السلام المفقود (2)

ـ في قمة واي: كلينتون دفع نتنياهو لقبول فكرة أنّ من مصلحته خروج عرفات قويّاً لا ضعيفاً

قلت لعرفات: كافة مستشاري كلينتون طلبوا منه تأجيل القمّة لما بعد انتخابات الكونغرس لكنّ الرئيس أصغى إلينا لا إلى مستشاريه فلا تخذله

* قمّة واي
* كان من المنتظر أن تبدأ قمّة واي في 15 أكتوبر (تشرين الأول). وكانت انتخابات نصف المدّة على بعد أسبوعين ونصف الاسبوع. كيف يمكن أن يتأثّر الديمقراطيّون بفضيحة لوينسكي؟ ومتى يستطيع الرئيس أن يلحق بركب الحملة الانتخابيّة ويساعد مرشّحي الولايات والمرشّحين المحليّين؟ كان النافذون في البيت الأبيض متلهّفين لمشاركة الرئيس في الحملة، لأنّ الكثير من المرشّحين الديمقراطيّين راغبون في حضوره ولم يديروا ظهورهم له. وكثيراً ما سمعت في الأيام التي تلت أنّ علينا إنهاء القمّة للسماح للرئيس بالتأثير على وقائع الانتخابات.

* اليوم الأول

* كان من المقرّر أن يلتقي الرئيس بالزعيمين في البيت الأبيض قبل التوجّه إلى مزرعة واي ريفر على الشاطئ الشرقيّ لخليج تشيسبيك. وكان هدف الاجتماع الابتدائيّ مراجعة القواعد الأساسيّة للقمّة: كنّا بصدد فرض تعتيم إعلاميّ جديد، كان الناطقون الصحافيّون الأميركيّون فقط هم الذين سيصدرون بيانات يوميّة بالتنسيق مع الجانبين، ولن يتمّ الاتفاق على شيء إلى أن يتمّ الاتفاق على كل شيء، وكنّا سنقدّم نصّنا عندما نشعر بأنّنا فعلنا كل ما بوسعنا للوفاء باحتياجات كل من الجانبين. وقد أضاف هذا الاجتماع بعداّ دراميّاً، ولا شكّ في أنّه أعطى الفلسطينيّين الشعور بأنّهم «وصلوا»، بأنّهم قدموا إلى المكتب البيضويّ على قدم المساواة مع الإسرائيليّين، وهو أمر سعوا إليه وأكّدوا عليه، لكنّه شيء، ساورتهم شكوك طويلة بأنّهم سيتمكّنون من تحقيقه بالفعل. أردت أن أجيد هذه الدراما مع ياسر عرفات، وبخاصة أنّني رأيت في ذلك الطريقة التي ستدفعه على الأرجح إلى التقدّم في المضمون. وقد انطبقت سيكولوجيا المعاملة على قدم المساواة على المسائل الأمنيّة. كان التبادل هو المصطلح المفضّل لدى بيبي [نتنياهو]، لكنّ عرفات أراد أن ينطبق على الأمن أيضاً، وأراد ، كما أشار دحلان مراراً ، أن تتخذ إسرائيل إجراءً ضدّ المستوطنين الذين عمدوا إلى تطبيق القانون بأنفسهم ضدّ الفلسطينيّين، ونادراً ما كانوا يعاقبون. إذا كان الفلسطينيّون سيقومون باعتقال الفلسطينيّين، هل سيتحرّك الإسرائيليّون ضدّ المستوطنين «الأشرار»؟ ولما كنت أعرف أنّ هذا ما يدور في ذهن عرفات، طلبت من جمال أن يقابل عرفات قبل الاجتماع في البيت الأبيض لينقل إليه اقتراحاً منّي. كان اقتراحي أن يثير عرفات قضيّة عنف المستوطنين مع بيبي على العشاء في المساء أمام الرئيس. ففي هذا الجوّ الخصوصيّ والمسترخي، يجب أن يقول لبيبي، «من العدل والصواب بوصفك رئيس وزراء إسرائيل أن تعرف دقائق الخطط الفلسطينيّة لمحاربة الإرهابيّين نظراً لأنّ حياة الإسرائيليّين معرّضة للخطر. ولسوف نقدم على ذلك لأنّه الصواب. ولكن مثلما عليك أن تتحمّل المسؤوليّة أمام شعبك، عليّ أيضاً أن أتحمّل المسؤوليّة أمام شعبي عندما يدوس مستوطن على جمجمة صبيّ في العاشرة أو يطلق النار على فتى في السادسة عشرة، ومن العدل والصواب بالنسبة إليّ أن أطّلع منك على خطّتك لحماية شعبي».

أردت بهذه الفكرة أن أظهر لعرفات أنّنا حسّاسون تجاه مخاوفه، ونفكّر في كيفيّة معالجتها، في حين أذكّره أيضاً ببراعة بمسؤوليّاته تجاه الإسرائيليّين. ولا أدري إن كان «قد أدرك» أيّ شيء، لكنّه قدّر الرسالة بشكل واضح. فقبيل دخوله المكتب البيضاويّ توجّه إليّ في غرفة الحكومة وطوّقني بذراعه وشكرني على إرسال جمال مع اقتراحي. وللاستفادة من هذه السانحة والتشديد على أهميّة الاستجابة من الرئيس، قلت، «حضرة الرئيس، هذا ثالث رئيس أعمل معه، وليس هناك من يهتمّ بهذه القضيّة مثل اهتمام بيل كلينتون. لقد طلب منه كافّة مستشاريه عدم القيام بذلك [عقد القمّة] إلى ما بعد انتخابات الكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) . لكنّ الرئيس أصغى إلينا، لا إلى مستشاريه السياسيّين، فلا تخذله». استمع عرفات وأمسك بيدي وأومأ برأسه. كانت لغة جسده تبشّر بالخير، لكنّنا كنّا على وشك أن نعرف إن كانت الرسالة قد وصلته.

***

حان وقت العمل. بعد أن جرت مقابلة بيبي أوّلاً في البيت الأبيض صباحاً، قرّرنا أن نعكس الترتيب وأن يلتقي الرئيس أوّلاً بعرفات في واي صباحاً. وفيما كان الرئيس ملتقياً بعرفات، جلست أنا ومادلين مع بيبي. التزم الرئيس مع عرفات بالخطّة الابتدائيّة إلى حدّ كبير. فضغط على عرفات لإنهاء خطة العمل الأمنيّة، وعندما تصبح هذه الخطّة بيده يمكننا السعي للتأثير على الإسرائيليّين للاستجابة لاحتياجات الفلسطينيّين. وبدونها لن يكون لدينا ما نضغط به على الإسرائيليّين. انضمّ جورج تنيت إلى الاجتماع وقال عرفات للرئيس، «إنّنا نعمل مع جورج تنيت وسوف نقوم بما هو ضروريّ». كل شيء يسير بشكل حسن حتى الآن.

في هذه الأثناء، ضغطنا أنا ومادلين على بيبي لكي يضع انتقال 14.2 بالمئة من أراضي المنطقة «ب» إلى المنطقة «أ» في جيب الفلسطينيّين ويبحث إعادة الانتشار الثالثة بشكل غير رسميّ مع أبي مازن وأبي علاء ـ الأولى لكي يكون لدى الرئيس ما يعرضه على عرفات عندما تدعو الحاجة إلى الاستمالة لا الضغط فقط ، والثانية للحيلولة دون أن تعطّل الخلافات بشأن إعادة الانتشار الثالثة مفاوضات الوضع الدائم. لكنّ بيبي لم يستجب إلى نسبة الـ 14.2 بالمئة ورفض بحث إعادة الانتشار الثالثة مع أبي علاء وأبي مازن مخافة أن يدخل في مفاوضات بشأنها. لكنّه قال إنّه مستعدّ للتحدّث بشأنها بشكل غير رسميّ مع عرفات على العشاء في وقت لاحق من تلك الليلة.

* روس : مزاعم سخيفة من عرفات أغناني أبو مازن عن الرد عليها

* حان الآن وقت لقاء الرئيس ببيبي، وتوجّهت أنا ومادلين لمقابلة عرفات. أثرت أهميّة التوصّل إلى تفاهم بعدم السماح لإعادة الانتشار الثالثة بتعطيل مفاوضات الوضع الدائم. استمع عرفات فحسب دون الإدلاء بأيّ ردّ. وعندما أبلغته أنّني أعرف بأنّه يتعاون مع جورج تنيت بشأن خطّة العمل، أومأ برأسه موافقاً. وبقدر أهميّة ذلك، كنّا بحاجة إلى ردّ رجاله على نصّنا بخصوص الوضع الأمنيّ، وكنت أريد أن أستمع إلى اقتراحات دحلان التي يفترض أن يقدّمها إليّ.

هنا ارتكبت خطأ ، فقد ظهر بسرعة أنّ دحلان لم يبلغ عرفات بحوارنا على الشاطئ. فردّاً على إشاراتيّ الغامضة إلى التدقيق الأمنيّ وجمع الأسلحة، زعم عرفات بأنّ الإسرائيليّين يعتمدون سياسة الباب الدوّار بشأن الإفراج عن المعتقلين، وأنّهم مسؤولون عن الأسلحة غير القانونيّة في الأراضي (المحتلّة). هنا تدخّل أبو مازن بسرعة إدراكاً منه أنّني سأردّ على مثل هذه الملاحظات السخيفة الصادرة من عرفات قائلاً إنّ الفلسطينيّين سيقدّمون اقتراحاتهم لنا. أجبت قائلاً، «حسناً، لكن يجب أن تكون واقعيّة وإلا لن نتمكّن من استخدامها». لم يكن بوسعي أن أدع تعليقات عرفات تمرّ دون الردّ عليها تماماً. أدرك أبو مازن الأمر ولم يقل عرفات شيئاً.

أنهينا اجتماعنا لكنّنا وجدنا أنّ الرئيس لا يزال مختلياّ مع بيبي. وعندما ظهر قدّم لنا موجزاً عن الاجتماع. رغم أنّنا شدّدنا قبل الاجتماع على وجوب أن يضغط للحصول على نسبة 14.2 بالمائة من بيبي، إلا أنّ الرئيس، رغم إثارته لهذا الأمر، سلك طريقاً مختلفاً لدفع بيبي إلى قبول فكرة أنّ من مصلحته خروج عرفات قويّاً لا ضعيفاً من هذه القمّة. فلو خرج عرفات ضعيفاً لن يتمكّن من تنفيذ ما يحتاج إليه بيبي، لكنّه سيتعرّض لضغوط من أجل الإعلان الأحاديّ عن إقامة الدولة في 4 أيار (مايو) 1999، وهو موعد نهاية الفترة الانتقاليّة التي يدعو إليها إعلان المبادئ. وقد وصف الرئيس بيبي بعد خروجه من مباحثاته الفلسفيّة معه بأنّه متجاوب.

رغم أنّني شعرت بأنّ ما فعله الرئيس مع بيبي كان مفيداً، إلا أنّني كنت أفضّل أن يضغط بشدّة للحصول على نسبة 14.2 بالمائة في إعادة الانتشار. لكن في حين أنّني كنت أركّز على الأسس، كان الرئيس يحاول التأثير على رئيس الوزراء نفسيّاً بدلاً من الضغط عليه في أمور محدّدة.

* روس: لم يعترف عرفات رغم نصيحتي بمخاوف إسرائيل فتحدّى نتنياهو مباشرة

* وجّهنا اهتمامنا صوب العشاء الخاصّ المقبل الذي يحضره الرئيس وبيبي وعرفات فقط. سألني الرئيس عما يجب أن يغطّيه في الاجتماع. كنت أشعر أنّ هناك موضوعين مفيدين، الأوّل هو إعادة الانتشار الثالثة ـ التوصّل إلى تفاهم غير رسميّ لكي لا يصبح هذا الأمر معيقاً لنا فيما بعد. والثاني قلق الفلسطينيّين من عنف المستوطنين ـ «قضيّة التبادل». أبلغت الرئيس عما اقترحته على عرفات، ولماذا يشكل العشاء المكان المناسب لهذا البحث، ووافق على ذلك. كما وافق أيضاً على اقتراحي «الاجتماع مع بيبي» لتليين موقفه بشأن ذلك قبيل العشاء. كان العشاء مقرّراً في ستيوارت هاوس، وهو مقرّ فاخر لكنّه صغير وناءٍ يستخدم في الغالب للزوّار المميّزين وحفلات العشاء الخاصّة. وكان الرئيس سيتناول العشاء مع الزعيمين في غرفة الطعام. وكنّا أنا ومادلين وساندي سننضمّ إلى الآخرين في عشاء موازٍ في غرفة مجاورة أكبر.

وصل بيبي قبل عرفات، وطلبت أن ألتقي به عدّة دقائق على انفراد. كان من الواضح أن مزاجه مسترخٍ، وتلك إشارة جيّدة إلى أنّ الرئيس قد طمأنه. أبلغته عن قلق عرفات بشأن «التبادل» ـ وبخاصّة فيما يتعلّق بعنف المستوطنين ـ واقترحت عليه أن يوضح بأنّ الحكومة الإسرائيليّة لا تقبل هذا العنف ولا تغضّ الطرف عنه. «أبلغه أنّك مصمّم على التعامل مع الأمر وأنّك لن تتحفظ على إعلان ذلك على الملأ». فأجاب بيبي بقوله «حسناً». ثم أثار قضيّة الثلاثين الذين ارتكبوا أعمال عنف ضدّ الإسرائيليّين ـ ثلاثة عشر منهم تابعون لجهاز الأمن الفلسطينيّ ـ وقال إنّ هذه مسألة صعبة. فسألت إن كان عامي أيالون ومحمّد دحلان قد بحثا هذه المسألة. فأجاب بيبي بأنّهما لم يبحثاها. فشرحت له الآن أنّ دحلان راغب في توقيف كل من لا يستخدمه بشكل نشط ضدّ حماس. إنّ عددهم صغير لكنّهم وفقاً لدحلان فعّالون في محاربة حماس. أراد بيبي المطالبة باعتقال الثلاثين جميعاً، لكنّه كان يريد أيضاً ضمان السيطرة على حماس. ففرك جبينه، وتلك دلالة واضحة على التشوّش، قائلاً إنّه لا يعرف كيف يفسّر ذلك. «كم هو عددهم؟ أليس بوسعه أن يدع هؤلاء فقط طليقين»؟ قلت له إنّني لا أعرف، لكنّني سأستعرض الخيارات بهدوء مع دحلان وأردّ عليه. وافق بيبي على هذا النهج مشدّداً على أنّه لا يريدني أن أتحدّث إلى أحد في فريقه عن ذلك. كان النقاش صريحاً على مائدة عشاء الزعماء. ووفقاً لوصف الرئيس، فقد بدأ النقاش بالطلب من عرفات التحدّث عن مخاوفه الأمنيّة. لم يعترف عرفات، رغم نصيحتي، بمخاوف إسرائيل لكنّه تحدّى بيبي مباشرة متهمّا إياه بأنّه «يطلق الأشخاص الذين يرتكبون العنف ضدّ الفلسطينيّين». أجاب بيبي قائلاً إنّ لدى إسرائيل نظاماً قضائيّاً وإنّ الإسرائيليّين يودعون في السجون على الجرائم المرتكبة ضدّ الفلسطينيّين. فردّ عرفات بأنّ لديه قوائم بكل الإسرائيليّين الذين قتلوا أو جرحوا فلسطينيّين وليسوا في السجون، وعندما لم يطلب بيبي هذه القوائم، تخلّى عرفات عن هذه المسألة وأثار مخاوفه الأمنيّة: التهديدات من القوى الإسلاميّة المتطرّفة في المنطقة ـ وهو خوف يمكن أن يتفّق عليه مع بيبي. تأخّر الوقت ولم تتمّ مناقشة إعادة الانتشار الثالثة بعد. لذا اقترح الرئيس تناول غداء خاصّ في اليوم التالي وأعطى بيبي وعرفات تكليفاً يعملان عليه في أثناء ذلك: طلب منهما العمل على التوصّل إلى تفاهم بشأن إعادة الانتشار الثالثة، والتفكير أيضاً بشأن الخطوات التي يعتقد كل منهما أنّ عليه القيام بها من الناحية السياسيّة بعد التوصّل إلى اتفاق يمكن أن يخلق مشاكل للجانب الآخر ـ وكيفيّة التخفيف منها. وافقا على الغداء، وكنت أنا ومادلين سننضم إليه بعد ساعة من المناقشات الخاصّة.

كان الرئيس منشرحاً، معتقداً على حقّ أنّ ما كلّفهما به يتعامل مع إحدى المشاكل الجوهريّة في عمليّة أوسلو حتى تاريخه: فكلا الفريقين لا يبدو أنّهما يفكّران في الاحتياجات اليوميّة للفريق الآخر. مع ذلك لم أكن أعتقد أنّ أيّاً منهما سيبدأ التفكير في احتياجات الفريق الآخر إلى أن نقترب من التوصّل إلى اتفاق.

عند اختتام الاجتماعات، لاحظت أنّ اليوم الأوّل كان معنيّاً بالسيكولوجيا، بجعل كل زعيم يشعر بالارتياح. وقد يكون ذلك ضروريّاً، لكنّني أميل إلى الاعتقاد بأنّ الاتفاقات تبرز من الأوضاع التي تعلو فيها الرهانات حيث يشعر كل جانب بعدم الارتياح. فلا أحد يتخذ قراراً صعباً ما لم يكن مضطرّاً إلى ذلك.

وقع تطوّر غريب بعد العشاء. ففيما كان الرئيس يطلعنا على ما دار على العشاء، كان ذراعه على كتف مارتن إنديك، الذي كان معنا على العشاء. بعد مغادرة الرئيس، سألت «ما الأمر»؟ أوضح مارتن أنّ الرئيس أثار معه بشكل مفاجئ مسألة جوناثان بولارد ـ الأميركيّ الذي تجسّس لصالح إسرائيل وأودع السجن منذ سنة 1985 .

* في اليوم الثاني للقمة: لم يتقدم نتنياهو مع عرفات إلى الباب فاعتبر ذلك إهانة

* كان يوم الجمعة جميلاً، حيث جلس بيبي وعرفات بمفردهما، ومعهما جمال بمثابة مترجم، تحت مظلّة على السطح خلف ريفر هاوس، مقرّ الإسرائيليّين. وعندما وصلنا أنا ومادلين، أوجز بيبي ما دار من نقاش. قال لنا إنّه بدلاً من القيام بما طلبه الرئيس ـ أي التركيز على ما بعد الاتفاق ـ شعر بأنّ الأهمّ هو التركيز على ما يلزم للتوصّل إلى اتفاق. لذا اختار إثارة مسألة اجتماع المجلس الوطني الفلسطينيّ و«تسليم» الثلاثة عشر شرطيّاً الموجودين على لائحة الثلاثين الذين قتلوا إسرائيليّين. كان وجه عرفات يعكس عدم الرضى، وعندما جاء دوره للتحدّث تجاهل مسألة المجلس الوطني الفلسطينيّ وتناول بدلاً من ذلك مسألة «التسليم».

كان صريحاً. لم يكن يثق باللوائح التي يقدّمها الإسرائيليون. وكان يعتقد بأنّها «مختلقة وتستند إلى أقوال من يُدفع لهم ليكونوا مخبرين».

في تلك اللحظة استُدعيت وزيرة الخارجيّة لتلقّي مكالمة هاتفيّة، وفي غيابها التفت بيبي إليّ وسألني، بعدما سمعته، إذا كان لديّ اقتراح. دهشت لأنّه أثار مسألة رجال الشرطة الثلاثة عشر أصلاً بالنظر إلى النقاش الذي دار بيننا في الليلة الماضية. أما الآن بعدما تفحّصت الرجلين، سألت إذا ما كان الإسرائيليّون قد سلّمونا هذه القائمة لنرى ما إذا كان يمكننا الركون إليها. وللإشارة إلى عرفات بأنّنا لسنا خاتماً مطّاطيّاً على القوائم الإسرائيليّة، أضفت بأنّنا لا نشارك الإسرائيليّين رأيهم بما يجب العمل مع الأشخاص الذين توجد عليهم إثباتات قاطعة، لأنّنا «نقرأ الاتفاقيّة المؤقّتة بشكل مختلف عن الإسرائيليّين بشأن سجن المشبوهين من قبل القوى الأمنيّة الفلسطينيّة، لا تسليمهم إلى السلطات الإسرائيليّة». سأل بيبي عرفات إن كان لديه أي ردّ على اقتراحي وقال عرفات إنّه ليس لديه أي تعليق. عادت وزيرة الخارجيّة، فأوضحت ما فعلناه في غيابها، وقال بيبي الآن إنّه ليس لديه تعليق أيضاً على اقتراحي. ثم نقل الحديث إلى عقد المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ. كانت فكرته تقضي بإقناع المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ بالتصديق على الاتفاقيّة التي يتوصّل إليها هنا والتعامل مع الميثاق. «وبذلك لا تبدون كأنّكم تعقدون اجتماع المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ من أجل الميثاق». بقي عرفات ملتزماً عدم الردّ، وفي جوابه عن سؤال من وزيرة الخارجيّة عما يمكن عمله الآن، قال إنّ على كل اللجان التي تغطّي كل هذه القضايا أن تجتمع. أنهينا الاجتماع باتفاق على أن يطلع رؤساء اللجان، الزعيمين ووزيرة الخارجيّة ، على مناقشاتهم في وقت لاحق من ذلك اليوم. ودّع بيبي عرفات، لكنّه لم يرافقه إلى باب ريفر هاوس ـ وتلك بنظر عرفات إهانة سبّبت له الإزعاج. كشف الاجتماع عن جدول أعمال بيبي. إنّه يريد سجن الثلاثين مشبوهاً أو تسليمهم ويريد التئام المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ بشأن الميثاق كجائزتين. وكان يأمل في إقناع عرفات بهاتين القضيّتين لكنّه لم يصل إلى نتيجة. لم يسفر اجتماعهما كما هو متوقّع عن أي ردّ على ما كلّفهما به الرئيس ولم تبد ثمة إشارة إلى أنّ أيّاً منهما لديه الرغبة في التعامل مع ذلك. بعد الغداء، في هذا اليوم الثاني، لم تبد أي إشارة إلى أنّنا سنتقدّم بسرعة. كانت خطّتي التي عرضتها في الصباح الطريقة الوحيدة لتحريك الأمور. ولسوء الحظّ لم نكن قد تسلّمنا بعد الاقتراحات الأمنيّة الفلسطينيّة التي نحتاج إليها، وعندما بحثت عن أبي مازن، اكتشفت أنّه ذهب للتسوّق من متجر غير بعيد عن واي. وعندما تمكّنت من الوصول إليه في النهاية، وعد بالعمل، ولكن وجدت مرّة ثانية أنّنا الوحيدون الذين لدينا إحساس بالإلحاح.

التقت اللجان في وقت متأخّر من بعد الظهر، وقبل قليل من حلول عطلة السبت، أطلع رؤساء اللجان، الزعيمين ووزيرة الخارجيّة، عما دار في هاوتن هاوس، مقرّ الفلسطينيّين. كان التركيز منصبّاً بأكمله تقريباً على المشاكل الاقتصاديّة والممرّ الآمن بين الضفّة الغربيّة وغزّة، وهما قضيّتان تؤثّران بشدّة على الحياة اليوميّة للفلسطينيّين رغم أنّهما ليستا مركزيّتين في أي اتفاق. لم يقل عرفات الكثير طوال الاجتماع، سوى طلبه من بيبي التفكير «رجاء» في الإجابة عن كلّ مسألة.

رغم أنّ الاتفاقيّة المؤقّتة تنصّ على ممرّين آمنين بين غزّة والضفّة الغربيّة، لم يتمكّن الجانبان قطّ من التفاوض على تنفيذهما. فالقيود الأمنية التي سعى الإسرائيليّون إلى فرضها على هذين الطريقين، اللذين يجب أن يمرّا في إسرائيل، تجعل السفر في نظر الفلسطينيّين «غير آمن وغير حرّ».