سورية وحطام المراكب المتعثرة7)

قوميون عرب انضموا لجمال عبدالناصر عن قناعة فكرية وليس لانهم من أراذل عبدالحميد السراج
امين الحافظ مزحة لطيفة.. احببته وهناك نوع من المودة بيننا.. ويحب ان يعمل بعقلية القبضاي
صقر ابو فخر
في خضم الاضطراب العميم الذي شهدته سورية، ولا سيما بعد استقلالها في سنة 1943، كان نبيل الشويري شاهداً علي بعض جوانب هذا الاضطراب. فهو، منذ يفاعته الأولي، عرف ميشال عفلق كسـاحر وقديس معاً. وتدرج في مدارج السياسة وفي معارج الفكر السياسي علي يديه، وتفتح وعيه علي القومية العربية شبه العلمانية التي صاغها عفلق، ثم تمرد عليه وأسقط هالة القداسة عنه، وانحاز إلي أكرم الحوراني، ثم لم يلبث أن انخرط في التآمر السياسي والانقلابات العسكرية مع سليم حاطوم وبدر جمعة، وحُكم بالإعدام. وقادته مصائره اللاحقة في المنفي البيروتي، والباريسي، إلي إدارة الظهر للسياسة كلها، ثم راح، بهدوء، يعيد النظر في تجربته الشخصية، وأسلم عقله لحقبة من التفكير النقدي الهاديء. ولعل نبيل الشويري كان شبه مرآة عكست البعث نفسه وتجربته العاتية في الاضطراب السياسي والبلبلة الفكرية والتآمر وانقلاب الأحوال والأخطاء القاتلة، فضلاً عن النزوع الرومانسي إلي صوغ مشروع مستقبلي لدولة قوية موهومة.
لم يكن لنبيل الشويري أي شأن مباشر في سلطة البعث التي انبثقت في 8 آذار 1963، ولم يشارك في صنع الأحداث العاصفة التي شهدتها سورية منذ ذلك التاريخ فصاعداً، ولم يكن له أي دور في المصائر التي انتهي إليها البعث بشظاياه الكثيرة، إنما كان شاهداً راصداً لتجربة البعث في سورية، وكان، إلي ذلك، مناضلاً في ذلك الحزب إبان صعوده، ثم راقب بحسرة انحداره وتطايره في جميع الاتجاهات. وهذا الحوار هو خلاصة هذه التجربة. ومهما يكن الأمر، فإن أهمية هذا الحـوار لا تكمن في أنه يؤرخ لحقبة من التاريخ المعاصر لسورية، بل في محاولة إعادة قراءة الأحداث في ضوء التجربة الشخصية.

البعـث والوحدة: أحداث ورجال

من كان الأبرز بين مناضلي حزب البعث في الفترة التي سبقت الوحدة المصرية ـ السورية؟
في ما عدا القيادة الأولي، يمكنني أن أتذكر عبد البر عيون السود المسؤول عن التنظيم السري في حمص. وعبد البر عيون السود من قادة الصف الثاني الذين منحوا الحزب الطابع النضالي في غياب ميشيل عفلق وأكرم الحوراني وصلاح البيطار في لبنان. ومن بين قادة الصف الثاني أيضاً عبد الفتاح الزلط فـي حلب وعبد الكريم زهور في حماة ووهيب الغانم في اللاذقية ومنصور الأطرش في جبل العرب، ومحمد عيد عشاوي ومصلح سالم وإسماعيل عرفة وحسام حيزي في دير الزور. إسماعيل عرفة هو الأهم، وكان جلال السيد يسميهم الويلاد أي الأولاد. وهؤلاء هم الذين اختلفوا مع جلال السيد واتهموه بأنه إقطاعي وحدث الافتراق منذ ذلك الزمن.
عبد البر عيون السود كان من القليلين الذين رفضوا أداء القسم الذي فرضه الشيشكلي علي موظفي الدولة للتبرؤ من الولاء لأحزابهم، فسرح من وظيفته وهو في أمس الحاجة إليها. وكان من أبرز الناشطين في التحضير لمؤتمر حمص الذي ضم أهم زعماء سورية، وكان من بين الموقعين علي بيان الجبهة الوطنية التي انبثقت عن المؤتمر، والذي دعا إلي مقاطعة الانتخابات الشيشكلية ، وحدد أهداف الجبهة بإبعاد الجيش عن السياسة وإقامة حكم ديمقراطي برلماني جمهوري منبثق من انتخابـات حـرة ونزيهـة. وقد اطلعت علي نسخـة من البيـان المؤرخ في 17/9/1953 محفوظة لدي أخيه فوزي. وقد شارك عبد البر في التحضير لعصيان مصطفي حمدون في حلب، الذي قضي علي عهد الشيشكلي وأفسح في المجال لتحقيق أهداف الجبهة الوطنية. وكان فوزي عيون السود مديرا للمالية في القامشلي، فغامر بفتح خزانة الدولة وأرسل إلي مصطفي حمدون رواتب العسكريين في حلب، لأن العصيان وقع مصادفة آخر الشهر. ولو بقي الشيشكلي في الحكم لأحيل فوزي عيون السود إلي المحكمة وفقد وظيفته وحكم عليه بالسجن. سامي الجندي شارك في المؤتمر التأسيسي سنة 1947 علي ما أعتقد. كان من جماعة الأرسوزي مع وهيب الغانم، وفي ما بعد اقترب قليلا من أكرم الحوراني، وترشح للانتخابات النيابية في السلمية ولم ينجح. وبعد حل الحزب في عهد الوحدة تعاطي مع المخابرات الناصرية، وأصبح لاحقا من قادة حركة الوحدويين الاشتراكيين. وكان عبد الكريم الجندي ابن عمه. وقد عاش معظم أيامه وهو يضع رجلا في البور وأخري في الفلاحة. لكنه برع ككاتب وروائي.
لماذا كلف سامي الجندي بتأليف الحكومة في عهد البعث؟
كُلّف لأنهم اعتقدوا أنهم بهذه الخطوة يتقربون من القاهرة. ويبعدون، فـي الوقت نفسه، صلاح البيطار عـن الوزارة. كان تكليفه مناورة، مثلما كان تكليف سامي الدروبي مناورة أيضاً.
سامي الدروبي كان قريباً من القاهرة.
كان ناصرياً.
اعتادت سورية بعد الاستقلال علـي أن يكون الضباط هـم صانعو السياسة. وفي هذه الفترة بدأ اسم جمال عبد الناصر يلمع في سماء المنطقة العربية ولا سيما بعد مؤتمر باندونغ في سنة 1955. ثم أصبح، عقب العدوان الثلاثي فـي سنة 1956، زعيماً قومياً مبجلاً. في هذا المناخ انخرط حزب البعث في الجهد الكبير لتحقيق الوحدة مع مصر وكان مـن شروط الوحدة التي اشترطها عبد الناصـر حلّ حزب البعث فـي سورية. إلي أي مدي كان حزب البعث جدّياً في الوحدة مع مصر؟ وإلي أي مدي التزم حزب البعث في سورية بشرط حل الحزب؟
في تلك الفترة كانت المؤسسات السياسـية التقليدية تهلهلت، والمؤسسات الحديثة لم يترسّخ وجودها بعد. فلما فشلت مؤسسة الملاكين المدعومين من المشايخ والتجار، ثم جاءت كارثة فلسطين في سنة 1948 وبدأت فئات جديدة تصعد في المجتمع، لم تبق مؤسسة سياسية واحدة في سورية ذات صدقية، والأحزاب المعارضة لم تكن تحولت إلي مؤسسات حقيقية. الكتلة الوطنية تحولت إلي الحـزب الوطني بزعامة شكري القوّتلي. وهذا الحزب لا يملك من صفات الأحزاب إلاّ الاسم. إنما هو فئة من الملاكين مدعومين من الشيوخ والتجار. إنها ثلاث فئات ظلت حاكمة مئات السنين ثم تهلهلت. وفي مقابل فقـدان الثقة بالمؤسسات القديمة، لـم تكن الأحزاب الحديثة المعارضة اكتسبت ثقة كافية ولا سيما حزب البعث والحزب الشيوعي والحزب السوري القومي. المؤسسة الوحيدة التي كانت موجودة وتنمو باطراد هي المؤسسة العسكرية.
لكن حزب البعث نفسه استخدم العسكريين وسيلة للوصول إلي السلطة. ومشهورة جداً علاقات أكرم الحوراني ببعض الأقليات وببعض الضباط أمثال مصطفي حمدون.
أود أن أضيف أن الشيشكلي لم يسقط بثورة مدنية، لكنه لـم يسقط بانقلاب عسكري أيضاً. كان السقوط جهداً مشتركاً بين المدنيين والعسكريين. وإسقاط الشيشكلي في سنة 1954 يشبه إلي حد بعيد ما جري في انقلاب شباط (فبراير) 1963 في العـراق وآذار (مارس) 1963 فـي سورية. أي أن الحزب المدني كان له دور في التغيير. وفي سورية كان علي رأس الحزب قائد مجرب ومحنّك وداهية اسمه أكرم الحوراني. وهـذا الرجل السياسي استخدم الجيش ولـم يسمح للجيش أن يستخدمه، وفي الوقت نفسه لم يقم بصـدام مـع الجيش. بينما في العراق، مع الأسف، كان علي رأس الحزب رجل أحمق مثل صدام حسين فأكل الحزب، وأزاح المدنيين أمثال علي صالح السعدي الذي لم يكن في حجم اكرم الحوراني.
كان علي السعدي غوغائياً إلي حدٍّ ما.
لا ليس غوغائياً، لكنه مع الأسف حاول أن يلعب دوراً أكبر من إمكاناته. لم يكن ناضجاً تماماً، والتآمر يحيط به من جميع الجهات.

الوحدة مع مصر

في هذه الأجواء بدأ السعي نحو الوحدة مع مصر، مع بزوغ نجم عبد الناصـر كزعيم كبير في العالم العربي. هل كان البعث جدّياً في سعيه إلي الوحدة مع مصر؟
هل تعتقد أن حـزب البعث كان يمزح؟ صوت العرب ومحمد حسنين هيكل ومخابرات عبد الحميد السراج والقوميون العرب أصحابك هم الذين أشاعوا ذلك.
ثمة من اعتقد أن الضباط جاؤوا بحزب البعث إلي الوحـدة، وليس الحزب هو الذي انخرط فيها، أو علي الأقل لم يكن يريد الوحدة بهذا الشكل.
يا أخي هذه قصة كتب تفصيلاتها أكرم الحوراني في مذكراته، وأحمد عبد الكريم كتب عنها وبشير العظمة أيضاً، وآخـرون. وأنا أقول لك إن حزب البعث كان جاداً فعلاً بالوحدة. وعبد الناصـر اكتشف بذكائه وتجربته أن سورية يمكن أن تتحول حاملة طائرات ضد مصر أو مع مصر، وأن مَن يحكم سورية يحكم المنطقة.
هذه نظرية باتريك سيل في كتابه الصراع علي سورية .
لكن أحمد عسة كان أول من تحدث عنها. المهم، عندما اقتنع عبد الناصر بهذه الفكرة، كان رجاله في سورية أمثال محمود رياض يتعاونون مع حزب البعث، وكانوا يقولون لقيادة الحزب ان عبد الناصر غير متحمس للوحدة. البعث صار يناضل بقوة كي يقبل عبد الناصر الوحدة. والحقيقة أن عبد الناصـر كان توّاقاً إلي الوحدة لتعزيز المكانة الاستراتيجية لمصر. وبهذه المناورة ظهر حـزب البعث كأن نضاله الوحيد اقتصر علي موضوع الوحدة، وانقلبت القصة من النضال فـي سبيل الوحدة إلي النضال في سبيل الوحدة مع عبد الناصر، وصار شعار الجماهير في سورية: بدنا الوحدة باكر باكر مع هالأسمر عبد الناصر ، وما عاد في إمكان أحد في سورية أن يتراجع عن الوحدة حتي رشدي الكيخيا. وهنا بدأ العسكريون يتخذون الموقف نفسه، فاستدعاهم عبد الناصر إليه في القاهرة للتباحث.
هو استدعاهم أم هم ذهبوا إليه؟
هناك رواية تقول إن صلاح البيطار عندما عاد من مصر قبيل الوحدة نقل رسالة إلي القـادة السياسيين تقول إن عبد الناصر لا يقبل أن يتدخل الجيش في السياسة. وقبل أن يبلغ صلاح البيطار الحزب بذلك استدعي أحمد عبد الكريم إلي وزارة الخارجية وقال له إن المسألة صارت برقبتكم. تفضلوا إذهبوا إلي القاهرة وتحدثوا إلي عبد الناصر. عند ذلك اجتمع كبار الضباط في جو شديد العصبية. البعثيون منهم كانوا جميعاً يريدون الوحدة. أحمد عبد الكريم يتحدث عن الشروط التي يجب عرضها علي عبد الناصـر، أبو عبدو (أمين الحافظ) يضع يده علي المسدس ويقول: من يضع شرطاً علي عبد الناصر لم يخلق بعد. وفي نهاية المطاف سافروا إلي القاهرة علي طريقة العراضة والتقوا عبد الناصر في بيته مع المشير عبد الحكيم عامر، وتقبلوا فكرة عـدم التدخل في السياسة، وقالوا له: من أجـل الوحدة نحن نقبل أي شيء تريده. وفتح عبد الناصر كفيه وقرأ الفاتحة.
هكذا صارت الوحدة إذن؟
نعم هكذا صارت الوحدة.
حسناً. ما كان دور حزب البعث في هذه العملية المضطربة؟
كان البعث أنجز مشروعاً للاتحاد لا للوحدة. لكن مشروع الاتحاد هذا طوي تماماً في أجواء العراضات القومية. اثنان فقط وضعا شروطاً علي الوحدة: خالد بكـداش وخالد العظم. وفي هذا السياق أود أن أروي أن ميشيل عفلق كتب افتتاحية لجريدة البعث بعد قرار تأميم قناة السويس في سنة 1956 يصف فيها عبد الناصر بـِ القائد الملهم . حينذاك جئت شخصياً إلي ميشيل عفلق والتقيته في حديقة مكتب الحزب وأبديت له استغرابي من هذه الافتتاحية، وقلت له: شو يا أستاذ، هل بايعت عبد الناصر بالزعامة؟ فأجاب بحزم: نعم هل من اعتراض؟! . قلت بشيء من الإرتباك: أنا استفسر فقط .
الزعيم لديكم كان ميشيل عفلق؟
لا. لكننا لم نكن نقبل مفهوم الزعيم الأوحـد في ذلك الوقت. ولم تكن لدينا مفردات مثل القائد الملهم و الزعيم ، لأن ميشيل عفلق كان، في نظرنا، فيلسوف الحزب وكفي. لكن ميشيل عفلق كان يتضايق من هذه التسمية.

المالكي والسباعي

كيف تقرأ الآن قصة انتخاب رياض المالكي نائباً عن دمشق وسقوط مصطفي السباعي في سنة 1957؟
هذه الحادثة تدل علي تبدلات خطيرة حدثت في سورية في تلك الفترة. كان حزب البعث قد أصبح قاب قوسين أو أدني من السلطة، فخافت الرجعية وخاف المشايخ من هذا التطور السياسي، وراح الكثيرون مـن العائلات الحاكمة يروجون أنهم سيختارون عبد الناصر ولا يمكن أن يختاروا حزب البعث. وفي هذه الأثناء صار للشيوعيين مكانة سياسية.
هل كان رياض المالكي بعثياً؟
نعم، ومرشح الحزب أيضاً.
دعنا نلملم الكلام. بدأت المفاوضات بين عبد الناصر والعسكريين السوريين. وافق حزب البعث علي شروط عبد الناصر كلها وفي رأسها حل جميع الأحزاب بما فيها حزب البعث. ألم تجرِ الأمور هكذا؟
حزب البعث، كما قلنا، كان مشـروعه اتحادياً لا اندماجياً. لكن عبد الناصر لم يكن راغباً في ذلك. كان يقول انه يريد وحدة تدريجية. لكنه حينما رأي الناس متحمسة للوحدة، وحينما ذهب إليه العسكريون ومحضوه الطاعة، ثم رأي زعامته تكبر وتتخطي حدود مصر إلي بلاد الشام كلها، فضلاً عن المغرب، قال للضباط السوريين: تكون الوحدة اندماجية أو لا تكون، والأحزاب يجب أن تُحل وأنتم العسكريين، عليكم أن تقبلوا ما فعلناه هنا في مصر. ومن أجل الوحدة قال له الضباط جميعاً: نعـم، نحن نقبل شروطك كلها. إن أكثر واحد ردد مزايدات علي عبد الناصر كان الفريق عفيف البزري. لقد ظن أن عبد الناصر لن يقبل الوحدة الاندماجية، لكن عبد الناصر كان يريد إيصالهم إلي هذا الموقف، وأن يلزمهم موقفهم. أما مسألة الوحدة التدريجية فكانت برأيي مناورة. في هذه الفترة كنت أقضي خدمتي الإلزامية في الجيش، لكنني علي صلة دائمة بالحزب وبالتطورات السياسية، وكنت أصبحت ضابطاً وتخرجت في كلية الاحتياط. في هذه الأثناء كانت قوة الشيوعيين تزداد وتكبر، بينما حزب البعث يتهلهل ، والخلافات تكبر بين قادته الأوائل. وفي محاولة تنظيمية حقيقية ربما تكون الوحيدة لتحويل الحزب إلي مؤسسة سياسية، جرت انتخابات للقيادة، ونجـم عن ذلك ظهور قيادة جدّية من رجال الصف الثاني، وهذه القيادة كانت من الطراز الذي قاد الحزب في غياب الأساتذة في روما. والجديد فيها هو أن هذه القيادة اكتسبت الصفة الشرعية بالانتخاب.
في تلك الفترة، أي في أواسط الخمسينات، كانت هناك حركة سياسية ناشئة، قيض لها أن تلعب، فيما بعد، دوراً مهماً هي حركـة القوميين العرب، التي كانت في منشئها، ذات صلة بـ كتائب الفداء العربي . ما كانت علاقتكم، كبعثيين، بهذه الحركة؟
حركة القوميين العـرب لم تنشأ من كتائب الفداء العربي. أنا أعرف قصة كتائب الفداء العربي وأعرف قصة القوميين العرب. حركة القوميين العرب نشأت في جو جمعية العروة الوثقي في الجامعة الامريكية في بيروت، ومن التلمذة الفكرية علي قسطنطين زريق. ومن هذه التلمذة ولدت كتائب الفداء العربي علي أيدي هاني الهندي وجهاد ضاحي وسامي ضاحي ونجيب كحيل وانطـون حمصي وغيرهم. فأنطون حمصي كان ماركسياً وأنا أعرفه من مدرسة الآسيّة، ثم صار موظفاً كبيراً في وزارة الثقافة يشرف علي نشر الترجمات، وأعرف أيضاً جهاد ضاحي وهاني الهندي. وأعضاء حركة القوميين العـرب كانوا أقل منا بكثير عدداً وتأثيراً، وكنا نتساءل: لماذا لا يلتحق هؤلاء بحزب البعث؟ وعندما نعرض السؤال عليهم يكون جوابهم: نحن نختلف عنكم. الأولوية لدينا للوحدة القومية ثم الاشتراكية، وهذا الموضوع خاضع للنقاش بالطبع. هم كانوا موضع التقدير لدينا، لكننا لم نرغب في أي يوم من الأيام، في التعاون معهم، لأننا لم نكن في حاجة إلي التعاون معهم. وفي المقابل لم يقفوا في أي يوم من الأيام ضدنا. لم يكونوا من أنصـار الشيشكلي كالسوريين القوميين، ولم يكونوا ذوي تأثير كبير في وسط الشعب أو حتي في الجامعة. لكنني لا أعرف الكثير عن نشاطهم في الأردن. لكن في المجال الفلسـطيني فلا ريب في أهمية دورهـم، وجورج حبش هو موضع تقدير كبير لدينا. حركة القوميين العرب في سورية كانت ضعيفة جداً، لكنها نمت في عهد الوحدة. ولما وقع الصدام بين البعث وعبد الناصر بادر عبد الحميد السّـراج إلي تنشيطهم، وجاء ببعض البعثيين من عملائه وشغّلهم. وهؤلاء صـاروا عقبة أمام الحركة الشعبية في سورية، أو أداة من أدوات قمع الحركة الشعبية في سورية في تلك الفترة.
في أثناء الوحدة؟
في أثناء الوحدة والاتحاد القومي ومجلس الأمة. وهؤلاء سـاهموا في رذالات السّراج وعبد الوهاب الخطيب.
لكن أعضاء حركة القوميين العرب التحقوا بالنظام الناصري بناء علي قناعات فكرية، وليس لأنهم من أراذل عبد الحميد السراج.
لا يا سيدي. كانوا يأخذون أموالاً منه وينفذون أعمالاً سيئة.
كأفراد ربما، ولكن الحركة لم تكن كذلك.
من قال لا؟ أظن أنني قلت إن بعض البعثيين أيضاً كانوا عملاء للسراج.
طبعاً. فالسّراج ضابط في نهاية المطاف، والتسلط جزء من مهنته.
لولا تعاونهم مع السّراج لكانت سمعتهم، كحركة سياسية، أفضل. لكنهم، بنضالهم في فلسطين، أزالوا عن تاريخهم ما انزلقوا إليه مع السّراج. ولا أحد يسـتطيع القول أن القوميين العرب تحولوا إلي عملاء للسّراج. لكن ما أقوله إن الوحدة السورية ـ المصرية لم تُنجز أبداً، ولم تحدث وحدة بين سورية ومصر. ما حدث هو إخضاع سورية لمصر فقط. فقد حكم عبد الناصر سورية كما حكم حافظ الأسد لبنان، ولكن بذكاء أقل. حافظ الأسد أخضع لبنان من غير أن ينجز وحدة. أما عبد الناصر فباسم الوحدة حكم سورية بذكاء أقل.
أَلهذا حصل الانفصال وفشلت الوحدة؟
نعم.

استقالة جلال السيد

في هذا الجو العاصف في سـورية، من سقوط الشيشكلي إلي عودة الحياة الديمقراطية ومعضلة الحزب السوري القومي الاجتماعي، ومن الضغط العراقي علي سـورية إلي اغتيال عدنان المالكي. في هذه الفترة استقال جـلال السـيد وهو أحد كبار المؤسسين في حزب البعث. لماذا استقال؟ وما هي ملابسات استقالته؟
جلال السيد هو الذي بدأ الخلاف. وكنتُ تحدثت عن أن جلال السيد تبرع بكتابة افتتاحية لجريدة البعث في أحد الأيام علي أن تتضمن الافتتاحية فكرة النظام الجمهوري. وعندما صدرت الافتتاحيـة كانت خالية تماماً من كلمة جمهوري. وفي الأثر راح عفلق والبيطار يتحاوران في هذا الموضوع طيلة شهرين ولم يتوصلا إلي شيء، لأنهما أساتذة وليسوا زعماء. وعندما بدأ الحزب يميل في بعض مستوياته إلي أكرم الحوراني، وكان من بين من مالوا عبد البر عيون السـود وفيصل الركبي ووهيب الغانم، بدأ جلال السـيد يشعر أن الحزب ما عاد حزبه، وأنه صار غريباً فيه. وجلال السيد هو نموذج البرلماني الديمقراطي البرجوازي الذي لم يكن متحمساً لثورية الحزب أو اشـتراكيته، بل إنه لا يريد كلمة اشتراكية مطلقاً. وقبيل اتخاذ قـرار دمج حـزب البعث بالحزب العربي الاشتراكي اجتمع السـيد والحوراني وعفلق وآخـرون في منزل صلاح البيطار بناء علي طلب جـلال السيد. وفي هذا الاجتماع سأل جلال السيد أكرم الحوراني: هل أنت وحدوي أم لا؟ فقال له الحوراني: حتي لو كان النظام في العراق ملكياً فأنا أقبل به إلاّ أن يكون الإنكليز وراء الوحدة. المهم أن جلال السيد وافق علي الدمج علي مضض، ووافق عفلق علي الدمج علي مضض أيضاً. وصارت جماعة السـيد في الحزب تصغر، حتي أن فرع الحزب في دير الزور تحول ضـده، ولم يتمسك به ميشيل عفلق، بينما ظل أكرم الحوراني والآخرون يحاربونه. في هذه الأجـواء كان جلال السيد يقترب من حزب الشعب وصار يشعر بغربة داخل حزب البعث ويشعر أنه أقرب إلي رشدي الكيخيا، وإلي زعماء العشائر في دير الزور. وفي هـذه الأثناء استأجر أراضي من الدولة ونال قروضاً لزراعتها. وهنا وقع حادث في دير الزور أدي إلي استقالته من حـزب البعث، وخلاصته أن عراكاً بين أفـراد من حزب البعث والقوميين السوريين أدي إلي سقوط قتيل، وانقلب العراك إلي صدامات عشائرية. البعثيون في دير الزور كانوا أقوياء ومسلحين ورفضوا الخضوع للحلول العشائرية. وبالطبع كلف جـلال السيد بحل المشكلة. وبدلاً من أن يحلّها لمصلحة الحـزب، مع مراعاة الأصـول العشائرية، استغل الوضع ليتخلص من خصـومه الحزبيين، وقام بحل فـرع دير الزور، فأظهر أن قبيلة القتيل (وهو من الخرشان أي من قبيلتـه) كانت علي حق مع أن أفرادها هم المعتدون. وفي هذه الأثناء كان القوميون السوريون يقومون ببعض الاعتداءات علي البعثيين بعد مقتل عدنان المالكي، فقتلوا واحداً من البعثيين في حمص، واعتدوا علي آخرين في دمشـق والغوطة، أي أن سياسة جورج عبد المسيح لم تتوقف بعد ضرب الحزب وتصفيته، فتحولوا إلي عصابات مدعومة من العراق ومن حلف بغداد. المهم أن جـلال السيد حل فرع الحزب في دور الزور، وأراد أن يعيد إدخال الحزبيين من جديد إلي الحزب فيوافق علي من يريد ويرفض من يريد، فقامت القيامة ضـده. وأذكر أن مُصلح سـالم، وهو كبير خصوم جلال السـيد، جاء إلي ميشيل عفلق ليناقش المشكلة معه باسم فرع دير الزور، وكنت حاضراً كأمين لشعبة جامعة دمشق. وبعد أن عرض مصلح سالم المشكلة وشروط حلها، سأله ميشيل عفلق باستهزاء: هذه شروط حزب الدير. أنا أسألك ما هي شـروط فرع الدير؟ ونتيجة لهذه المناقشات كلها كلفت لجنة حزبية جديدة بإعادة النظر في القرارات التي اتخذها جلال السيد. وبالتدريج أخذ موقع جلال السـيد يتضاءل في الحزب. إن جلال السيد الذي كان ثلث الحزب قبل الدمج وصـار ربع الحزب بعد الدمج، لا يمكنه أن يقبل أن يكون هامشياً في الحزب. عندما استقال جلال السيد من الحزب جاء الي بلدة جديتا في لبنان بالقرب من شتورا ليرتاح مع عائلته، فجاءه مندوب من شكري القوتلي يعرض عليه الاشتراك في الوزارة المقبلة. ويقول جلال السيد ان ميشيل عفلق جاءه بعد فصله من الحزب وقال له كلنا لاحقينك... كلنا صرنا شاعرين ان الحزب لم يعد حزبنا. لنبق اصدقاء .
لماذا اتخذ ميشيل عفلق هذا الموقف؟
ميشيل عفلق يريد أن يُبقي قواعد الحزب ضد جلال السـيد وأن يبقي هو وحده اليساري والاشتراكي والتقدمي وأن يحافظ علي صداقته مع الزعيم السياسي جلال السيد. وأنا اعتقد أن ميشيل عفلق دفع الأمور بطريقة لبقة ليخرج جلال السيد من الحزب. كان عفلق يوازن قوة أكرم الحوراني بجلال السيد داخل الحزب. وعندما صار أكرم الحوراني الأقوي حزبياً وسياسياً والقواعد الحزبية إلي جانبه، بينما جلال السـيد أصبح غريباً وضعيفاً حتي في دير الزور، بات ميشيل عفلق غير قادر علي الكسب من بقاء جلال السيد كقوة موازية لأكرم الحوراني، بل صار أربح له أن يكون جلال السيد خارج الحزب.
في هذه المرحلة لمعت في أوسـاط البعث شخصيات كثيرة. ما هو الانطباع الذي تركته لديك هذه الشخصيات أمثال وهيب الغانم وسامي الجندي وشبلي العيسمي ومنيف الرزار؟
وهيب الغانم لا أعرفه شخصياً. فقط تبادلنا المرحبا من بعيد. لم أعمل معه مباشرة، ولكن أصدقائي كانوا يقولون ان مصداقيته ليست كما يرام. فهو يتقلب في مواقفه كثيراً. وهيب الغانم لوائي أي من لواء الاسـكندرون، ثم صار شبه زعيم في جبل العلويين مع أنه ليس من جبـل العلويين. وكان محترماً في اللاذقية، وفي الحـزب كان دائماً في القيادة وأصبح نائباً ثم وزيراً. إن قربه الشـديد من أكـرم الحوراني جعل جماعة حزب البعث في اللاذقية ينفرون منه، وخصوم أكرم الحوراني نفروا منه أيضاً.
ماذا عن أمين الحافظ؟
أمين الحافظ مزحة لطيفة. لقد أحببت أمين الحافظ، وهناك نوع من المودة بيننا، وأعرف عنه أشياء كثيرة كلها حسـنة. لكن عندما ظهر كرئيس سابق لدولة البعث علي شاشة قناة الجزيرة في سنة 2002 وتحدث عن ذكرياته علي مدار 15 حلقة شعرت بخجل شـديد. فأمين الحافظ يعمل بعقل قبضاي و زكرت . حتي أنني تذكرت نكتة
قيلت عنه في حينها، وهي ان احد الحزبيين انتقد اداء امين الحافظ، فانبري له احد المشاركين في حركة 8 اذار (مارس) 1963 وراح يردد ان امين الحافظ شريف لا يغدر واخلاقه عالية، وهو رجل شجاع..الخ. وعندما انتهي من هذه الموعظة أجابه الأول: يا عمي هذه صفات كفيلة بدفعنا إلي مصاهرته. نحن نقبل به صهراً ونزوجه ابنتنا أو اختنا، لكن لا نعطيه رئاسة الدولة . أمين الحافظ كان من الممكن أن يكون وزير داخلية ناجحاً. لكن المشكلة لا تكمن في أمين الحافظ بل في ميشيل عفلق وصلاح البيطار اللذين وضعاه في ذلك الموقع. ولكن عندما جد الجد ومع مرور الأيام، تبين أنهما أيضاً مزحة ولكنها ثقيلة الدم ومكلفة وخصوصاً في العراق.
ماذا تتذكر عن شبلي العيسمي؟
شبلي العيسمي من مؤسسي الحزب، وهو رجل نظيف ومناضل، ولم يقم بأي عمل يستحق اللوم عليه. لكن علته الوحيدة هي أنه كان يصطف إلي جانب عفلق في كل مرة تحدث مشكلة في الحزب، علماً أنه ليس من جماعة ميشيل عفلق.
ربما كان ينحاز إلي الشرعية؟
ربما. لكنه أصبح موظفاً في الحزب. وفي العراق صار موظفاً تماماً في حزب البعث. مثله مثل عبد الله الأحمر في سورية. مع أن شبلي العيسمي شخصية مهمة، ووالده كان الثاني في الثورة السورية الكبري بعد سلطان الأطرش.
ومنيف الرزاز؟
لا أعـرفه. منيف الرزاز كان يقيم في الأردن ويعمل طبيباً ويمارس مهماته في قيادة الحزب في الأردن. وقد استدعي إلي دمشق ليتسلم الأمانة العامة للحزب كتسوية. وكان وراء ذلك أحمـد سويداني رئيس المخابرات العسكرية الذي صار رئيساً للأركان وبإشارة من صـلاح جـديد. اللجنة العسكرية هي التي أتت بمنيف الرزاز، وجعلته أميناً عاماً. لم يصدق نفسه، مع أنه في البداية شكل كتلة حزبيـة مع منصور الأطـرش وجبران مجدلاني، وحاول أن يمارس دور القائد في الحزب. لكن صلاح البيطار قال لمنصور الأطرش في إحدي المرات: إذا كان صاحبك منيف الرزاز يظن نفسه أنه يُخطط ونحن ننفّذ، فهو غلطان جداً. منيف الرزاز لم يكن يستطيع الوقـوف في وجه ميشيل عفلق وصلاح البيطار في الحزب. ولأنه اعتقد أنه الأمين العام فعلاً، وقف ضد حركة 23 شباط (فبراير) 1966.
وكتب كتابه المشهور التجربة المرة .
لم يتفق مع هؤلاء ولا مع أولئك. أي أنه لم يتفق مع عفلق ولا مع صلاح جديد. وفي النهاية ذهب إلي العراق. في سورية سُجن فقط. أما في العراق فقتلوه.
هل مات مقتولاً حقاً؟
يقال مات مسموماً، ويقال إنه مرض ولم يعالجوه في الوقت الملائم. وبقي في الإقامة الجبرية إلي أن مات. ولا يعرف أحد كيف مات حقاً. صدام حسين كان يريد إعدامه، وبنصيحة من عفلق أبقاه في الإقامة الجبرية ولم يقدّمه إلي المحاكمة، وكذلك فعل بعبد الخالق السامرائي مؤقتا، لأنه عندما صار صدام حسين رئيساً، قام بالتصفية الدموية المشهورة لأعضاء القيادة فقتل عبد الخالق السامرائي في السجن من غير محاكمة بالطبع. أما ميشيل عفلق فصمت عن منيف الرزاز وعن غيره بل عن جميع جرائم صدام حسين وبررها وأيدها ببقائه أميناً عاماً للحزب، ومديحه لعبقرية صدام داخل الحزب وعلي الملأ في خطابات مذاعة ومتلفزة.
منصور الأطرش؟
منصور الأطرش قصة أخري، وأنا، في هذا المقام، أتردد بين نزاهة الرأي وعواطفي. عواطفي إيجابية أما رأيي فسلبي. خلاصة الرأي السلبي هو أن منصور الأطرش نشأ وقد اعتني بـه أبوه كثيراً، فعلمه أحسن تعليم، ودأب علي تعليمه منذ أن كان في المنفي قبل عودته إلي سورية. ومثل جميع الأطفال في القرية أرسله أبوه إلي الكتّاب وتعلم القرآن عند شيخ الكتّاب فأتقن العربية طفلاً. ثم جاء إلي سورية في سنة 1937 مع أبيه، وكان مراهقاً فأرسله والده إلي اليسوعية في بيروت، ودرس في القسم الداخلي حتي البريفيه فأتقن الفرنسية واللاتينية. وكان في الصف نفسه مع جبران مجدلاني، وكان جبران الأول علي صفه ومنصور الأطـرش الثاني. ثم عاد إلي دمشق ودرس المناهج السورية وحاز البكالوريا الأولي في معهد اللاييك وهو أهم معهد في دمشق في ذاك الوقت؛ معهد فرنسي لكنه علماني وليس مثل اليسوعية. ثم نال البكالوريا الثانية فـي فرع الفلسفة من مدرسة التجهيز. وبعد ذلك أرسله أبوه إلي الجامعة الأميركية فـي بيروت فنال البكالوريوس في العلوم السياسية وأتقن الإنكليزية إتقاناً تاماً. وبعد أن نال البكالوريوس في العلوم السياسية من الجامعة الأميركية في بيروت، سافر إلي باريس والتحق بجامعة السوربون ودرس القانون ثلاث سنوات. إنه رجل ذكي وحضوره لطيف جداً ووسيم ومتحدث لبق وكاتب جيد، ويتقن ثلاث لغات، كتابة وقـراءة وخطابة وتنكيتا. ويستطيع تقليد كلام سائقي التاكسي في باريس حتي تعتقد أنه ولد في أحد شوارع المدينة، وفـي الوقت نفسه يتحدث بلغة مولـيير و راسين. وقد دانت له المناصب العليا في الحزب والدولة. في أي حال ربما كانت لدي منصور الأطرش عقدة الأب. لأن سلطان الأطرش حينما توفي في سنة 1982 كان منصـور يقترب من الستين فهو مـن مواليد سنة 1925، ولو ظل منصور الأطرش يمارس حياته كرجل تقدمي ومثقف ومتعلم نهل العلم من المراكز الثقافية الكبري فـي الشرق الأوسط وباريس لكان تقويمي له أعلي. لكنه حاول أن يتساوي مع أبيه وهو يعلم أن والده قماشة لا نظير لها. أنا أعرف سلطان الأطرش جيداً، وأعـرف منصور الأطرش جيداً أيضاً. قماشة الزعيم ليس في إمكان أحد أن يفصلها علي قده. أما منصور الأطرش فيستحق أن يكون وجيهاً في قومه أو قائداً في حزبه. وقد روي عن لسان حافظ الأسد أنه قال: من أين لنا أن نأتي بفرنسيين يحاربهم منصور ليصير مثل أبيه؟! .
وزير مثلاً؟
وزير طبعاً. الوزراء أصغر منه، لكنه ليس زعيماً جماهيرياً. هذه لسلطان الأطرش. عندما ظهر شاربا سلطان الأطرش، كان هناك عشرة زعماء في جبل العرب أكبر منه. وعندما عاد من الجيش العثماني وكان والده قد أُعدم استلم مشيخة بلدته القرية فقط. وفي الجبل كان زعماء آل الأطرش أقوي منه وأكبر منه ومدعومين من الدولة. لكن، خلال عدة سنوات..
صار زعيم سورية؟
بالضبط. وراحت الناس تمشي وراءه بكل فخر. كان سلطان الأطرش يخاطب عبد الغفار الأطرش بكلمة عمي وعبد الغفار يمشي وراءه لا إلي جانبه، سياسيا طبعا. وقد قال عبد الغفار الأطرش مرة بعد أحد الاجتماعات العامة مخاطباً أم منصور زوجة سلطان: نحن لا نسير خلف زوجك ولكن خلف السرّ الذي وضعه فيه الإله . ولعمري ما هو هذا السر غير مؤهلات الزعامة؟!. شخصيته شخصية زعيم حقيقي. أما الظروف التي صنعته، فهي ظروف تلك المرحلة: تركيا والثورة العربية والثورة علي فرنسا ثم معارضة فساد الحكومات الوطنية في سورية والدكتاتوريات العسكرية. ستون سنة من النضال أعطت اسمه لمعاناً وهيبة لا تضاهي.
هل كان منصور الأطرش يسعي فعلاً إلي أن يكون زعيماً في حجم والده؟
تصرفاته كانت تدل علي ذلك، ومن حرصـي ومحبتـي أخلصت له النصيحة. وفي الذكري السنوية الأولي لوفاة أبيه نشرت في مجلة المستقبل (26/3/1983) مقالة بعنوان سلطان الأطرش.. رمز وطني قلت فيها: المجد هبة شعبية لمن أهّله تكوينه الشخصي للزعامة في الظروف الحالكة، فهو هالة معنوية تحيط بهامة مستحقها في حياته، وتقترن باسمه بعد وفاته. إنها لا تزول ولا تورّث . لكنه بعد وفاة والده وعمه زيد الأطرش استقر في الجبل كأحد زعماء آل الأطرش.