السلام المفقود (4)

: كلينتون صرف أولبرايت وساندي ليفاتحني في موضوع الجاسوس بولارد

قلتها له واضحة: لا تطلق سراحه الآن ستكون تلك مكافأة كبيرة لبيبي وليس لديك الكثير مثلها في جيبك فوفّرها لأنك ستحتاج إليها لاحقاً

لم يقل الرئيس شيئاً، بانتظار أن يسمع ما الذي سأقوله. لم نكن في الموقف الذي كنت أتمنّى أن أقفه أمام بيبي، لكنّني قلت إذا كنّا نتحدّث عن الانتهاء يوم الخميس، علينا تسليمه الليلة إلى بيبي. سوف يخلق أزمة معه، لكنّني أشكّ في أنها ستكون للعرض أكثر مما هي حقيقيّة. استمع الرئيس وقال، «افعل ذلك».
كانت الساعة قد تجاوزت منتصف الليل بقليل. اتّصلت بمولخو وأبلغته بخطّتنا وأوضحت أنّنا بحاجة إلى ردّهم في الصباح لأنّنا نريد أن نعرض النصّ على الفلسطينيّين في وقت لاحق من ذلك اليوم. فقال مولخو، «سأبلغ بنيامين نتنياهو. متى سنحصل عليه؟»، قلت بعد نصف الساعة. وتابعت «إسحاق، أنت تعرف القواعد، تعامل مع الأمر بتكتّم، لن يحصل الفلسطينيّون عليه قبل يوم غد».

بعد أن تجاوزت الساعة الواحدة صباحاً، ذهبت لأقدّم تقريري إلى الرئيس. كان الرئيس موجوداً في واي سنتر يتحادث مع مادلين وساندي عن انتخابات الكونغرس. وعندما رآني الرئيس، غيّر الحديث، وسأل إن كان الإسرائيليّون قد حصلوا على النصّ، وعندما قلت له إنّهم حصلوا عليه، طلب من ساندي ومادلين المغادرة لكي يبحث بعض الأمور معي.

افترضت أنّه يريد أن يتحدّث عن مكان وقوف مباحثاتي الخاصّة مع بيبي ودحلان بشأن «الثلاثين». لكنّني كنت مخطئاً، لم يكن يريد التحدّث عن «الثلاثين»، بل عن جوناثان بولارد. «هل هي قضيّة سياسيّة كبيرة في إسرائيل؟ وهل تساعد بيبي؟»، أجبت «نعم» لأنّه يعتبر جنديّاً لإسرائيل «وهناك خصيصة مميّزة في إسرائيل بأنّك لا تترك البتّة جنديّاً في الميدان». وأضفت، إنّك إن كنت تريد نصيحتي، لا تطلق سراحه الآن. «ستكون تلك مكافأة كبيرة لبيبي، وليس لديك الكثير مثلها في جيبك. وفّرها للوضع النهائيّ. وسوف تحتاج إليها لاحقاً، لا تستعملها الآن» (*) كان موقف الرئيس مختلفاً. قال، أنت تعرف «أنّني أتفق معك عادة، لكنّ هذا الجمود دام طويلاً، بحيث أنّه خلق نوعاً من الإمساك. نطلق سراحه فيصبح الكثير ممكناً. لا أعتقد أنّ بوسعنا الانتظار، وإن كان بولارد مفتاح إنجاز الأمر فسوف نفعل ذلك».

دخلت مادلين الغرفة في نهاية حديثنا وسألتني لاحقاً عنه. أبلغتها مكرّراً رأيي أنّ من الخطأ الإفراج عن بولارد من أجل هذه الصفقة، لكنّني أوضحت أنّ الرئيس يفكّر جدّيّاً في فعل ذلك.

(*) قلت أيضا إنني أحبذ إطلاق سراحه لاعتقادي بأنه تلقى حكما أقسى من الآخرين الذين ارتكبوا جرائم مماثلة، وانني أفضل عدم محاولة الافراج عنه مقابل أي اتفاق، لكن إن كان ذلك ما سنقوم به، فإنني أفضل حفظه للوضع النهائي.

* أولبرايت لنتانياهو: إذا واصلت على هذا المنوال لن تحصل لا على السلام ولا على الأمن فهل هذا ما تريد؟

* بعد الذهاب للنوم في الثانية والنصف صباحاً، أيقظني ساندي في الثالثة والربع: لقد وقع عمل إرهابيّ في إسرائيل، وهو يسأل عن رأيي فيما سيكون لذلك من تأثير. قلت إنّ ذلك يتوقّف على الظروف ـ أين وقع الهجوم وكم يبلغ عدد الضحايا ـ لكن في كل الاحتمالات سيرتاح بيبي ويصبح عرفات في موقف الدفاع. ويمكننا على الأقل الاستفادة من ذلك مع عرفات.

تراخيت عند ذهابي إلى الفراش وأنا أشعر بالكآبة والخوف من أنّ الإرهاب يمكن أن يتغلّب على كل ما كنّا نقوم به. وبعد أربع ساعات عرفت ما الذي حدث بالفعل: هجوم بالقنابل اليدويّة في بئر السبع في موقف للحافلات خلّف 67 جريحاً، بينهم أكثر من 20 جنديّاً، لكن لم يقتل أحد. تمّ إلقاء القبض على المهاجم، وبدت الأمور تحت السيطرة في إسرائيل. وقد قال الرئيس الإسرائيليّ عيزر وايزمن إنّ الهجوم يزيد من أهميّة نجاح المفاوضات، ولم يهدّد بيبي بالمغادرة ـ وهو أمر غير مفاجئ، كما أبلغت وزيرة الخارجيّة، لأنّ بيبي لا يستطيع المغادرة خالي الوفاض لئلاّ يظهر غير قادر على توفير الأمن أو السلام على السواء.

كنت أتوقّع أن يبادر بيبي إلى الهجوم هذا الصباح، فاقترحت على مادلين أن تلتقي به وتقدّم مواساتها عن الهجوم وتتمسّك بمواقفها وتشدّد على وجوب أن نواصل العمل من أجل الوصول إلى صفقة كاملة.

وافقت مادلين، فقد كانت تريد المضيّ قدماً، كما عبّرت عن ذلك، ووقف كل "هذه المناقشات الجميلة وإبلاغهم أنّ علينا عمل شيء أو وقف كل شيء". ذهبنا أنا ووزيرة الخارجيّة والتقينا بيبي في السقيفة خارج ريفر هاوس. وكما كان متوقّعاً، أبلغنا أنّ هذا الهجوم يثبت أنّ على الفلسطينيّين تقديم شيء في الجانب الأمنيّ وإلا لن يكون هناك اتفاق. أثار ذلك مادلين فتحوّلت إلى الهجوم وأبلغت بيبي: «إذا واصلت على هذا المنوال، لن تحصل على السلام ولا على الأمن، فهل هذا ما تريد؟ أنت تعامل الفلسطينيّين دون احترام ودون كرامة وتقدّم المطالب دائماً. ونحن لن نستمر على هذا النحو. ربما يتعيّن علينا الاعتراف بأنّ الأمر قد انتهى».

أنكر بيبي بغضب أنّه لا يحترم الفلسطينيّين ودفعني إلى القول، «ماذا عن هذا الصباح؟ لقد حاول عرفات الاتصال للتعبير عن مواساته ورفضتَ تلقّي المكالمة، ربما يكون ذلك مثالاً صغيراً، لكن يجب ألا تقلّل من تأثير هذه الإهانات على الجانب الآخر». قال إنّه سيتلقّى المكالمة، وعندما اقترحت أن يتصل به الآن، فعل ذلك فشكر عرفات على اهتمامه وأشار أنّ على الفلسطينيّين أن يفعلوا المزيد لوقف مثل هذه الهجمات.

وعندما أنهى بيبي مكالمته انهمك في العمل. فوافق بسرعة على مسوّدة بيان نصدره نيابة عن الجانبين يدين الهجوم. ثمّ طلب مراجعة عناصر الصفقة الجزئيّة قائلاً «علينا أن نغادر حاملين معنا شيئاً». مع ذلك لم تحقّق المباحثات اختراقاً، لكن بعد قليل من مغادرتنا أنا ومادلين، وصلتني رسالة بأنّ بيبي يريد لقائي. عدت إلى ريفر هاوس وجلس بيبي بمفرده معي. فأطلعني على دفتر ملاحظاته الأصفر مع بعض التنقيحات على ما يمكن أن يدخل في الصفقة الجزئيّة. كان مستعداً لأن يدخل فيها المنطقة الصناعيّة في غزّة وربما أحد الممرّين الآمنين. لكنّه بقي مقتنعاً بأنّنا لا نستطيع السعي وراء الصفقة الشاملة. خالفته الرأي قائلاً، «تريد حلاًّ لقضيّة الثلاثين ومقاربة لإعادة الانتشار الثالثة والمجلس الوطنيّ الفلسطينيّ للسعي إلى الصفقة الشاملة، أليس كذلك»؟ أومأ برأسه. قلت له ليس لدي إجابة بشأن المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ، لكن لديّ بعض الأفكار بشأن الثلاثين وإعادة الانتشار الثالثة. أصغى إلي بيبي باهتمام.

قلت، في مسألة الثلاثين ماذا لو كان هناك حالات خاصّة لاثنين أو ثلاثة من بين الثلاثة عشر شرطيّاً؟ ماذا لو كنت تعلم أنّ سبعة وعشرين أو ثمانية وعشرين سيعتقلون حتماً وسيعامل اثنان أو ثلاثة لا أكثر في تفاهم خاصّ بين عامي أيالون ومحمّد دحلان. لا شكّ أنّه يجب أن يقتنع عامي بأنّ هؤلاء الاثنين أو الثلاثة مهمّون حقّاً في المجهود الأمنيّ. فإذا كان كذلك، لن يعتقلوا، وإذا لم يكن اعتُقلوا. إذا كانت اتفاقيّة واي تتعلّق بالأمن في نهاية المطاف، لتكن الاعتبارات الأمنية هي التي تحكم نتيجة هذه المسألة. لم يكن بيبي مستعداً أن يلزم نفسه بذلك، لكن كان بوسعي أن أعرف أنّه أعجب بالفكرة.

بعد ذلك تحدّثت عن إعادة الانتشار الثالثة. قلت إنّ المشكلة تكمن في كيفيّة حديثنا عن لجنة لإعادة الانتشار الثالثة، فالفلسطينيّون يريدون أن يكونوا قادرين على القول إنّ إعادة الانتشار الثالثة ستبحث، في حين أنت تريد أن تكون قادراً على تجنّب الظهور بمظهر أنّك تريد التفاوض بشأن إعادة الانتشار الثالثة، لا سيّما أنّها تثير المخاوف بأنّك ستجبر في نهاية المطاف على تنفيذ إعادة انتشار رئيسيّة. واقترحت عليه قائلاً، دعنا نستعمل رسالة كريستوفر. فهي توضح أنّ إعادة الانتشار مسألة يعود التقرير فيها إليكم لا للتفاوض، لكنّها توضح أيضاً أنّ إعادة الانتشار يجب أن تكتمل. ماذا لو قلنا بأنّ إعادة الانتشار ستعالج بما يتفق مع رسالة كريستوفر ويتعلّق بمفاوضات الوضع النهائيّ؟ الأولى تحميك، لأنّ كريستوفر يقول إنّ هذه مسألة يعود القرار فيها إليكم، والثانية تحميهم لأنّها توضح أنّه سيكون هناك بحث ـ وسيكون متّصلاً بالوضع النهائيّ. لم يلزم نفسه بشيء ثانية، لكنّه كان مهتمّاً بوضوح أنهينا الاجتماع وبيبي يبلغني أنّه يريد التفكير في هاتين الفكرتين اللتين أثرتهما وسيردّ عليّ فيما بعد. ومن معرفتي ببيبي، علمت أنّ لدينا الآن فرصة في مسألتي «الثلاثين» وإعادة الانتشار الثالثة. وعرفت شيئاً آخر أيضاً: لن يغادر بيبي واي بدون التوصّل إلى اتفاق. وكان استعداده لتجميل الصفقة الجزئيّة إشارة إلى ذلك، وانفتاحه على أفكاري إشارة أخرى.

أبلغت الأمر إلى وزيرة الخارجيّة فاستبشرت لكنّها سألت ما الذي يجب أن ننجزه قبل عودة الرئيس كلينتون في اليوم التالي.

كنت أحاول التغلب على صيغة إعادة الانتشار الثالثة من أجل أهداف واي فحسب. كما أنّني أردت صيغة تسمح لنا بإبقاء التركيز حيث يجب متى وصلنا إلى اتفاق هنا: بشأن الوضع النهائيّ لا إعادة الانتشار الأخيرة.

* مخاض المفاوضات العسير بين الصفقة واللاصفقة في قمة واي ريفر

* بدأ الغداء في واي بالإشارة إلى أنّها الذكرى الخامسة والعشرون لعبور شارون قناة السويس في حرب سنة 1973 ـ «وهو يوم مريب لنجتمع فيه ونتحدّث عن السلام». وأطلق تعليق الرئيس سلسلة من الذكريات على لسان شارون، استخدمها بيبي ليشرح لماذا يصعب على إسرائيل تقديم تنازلات ولماذا ترغب في تقديم مثل هذه التنازلات في عمليّات إعادة الانتشار قيد البحث. ما الذي يحتاج إليه لتقديم مثل هذه التنازلات؟ من المفارقة أنّه أجاب عن سؤاله لا بالتركيز على الأمن بل بالتشديد على أهميّة انعقاد المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ لإلغاء الميثاق الفلسطيني الذي، كما جاء على لسانه، «سيظهر للرأي العام الإسرائيليّ أنّ إسرائيل تأخذ في واي، لا أنّها تعطي فحسب». وتابع حديثه في هذا الجوّ من الثقة ليقول إنّ ذلك ليس صعباً على عرفات لأنّه يملك خمسمائة صوت في المجلس الوطني الفلسطينيّة. ناقش نائب الرئيس هذه المسألة معه، لا من ناحية قيمة المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ ولكن من ناحية السهولة النسبيّة لتحقيق ذلك بالنسبة لعرفات بوجود المجموعات الرافضة في المجلس الوطني الفلسطينيّ.

عند انتهاء الغداء، ذهب الرئيس وبيبي بمفردهما واجتمعا عند سقيفة مطلّة على النهر، وهناك اختليا في نقاش استمرّ نحو ساعة تقريباً. كان مع بيبي دفتر ملاحظات أصفر يعرضه على الرئيس. أخيراً انفضّ الاجتماع، وسار الرئيس خلف بيبي ونظر إليّ فأظهرت نظرته غضباً. أبلغنا عندما اجتمعنا ثانية في تنس هاوس أنّ بيبي أعاد طرح الصفقة الجزئيّة معتبراً أنّ من المستحيل العمل على الصفقة الشاملة. وفي الصفقة الجزئيّة التي عرضها بيبي، يحصل عرفات على 13 بالمائة والمطار وتخفيف القيود التجاريّة مع الأردن (لن يعطي 14.2 بالمائة والمطار والممر الآمن وإطلاق الأسرى وضريبة الشراء والمنطقة الصناعيّة في غزّة). ويحصل بيبي في المقابل على التعاون الأمنيّ وخطّة العمل الأمنيّة ومصادرة الأسلحة غير القانونيّة ومرسوم منع التحريض. ويترك كل شيء ـ المرحلة الثالثة والمجلس الوطني الفلسطينيّ والقتلة الثلاثين والممر الآمن والمسائل الاقتصاديّة الأخرى ونسبة 14.2 بالمائة ـ إلى ما بعد ثلاثين يوماً من الآن.

سألنا الرئيس عن رأينا. عارض ساندي ومادلين ذلك بشدّة: سيحصل عرفات على القليل جدّا الذي لا يبرّر ما سيكون عليه تقديمه. وبدون أن يعبّر الرئيس عن رأيه، قال إنّه سيطلع عرفات على الأمر إذ يجب أن يعرف الخيارات التي لديه. وافقت على ذلك قائلاً دعونا لا نستبق الحكم على مواقف عرفات. إذا كان الخيار الذي أمامه صفقة جزئيّة أو لا صفقة، دعونا لا نكون واثقين من أنّه سيختار اللاصفقة. وطرحت نقطتين إضافيّتين. أولاً، يجب ألا يبدو الرئيس أنّه يحاول ترويج صفقة بيبي، بل يقوم فقط بنقلها لأنّه مدين بذلك لعرفات. ثانياً، على بيبي أن يعرض المزيد على عرفات لجعل الصفقة الجزئيّة جذّابة. لكنّنا سنترك أمر ذلك إلى عرفات، فإن كان مهتمّاً سيبلغنا بالأشياء الأخرى التي يحتاج إليها. وإذا لم يكن مهتماً، لن نخسر شيئاً بعرضها على أي حال. كما أنّ عرفات يجب أن يعرف أنّنا نبلغه الحقيقة ويجب بالتالي ألا يكون واثقاً مما إذا كنّا نستطيع دفع بيبي إلى القبول بالصفقة كاملة.

لم يكن ساندي مرتاحاً مخافة أن نبدو كأنّنا نحاول إقناع عرفات بصفقة جزئيّة. وعندما شاهد الرئيس جمالاً جالساً في الزاوية، سأله عن رأيه فيما سيكون عليه ردّ فعل عرفات. قال جمال إنّه لا يعرف، لكنّ عرفات يمكن أن يقدّر الأمر «إذا ما عرضه الرئيس بالطريقة التي اقترحها دنيس. لن تبدو كأنّك تقنعه بشيء. بل تعتقد أنّه يجب أن يعرف. وأنت لا تعرف إذا كنت ستتمكّن من التوصّل إلى الصفقة الشاملة، لكنّك مستعدّ للمحاولة وتريد أن يسمع عرفات ما اقترحه بيبي وأن تحصل على ردّ فعله».

أومأ الرئيس برأسه قائلاً سأشدّد على أنّني أريده أن يخرج من هنا أقوى لا أضعف مما هو عليه، ويجب أن يقول لي ما يريدني أن أفعله ـ «وإذا ما كانت الصفقة الجزئيّة تجديه نفعاً أم لا».

وقبل الطلب إلى جمال دعوة عرفات إلى تنس هاوس، أثرت المسألة الأمنيّة ثانية. أبلغت الرئيس بأنّ جورج لا يملك الآن ما يشعر بأنّه يحتاج إليه من الفلسطينيّين، وبخاصّة في أعقاب الاجتماع مع بيبي في الأمس. يجب أن نحصل على ذلك. وقلت، مردّداً ما أصبح الآن موضوعا متكرّراً، «لا يستطيع بيبي أن يكون في موقف يمكّننا من إثبات أنّه خرج من هنا لتسجيل نقاط سياسيّة بعد رفض صفقة تعرض على إسرائيل ما تحتاج إليه من الفلسطينيّين من الناحية الأمنيّة. ذلك رهاننا الأفضل للحصول على صفقة وجعل بيبي يدفع الثمن إذا لم يفعل ذلك. وعلى عرفات أن يدرك أيضاً أنّ الفشل سيكون بسببه إذا لم نحصل على ما نريد في الجانب الأمنيّ». استدعي جمال للترتيب للاجتماع مع عرفات، وبعد 45 دقيقة وصل عرفات بصحبة أبي مازن وأبي علاء ونبيل أبي ردينة. وانضممنا ساندي ومادلين وأنا إلى الاجتماع.

قدّم الرئيس وصفاً عما دار مع بيبي وما عرضه الأخير، واقترح أنّ عرفات ربما يريد التشاور مع زملائه لدراسة الصفقة الجزئيّة مع العودة خلال ثلاثين يوماً قبل أن يقدّم لنا أيّ ردّ فعل.

لكن قبل أن يفعل ذلك أراد الرئيس أن يسمع عرفات رأيي في الجانب الأمنيّ. لم يكن الرئيس قد أبلغني أنّه سيلجأ إليّ في الاجتماع لأدلي بهذا التعليق. لكنّه فاجأني بأنّه كان يحاول أن يتجنّب أن يكون مدافعاً في هذه اللحظة.

كان عرفات ينظر إليّ مباشرة طوال مدّة حديثي. وعندما فرغت، أومأ برأسه ثم قال إنّه يودّ التشاور مع زملائه. سأل الرئيس إذا كان يودّ أن يقوم بذلك هنا، فقال عرفات لا، سيعودون إلى مقرّهم وسيتّصلون بالرئيس عندما يصبحون مستعدّين لمتابعة النقاش.

عاودنا الاجتماع بعد ذلك بساعتين في منزل الضيوف المجاور لهاوتن هاوس، حيث انضمّ إلينا جورج. أبلغ عرفات الرئيس أنّه لا يريد قبول صفقة جزئيّة، وأنّه على استعداد للبقاء عدّة أيام إضافيّة إذا كان ذلك ما يلزم للوصول إلى اتفاق. وإذا لم يكن من الممكن إنجاز كل شيء في الوقت المتوفّر للرئيس في هذه المرحلة ـ وكان المكوث مدّة أطول يخلق مصاعب أمام الرئيس ـ فإنّه مستعدّ للتوقّف الآن أو في الغد والقول إنّنا حقّقنا تقدّماً، والعودة بعد أسبوع أو عشرة أيام. كان يشعر أن الانتظار شهراً مدّة طويلة جدّاً.

* عرفات رأى أنّنا نستنزفه حتى الجفاف بطريقة تجعله مكشوفا في غزة

* كنت أعلم أنّ البحث بشأن الصفقة الجزئيّة سيعاود البروز اليوم. وكان ساندي ومادلين يعارضانها بشدّة وينظران إليها على أنّها خدعة أخرى من بيبي لتجنّب عمل ما هو ضروريّ فيما يخلق انطباعاً بحدوث تقدّم. ولم أستبعدها أنا تماماً لأنّني كنت أعتقد أنّ على عرفات أن يعرف ما هي خياراته. فقد يجد أن الصفقة الجزئيّة أكثر جاذبيّة من اللاصفقة، أو أنّ الوصول إلى اتفاق في هذه المرحلة صعب جداً عليه. ومع ذلك كنت أعرف، بحكم معرفتي ببيبي، أنّه للوصول إلى صفقة جزئيّة مقنعة، يجب من الناحية التكتيكيّة أن نضغط عليه من أجل صفقة كاملة. وقد شرحت ذلك لساندي ومادلين لكنّهما لم يقتنعا به. كانا يعتقدان أنّ صفقة جزئيّة من أي نوع تشكّل كارثة على عرفات، ولم يريدا أن يفكّر الرئيس بهذه التعابير. كنّا جميعاً نعلم أنّه لا يمكن تحقيق الكثير إذا بقيت الورقة الأمنيّة في جيب بيبي لا جيبنا. ولذلك بدأ جورج تنيت اليوم في العمل مع رجال الأمن الفلسطينيّين. وعلى رغم طمأنة عرفات الرئيس بشأن الجانب الأمنيّ، سرعان ما واجه جورج مشكلة ـ فقد شعر دحلان أن الأهداف تتحرّك بشكل مستمرّ. كنّا نشعر بالرضى، أما الآن فلا. وبصرف النظر عما يقوله لنا، سيواصل الإسرائيليّون طلب المزيد وسنجاريهم بكل بساطة. وهو يرى أنّنا نستنزفه حتى الجفاف بطريقة تجعله مكشوفاً في غزّة. لذلك كان يريد أن يعرف أننا سنقف عند نقطة ما وستكون نهائيّة ـ لا مزيد من الأسئلة عما سيقدّمه ولا مزيد من المطالب. ونتيجة لذلك قاوم ما كان يطلبه جورج، لا سيّما من ناحية مكافحة البنية التحتيّة المدنيّة كجزء من مواجهة الإرهاب. وهنا يكمن التحدّي الذي علينا التغلّب عليه.

إنّه يوم أحد، وسيصل الرئيس في حوالي الساعة الحادية عشرة صباحاً، وسينضم إليه نائب الرئيس غور. وكنّا قد حدّدنا في برنامجنا نحو ساعة من المباحثات مع الرئيس لكي يكون مستعدّاً للغداء المزمع مع بيبي ووزرائه ـ وزيري الخارجيّة شارون والدفاع مردخاي اللذين وصلا في هذا الصباح. وللاجتماع والإعداد للغداء ويوم العمل، انتقلنا إلى منزل منعزل آخر في المجمّع ـ تنس هاوس الواقع على نهر واي وعلى بعد مسيرة خمس دقائق على الأقدام من واي سنتر.

استخدمنا وقت تقديم المعلومات الموجزة لتكرار ما نحتاج إليه من بيبي إذا كنّا سنأمل في الوصول إلى اتفاق. ووقف ساندي ومادلين ضدّ الصفقة الجزئيّة على أساس أنّها تضعف عرفات. ووافق الرئيس. وكان كلاهما يريدان من الرئيس أن يعرض حزمة إجماليّة على بيبي ويقول هذا ما يمكننا عمله، فإذا لم يكن بوسعك القبول بها لنعترف ببساطة بعدم إمكانيّة القيام بذلك.

كان سلوك هذا الطريق مقامرة، لكنّني قلت إنّ التصرّف مفيد في إجبار بيبي على البوح بما لديه. وكان ساندي يعتقد أنّ بيبي قد يتراجع، فيما اعتقدت مادلين أن الوقت حان لكي يعرض بيبي ما لديه أو يسكت (وكانت ترى أن السكوت هو الأرجح).

استمع الرئيس ونائبه إليهما وإلى ما قلته بشأن ما يمكن أن تضمّه الحزمة. ثم سألني الرئيس عن رأيي فيما يجب أن نفعله. قدّمت تقييمي لبيبي: لا يمكنه المغادرة بدون صفقة من أي نوع، ولو صفقة جزئيّة، تظهر حدوث تقدّم دون أن تجبره على الانفصال عن اليمين. فالوسط في إسرائيل يشكّ في قدرة بيبي على عقد أيّ صفقة، حتى لو كانت لصالح أمن إسرائيل. صحيح أنّ بيبي لا يريد أن يخسر اليمين بتقديم الكثير، لكنّه لا يستطيع أن يخسر الوسط ـ وسيحدث ذلك إذا ما أعلنّا إنهاء جهودنا. إنّ ذلك يوفّر لنا القدرة على الضغط، وعلينا ألا نخجل من استخدامه.

وعلى ضوء ذلك اقترحت أن يوضح الرئيس بجلاء بأنّه لا يستطيع مواصلة المباحثات ليس إلاّ. عليه أن يعرض الحزمة بأكملها على بيبي ويقول له هذا ما نحن مستعدّون لحثّ عرفات عليه وعلينا أن نعرف إذا ما كان علينا أن نتقدّم أم لا.

سأل الرئيس نائبه غور عن رأيه. فأجاب نائب الرئيس بأنّه لا يوجد احتمال يزيد على 10 بالمائة للوصول إلى اتفاق. وكان يشكّ في أنّ بيبي قادر على ذلك. لكنّه كان يعتقد أن النهج الذي أجملته هو المسار الصحيح الذي نسير عليه. ورأى غور أنّه لكي ندفع بيبي إلى التقدّم، علينا أن نظهر مدى الشوط الكبير الذي قطعناه ومقدار ما سيتخلّى عنه بيبي بتجاهل ما حقّقناه لأمن إسرائيل. وكان يعتقد أنّ من الأفضل للرئيس أن يطرح هذا التعليق أمام الوزراء الآخرين على الغداء. وافق الرئيس على جوهر تعليقات نائبه ـ وعلى تقييمي ـ لكنّه لم يوافق على اقتراح طرح ذلك أمام بيبي ووزرائه معاً. كان يعتقد أنّ علينا أن نمنح بيبي فرصة لاستمالة الآخرين إلى طريقه، لا أن يبدو كأنّه يتنازل أمام الرئيس.