انقلاب 23 شباط 1966 -الجزء الثاني

بتاريخ 9 آذار نشرت جريدة الحياة اللبنانية عن أسباب نجاح انقلاب شباط ما يلي :

"ان السؤال المطروح في الأوساط البعثية في بيروت ودمشق هو :

كيف نجح انقلاب 23 شباط بهذه السرعة؟ ما هي العوامل التي أدت الى نجاحه؟ كيف عجز أمين الحافظ عن الثبات مع أنه كان يؤكد في أحاديثه الخاصة قدرته على مجابهة كل الاحتمالات ويستصغر شأن خصومه؟

الجواب على هذا السؤال كان في الموقف الذي وقفه حافظ أسد قائد سلاح الطيران وكان مقربا للفريق أمين الحافظ فهو الذي حسم الموقف وقلب الموازين. لقد كان الفريق أمين الحافظ حتى اللحظة الأخيرة يعتقد أن اللواء حافظ أسد سيقف الى جانبه، وان سلاح الطيران بيده، ولذلك لم يكن يخشى أية تكتلات يعدها اللواء صلاح جديد والرائد سليم حاطوم ما دامت الطائرات جاهزة لقصفها، ولكن في اللحظة الحاسمة وقف سلاح الطيران الى جانب الانقلابيين وهدد الوحدات المدرعة التي هرعت لنجدة الفريق أمين الحافظ.

ولكي ندرك حقيقة ما جرى ينبغي أن نعود الى الأيام القليلة اليت سبقت صبيحة الانقلاب، لقد كانت أوساط صلاح جديد في دمشق تدعي ان ثمة مؤامرة ناصرية تحاك في الخفاء قبل الانقلاب بمعرفة الفريق أمين الحافظ والاستاذ صلاح البيطار واللواء محمد عمران وكانت تزعم أنه في مساء 19 شباط سافر العقيد مصطفى عمران الى القاهرة سرا موفدا من قبل قريبه اللواء محمد عمران للاتفاق مع جمال عبد الناصر، فقرر صلاح جديد والقيادة القطرية أن يقوموا بانقلابهم قبل أن يتم الاتفاق بين القيادة القومية وجمال عبد الناصر".

إن السؤال الآن :

لماذا أيد عبد الناصر انقلاب صلاح جديد؟

لقد جاء الجواب على هذا السؤال في تصريح صلاح جديد لجريدة الكفاح اللبنانية بتاريخ 13/4/1966، عندما وجه إليه مندوب الكفاح السؤال التالي:

"لقد تعددت الاستنتاجات حول موقفكم من بعض الاقطار الثورية وخاصة الجمهورية العربية المتحدة، فمن قائل ان من أهداف حركة 23 شباط منع التعاون واللقاء مع القاهرة ومن قائل انكم شخصيا ضد هذا اللقاء وان اتجاهكم قطري بل عدائي تجاه القاهرة فما هو رأيكم دون تحفظ بمبدأ التعاون مع المتحدة وما هي حدود هذا التعاون؟

أجاب صلاح جديد :

"لقدحرص الوفد السوري بأمر من الحزب في مؤتمر رؤساء الحكومات بعد حركة 23 شباط أن يؤكد للرئيس جمال عبد الناصر حرص الحزب على التعاون وبأي شكل مع النظم التقدمية العربية للوقوف في وجه المد الرجعي الاستعماري في الوطن العربي وفي المنطقة، ذلك لأن الحزب يؤمن بأن مصير كافة الحركات التقدمية في الوطن العربي الى زوال إذا لم تحسن التعاون فيما بينها".

فلم يعد مستغربا بعد هذا أن يؤيد جمال عبد الناصر انقلاب 23 شباط ولا سيما بعد أن بدأت علاقاته تسوء مع الولايات المتحدة في عهد الرئيس جونسون وتتوثق بالمقابل مع الاتحاد السوفيتي، مضافا الى ذلك أن عبد الناصر كان يرى أن من مصلحة نظامه قيام أنظمة مشابهة في تركيبتها للنظام القائم في مصر، ومن هنا كان دعمه للعسكريين في توليهم شؤون الحكم، فكان داعما لنظام شهاب في لبنان، ولعبد السلام عارف في العراق، ثم لأخيه عبد الرحمن عارف ضد عبد الرحمن البزاز المدني الدستوري الذي كاد أن يصبح رئيسا للجمهورية بعد وفاة عبد السلام عارف.

كما أنه لا يغرب عن البال السجل الحافل من الكراهية والعداوة بين ناصر وحزب البعث وقيادته القومية ولا سيما ميشيل عفلق، بالاضافة الى أن صلاح البيطار المقبول سعوديا لم يكن مقبولا من عبد الناصر بسبب ما أثارته حرب اليمن من عداوة بين مصر والسعودية.

انعكاسات انقلاب 2 شباط على الاوضاع الداخلية والعربية والدولية.

لقد حرصت منذ الأيام الأولى لمجيئي الى لبنان، وبعد أن بدأت أحداث 23 شباط بالتفاعل على كل المستويات، على أن أصرح دائما، ولكل من أجتمع به، بأن أفضل حل لاستقرار الوضع في سورية، كما يرى الاشتراكيون العرب، هو الحكم الجمهوري الذي يستند بالدرجة الأولى على الطبقة الوسطى والذي يوافق عليه اليسار المعتدل واليمين المتطور اللذان هما ركنا النظام البرلماني الديموقراطي، على أن يلتزم هذا النظام بسياسة الحياد بين المعسكرين فتبتعد سورية عن الوقوع في شرك الأحلاف والتبعية لأي من المعسكرين الدوليين أو لأي من المحاور العربية، وكنت أرى أن مثل هذا النظام سيكون استمرارا وتطويرا للتجربة الديموقراطية التي مرت بها سورية قبل الوحدة مع مصر.

ومن الطريف ان صحافيا في جريدة الحياة (7/5/66) قد أشار الى هذا الرأي قائلا أنه سمعه مني عندما كان جالسا إلى مائدة قريبة من مائدتي في أحد المطاعم.

بعد انقلاب الثالث والعشرين من شباط أصبح الوضع في سورية اكثر تطرفا في جنوحه واستبداده ، فقد اعلن هذا العهد على لسان وزير دفاعه حافظ أسد في الخطاب الذي ألقاه على مجموعة من ضباط الجبهة بتاريخ 12/5/1966:

"ان الثورة مصممة على أن تضرب أعداءها، كما أنها مصممة على سحقهم وتصفيتهم تصفية نهائية، مرة واحدة وإلى الأبد" وقال:

"إننا نرجو ونتمنى أن يخوضوا معنا المعركة هذه المرة، وإننا بانتظارهم" وقال أيضا:

" وإذا كنا قد وقعنا في الماضي وارتكبنا مثل هذه الاخطاء، وعفونا عندما يجب ألا نعفو، وليس من حقنا أن نعفو، فلن نرتكب مثل هذه الخطيئة مستقبلا أبدا".

كما أشار الى ان المجموعة العسكرية التي قامت بانقلاب 32 شباط 1966 قد أجرت تقييما لكل الفئات السياسية قبل الانقلاب، وكان الاتفاق بالاجماع حول هذا التقييم (جريدة البعث 13/5/1966).

كما أشار أحمد سويداني رئيس الأركان في الاجتماع نفسه الى التصفيات المستمرة بعد انقلاب شباط في الجيش السوري قائلا :

"إننا لن نسمح بأن تتسلل الى صفوف الجيش عقيدة أخرى" وكان قد تم في هذه الفترة تسريح اكثر من سبعين ضابطا من المناصرين للقيادة القومية بينهم ضباط كبار أمثال محمد عمران ومزيد الهنيدي، كما تم تسريح عدد من الضباط بتهمة "البورجوازية" وقد صرح ابراهيم ماخوس وزير الخارجية لمجلة آخر ساعة (أواخر حزيران 1966) :

"ان الحزب هو الأساس، وان الجيش كباقي المؤسسات يجب أن ينظم حزبيا، فهو قطاع شعبي يشارك بالانتخابات ويخضع بالتالي للقيادة السياسية، ولذلك تم تسريح كل الضباط البورجوازيين، واشترط الأصل الشعبي للانتساب للكلية العسكرية".

وكانت اللجنة المركزية للحزب الشيوعي السوري قد اتخذت بعض المقررات في شهر حزيران 1966 كأساس للتعاون مع انقلاب 23 شباط على ضوء صلاته المستجدة مع الاتحاد السوفيتي وقد ورد في أحد هذه المقررات ما يلي:

"ضرورة القيام بوضع خطة مرحلية للعمل الاقتصادي - السياسي القصد منها حصر طاقات البورجوازية الصغيرة التي لا تزال تلعب دورا في القطاع الخاص من الاقتصاد السوري في التجارة والصناعة والزراعة، تمهيدا للقضاء عليها".

لقد وجد الاتحاد السوفيتي في انقلاب 23 شباط فرصته السانحة لتوسيع دائرة نفوذه ووجوده في المنطقة وغزوها ايديولوجيا، لأن سورية كانت ولا تزال مفتاح المنطقة العربية بالوقت الذي كانت الولايات المتحدة منشغلة بمتاعبها في حرب فيتنام بحيث أصبح مركز الرئيس جونسون صعبا في الولايات المتحدة بعد فشله في انهاء هذه الحرب بالسرعة التي كان يتصورها وفي هذا الوقت نفسه كان حكم 23 شباط بأمس الحاجة للدعم والتأييد بسبب ضعفه وعزلته الشعبية والعربية، وكان لا يرى أمامه من سبيل إلا في الاتفاق مع الاتحاد السوفيتي والاعتماد عليه للخروج من عزلته الداخلية والعربية والدولية.

لقد بدأت الاتصالات بين الاتحاد السوفيتي وبين صلاح جديد منذ ما قبل 23 شباط عندما قام العسكريون اليساريون بحركة التأميم الشامل، واستمرت هذه الاتصالات بعد انقلاب 23 شباط عندما قام يوسف زعين رئيس مجلس الوزراء في نيسان 1966 بزيارة موسكو، وقد أعلن كوسيغين في نهاية هذه الزيارة ان الاتحاد السوفيتي سيواصل تقديم المساعدات لتعزيز استقلال الدول العربية السياسي والاقتصادي، كما أعلن الدكتور زعين ان زيارته للاتحاد السوفيتي ستساعد على بناء الاشتراكية وقال :

"ان الوحدة العربية القائمة على اساس علمي وثوري لا يمكن فصلها عن الاشتراكية وان الاجتماع مع زعماء الكرملين سيخدم قضية الحرية والكفاح المظفر لشعبنا ضد الامبريالية والرجعية".

لقد اشترط الاتحاد السوفيتي في محادثاته مع يوسف زعين مقابل تقديم المساعدات والقروض والجدية بتنفيذ برامج التنمية في سورية وعلى رأسها مشروع سد الفرات، الاستمرار في بناء الاشتراكية، وإقامة حلف من القوى والأنظمة الثورية ضد نفوذ الولايات المتحدة والأنظمة العربية الموالية لها، وعودة خالد بكداش وإشراك الحزب الشيوعي بالحكم، وعلى أثر ذلك قام كوسيغين في شهر ايار 1966 بزيارة القاهرة لاقناع عبد الناصر بالمزيد من التعاون مع نظام 23 شباط، بالوقت الذي كانت فيه العلاقات بين القاهرة والولايات المتحدة قد بلغت أقصى درجات السوء بسبب إصرار امريكا على تحجيم الجيش المصري وسحبه من اليمن وتهديدها بتجميد اتفاقات المساعدات الأميركية، وقد ردت جريدة الأهرام، بلسان الحكومة المصرية "بأن مصر ليست على استعداد لقبول وصاية أجنبية على سياستها كما أنها ليست على استعداد للقبول بأي تهديد أميركي".

في منتصف حزيران 1966 ، عقد في القاهرة اجتماع ثلاثي بين وزراء خارجية سورية والعراق ومصر، وفي هذا الاجتماع قدم وزير خارجية سورية الدكتور ابراهيم ماخوس مشروعا يكشف مخطط السياسة السورية السوفياتية الذي كان مؤلفا من ثلاث نقاط:

1- وجوب التعاون والتقارب بين الدول الثورية.

2- عقد مؤتمر رباعي يضم الدول الثورية (مصر، سورية، العراق، الجزائر).

3- انشاء قيادة عربية من البلدان الاشتراكية تتغذى بالقوى الشعبية والمعونات الحكومية وتكون مستقله عن القيادة العربية الموحدة (العسكرية) لأن القيادة العربية الموحدة مهمتها مستقبل فلسطين، أما الثانية فهدفها تطهير البلدان العربية من الاستعمار.

وقد علقت صحيفة البرافدا الرسمية على هذا المشروع بما يلي:

"انه الوثيقة الرسمية الأولى التي تظهر بكل وضوح الاسلوب الجديد في معالجة قضية الوحدة العربية، وهو أسلوب خلق وطن عربي اشتراكي متحد، بينما كان الاسلوب في الماضي توحيد جميع البلدان العربية مهما كانت أنظمتها".

وبالمقابل ، فقد أعلن جمال عبد الناصر بتاريخ 15/6/66 بعد زيارة كوسجين للقاهرة تخلي الجمهورية العربي المتحدة عن سياسة مؤتمرات القمة، وعن وحدة العمل العربي من أجل فلسطين، وشكك بنوايا الرجعية العربية، وقال بأنها لا يمكن أن تتعاون مع التقدمية العربية للقضاء على اسرائيل، وقال :

انني أرى من واجبي أن أصارح الشعب العربي وأقول له ان استمرار الثورة وطنيا وقوميا هو السبيل لتحرير فلسطين، ثم تساءل:

ماذا حصل منذ أول مؤتمر قمة حتى الآن؟

لقد أخلصنا كل الاخلاص، وقلنا يجب أن يقوم تعايش بين الأنظمة العربية لمجابهة الصهيونية واسرائيل، ولكن ماذا كان موقف الرجعية العربية؟

لقد استغلت ذلك لضرب الثورة العربية والتقدمية العربية والمصالح العربية، وأرادتها وحدة عربية لوضع القضية العربية ضمن مناطق النفوذ ثم قال أنه لن ينخدع عام 1966 بمؤامرات القمة مثلما انخدع عامي 1964 و 1965، ثم هاجم التضامن الاسلامي الذي يدعو إليه الملكان فيصل وحسين.

بعد انقلاب الثالث والعشرين من شباط، وبسبب قضائه على الطرف المعتدل من حزب البعث بسورية واعتماده كليا على الاتحاد السوفيتي، واشراكه الشيوعيين في الحكم . وبسبب سياسته العربية الرامية الى إلغاء مؤتمرات القمة وتشكيل جبهة من الدول الثورية، ازدادت حدة الاستقطاب في المنطقة دوليا وعربيا وايديولوجيا، ففي شهر أيار 1966 أصدر الاتحاد السوفيتي بيانا نشرته وكالة تاس اعتبر فيه سورية منطقة متاخمة لحدوده، واتهم الولايات المتحدة واسرائيل ودول الغرب والدول العربية اليمينية بأنها تتآمر للإطاحة بالنظام في سورية، وقد ورد في البيان :

"إن الوضع بمجمله في الشرق الأدنى يدل على ان الأوساط العدوانية لبعض الدول الامبريالية وعملائها أخذت تنسى فيما يبدو أمثولات فشل عدوانها المعيب وانكساراتها الأخرى في الشرق الأدنى.

لقد عقد أخيرا الحلف المركزي العسكري الاستعماري اجتماعا طارئا في أنقرة، وكانت بيروت مقرا لمؤتمر سفراء الدول الامبريالية في الشرق الأدنى، وظهرت قطع الاسطول السادس الاميركي من جديد في المياه الاقليمية اللبنانية، كما كشف النقاب كذلك عن عقد مؤتمر انتدب إليه كبار الموظفين الاميركيين مع حكومة وقيادة الأركان في اسرائيل ويتضح من ذلك ان القوى العدوانية تشتد في اسرائيل وان نشاطاتها موجهة نحو الدول العربية المجاورة.

أما شعوب البلدان العربية فهي تدرك جيدا الخطر الذي تشكله على السلم وعلى تطورها هذه الحملات الجديدة للدول الاستعمارية وعملائها الرجعيين في الشرق الادنى والاوساط الحاكمة في اسرائيل، وبنوع خاص محاولة التدخل في شؤون سورية، وان الاتحاد السوفيتي ما كان ولن يكون مباليا ازاء محاولات انتهاك السلام في منطقة متاخمة لحدوده".

كان تدفق الاسلحة الروسية والغربية على منطقة الشرق الأوسط مظهرا من مظاهر هذا الاستقطاب. فقد تدفقت في هذه الفترة الاسلحة الغربية على ايران والأردن والسعودية، والاسلحة الروسية على مصر وسورية والجزائر، وكمثال على ذلك فقد وافقت الولايات المتحدة على تزويد الأردن (شهر آب) بمئة دبابة من طراز باتون 48، وكان قد سلم لها في أواخر حزيران ست وسبعون دبابة من الطراز نفسه، بينما اتبع الاتحاد السوفيتي استراتيجية جديدة لوجوده العسكري في المنطقة، أشار إليها مسؤول في الاسطول الاميركي:

"كان من النادر قبل ثلاث سنوات مشاهدة سفينة حربية سوفيتية في المتوسط، إلا ان هنالك اليوم قوة بحرية دائمة تتألف من خمس أو ست قطع بحرية بالاضافة الى عدة غواصات وعدد من سفن الدعم، وان ذلك يدل على تغيير أساسي في الاستراتيجية السوفيتية، هي استراتيجية الوجود البحري وليس الجيوش البرية" (الحياة 29/9/1966).

وفي محاولة من اسرائيل والغرب لمعرفة أسرار طائرة الميغ التي زود بها الاتحاد السوفيتي مصر وسورية والجزائر، أوعزت اسرائيل لأحد عملائها (منير روفا من سلاح الجو العراقي) بالانطلاق الى فلسطين حيث تسارع الملحقون العسكريون الغربيون خلال شهر آب لمعرفة أسرارها، كما تم في هذه الفترة تبادل طرد الدبلوماسيين من الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة بتهمة التجسس، حيث طرد اسرائيلي من موسكو وروسي من واشنطن.

في هذه الفترة من الاستقطاب الحاد بين المعسكرين الشرقي والغربي، أصبحت المكتبة العربية عرضة لغزو شيوعي عقائدي فامتلأت رفوفها بالكتب التي تنظر للماركسية، واتخذ معظم منظري القومية العربية من الماركسية معينا لتنظيراتهم الثورية، وانجرفت الى الماركسية بعض الفئات القومية التي كانت توصف بالشوفينية.

لقد أثار هذا الغزو السياسي والعقائدي من قبل الاتحاد السوفيتي للمنطقة خوف وذعر الدول العربية الموالية للغرب حيث جرت حملة اعتقالات واسعة في الأردن والكويت ولبنان والسودان لمختلف الفئات الحزبية من بعثيين وشيوعيين وقوميين عرب، بينما وقعت السعودية مع الأردن "اتفاق الطائف" ورفعت شعار التضامن الاسلامي وبدأت بالتمهيد لفكرة مؤتمر يشمل الدول الاسلامية لمواجهة المد الماركسي، في المنطقة العربية، ووصف الملك حسين التضامن الاسلامي بأنه يحد من غلواء الشيوعية، وصرح في منتصف حزيران تعليقا على ما جرى من اعتقالات في الأردن :

"ان الايديولوجية الماركسية تستهدف التسلل الى البلاد العربية عن طريق النزوات العاطفية.. وهنالك ثغرات تستغلها الشيوعية وهي الخلافات الجانبية وضعف بعض الانظمة الحاكمة إلى درجة جعلتها تترامى في احضان المعسكر الشيوعي".

وبعد أن هدد بقطع كل يد تمتد بسوء الى وحدة الضفتين من قبل اليساريين الحزبيين من أعضاء منظمة التحرير، قال :

"ان من المحزن أن نرى الخلافات الجانبية تطغى على القضية الفلسطينية والأهواء تعصف بالمنظمة بعد طغيان المخربين الحزبيين" ثم اتهم المنظمة بأنها وقعت تحت سيطرة الذين اعتنقوا المبادئ الهدامة والذين يستهدفون من خلال المنظمة وحدة الصف العربي.

وبينما كان ابراهيم ماخوس يبشر خلال زيارته لمصر والجزائر بمشروعه لتشكيل جبهة من الدول الثورية، وكانت جريدة الثورة السورية (13 آب) تدعو للقاء القوى الثورية في العالم العربي على أسس استراتيجية وتصنف كل أعداء الجماهير من قوى رجعية وصهيونية واستعمارية في صف الاعداء ، وتدعو القوى الثورية للوقوف في الجانب المقابل موقف المهاجم وليس موقف المدافع، كانت الأوساط الاستعمارية الصهيونية تحاول أن تستغل هذا الخلاف بين الأنظمة العربية، فعندما زار الملك فيصل الولايات المتحدة (آب 1966) وكان هدفه من هذه الزيارة صندوق انمائي سعودي أميركي مشترك بقصد انماء الدول العربية ذات الاقتصاد الحر، سأله أحد الصحافيين الاميركيين في مأدبة أقيمت له فيما إذا كان يعتبر الجمهورية العربية المتحدة أو اسرائيل عدوه الأكبر، مما أثار الغضب الشديد للملك فيصل الذي أجاب :

"آسف لطرح هذا السؤال فالمتحدة بلد شقيق ومواطنوها اخوان لنا، وسيبقون كذلك مهما كانت الخلافات، ثم ندد بالصهيونية وشدد على أن الاميركيين الذين يتعاملون مع الأعداء هم أعداء أيضا".

وقد تعرض الملك فيصل بعد هذا التصريح لحملة صهيونية في نيويورك فألغى رئيس بلديتها حفلة عشاء كانت مقررة للملك كما ألغى روكفلر حاكم الولاية زيارة مجاملة كان سيقوم بها، وعلقت الواشنطن بوست على هذه الواقعة:

"ان تصريحات الملك فيصل مذهلة ولكن رئيس البلدية وحاكم الولاية برفضهما القيام بواجبهما أمر مذهل أيضا.. وان السياسة والشعور الوطني والديني كانت مزيجا احترق فيه الملك فيصل" وعلقت على الزيارة "بأنها أول زيارة يقوم بها فيصل منذ أن أصبح ملكا عام 1964، وقد اتخذ بعض الخطوات لجعل بلاده دولة حديثة وكانت تعيش في ظل القرون الوسطى وهي من أهم دول المنطقة".