مذكرات د. علاء بشير طبيب صدام حسين الخاص(10)

بطاقة عدي للفتيات

وبالطبع كان عدي يتردد كثيرا علي هذا المكان، وكان يحب أن يجوب بسيارته المرسيدس أو غيرها الشوارع في تؤدة ليبحث عن الضيوف المناسبين لحفلاته الليلية. حتي إذا رأي فتاة ذات مظهر واعد أرسل إليها أحد أصدقائه أو حراسه ببطاقة تحمل رقم هاتفه، لتتمكن من الاتصال إذا أرادت. وبالفعل كانت هناك الكثيرات ممن فعلن ذلك. وكانت الدوافع لذلك كثيرة، فبعضهن كن يفعلن ذلك طلبا للمال، وبعضهن طمعا في الحصول علي وظيفة، والأخريات كن ينتهزن الفرصة لسؤال عدي عن مكان أخيهم أو أبيهم الذي اختفي في غياهب ومتاهات المخابرات القاتلة. وربما دفع بعضهن الفضول إلي التعرف علي حياة الترف التي يحلم بها الكثير ويعتقدون توافرها خلف أسوار القصور المحصنة.

وأغلبهن كن يجهلن ما ينتظرهن، فعدي لم يكن يتورع عن فعل اي شيء، فكثيرا ما تعين عليّ معالجة بعض الفتيات اللاتي كن يشاركنه حفلاته الليلية، ويتعرضن أثناء مداعبات الفراش إلي التعذيب بالسكين أو إطفاء السجائر في أجسادهن أو إلي أشكال أخري من الانتهاكات.

جمع الفتيات

ولم يكن عدي يكن لهن اي احترام، حتي حينما كان يكافئ إحداهن، فلم تكن مكافأته تتعدي عُلبة مساحيق أو ما شابه ذلك، مما لا يزيد ثمنه عن خمسة أو عشرة دولارات. فقد كان عدي حارسا علي ملياراته.

كان عدي يحتاج كل ليلة إلي نساء، لذا فقد كان هناك ستة من موظفيه يعملون علي جمع الفتيات له. ثلاثة مظن أعضاء اللجنة الأولمبية العراقية التي كان يترأسها عدي كانوا يعملون بدأب علي ذلك، فقد تخصصوا في تنظيم حفلات تبدو وكأنها حفلات بريئة في حدائق الجامعة والمعاهد العليا في بغداد. ولأن عدي كان يحتاج كل ليلة إلي نساء، فقد كان هناك عدد من النساء اللاتي يعملن لحسابه، يقمن بالبحث في هذه الحفلات التي كانت تنظمها اللجنة الأولمبية في أماكن متفرقة من بغداد. ولم يكن يعنيه كثيرا مَن التي تُشاركه الفراش، فقد حكي لنا صديقه القديم وسكرتيره الخاص ظافر محمد جابر أنه في إحدي الحفلات جاءته فتاة باكية وقالت له: «لقد ظننت أنه يهتم بي ولكنه في نهاية الأمر قد أخذ والدتي».

وكانت هذه الحفلات تُقام عادة في نادي اليخوت علي نهر دجلة في منطقة ساحرة الطبيعة، وكثيرا ما كانت تُنظم الانتقالات بالحافلات إلي مواقع الحفلات، التي كانت تتميز باللهو والرقص ويقدم فيها الطعام الفاخر. وكثير من الفتيات كن يحضرن بصحبة إحدي أخواتهن أو بصحبة الخالة أو العمة أو الأم. وكان كل شيء يسير بشكل أنيق، حتي عندما كان عدي يظهر علي شاشة التلفاز وهو ينتقي من بين الحضور من سيشاركونه الأمسيات الخاصة ذات الجو المرح.

انفضاح عدي

وبعد أن يختار من يريدهن كان يترك لبعض الموظفات لديه مهمة إقناع المختارات بالحضور. وكان بعضهن يدركن حقيقة ما يدور في الخفاء، أما الأخريات فكن يوافقن علي الحضور، فقد كانت الحفلات تسير بشكل محترم بدرجة توحي بعدم وجود خطورة في المشاركة فيما يتلوها من الحفلات.

ولم تنطلِ هذه الحيلة علي الفتيات إلا لفترة محدودة.. بعدها انتشر الخبر في بغداد، فقام عدي بطرد موظفاته القائمات علي إقناع وصيد الفتيات له.

أحرق مؤخرتها!

وقد أتت إحداهن إليّ في المستشفي مدعية أنها تعرضت لحروق من موقد يعمل بالغاز في بيتها. ولكن كان بها حرق أدي إلي جرح محيطه عشرة سنتيمترات، له الشكل نفسه علي مؤخرتها وقد كُتبت في وسط الحرق الدائري كلمة «عار». فقد كافأها عدي علي خدماتها الأولمبية المخلصة بأن أحرق مؤخرتها بالحديد الساخن ليجعل فيها علامة مميزة كما يفعل بالأبقار.

وفي يوم الخميس الموافق الثاني عشر من ديسمبر 1996 كان عدي يبحث من جديد في منطقة محل الرواد عن فتيات. وقد اتسم هذا الأمر مع مرور الوقت بالخطورة. كان الكثيرون يعرفون بخروجه إلي شارع المنصور ولم يكن أمرا سريا أنه أحيانا لا يصطحب معه حراسه الشخصيين عندما يخرج للبحث عن صيد لملذاته الليلية. وبمرور السنوات تكررت محاولات اغتياله، كان آخرها في مارس 1993، حيث انفجرت قنبلتان كانتا مُخبأتين في صناديق القمامة أمام مكتبه باللجنة الأولمبية، ولكن الانفجار حدث قبل ذهابه للعمل.

محاولة الاغتيال

وفي أحد أيام شهر ديسمبر خرج عدي بصحبة صديقه علي الساهر في سيارته البورش كاريرا، وبينما توقف في شارع المنصور أمام محل الرواد حيث نزل صديقه ليعطي رقم التلفون لإحدي الفتيات إذا برجلين ملثمين يثبان من أحد الشوارع الجانبية ويطلقان وابلا من الرصاص اخترق كلا من السيارة وابن الرئيس. ولإثارة الفوضي في شارع المنصور المزدحم بالسيارات قام الرجلان بإطلاق بعض الأعيرة النارية في الهواء ثم هربا من ممر صغير إلي شارع مواز لشارع المنصور، حيث كانت بانتظارهما السيارة التي هربا بها. ولم يتم القبض عليهما حتي الآن وإن كان يغلب الظن أنهما من الشيعة المناوئين للنظام الحاكم.

وقد سارت سيارة عدي البورش مسافة ثلاثين أو أربعين مترا قبل أن تتوقف، ثم جري صديق عدي حتي لحق بالسيارة وأسرع بإخراجه منها ونقله في سيارة أُجرة إلي مستشفي ابن سينا. كان فاقد الوعي عندما وصل إلي المستشفي وكان ينزف بغزارة، فلم يعد يربط ساقه اليسري بجسده إلا قطعة صغيرة من الجلد.

في يوم الخميس المذكور، الذي أطلق فيه النار علي عدي، لم يكن لدي نوبة عمل في مستشفي ابن سينا، كنت في المرسم في منزلي أرسم لوحة حين تلقيت اتصالا هاتفيا قُبيل الساعة السابعة مساء وطُلب مني التوجه إلي المستشفي بأسرع ما يمكن. وعندما وصلت إلي هناك بعد حوالي ثلاثة أرباع الساعة كان المكان يعج بالحراس الشخصيين وضباط الحراسة الخاصة التي يترأس إدارتها قُصي.

محاولة إنقاذ

وفي غرفة العمليات كان هناك ثلاثة أطباء يعملون علي إنقاذه وقد بدأ ضغطه يتحسن بعد أن أعطوه كميات كبيرة من السوائل لأن ضغط دم عدي كاد يصل إلي الصفر عند نقله إلي المستشفي. ثم قاموا بفتح بطنه حيث اخترقت صدره رصاصة من اليسار، حوالي عشرة سنتيمترات أسفل الإبط، ومرت علي مسافة قصيرة جدا من القلب لتخترق الرئة وتشق المعدة في طريقها للخارج. كان جراح العظام سنان العزاوي هو الذي استقبله وقام بإسعافه حيث كان مناوبا في مستشفي ابن سينا وقت الحادث.

وبعد أن فتحنا القفص الصدري قمنا بخياطة الثقوب والجروح. ولأن الثلث الأعلي من الساق اليسري كان قد ثُقب بفعل الأعيرة النارية، فقد أخذتُ جزءا من عضلة الساق وسددتُ به الثقب في المكان الذي كانت فيه عظمة الساق. وأخيرا قمت بزراعة جزء كبير من الجلد من الجزء الداخلي للفخذ الأيمن علي قصبة الرجل اليسري لأسُد الفتحات بها.

6 ساعات

كما اخترقت عدة رصاصات الفخذ والساق اليمني دون أن تكسر اي عظام أو تدمر العضلات. واستمر عملنا ست ساعات حتي استطعنا أن نسد الثقوب ونُوقف النزيف الذي فقد عدي بسببه كميات هائلة من الدماء، فقد كان إجمالي ما نُقل إليه من دماء خلال أربع وعشرين ساعة عشرة لترات.

ولعله من الصعب أن يقترب شخص ما من الموت مثل ما حدث لعدي في ذلك المساء من شهر ديسمبر.

وبينما كنا واقفين في الغرفة الأمامية لغرفة العمليات نغسل أيدينا، إذ بصدام وسكرتيره الخاص عبد حمود وبعض الحراس الشخصيين يدخلون علينا. ولم يبد علي صدام اي توتر أو حزن بل كان هدوءه لافتا للنظر. وبعد أن حيانا قال لنا: «إننا نضايقكم مرة أخري بمشاكلنا». ثم سكت برهة وقال بعدها: «ولكن الأهم هو أمن العراق والعراقيين».

وسأل عن حالة عدي وأجبناه بأنه بالمقارنة بما حدث له فإن حالته أفضل مما كان يمكن أن تكون عليه. ثم توجه صدام إلي غرفة العمليات، فأشرت إلي عبد حمود بأن هذه ليست بالفكرة الجيدة، فالمنظر سيكون صعبا عليه ولكن عبد حمود لم يجرؤ علي إيقاف صدام.

صدام يتفقد عدي

وكان عدي مازال تحت تأثير التخدير نائما علي طاولة العمليات عاريا من كل شيء إلا بعض الضمادات علي صدره وبطنه وساقه وفخذه، وعلي الأرض كانت هناك بقع كبيرة من الدماء والكثير من الفوط الملطخة بالدماء. فاقترب منه صدام ونظر إليه ثم قال له: «يا بني إن الرجال يجب أن يتوقعوا أن يحدث لهم مثل ذلك».

ثم أخذ يد عدي في يده وقال: «ولكننا علي حق والآخرين علي باطل». ثم قبَّله علي جبينه. وقام قصي الذي كان قد حضر بتقبيله هو الآخر وعلي عتبة حجرة العمليات قبّل قصي يد والده واحتضنه وقبّله علي وجنتيه.

ثم سأل صدام: «ما الذي حدث لأخيك»؟

كان قصي هو رئيس الحراسات الخاصة والمسؤول عن أمن وسلامة الأسرة.

البحث عن فتيات

قال قصي لأبيه إن عدي كان صائما وبعد غروب الشمس كان في طريقه مع صديقه علي الساهر إلي شارع المنصور ليشتري بعض الطعام (سندويتشات). كان عدي يصوم يومي الاثنين والخميس أسبوعيا، وكان يوم الحادثة يوم خميس. واستكمل قصي روايته: «وعندما نزل صديقه من السيارة هاجمه الجناة».

نظر صدام إليه نظرة ملؤها الشك وطلب أن يتحدث مع الساهر. وبالفعل تم إحضاره، ووقف إلي الحائط.

«أعرف أنكما كنتما تبحثان عن فتيات». هذا ما قاله له صدام وهو ينظر إليه نظرة متفحصة. ولم يشكره علي أنه سارع بنقل عدي إلي المستشفي. وكاد الساهر يموت خوفا وهو واقف في مكانه لم يتفوه بكلمه واحدة، ولاحظنا أنه قد تبوّل في سرواله.

شعور ديني!

ولم تكن محاولة قصي تفسير وجود أخيه عند الرواد تفسيرا إسلاميا يرتبط بصيامه وإحساسه بالجوع، لم يكن هذا التفسير محض خيال، فقد كان عدي يتبع تعاليم الإسلام والقرآن بدرجة ما حسب إدراكه لها.

إن موت خاله عدنان خير الله في بداية سنة 1989 في حادثة سقوط طائرة مروحية هو الذي نمي الشعور الديني لدي عدي. كان عدنان هو وزير الدفاع في حكومة صدام، وكان قبل وفاته في ظروف غامضة، محبوبا جدا في الجيش، وكان ضباط الجيش يكنون له احتراما كبيرا. ولكن من الواضح أن عدنان لم يكن من الشخصيات المفضلة لدي عدي.

ولكن توجه عدي نحو الدين لم يكن سهلا، فقد كانت الصلوات اليومية الخمس في اتجاه مكة تمثل بالنسبة إليه مشكلة كبيرة، فلم يكن مثلا يؤدي صلاة الفجر، لأنه كان في ذلك الوقت عادة إما في حالة من السُكر بعد سهراته الطويلة، أو كان بالفعل في سبات عميق وكأنه حجر. وللأسباب نفسها لم يكن يؤدي صلاة الظهر، وكان يحاول تعويض هذا النقص بأن يتبع سنة الرسول ويقوم الليل يصلي لفترات طويلة.

فتوى الخمر

أما مشكلة تعاطي الخمور فقد كانت أشد سوءا، فكما هو معروف فإن شرب الخمر محرم في الاسلام. ولكن عدي كان له شيخ خاص به هو عبدالغفار العباسي المشرف علي البرامج الدينية التي يبثها تلفزيون الشباب الذي كان يمتلكه ابن الرئيس.

في أحد الأيام أرسل عدي ظافر محمد جابر للشيخ ليسأله ما إذا كان من المسموح أن يشرب كأسا من الخمر بعد العشاء.

وعندما سمع الشيخ السؤال سأل: «ومن الذي يريد أن يعرف ذلك»؟

فأجابه جابر: «إنه عدي».

فقال العباسي: «في حالته نعم يجوز».

ساجدة: سيقتل (صدام) أولادي!

كان صدام قد رحل من مستشفي ابن سينا قبل أن تصل أم عدي «ساجدة» إلي هناك. كانت الأم في حالة من الارتباك الشديد وبدا عليها أنها خرجت دونما أي تأهب أو استعداد فقد كان شعرها غير ممشط، ورافقها ابنها قصي إلي غرفة عدي، ولم يفلح في تهدئتها.

وإذا بها تقول باكية: «إنه سيقتل أبنائي»!

فهمت مــا تقصــده، فقد كــان صــدام غير محبـــوب لـدي الشعب العراقي في الآونة الأخيرة، ولم يعد أحد يحتمله أكثر من ذلك ولكن من الذي يجرؤ علي التفوه بذلك.

كانت ساجدة تعتبر أن الهجوم علي عدي ما هو إلا محاولة من الشعب للانتقام من صدام، لأن أحدا لم يستطع أن يصل إلي الرئيس شخصيا حتي الآن.

وكانت ظروف المعيشة قد وصلت في الخريف من ذلك العام إلي مستوي متدنٍ بدرجة لم تصل إليها منذ بداية الأزمة الاقتصادية التي بدأت مع الحرب ضد إيران عام 1980.

فقد استنزفت السنوات الخمس عشرة الأخيرة آخر طاقات الشعب لما كان فيها من حربين متعاقبتين و عدة محاولات للثورة وعقوبات من الأمم المتحدة، حتي أن مئات الآلاف من الأطفال قد ماتوا من جراء تلك الأحوال القاسية. وبينما كانت ظواهر مثل الفقر والجوع والمرض والجريمة والدعارة تتفشي في البلاد، استمر خبراء التفتيش الدوليين في البحث عن أسلحة الدمار الشامل المزعومة التي يمتلكها صدام. وقد تزعم هذا البحث المضني كل من الولايات المتحدة الأميركية وبريطانيا العظمي.

زيادة جنون

وفي اليوم التالي اكتشفنا أن عدي فقد القدرة علي الحركة في ذراعه الأيسر ويده ورجله اليسري. بالإضافة لذلك فقد بدأت عينه اليسري تزيغ إلي الداخل واستطعنا أن نكتشف عن طريق رسم المخ وجود إصابة طفيفة في المخ حدثت بسبب انخفاض ضغط الدم الذي عاني منه عدي بعد الحادث عندما نُقل إلي مستشفي ابن سينا. ولم يكن هذا التشخيص مطمئنا، فكيف ستكون الحال لو زاد علي جنون عدي إصابة بالمخ. أعلن مختصو وجراحو المخ والأعصاب في مستشفي ابن سينا في وضوح شـــديد رفضهم لإعــلان هــذا التشــخيص. فالتصــرف الأكـــثر أمنا كان إخفاء هذا الخبــر الســيئ عن عدي وعائلته. علما بأنه لم يطلب من الأطباء إخفاء الحقيقة. لكن هذا السلوك مع العائلة أصبح متعارفاً عليه بسبب سلوك بعض الأطباء المقربين إلي العائلة.

فقد كان علينا نحن الأطباء في مستشفي ابن سينا أن نتصرف دائما بحذر شديد وكأننا نتحرك فوق طبقة رقيقة من الثلج، لأن مرضانا كانوا أكثر الناس في العراق سلطة وتأثيرا. ولهذا فإن اي تشخيص غير صحيح أو اي علاج لا يأتي بنتيجة يكون لهما عواقب وخيمة علي الطبيب المعني، وربما أثّر ذلك في مستقبلنا تأثيرا سلبيا إلي أبعد الحدود.

انسداد الرئتين

وكانت محاولة إنقاذ عدي أصعب مما ظننا. في يوم 20 ديسمبر اشتكي عدي ألما شديدا في صدره، فقمت مع زميلي طبيب الباطنية المناوب بفحصه واكتشفنا وجود العلامات الأولي لانسداد في الرئتين، وليس هذا بالأمر الغريب بعد إجراء العمليات الجراحية الكبيرة، فعادة ما تحدث تجلطات بالدم في الأوردة التي تنقل الدم خلال الجسم. وأحيانا يكون من الصعب اكتشاف مثل هذه التجلطات الدموية التي تبقي عالقة بجدران الأوعية الدموية قبل فوات الأوان.

فعندما تتحرك التجلطات من مكانها، من الممكن أن تتجمع في الرئة لتسد طريق تدفق الدم إليها. وهذا يعني في الغالب الموت المحقق للمريض. وكانت الآلام التي عاني منها عدي في الصدر تدل علي أن بعضا من التجلطات قد تحركت من مكانها وبذلك فالمسألة أصبحت فقط مسألة وقت حتي تتحرك باقي التجلطات إذا لم نتمكن من إذابتها عن طريق المواد المخففة لكثافة الدم قبل أن تصل إلي الرئة.

وكان مجموع عدد الأطباء المعالجين لعدي تسعة، وتمت دعوتنا في يوم ليلة رأس السنة في المساء إلي قصر السجود علي نهر دجلة بالقرب من النصب التذكاري للجندي المجهول لمقابلة صدام الذي كان يريد مجددا أن يطمئن علي حال ابنه. فشرحنا له أن ما يؤرقنا هو وجود تهديد بحدوث انسداد في الرئة واننا نعالجه بشكل مكثف باستخدام مواد مخففة لكثافة الدم. فنظر إلينا صدام وقال لنا إن المرء لا يجب أن ينشغل بالقتلي والجرحي أثناء المعركة «ولكن بعد نهايتها نقدم للجرحي أفضل رعاية وعلاج ممكن». ثم أضاف قائلا: «وهكذا الحال أيضا مع عدي». وبذلك أنهي اللقاء.

المكان نفسه

وبعد ذلك بأسبوع وبينما كنا نفحص عدي أثناء المرور الدوري إذا به يخرج الجميع عَداي من الحجرة. «قل لي يا دكتور علاء، لقد عالجت عمي وطبان أيضا وأجريت له عملية جراحية، أين كانت إصابته، الساق اليمني أم اليسري»؟

«اليسري».

«هلا قلت لي أين بالضبط»؟!

«نعم، في الموضع نفسه الذي تحطمت فيه ساقك بفعل الأعيرة النارية».

«يا إلهي... لقد عاقبني الله»!

ثم سكت برهة سألني بعدها عن المكان الذي يمكن أن يحصل فيه علي أفضل علاج، هل في بغداد أم في الخارج؟ وبينما كنت أناقشه في مزايا وعيوب كل من الإمكانيتين إذا بصدام يدخل علينا وبصحبته أخوه غير الشقيق وطبان، الذي كان يمشي بصعوبة شديدة بالرغم من أنه غادر مستشفي ابن سينا منذ أكثر من نصف سنة.

شماتة وطبان

ومن سخرية القدر أن يرقد الآن ابن أخيه في المستشفي نفسه لإصابته في الساق اليسري أيضا وبطلق ناري حطم الساق كلية في الموضع نفسه الذي أصابه عدي فيه بطلق ناري يوم 8 أغسطس من العام الماضي وهم مجتمعون علي وليمة علي ضفة نهر دجلة، كان ذلك هو اليوم الصعب ذاته الذي هرب فيه أزواج بنات صدام بصحبة زوجاتهم وأبنائهم إلي الأردن. وبعد هذا الحادث آنذاك قدم عدي الاعتذارات لعمه وطلب منه الصفح. ولكن كان لدي شعور قوي بأن وطبان يبذل مجهودا كبيرا في إخفاء شماتته بابن أخيه عدي، علي الرغم من أن وجهه كان عابسا وهو يسأل ابن أخيه عن حاله. لقد كان يكره عدي حتي النخاع.