كيف صارت لدمشق الكلمة الفصل في اختيار الرئيس؟

في 21 أيلول 1988، وقبل 24 ساعة من نهاية ولايته الدستورية، توجه الرئيس امين الجميل الى دمشق وقابل الرئيس السوري حافظ الأسد. كانت الغاية من الزيارة الاتفاق على اسم الرئيس الجديد للبلاد وانقاذ الوضع الداخلي من الانهيار، اذ درج العرف في لبنان على ان يساهم الرئيس المنتهية ولايته في اختيار الرئيس الجديد، علما ان الجميل لم يكن اللاعب الوحيد في انتخابات الرئاسة، فكان هناك ايضا سوريا وحلفاؤها في الداخل، الولايات المتحدة الاميركية، "القوات اللبنانية" والجيش اللبناني والبطريركية المارونية.

كانت سوريا تريد الامساك بلبنان وتشريع وجود جيشها فيه من خلال اشتراطها ان يتعهد الرئيس المقبل، سلفا، اجراء الاصلاح السياسي وتنظيم "العلاقات المميزة" بين لبنان وسوريا. اما واشنطن فكانت تعمل من اجل ايجاد رئيس يتم الإتفاق عليه بين سوريا والمسيحيين الذين يمثلهم في نظرها رئيس الجمهورية و"القوات اللبنانية" والجيش اللبناني. وقد اطلقت على اسم هذا المرشح تسمية " الرئيس التوافقي" (كريم بقرادوني - "لعنة وطن"، ص11).

مأزق الساعات الاخيرة

ناقشت القمة بين الرئيسين الجميل والأسد تسويق انتخاب النائب مخايل ضاهر لرئاسة الجمهورية طبقا لاتفاق الاسد ومبعوث الادارة الاميركية ريتشارد مورفي إلى العاصمة السورية في 18 ايلول. وهو الاتفاق الذي رفضته المراجع المسيحية، باعتبار انها غير معنية بحسابات الطرفين الاقليمي والدولي ولا بإتفاقهما. وهذا ما دفع مورفي الى تهديد المسيحيين بالقول "اما ضاهر واما الفوضى" (رئاسيات 1995، "ملف النهار" بيار حلو، ص15).

فور سفر الرئيس الجميل، بادر العماد ميشال عون، وكان قائدا للجيش حينذاك، الى الاتصال بسمير جعجع والتقى الرجلان للمرة الاولى منذ القطيعة التي بدأت في 27 ايلول 1986 اثر مقتل العقيد خليل كنعان، قائد اللواء الخامس في الجيش واتهام عون القوات بمقتله، وانتج اللقاء رفض ترشيح ضاهر لرئاسة الجمهورية.

اثناء اجتماع الاسد مع الجميل، ادخل مساعد للرئيس السوري ورقة تحمل ما يفيد عن حصول اجتماع بين عون وجعجع في اليرزة. فهم الاسد عندها ان الامور افلتت من يد الجميل وان لا فائدة من الاتفاق معه، وفهم الجميل ان مهمته انتهت، فعاد من دمشق خائبا. وينقل النائب بيار حلو عن الجميل قوله ان " الاسد كان في الساعتين الاوليين ميالا الى الاصغاء اما الساعتان الاخريان فكانتا سيئتين للغاية" (رئاسيات 1995، "بيار حلو، ص15").

لم تكن تلك هي المحاولة الاولى التي خاضها الجميل مع السوريين بهدف الاتفاق على رئيس جديد للبلاد. ففي 9 تموز 1988 ادرج اسم النائب بيار حلو في لائحة ضمت كذلك اسمي النائب رينه معوض والوزير ميشال اده، وسلمت هذه اللائحة الى السفير الاميركي آنذاك جون كيلي لاطلاع ادارته عليها، ثم اضيف الى هذه اللائحة اسم منوال يونس بناء على طلب الجميل. وفي 17 آب 1988 وجه الجميل رسالة الى الاسد تتصل بالانتخاب الرئاسي ضمنها لائحة من ثلاثة اسماء توافقية رشحها للمنصب لا تشكل "تحديا"، ولا تحمل احقادا على احد وتضمنت اسماء منوال يونس وميشال اده وبيار حلو" (رئاسيات 1995، "بيار حلو، ص8").

انهى الجميل ولايته الدستورية منتصف ليل 22 ايلول 1988، وغادر قصر بعبدا تاركا الجمهورية من دون رئيس للمرة الاولى في تاريخ البلاد. في ربع الساعة الاخير، الثانية عشرة الا ربعا قبيل منتصف الليل، اصدر آخر مرسوم في عهده كلف بموجبه قائد الجيش العماد ميشال عون رئاسة حكومة انتقالية موقتة رئيسها ماروني على رأس الدولة ووزراؤها اعضاء المجلس العسكري، ما لبث ان استقال منها بعد اقل من ساعة الوزراء المسلمون الثلاثة.

غير ان مرسوم الحكومة الانتقالية الموقتة اثار جدلا دستوريا لسببين: اولهما ان المادة 62 من الدستور تحدد الظروف التي تناط فيها صلاحيات رئيس الجمهورية " وكالة" بمجلس الوزراء بـ "الوفاة او الاستقالة او اتهام رئيس الجمهورية بخرق الدستور او ارتكابه الخيانة العظمى او مرضه او عجزه عن الاضطلاع بمسؤلياته"، وهذا ما لا ينطبق في اي حال من الاحوال على الرئيس الجميل. اما السبب الثاني فيتعلق باصدار الجميل مرسوما بحكومة انتقالية موقتة في ظل حكومة قائمة بفعل امر واقع، وترفض ان تذهب، علما انها كانت في حكم المستقيلة بسبب استقالة رئيسها الاصيل رشيد كرامي في 1/5/1987 ومن ثم اغتياله في 1/6/ 1987. غير ان سوريا عمدت الى تعويم الحكومة برئاسة سليم الحص وقد ساعدتها في ذلك الاوضاع الداخلية في البلاد التي لم تكن تسمح بتشكيل حكومة جديدة. هذا الواقع أوجد التباسا حول دستورية الحكومة وخصوصا ان سوريا وحلفاءها في لبنان اصروا على التمسك بحكومة الحص واعتبارها حكومة دستورية بفعل عودتها عن استقالتها (في حين ان الذي كان يفترض ان يعود عن الاستقالة هو الرئيس رشيد كرامي الذي اغتيل ، لانها حكومته وليست حكومة الرئيس الحص).
في النتيجة، دخل لبنان في حال من الفراغ الدستوري الذي انتج وجود حكومتين واحدة برئاسة العماد ميشال عون وثانية برئاسة سليم الحص.

في 14 آذار 1989 بدأ الرئيس ميشال عون "حرب التحرير" بهدف اخراج الجيش السوري من لبنان.
لم يوافق الاميركيون على اسلوب عون في تحقيق هذا الهدف. برروا له افكاره ووافقوه على مبدأ التحرير واعترضوا على طريقة المواجهة المدمرة وتوقيتها. ولم يقتصر الخلاف بين الطرفين على وسائل حسم الصراع فحسب، بل كانت الاهداف بينهما متباعدة: عون يريد اخراج الجيش السوري من لبنان فورا والاميركيون لا يرون الفرصة سانحة. طبخة التسوية والسلام في المنطقة لم تكن قد نضجت بعد، كانت تحتاج الى سنة اضافية والى حدث كبير هو حرب الخليج. حتى ذلك الوقت ظل الاميركيون يفضلون لبنان مستقرا هادئا: انتخاب رئيس جديد للجمهورية يرث الحكومة العسكرية ويوقف المواجهة مع السوريين. كان ذلك يعني بالنسبة الى عون تقويض كل مشروع "حرب التحرير" واخراجه من السلطة ("رئاسيات 1995"، نسيب لحود، ص11).

حرك عون الشارع المسيحي في مناطق نفوذه، وفي 21 نيسان 1989 تظاهر مواطنون في محيط السفارة الاميركية في عوكر، وتلاحقت التظاهرات بغية الضغط على الادارة الاميركية لتدعم خطة عون في "التحرير". سبق ذلك قرار الحكومة العسكرية ابعاد السكرتير الاول في السفارة الاميركية دانيال سيمبسون عن لبنان بعدما احاط نفسه بشبكة واسعة من العداوات مع القادة المسيحيين وبكركي نظرا الى دوره في تسويق مخايل ضاهر "مرشحا توافقيا" سورياً - اميركياً.

معوض: انتخاب فاغتيال

انتهت هذه المرحلة عمليا بانتاج اتفاق الطائف الذي حمل هذا الاسم ربطا بالمدينة السعودية التي جمعت النواب اللبنانيين بهدف الاتفاق على تسوية تنهي الازمة اللبنانية، فرفضها العماد ميشال عون ووافق عليها البطريرك الماروني مار نصرالله بطرس صفير و"القوات اللبنانية".
عاد النائب رينه معوض من مدينة الطائف، حيث كان يشارك في اعداد هذا الاتفاق، رئيسا مكرسا لا ينقصه سوى التصويت له في 5 تشرين الثاني 1989.

انتخب معوض رئيسا للجمهورية نتيجة تسوية اميركية - سعودية - سورية . وفي الواقع، جارى السوريون الاميركيين والسعوديين في دعم انتخاب رينه معوض الذي تكشفت له باكرا حظوظ وصوله الى رئاسة الجمهورية. كان الاتفاق بهذا المعنى اميركيا - سعوديا، علما ان السعودية لم تشكل يوما مركز زعامة عربية واقليمية كما هي حال مصر وسوريا في حقب مختلفة. ونتيجة ذلك لم تتدخل السعودية في الشأن اللبناني بصفتها قوة اقليمية مؤثرة، بل كانت تتعامل مع الملف اللبناني من باب السعي الى ايجاد تسويات تجمع الاطراف المتناحرين.

على هامش اجتماعات النواب اللبنانيين في الطائف كان النائب رينه معوض يغيب يوميا تقريبا عن زملائه من غير ان يعرف احد وجهة ذهابه في الطائف او في جدة. وعرف في ما بعد ان اجتماعين عقدهما معوض مع الملك فهد، الى اجتماعات اخرى مع امراء الاسرة المالكة بعيدا عن انظار النواب اللبنانيين الآخرين ("رئاسيات 1998"، "ملف النهار"، نايلة معوض، ص100) .

عززت ترشيح معوض للرئاسة علاقاته الودية مع الاميركيين والسعوديين من خلال مجموعة من اصدقائه، وهم رجال اعمال ومال ومتمولون لبنانيون. بعدما حظي بموافقة الاميركيين والسعوديين، ظلت تنقصه الموافقة السورية التى تولى رئيس مجلس النواب حسين الحسيني تأمينها من خلال تسويق اسمه لدى القيادة السورية، علما ان اسم معوض ورد عام 1988 في لائحتي البطريرك صفير والرئيس الجميل الى الاميركيين والسوريين ("رئاسيات 1995"، "ملف النهار"، حسين الحسيني، ص16).

انتخب معوض رئيساً في 5 تشرين الثاني 1989 واغتيل في 22 منه في ذكرى استقلال لبنان.
خلال مرحلة الطائف، وقبل انتخاب معوض رئيسا للجمهورية، كانت سوريا تبحث عن رئيس قادر على انهاء حالة العماد عون بالقوة. ويروي ميشال اده انه خضع لامتحان بهذا المعنى وفشل فيه، اذ انه زار دمشق برفقة ميشال سماحة وسامي الخطيب ومحسن دلول الذين كانوا يسعون الى تسويقه رئيسا للجمهورية لدى دمشق. غير انه في اللقاء مع رئيس الاركان العامة في الجيش السوري العماد حكمت الشهابي، قال اده، في معرض رده على سؤال عن حل مشكلة عون، انه لا يشجع سوريا على تأييد عملية عسكرية ضد الموارنة ، في اشارة الى اعتراضه على انهاء عون بالقوة ("رئاسيات1995"، ميشال اده، ص17). بعد انتهاء المقابلة، قال له سماحة ودلول: "طارت الرئاسة"، اذ ان موقفه لم يلق صدى لدى السوريين الذين كانوا يميلون الى انهاء عون بالقوة.