوم كاسح عليه واتهموه بكسر أول وأهم «الوصايا العشر» في العمل الاستخباري، وهو كشف اسم العميل. وقدموا ضده شكوى في القضاء.

فيما يلي حلقة أخرى من تقرير اللجنة: الحاجة بـ«الفرضية» في ضوء تلبكات الاستخبارات العسكرية 48 ـ خلال كلامه أمام اللجنة، أكد اللواء (ايلي) زعيرا (رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية) على وجود مصاعب موضوعية وتلبكات في شعبة الاستخبارات العسكرية، خصوصا في مجالي البحث والتقدير. وهذا هو المكان لنذكر وجهتي نظر في الموضوع الأخير (التقدير). إحداهما ان شعبة الاستخبارات العسكرية تحصل بشكل جارف على كميات هائلة من المعلومات، لدرجة انه بات مستحيلا السيطرة عليها، ما يمنع قراءتها بالكامل ويوجب إجراء تصفية وانتقاء، وهذا بحد ذاته يثقل على مهمة اعطاء التقديرات، أو «ثراء دسم يعود بالضرر على أصحابه» (مثل عبري مأخوذ من التعاليم الدينية اليهودية ويقال في الثراء الزائد). ويقول الجنرال زعيرا: «كمية المواد ضخمة.. أنا لا أستطيع قراءتها بالكامل. رئيس مكتبي يمر على المواد قبلي. قسم منه لا يمرره لي. قسم منه يضعه أمامي مع الاشارة الى ما يعتقد هو أن قراءته مجدية. ومع ذلك فإنه لا يمكن التغلب على ذلك (الكم الهائل من المواد) خلال عمل يومي من 16 ـ 17 ساعة. والأمر نفسه ينطبق على الدوائر الأقل درجة.. نحن نفتش عن مختلف الوسائل ولم نجد حلا بعد.. من الطبيعي أننا بحاجة الى المزيد من الباحثين والقوى البشرية.. ومن الصعب الحصول على القوى البشرية الاضافية» (صفحة 32). «الناس (يقصد رجاله في شعبة الاستخبارات) يعرفون ما هو جيد وما هو تافه.. يعرفون كيف يصلون الى الأمور المهمة، أو الأمور التي يعتقدون بأنها مهمة» (صفحة 33).

وجهة النظر الأخرى في مشاكل التقديرات الاستخبارية هي: هناك مسؤولية كبرى تقع على شعبة الاستخبارات العسكرية، بأن لا نعطي تقديرا وهميا (يقصد اعطاء تقدير بأن حربا ستنشب، ويكون تقديرا مغلوطا)، في وضع تكون فيه تشكيلاتنا الحربية مبنية على قوات الاحتياط بالأساس وعلى جيش نظامي صغير، في مواجهة جيش نظامي كبير (لدى العدو) ينتشر دائما على طول الحدود أو بالامكان نشره بسهولة، أي في مواجهة قوات العدو الموجودة دائما على الجبهة. بكلمات أخرى، يحظر عليها، أي على شعبة الاستخبارات العسكرية بتاتا أن تسارع الى توجيه إنذار بأن في نية العدو القيام بحرب قريبة في كل مرة نتلقى فيها معلومة مقلقة. فإذا فعلنا، ستكون النتيجة بأن الدولة ستجند (للحرب) في فترات متقاربة، مع كل ما ينجم عن ذلك من أضرار للاقتصاد ومصاعب كبرى للمواطنين. من هنا تنبع الحاجة الى «فرضية» ما، وهذا، حسب وجهة النظر الأولى (الحصول على كمية هائلة من المعلومات) ـ التي بموجبها ينبغي سند تقديراتها (بالمعلومات). ومن هنا تنبع الضرورة للفرضية التي نتحدث عنها والتي شكلت بالنسبة لرئيس شعبة الاستخبارات العسكرية ومساعديه نبراسا يسترشدون به عشية نشوب الحرب:

«فإذا انتهجنا طريقة الصراخ «ذئب..» (مثل يقصد به التحذير من حرب) ازاء كل شيء صغير، فلا مشكلة. ولكن، عندئذ، سنضع الجيش في وضع صعب جدا..»(صفحة 1051).

«ففي ذلك الوضع كانت لنا على طول القناة (السويس) وحتى بير جفجفة 170 دبابة و8000 شخص. وفي خط التحصينات كان 800 شخص. ومقابلهم كانت للمصريين سبعة ألوية و1100 دبابة و800 مدفعية. بهذه القوات كانوا يستطيعون تنفيذ العبور. أنا أحصل على المعلومة القائلة بأنه ستنشب الحرب بعد ثلاثة أيام. فماذا نفعل؟ نجند (قوات الاحتياط)؟ نصدقها (المعلومة)؟ لا نصدقها؟ أنا بهذا أقصد أن أعطيكم فكرة بسيطة عن الحيرة (التي تنتابنا في هذه الحالة). لا يوجد ما هو أسهل من أن يقوم رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية في حالة كهذه بالتوجه الى رئيس أركان الجيش والقول: «جنّد» (قوات الاحتياط).. ولكن لا بد من فرضية معينة، وإلا فإن هذه الدولة (اسرائيل) تجند ولا تجند سبع مرات في السنة» (صفحة 92).

تأثير الفرضية على تقديرات شعبة الاستخبارات العسكرية 49 ـ لا يوجد شك في أن الفرضية المشروحة أعلاه، والتي قالت إن امكانية شن حرب على الجبهة المصرية وعلى الجبهة السورية في آن في القريب العاجل هي امكانية بدرجة احتمال منخفضة، تركت آثارها على التقديرات التي أعطاها رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية أو من ناب عنه، الى العناصر القيادية في الدولة حول موضوع خطر الحرب. ونقصد بذلك التقديرات التي أعطاها في الفترة ما بين أبريل ـ مايو (نيسان ـ أيار) 1973 (في الوقت الذي ساد فيه التوتر على الجبهتين) وفي الفترة ما بين سبتمبر (ايلول) و5 أكتوبر (تشرين الأول) 1973، علما بأنها بدأت تتضعضع في ذلك اليوم (5 أكتوبر). وفي الاقتباسات التي سنعرضها فيما يلي لأقوال رئيس شعبة الاستخبارات ومساعده لشؤون البحث، سنركز بالأساس على الأمور المتعلقة بالأساس المصري لهذه الفرضية.

فترة أبريل ـ مايو1973 (أ) بروتوكول مختصر للمشاورات في بيت رئيسة الوزراء في يوم 18.4.73 (وثيقة البينات رقم 57)، بمشاركة رئيسة الوزراء (غولدا مئير) والوزراء (يسرائيل) غليلي و(موشيه) ديان ورئيس أركان الجيش (دافيد العزار) ورئيس شعبة الاستخبارات العسكرية (ايلي زعيرا). في هذه المشاورات قال الجنرال زعيرا:

«لقد أجرينا تشريحا للوضع وكتبنا ما هو تقديرنا للوضع حسب المنطق والمعقول. في هذه المرة وجدنا اشارات حول الاستعدادات العينية، تدل على ان هناك ارتفاعا بعض الشيء فيها مقارنة مع عرضنا لها في نوفمبر ـ ديسمبر (تشرين الثاني ـ كانون الأول) 1972. لا يوجد لدينا ما نضيفه حول التقديرات. من ناحية المنطق، سيكون ذلك خطأ أن تفكر مصر في اعلان الحرب.. وفي الحقيقة فإننا نرى اشارات اكثر تدل على انه (يقصد الرئيس المصري، أنور السادات) لا ينوي الحرب مما نرى اشارات تدل على انه ينوي الحرب. ولكن من السابق لأوانه أن نقرر ذلك» (الصفحة الأولى).

«.. نحن نعرف بثقة انه يوجد لديه تخوف بأننا سنرد حتى على عملياته الصغيرة بضرب العمق المصري وبشدة. لهذا، فإنني أقدر بأن احتمال شن الحرب ليس كبيرا» (صفحة 2). «بالنسبة للطريق الثالث، أي عبور القنال بشكل جدي، فإنني واثق من أننا سنعرف عن ذلك مسبقا وسنستطيع إعطاء تحذير.. قبل عدة أيام من وقوعه» (نفس الصفحة).

«هذا بالنسبة لمصر، الامكانية مفتوحة للحرب. المصريون خائفون جدا من أننا سنرد بمهاجمة العمق على أي عمل صغير يقومون به. انهم يخافون على نظام الحكم عندهم من جراء مهاجمة العمق» (نفس المصدر).

(ب) بروتوكول جلسة الحكومة من يوم 15.4.1973 التي تفوه الجنرال زعيرا خلالها بما يلي:

«... لقد بدأت حركة طائرات ميراج من ليبيا الى مصر، بحيث أصبح موجودا في مصر الآن (سرب) طائرات ميراج، وبالاضافة الى ذلك وتقريبا في الفترة نفسها، وصل الى مصر سرب من طائرات «هنتر» العراقية.. ومع ذلك فعلي أن أشير الى اننا لم نجد بعد في صفوف القوات البرية أية استعدادات للحرب أو اية تنقلات من شأنها أن تشير الى وجود استعدادات حربية. أما بالنسبة للطائرات نفسها، فإن طائرات «هنتر» ليست بقادرة على اجراء تحسين جدي في القوة الهجومية المصرية. بينما طائرات الميراج تستطيع شحن سلاح الجو المصري بقدرات غير موجودة لديها اليوم، وهي تتمثل في بعد المدى (يقصد ان الميراج طائرة تتميز بكونها تستطيع الطيران لمدى بعيد). فالميراج هي الطائرة المقاتلة ذات المدى الأطول بين كل الطائرات الموجودة بأيدي مصر. بالطبع، انني لا أشمل في ذلك الحساب طائرة توبولوف 16 التي لا تعتبر طائرة قتالية.. إن هذه الاضافة من الطائرات القتالية الى سلاح الجو المصري، من الناحية الموضوعية على الأقل، ليست اضافة يمكنها تغيير توازن القوى في الجو، مع أن من الممكن أن يرى المصريون ان اضافة طائرات الميراج هي ذات أثر كبير وأهمية جدية للغاية أكثر مما نرى نحن، خصوصا أنهم ادعوا في الماضي بأنهم لا يملكون طائرة قادرة على الوصول الى وسط اسرائيل وتنفيذ ما أسموه «تفجير العمق». واليوم، عندما تكون في حوزتهم طائرات ميراج، فإنهم سيشعرون بأن هذا حل» (صفحة 8 ـ 9).

«من المشكوك فيه أن تكون مصر ترى نفسها قوية بما يكفي لاحراز انجازات في الحرب. معظم الشهادات تشير الى ان مصر لا ترى نفسها قوية بما يكفي لذلك، واشك في أن تذهب دولة الى حرب لكي تفشل. ولكن، رغم كل هذا، فإن هذه هي المرة الأولى، على الأقل في السنتين الأخيرتين، التي نرى فيها أفعالا وليس أقوالا فقط، أنا أقصد نقل طائرات الميراج والهنتر. ربما يكون مجرد نقل الطائرات والفكرة يحتوي على قوة داخلية معينة تستطيع أن تؤدي الى التدهور (الى الحرب)، حتى لو لم تكن هناك نية اليوم لأن يحصل التدهور» (صفحة 9 ـ 10). في جلسة الحكومة من يوم 24.4.1973 عبر رئيس شعبة الاستخبارات العسكرية عن تقدير مماثل بقوله انه على الرغم من حقيقة أن قسما من طائرات الميراج والهنتر المتوقعة قد وصلت «فإن مصر ما زالت مدركة حقيقة أن في توازن القوى الحالي لا يوجد لها أمل في النجاح في حرب ضد اسرائيل. ومن المعقول اليوم أكثر أن هدف مصر هو تضخيم التهديدات الحربية وخلق الشعور في العالم، خصوصا عشية لقاء القمة المتوقع بين برجنيف (وهو الرئيس السوفياتي في ذلك الوقت) ونيكسون (الرئيس الأميركي)، بأن مصر معنية بالحرب. وبأنها مستعدة للحرب. من هنا فإن تقديرنا هو بأنه في نهاية المطاف، احتمال أن تبادر مصر فعلا الى شن الحرب في شهر مايو (أيار)، هو احتمال ضعيف. وبالاضافة الى ذلك، فإنه وإزاء الأنباء التي تصل الينا عن الاستعدادات، فإننا لا نرى على الأرض أية اشارات لتحركات أو حشودات ترمي الى اطلاق خطة كهذه» (بروتوكول الجلسة المذكورة أعلاه، صفحة 3).

«هذه هي إحدى مشاكل الاستخبارات الاسرائيلية، عندما تجري تقديرات متعلقة ليس بالامكانيات بل بالنوايا، حيث اننا نجد في أحيان كثيرة أن النوايا لديهم تفوق الامكانيات. والسؤال هو: ما هو مدى التجاوز للامكانيات؟ وهل هو مجرد كلام أم انه سيتحول الى قرار؟.. وبما اننا فكرنا دائما في الموضوع الكلامي ومن الصعب معرفة ما إذا كان هذا فقط كلاما أو انه كلام وأفعال، فإن أضواءنا مسلطة اليوم على فحص ما إذا كانت هناك ظواهر واقعة على الأرض تستطيع إعطاء تقويم عال أو منخفض للكلام» (صفحة 24).

«... كلما سيطر لديهم منطق القدرات المحدودة... أعتقد بأن العرب لا يقدرون، على الأقل في السنوات القريبة، بأنهم سينتصرون على اسرائيل وعندما يتحدثون عن شن الحرب فإنهم لا ينوون احتلال سيناء أو الانتصار على اسرائيل، بل خلق وضع يلزم العالم بمعالجة المشكلة سياسيا. وأعني بأن فتح النار يهدف الى التحول للتسوية السياسية وليس إلحاق الهزيمة بجيش الدفاع الاسرائيلي» (صفحة 36).

(ج) في الجلسة من يوم 9.5.1973 ، التي تم فيها عرض خطة قيادة أركان الجيش للحرب («أزرق أبيض»)، أمام رئيسة الحكومة، قال الجنرال زعيرا:

«تقديراتنا هي بشكل أساسي أن احتمال الحرب ضعيف، حتى الآن، ومهما بذلنا من الجهد فإننا لا نجد اشارات تزيد منها (من هذه الاحتمالات للحرب). ولكن في اطار الاستعدادات التي جرت نرى ثلاث امكانيات للحرب: 1. الحرب الكبيرة، توجد لدينا معلومات عن حرب كبرى. ونحن نراها احتمالا ضعيفا جدا بين الاحتمالات الضعيفة..» (بروتوكول اللقاء اللقاء المذكور، وثيقة البينات رقم 57، الصفحة 2 ).

«المهم هنا هي طائرات الميراج، فهي الطائرة الأفضل هنا. لكن علينا أن نذكر في المصريين أرقاما أخرى، ألفي دبابة وألفي مدفعية و350 طائرة مقاتلة.. يجب ان نثق بأنهم يستطيعون عبور القنال» (المصدر نفسه، الصفحة 4). (د) البروتوكول رقم 287 لجلسة لجنة الخارجية والأمن في الكنيست من يوم 18.5.1973. بهذه المناسبة قال الجنرال زعيرا: «في ختام هذا البحث اقول ان اتجاه مصر هو للحرب، لكنها ترتدع عنها بسبب الخوف من الخسارة.. حسب رأيي يوجد احتمال للحرب ولكنه ضعيف جدا، إلا إذا تدهورت الأحوال. ومن الممكن أن يحصل تدهور» (صفحة 6). «... وفي اطار هذا الاحتمال الضعيف، أرى ثلاث امكانيات: الامكانية الأولى هي عبور قناة السويس بشكل شامل، من أجل الوصول الى مسافة ما بعد القناة الى الشرق والتمسك والبقاء في هذا المكان..» (صفحة 7).

«بالنسبة الى سورية، إذا نشبت الحرب فإنها بالتأكيد ستكون في حيرة، هل تتدخل أم لا.. وأنا أعتقد بأن سورية ستقدم على عمليات جدية مثل محاولة احتلال هضبة الجولان من جديد، (ولكن هذا يحدث) فقط إذا اتضح لها بأن مصر تنجح فعلا في عملياتها على طول قناة السويس» (المصدر نفسه).

«انني أقدر بأنه توجد لنا حظوظ جيدة ونسبة احتمال عالية في أن اشارات مسبقة ستصل الينا (في حالة نشوب الحرب). وهذا يعني انه في حالة عبور الجيش المصري القنال، فإننا سنعرف. لن نعرف الخطط (الحربية) ولكن اشارات ودلائل ستصل الينا وهم في مرحلة الاستعدادات، مثل حشد القوات وكل ما ينجم عن ذلك. بكلمات أخرى أنا لا اعتقد بأن هناك امكانية بأن نفاجأ في عبور القنال، وأنا استطيع أن أضمن انذارا حول موضوع العبور» (صفحة 31).

«نحن نرى اشارات تدل على وجود خطة. وأكثر من ذلك، فقد وصلت طائرات الميراج والهنتر وهذا على الناحية التكتيكية، أما في البعد الاستراتيجي، فإنه لا توجد قرب الجبهة أية اشارات على الاستعداد للحرب في الوقت القريب» (صفحة 32).

«.. عندما بدأ السادات يثير أجواء الحرب، كان تقديرنا بأن أحد أهدافه هو جعلنا نصاب بالهلع والفوضى ونجند جيش الاحتياط..»(صفحة 33).