مذكرات د. علاء بشير طبيب صدام حسين الخاص(5)

عاصفة الصحراء

في مساء الأول من فبراير من عام 1991 كنت جالسا إلي المائدة مع زوجتي وأبنائنا الثلاثة وابنتي، حينما سقطت القنابل علي بغداد، وحيث كانت القذائف تنفجر في كل مكان. لم يكن هناك كهرباء لفترة طويلة، وكنا لا نزال نجلس علي ضوء الشموع كما كانت الحال دائما في غرفة في وسط المنزل. إما أن ننجو في هذه الليلة، أو أن العائلة كلها ستقضي نحبها سويا، إذا أتي الدور علينا. وهكــذا ربمــا كان مــن الأفضل ــ كما دار الفكر بنا ــ أن نفعل مثل كثير من العائلات التي دفع الخوف بأفرادها إلي البحث عن الملاذ فيما بين أنفسهم.

ارتجاج عنيف

كان دوي قاذفات القنابل معدني الرنين فوق رؤوسنا أشبه بصوت مثقاب طبب الأسنان المصم للآذان. بعدها سُمع صوت الانفجارات. تهشمت النوافذ، وارتج بيتنا ارتجاجا عنيفا. كشفت صفارات الإنذار أن سيارات الإسعاف كانت في طريقها إلي القتلي والمصابين.

كانت هجمات الطيران العنيفة قد بدأت قبلها بأربعة عشر يوما تمهيدا لعملية «عاصفة الصحراء» التي كانت رد الأمم المتحدة علي غزو الكويت في أغسطس من العام السابق. كان الهدف هو طرد جنود صدام من الكويت، ولكن قبلها عزمت قوات التحالف، التي كانت تجري استعداداتها في المملكة العربية السعودية، بمختصر العبارة علي قصف كل شيء بالقنابل، المراكز العسكرية الرئيسية للعراق، مراكز القيادة المركزية والمطارات، والمباني الإدارية للحكومة، والوزارات، ومراكز الاتصال، والشوارع، والجسور ومحطات الطاقة.

أمر بالتوجه إلي المستشفي

في هذه الليلة من ليالي الحرب لم يدم تناول الطعام مع الأسرة طويلا. في الساعة العاشرة والنصف طرق اثنان من حرس صدام الخاص بابي. كان معهما سائق. كانوا مضطربين عصبيا وأمروني بالتوجه معهم فورا إلي مستشفي ابن سينا.

اخترقنا بسرعة شديدة شوارع مدينة بغداد الغارقة في الظلام. لم تكن رؤية أي شيء ممكنة إلا عندما كانت إحدي القنابل أو أحد الصواريخ ينفجر علي مقربة منا. كنت علي ثقة بأن هذا المشوار سينتهي بكارثة، وشكرت الخالق عز وجل عندما وصلنا إلي هدفنا بلا خدوش.

كان المستشفي محاطا بالجنود. الممرات أيضا كانت تعج بهم. عندما سجلت اسمي في دفتر الحضور أصاب صاروخ البناء المبني من الطوب الذي اتخذه جهاز الأمن للرئيس مقرا له، والذي كان لا يبعد سوي بضع مئات من الأمتار عن مستشفي ابن سينا. كان الانفجار شديدا للغاية حتي أن عديدا من النوافذ في ناحية من نواحي المستشفي قد تطايرت إلي الداخل. في غرفــة العمليــات الواقعة في الطابق الأرضي كان يرقد صدام. كان منظر وجهه لا يسر عدوا أو حبيبا.

«رجوتهم ألاّ يفعلوا شيئا حتي تأتي»، قالها صدام مضيفا: «لقد تعرضت لحادث سيارة».

كان الرئيس شاحب الوجه وملطخا بالدماء، غير أنه كان هادئا، رابط الجأش.

دار الحديث عن اصطدام سيارة صدام في تقاطع مع سيارة أخري في الظلمة الحالكة لبغداد. كان نصف وجهه الأيسر تحديدا قد تعرض للإصابة. كان يسيل الدم منه من جرح في جبهته وسحجة في خده الأيسر. كان هناك قطع أكثر غورا في ذقنه حتي العظم.

كانت أُنملة الخنصر الأيمن للرئيس تكاد تكون مقطوعة، فقد أخذت تتأرجح علي كفه هنا وهناك، وقد تعلقت فقط بطبقة رقيقة من الجلد. أما الظفر فلم يكن موجودا. بعد أن نظفت الجراح، وأمرت بإجراء أشعة علي الرأس واليد اليمني بدأت ــ بعد أن خدرته موضعيا ــ في ترقيع جروح الرئيس. أعدت أنملة الخنصر إلي مكانها، خيطتها بإحكام ووضعت جبيرة علي الأصبع. بعدها وضعت له ضمادة.

مقابلة بريماكوف

سألني: «هل تستطيع أن تتجنب وضع ضمادات علي وجهي»؟

أجبته بالإيجاب، وقلت له إنني أستطيع أن أخيط بعض الغرز الصغيرة تحت أول طبقة خارجية للجلد، بحيث لا يكاد يري شيء.

«يجب أن تعرف أنني سأقابل غدا بريماكوف، ولا أريد أن تظهر جراحي في الصور التلفزيونية التي ستبث في العالم كله».
كان يفغيني بريماكوف ، وكان مستشار السياسة الخارجية للرئيس السوفيتي ميخائيل غورباتشوف، قد توجه إلي بغداد في مهمة خاصة تتمثل في دفع العراق للانسحاب من الكويت والتوصل الي حل سلمي يرضي عنه صدام دون أن يفقد ماء وجهه.

كان يتحدث العربية وتعرف علي صدام في الستينات عندما كان يعمل مراسلا صحفيا في الشرق الأوسط لجريدة الحزب «برافدا». كان يحظي بثقة كبيرة، ليس في بغداد فحسب، بل إن عاهل الأردن الملك حسين والرئيس السوري حافظ الأسد كانا يستأنسان بمقترحات بريماكوف.

لم يجرح في هذا الحادث الرئيس العراقي فحسب، بل أيضا حارسه الخاص، وزوج ابنته صدام كامل. فقد أصيب بجرح نافذ في شفته السفلي، حيث يمكن رؤية أسنانه من خلاله.
«هل تستطيع أن تعتني به هو الآخر»، سأل حماه.

أجبت قائلا: «بالطبع».

اهتمام بصدام كامل

كنت منهمكا في الإعداد للعملية حينما ظهر الرئيس عند الباب.

«هل يمكن لي أن أدخل»؟

«تفضل».

جلس وأخذ بيد صدام كامل.

«اعمل علي إخفاء الندبة بقدر ما تستطيع».

طوال العملية التي استغرقت ما يقرب من الخمس والأربعين دقيقة كان صدام يمسك بيد زوج ابنته. لم أره يفعل مثل هذا الشيء مع أي من أقربائه من قبل ولا من بعد.

سميرة الشهبندر

كان لا يزال هناك في السيارة المنكوبة أشخاص آخرون. ما إن انتهيت من صدام كامل حتي اختلي الرئيس بي جانبا وطلب مني أن أتوجه بأسرع ما يمكن إلي مستشفي الكاظمية في بغداد.

قال لي: «هناك ترقد مواطنة أُصيبت هي الأخري في الاصطدام. أرجو أن تعمل قصاري جهدك من أجلها إذا تكرمت».

كان هناك واحد من الحرس الخاص للرئيس يقف أمام غرفتها عندما وصلت إلي هناك. أدركت علي الفور أن الأمر لا يمكن أن يكون له علاقة بأي مواطنة عادية؛ كانت شقراء، زرقاء العينين، ما بين الأربعين والخمسين.

الرئيس كلفني

كانت عظمة الخد اليسري مكسورة، كما كان هناك جرح قطعي غائر في جبهتها. أعددت كل شيء حتي يتسني إجراء الجراحة لها في صباح اليوم التالي، وحكيت لها أن الرئيس كلفني أن أعتني بها علي قدر طاقتي. عندما كنت في غرفتها سألت الحارس الخاص إذا كان في إمكانه توفير بنزين لسيارتي. في هذه الأيام العصيبة من أيام الحرب كان من شبه المستحيل العثور علي وقود.

قالت السيدة وهي تنظر إلي الحارس: «وفر له خمسين لترا». في هذه اللحظة أدركت أنها علي علاقة أكثر حميمية بصدام عما كنت أظن في بادئ الأمر. كانت سميرة الشاهبندر، الزوجة الثانية للرئيس.

زوجة رئيس الشركة

تقابل الاثنان بالمصادفة في بداية الثمانينات. كانت شركة الخطوط الجوية العراقية قد اشترت آنذاك طائرة جامبو عملاقة. اصطحب رئيس الشركة في لندن زوجته إلي بغداد لكي تشهد مراسم تسليم الطائرة وما يليها من احتفال. وكان عليه ألاّ يفعل ذلك؛ فقد وضع صدام عينيه عليها.

كانت هناك اشاعات، غير أن قليلين كانوا يعرفون عن الصديقة الجديدة للرئيس. حتي ولداه عدي وقصي لم يكونا يعلمان بالأمر، لكنهما كانا يشكان أن والدهما قد عاد الي الحب من جديد. أضاف إلي مقتنياته سيارة ليموزين كبيرة لها جدار معتم عازل للصوت يفصله عن السائق والحارس الخاص.

ظافر محمد جابر ــ صديق عدي وسكرتيره الخاص ــ كان له أقارب يقيمون علي مقربة من السفارة الصينية في حي العامرية الذي يبعد كثيرا عن القصر الجمهوري. كانت سميرة الشهبندر قد انتقلت للإقامة في منزل يقع قريبا جدا من هناك.

شيئا فشيئا بدأ الحديث يكثر بين الجيران يتحدثون بطبيعة الحال عن المرسيدس الكبيرة والحرس الخاص اللذين كانا يقلانها باستمرار. كما لم يغب عن الجيران أيضا الطريقة التي عادت بها بعد العملية في عظمة الخد المكسورة من المستشفي إلي البيت.

عدي يربط الأحداث

في أحد الأيام كان جابر ومعه عدي في زيارة لأقاربه. بدآ في الحديث عن الجارة المضمد وجهها التي أعادها الحرس الخاص للرئيس إلي المنزل. كان يبدو عليها أنها تعرضت لحادث. لم يدم الأمر طويلا حتي ربط ابن الرئيس الأحداث بعضها ببعض.

«لقد جرحا في الحادث نفسه».

طبقا لما رواه جابر توجه الاثنان بعدها مباشرة إلي أحد أماكن إقامة قصي قريبا من القصر الجمهوري، حيث روي عدي لأخيه ما اكتشفه.

قال عدي: «أظن أن والدنا يلعب بذيله كما نفعل نحن تماما».

رد عليه قصي قائلا: «إياك أن تخرج منك كلمة عن هذا الموضوع».

سرعان ما تحولت بغداد إلي مدينة للأشباح بعدما بدأت الهجمات الجوية وبعدما خلت الشوارع من المارة.

طلقات تصيب المنازل

ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع. إن القذيفة التي تطير في الهواء تتميز بتأثيرها القاتل عندما تنزل مرة أخري إلي الأرض. كل مرة كانت فيها الطائرات الأميركية والبريطانية تظهر في السماء، كان رجال المدفعية يبدأون عملهم. في العادة كانت تستعمل مدافع رشاشة ثقيلة. علي الرغم من أن مدي التأثير لهذه الرشاشات كان مضحكا قياسا إلي بعد الأهداف، فإن الجنود الذين كانوا يشكلون طواقم هذه الرشاشات كانوا يطلقون النار. كانوا يتتبعون الطائرة بنيرانهم إلي أن تختفي في الأفق، دون أن يضعوا في حسبانهم أن مسار القذائف كان منخفضا للغاية حتي أن الطلقات كانت في الغالب الأعم تصيب المنازل. كانت إصابات معظم الجرحي الذين كانوا ينقلون إلي مستشفي الواسطي والمستشفيات الأخري هي من طلقات عراقية.

احتلال الكويت

آن الأوان لنا نحن العراقيين أن نحصد الثمار المرة التي زرعها صدام بالاشتراك مع علي حسن المجيد، وقصي، وحسين كامل. أمر الرئيس باحتلال الكويت. تولي ابن عمه علي حسن المجيد ، وابنه الأصغر قصي ، وزوج ابنته إرسال القوتين الخاصتين للرئيس ــ أي الحرس الجمهوري والقيادة الخاصة للحرس الجمهوري ــ عبر الحدود إلي تلك الإمارة الصغيرة، غير واضعين في حساباتهم أن العراق سيواجه المشاكل مع الولايات المتحدة الأميركية ومعظم الدول الأخري.

كان علي حسن المجيد هو القائد الأعلي، بينما كان حسين كامل نائبه. طبقا لأقوال نزار الخزرجي فإنه لا وزير الدفاع عبد الجبار شنشل ولا هو بصفته رئيس أركان الجيش كان لديهما علم مسبق بهذا الهجوم.

روي لي الفريق الركن نزار الخزرجي فيما بعد الآتي: «لم نعرف بالأمر إلا عن طريق أخبار الصباح في المذياع».

جيش مستقل

هكذا كان هيكل السلطة العسكرية في العراق. كان الحرس الجمهوري مستقلا استقلالا تاما، ولم يكن وزير الدفاع ورئيس أركان الجيش يبلغان بعمليات القوات الخاصة. فإذا ما طرحا الأسئلة كان الرد هو انعدام الثقة، وكان هذا في اسوأ الأحوال يرتبط بحياتهما.

في صيف عام 1990 كان العراق يواجه مشاكل اقتصادية متزايدة الضخامة. أدت الحرب ضد إيران التي استمرت ثمانية أعوام، والمبالغ الباهظة التي دفعت لشراء الأسلحة والذخائر وغيرها من مواد الحرب التي كانت ضرورية لهذه الحرب إلي إغراق النظام الحاكم في الديون التي لم يكن من سبيل إلي الفرار منها إلا بزيادة العائدات من بيع النفط. غير أن فتح صنابير النفط لم يكن له أي معني ما لم تنجح منظمة أوبك في منع تدهور جديد لأسعار السلعة التصديرية الأهم والوحيدة تقريبا لصدام.

كان النصف الثاني من الثمانينات صعبا علي المنظمة. حيث كان الإنتاج العالمي للنفط أعلي من الطلب عليه، كما أن كثيرا من الدول الأعضاء في المنظمة كانت تغش وتنتج نفطا أكثر مما هو متفق عليه في اجتماعات وزراء النفط في جنيف وفيينا. وصلت أسعار النفط إلي أدني مستوي لها، ولم ترتفع الأسعار مرة أخري إلا عندما عملت السعودية وإيران معا علي تحقيق الانضباط في صفوفهما وعلي تخفيض إنتاجهما. غير أن الكويت كادت تفسد الأمر الآن؛ فقد كانت الإمارة تنتج مجددا ما يزيد علي المتفق عليه، كما طالب وزير النفط الكويتي، عندما تقابل هو وزملاؤه من الدول الأعضاء الأخري في اجتماع الشد والجذب في يوم الخامس والعشرين من شهر يوليو في جنيف، أن تمنحه أوبك حصة جديدة وأكبر من الإنتاج. غامرت الكويت بكثير من الأمور. في اجتماع قمة الجامعة العربية في بغداد في الشهر الذي سبقه وجه إليها صدام تحذيرا واضحا: إذا استمرت الكويت في تجاوز الحصة المقررة من الإنتاج فإنه سيعتبر هذا إعلانا للحرب.

وعلي الرغم من ذلك لم يعتقد سوي قليلين أن الرئيس العراقي سيكون جادا في تهديده، عندما أرسل 30 ألفا من جنود القوات الخاصة إلي الحدود مع الكويت، وذلك قبل اجتماع منظمة أوبك في جنيف. وعندما هدَّأت الكويت من ثورة العراق في اجتماع وزراء النفط، وتعهدت بتحسين الأمور، ووعدت أنها ستلتزم في المستقبل بحصص الإنتاج التي قررتها المنظمة خفت حدة التوتر بشكل واضح.

علاوة علي ذلك عادت المفاوضات المباشرة مرة أخري بين العراق والكويت بوساطة من السعودية. كانت المفاوضات متعلقة بمسار الحدود، أسعار النفط، والديون الكبيرة التي تراكمت علي بغداد لدي الكويت في أثناء الحرب ضد إيران. ظننا كلنا أن صوت العقل قد انتصر، وتنفسنا الصعداء .

2 أغسطس

لكننا تعجلنا الفرحة. في يوم الثاني من أغسطس في الساعة الثانية صباحا والساعات التي تلتها عبر الحرس الجمهوري ـ والقوات الخاصة التابعة له ـ الحدود في اتجاه الكويت بمساندة من الطائرات ومن المروحيات. لم يلق الغزو سوي مقاومة محدودة. كان قائد سرب المروحيات في الحرس الجمهوري هو اللواء حكم التكريتي، وهو واحد من أصدقائي القدامي الذين تعرفت عليهم حينما كنت أؤدي خدمتي العسكرية في منتصف الستينات كمسؤول صحي في قاعدة الحبانية الجوية الواقعة بين الفلوجة والرمادي شمال غرب بغداد.
قبل الهجوم تم استدعاء كل طياري المروحيات إلي حسين كامل لتوزيع الأوامر. كان حسين كامل مشاركا مشاركة رئيسية في التخطيط دون أن يكون لديه أي خلفية عسكرية تستحق الذكر عن هذا النوع من المهام. «أريدكم أن تطيروا في أثناء الهجوم طيرانا منخفضا بقدر الإمكان. غير مسموح لكم أن تطيروا علي ارتفاع يزيد علي الخمسة عشر مترا»، قالها زوج ابنة صدام.

اعترض حكم التكريتي: «لا يمكن أن ننزل إلي هذا الارتفاع دون أن نثير زوبعة من رمال الصحراء والتراب، إذ إن الرؤية ستكون عندها معدومة تماما. ولن نتمكن وقتها من رؤية أي شيء من كابينة القيادة».

سأله حسين كامل مستنكرا: «لماذا تحاول أن تثبط من همم الطيارين»؟

أجابه اللواء حكم التكريتي: «هذا ليس قصدي. كل ما هنالك أني أخاف أن أفقدهم في حال ما إذا طاروا أقل من خمسة عشر مترا ارتفاعا».

فرض زوج ابنة صدام إرادته، كما روي لي حكم التكريتي عندما قابلته بعد انتهاء حرب الخليج.

في غضون الساعة الأولي من الغزو سقطت 58 طائرة، إما لأنها اصطدمت بعضها ببعض أو اصطدمت في ظل الرؤية السيئة بأسلاك الضغط العالي.

أعمال نهب واسعة

في بغداد ارتفع المديح في قنوات الإذاعة والتلفزيون وفي الجرائد التي تسيطر عليها الدولة جميعا حتي بلغ عنان السماء تمجيدا للاحتلال علي أنه ضربة عبقرية تكتيكية استراتيجية للرئيس، أما في الكويت فقد بلغت أعمال النهب الواسعة حدا يقترب من هذا الذي نعرفه من العصور الوسطي. قاد علي حسن المجيد المسمي بـ «علي الكيماوي» وسبعاوي التكريتي هذه الأعمال، فقد عُين الأخير حاكما علي المحافظة العراقية الجديدة.

لم تستطع عائلة الصباح ونخبة الكويت أن يأخذوا معهم الكثير عندما دقت صفارات الإنذار. مع أول خيوط الفجر اُضطروا إلي التوجه إلي المملكة العربية السعودية في عجلة شديدة من أمرهم. تملكت الدهشة الشديدة علي حسن، وسبعاوي، وبشكل أو بآخر أيضا حسين كامل، وقصي عندما أخذا يتنقلان بحرسهما الخاص من قصر إلي آخر، ومن منزل إلي آخر، وأخذا يجمعان كل ما تركه الكويتيون المتخمون ثراء من الذهب، والألماس، والأموال وسيارات الليموزين الفارهة، والأثاث الإيطالي رفيع المستوي، حيث نقلت قافلة من سيارات النقل هذه الأســلاب إلي بغــداد. أما الضبــاط ذوو الرتــب الصغــيرة ورجــال الأعمــال العراقيون المغامرون الذين تدافعوا علي الكويت فقد وضعوا أياديهم علي ما ترفع عنه علية القوم.

غير أن صدامًا أمر بعدها باعتقال وتصفية بعض الضباط الجشعين، أما اللصوص الكبار، أي أقاربه، فقد نجوا بفعلتهم.

سرقة المستشفيات الكويتية

كان عبد السلام محمد سعيد في زمن الغزو والنهب هو وزير الصحة. وتنفيذا للأمر اتصل بي في مأموريتي كمدير لمستشفي الواسطي وأخبرني أننا نحن أيضا علينا التوجه إلي هناك.

«هناك في الكويت مستشفي فيه وحدة جديدة تماما لإصابات الحروق مجهزة تجهيزا راقيا. يجب أن تسافر إلي هناك وتري ما قد يحتاجه مستشفاك».

لم أسافر إلي هناك. بعدها بأسبوعين اتصل بي وزير الصحة من جديد.

«هل ذهبت إلي هناك»؟

«لا».

«ولم لا»؟

«لم أستطع إرغام نفسي علي فعل ذلك. اسأل أحدا غيري».

لم يكن جميعنا بمثل ترددي. كثير من زملائي نفذوا بلا تردد مطلب وزير الصحة وسافروا إلي الكويت، ضاربين بالاعتبارات الأخلاقية عرض الحائط، حيث أخذوا معهم إلي العراق من المستشفيات والمرافق الصحية كل الأدوية، والتجهيزات الصحية الفنية، والأدوات، وغيرها من الوسائل المساعدة. كان رئيس نقابة الأطباء العراقيين نفسه المرحوم الدكتور راجي التكريتي قد نفّذ أمر تجريد نقابة الأطباء في الكويت من كل الكتب العلمية، والمجلات الطبية، والكراسي، والمكاتب والحاسبات الإلكترونية. وهذا الشيء نفسه قام به الأساتذة والعلماء في جامعاتنا وغيرها من المعاهد العليا ما إن وطئت أقدامهم المؤسسات العلمية وأماكن الدراسة في الكويت. هم أيضا تلقوا التوجيهات من وزرائهم بالسفر إلي هناك وأن يأخذوا راحتهم.

رئيس نقابة الأطباء العراقيين ــ والشيء بالشيء يذكر ــ لم يستمتع كثيرا بما سلب. فقد قدم للمحاكمة، هو ومجموعة من الضباط الذين شك صدام في أنهم يخططون لانقلاب ما، حيث أعدم د. راجي التكريتي مع هؤلاء الضباط.

الـحشد الدولي

كان لا بد أن ينتهي الأمر بأهوال؛ ففي يوم الغزو ذاته ندد مجلس الأمن الدولي بالاجتياح العراقي وطالب بالانسحاب الكامل. بعد ذلك بأربعة أيام فرض مجلس الأمن عقوبات اقتصادية شاملة ضد العراق. أرسلت الولايات المتحدة قواتها إلي السعودية للدفاع عن المملكة إذا ما أمر صدام قواته بمواصلة الزحف من الكويت في اتجاه الجنوب. كانت تنتظرنا من جديد حرب كبيرة، تسيل فيها الدماء أنهارا.

في يوم الثامن عشر من سبتمبر، أي بعد شهر ونصف الشهر من احتلال الكويت، استدعي صدام القيادة العامة للقوات المسلحة لمناقشة الوضع. وعندما أصبح جليا أن الولايات المتحدة الأميركية ستلجأ إلي قوتها العسكرية الهائلة لطرد صدام من الكويت، ما لم يأمر بنفسه بسحب الجنود غير المشروط. كان هناك أكثر من ثلاثين دولة راغبة في المشاركة بطائراتها، وسفنها الحربية، وقواتها في التحالف، وعملية الأمم المتحدة التي عمدها الأميركان باسم «عملية عاصفة الصحراء».

الـخزرجي ينصح بالانسحاب

كان رئيس أركان الجيش نزار الخزرجي هو أول المتحدثين. وضح للرئيس أن أفضل شيء للعراق هو سحب الجنود فورا.

قال: «لقد لقنّا الكويت درسا، ولذلك فإنه ليس من الضروري البقاء هناك لفترة أطول».

«الوضع واضح. إنهم يتفوقون علينا حتي من وجهة النظر الفنية فقط تفوقا هائلا. بالإضافة إلي ذلك فإن طرق الإمدادات بالنسبة إلينا طويلة للغاية. فإذا ما بقينا في الكويت تعرضنا لخسائر فادحة».

جن جنون صدام من الفريق الركن الخزرجي.

«أيعني هذا أنك لا تريد أن تقاتل»؟

«لا يا ريس. أنا جندي وسأطيع الأوامر التي ستوجهها إلي».

نهض الرئيس وغادر المكان دون أن ينبس ببنت شفة. في صباح اليوم التالي سلمه أحد الضباط خطابا من صدام.

كتب صدام في الخطاب: «يؤسفني أن أخبركم أنكم بوصفكم رئيس أركان الجيش أصبحتم غير مرغوب فيكم. أشكركم علي مجهوداتكم في الخدمة، ومستقبلا ستكونون في خدمة مكتبي كمستشار».

لم يفهم الخزرجي تماما ماهية وظيفة المستشار التي كان من المقرر أن يؤديها، ومن ثم فقد اتصل برئيس ديوان رئاسة الجمهورية.

«هذا يعني أنك ستظل في بيتك. وفي حالة ما إذا احتجنا لنصيحتك سنتصل بك».