السلام المفقود (3)

ـ عريقات أبلغني بالموافقة على الخطة الأمنية ولكنه ضمنها 4 لاءات

كنت أعلم أنّ الإسرائيليين لن ينهضوا باكراً صباح عطلة السبت. وكنت قد أبلغت ناتان وإسحاق مولخو بأنني سآتي إليهما لنمشي معاً في حوالي الساعة الحادية عشرة. بدلاً من ذلك انتظرت صائب عريقات وأرسلت خبراً بأنّني سأراهما بعد الظهر. لكن تبيّن لي أنّ ذلك متعذّر لأنّه كان عليّ إطلاع الرئيس القادم من البيت الأبيض على ما جرى. ونتيجة لذلك لم ألتقِ بأي إسرائيليّ قبل لقاء الرئيس مع بيبي في الرابعة بعد الظهر، تاركاً لهم أن يتساءلوا عما نعدّه مع الفلسطينيين. لم تكن تلك حركة ذكيّة من جانبي. لكنني كنت سأحصل على ما أريد من الفلسطينيين.
جاء صائب وحده إلى غرفتي في الحادية عشرة صباحاً. وكان معي آرون وجمال فقط. قال «إنني لست هنا للتفاوض أو للتلاعب على الكلمات. هل يريد الإسرائيليون إعلانات أو مضموناً؟ إذا كانوا يريدون المضمون فسيحصلون عليه، ولا يمكننا القيام بالإعلان إلا على حساب المضمون. سأكون صريحاً معك وأبلغك ما يمكننا عمله في الجانب الأمنيّ من النصّ الذي عرضته على دحلان. يمكننا القبول به كله تقريباً».

ركّزت على «تقريباً» لا على «كله»، وانتظرت بقيّة كلامه. وقد جاء في صيغة ألطف مما توقّعت. فقد ذكر أربع نقاط يجب تغييرها ذاكراً أنّهم يقومون بما نريده في كل نقطة لكنّهم يحتاجون إلى نصّ جديد: «لا تأتوا على ذكر القائمة المحددة للمشبوهين الذين يجب القبض عليهم، ولا تأتوا على ذكر آلية التدقيق في إطلاق السجناء، ولا تذكروا نقل الولايات المتحدة الأسلحة المصادرة بصورة غير قانونية، ولا تذكروا شيئاً عن تقديم الفلسطينيين لائحة بمكان توجّه الأعداد الفائضة من رجال الشرطة». كرّر صائب النقطتين اللتين اعترض عليهما دحلان بشدّة، وأضاف مشكلتين أخريين، لكنّه، خلافاً لدحلان، قال صراحة إنّهم سيقبلون بقيّة النصّ الأمنيّ.

كان ذلك مفيداً، لكن لم يكن بوسعي أن أدعه يعتقد بأنّنا نستطيع القبول بإزالة كل إشارة إلى هذه النقاط الأربع. قلت له «صائب، لقد سمعتك وأتفهّم موقفك تماماً. وأنا مستعدّ للنظر فيما تطلبون، لكنني لا أستطيع أن أعدك بأننا سنتمكن من مسايرتكم. فالجانب الإسرائيليّ سيقول إنّه لا يوجد غموض في التزاماته وستنقلب الأمور عليكم والنصّ واضح. يجب على الأقل أن يكون لدينا شيء في النص يمكننا من التعامل مع كلّ من هذه القضايا».

بحثنا كلاًّ من هذه القضايا: قائمة المشبوهين والتدقيق في إطلاق السجناء، وجمع الولايات المتحدة الأسلحة غير القانونية وماذا يحدث للفائض في رجال الشرطة. واقترح صائب صيغاً غامضة لكل منها قائلاً إنّ هذا حدود ما هو ممكن.

طلب التحدّث معي على انفراد، فمشينا في الخارج حيث أطلعني على مسوّدة للتعليقات السلبية. وقال إنّ أبا مازن رفض ما أراد الآخرون قوله، لعلمه أنّك ستقول لنا «بلطوا البحر» (كان مصيباً). وتابع قائلاً «قال لي أبو مازن اذهب وأنجز الأمر. لقد أقنعت دحلان وهو يستطيع التعايش مع ما وصفته لك. سننفذ المضمون، لكن لا تحشرنا في الزاوية. لا تسلبنا احترامنا لأنفسنا. إنني لا أفاوض الآن، بل أحاول أن أنهي الأمر بطريقة يرضون عنها ونرضى عنها».

قلت لصائب إنني أعرف أنه يبذل جهداً صادقاً وإنني أقدر ذلك. لم يكن بوسعي تقديم وعود، لكن سأرى ما يمكنني أن أفعله. فقال صائب، «حاول يا دنيس، حاول حقاً».

بعد أن ذهب صائب، توجهت إلى مادلين وأخبرتها أن لدي أنباء طيّبة وأنباءً سيّئة: لقد كان الردّ الفلسطيني على الجانب الأمني أفضل مما توقعت، حيث توجد فيه مقاطع حاسمة مثل تعقب المجموعات الإرهابية وبنيتها التحتية التي بقيت سليمة. لكن حذفت أربع نقاط رئيسية من النص، ولا أظن أن الفلسطينيين سيكونون أكثر صراحة علناً. سيقول بيبي «إنّك تقتطع من المضمون لا الأسلوب» وسيحاجج بأننا «ندمّر ما يفترض أن تحصل عليه إسرائيل من الفلسطينيين».

أبلغت وزيرة الخارجيّة أن بيبي سيكون محقّاً من وجهة نظر سياسته. وسيكون علينا أن نقول له إننا ننتج المضمون الذي يحتاج إليه، وأن ذلك يعتدّ به أكثر من الرموز في نهاية المطاف. واصلت الاعتقاد بأن بيبي سيقبل اتفاقاً إذا حصلنا على التزامات صلبة من الفلسطينيين بشأن ما سيقومون به عملياً في كل المسائل الأمنية. كنت أعرف أنه يريد تسويق اتفاق ينسحب فيه من أرض في الضفة الغربية ـ وتلك هرطقة إيديولوجية بالنسبة لقاعدته ـ بإظهار أنّه يحصل من الفلسطينيين على أكثر مما يعتقد الناس أنه ممكن، وأكثر دون شكّ مما حصل عليه حزب العمل. لذلك فإنّه يحتاج إلى «الجوائز». وكنت الآن أكثر تعاطفاً مع رغبته في الجوائز، لا سيّما أنّ علينا أن نضعف مظهر ما سيحصل عليه في الجانب الأمني.

لكنني شدّدت أمام مادلين على أن أولويتنا الأولى يجب أن تكون الحصول عملياً، في خطة عمل يمكن الركون إليها، على توقيف أو اعتقال القائمة وآلية التدقيق والإجراءات ضد البنية التحتية المدنية الداعمة للإرهاب ومصادرة الأسلحة غير القانونية. على الفلسطينيين أن يفعلوا هذه الأشياء بالفعل، حتى وإن كانوا لن يصفوا التزاماتهم علناً بهذه الصراحة. علينا الحصول على هذه الالتزامات قبل أن نضغط على بيبي لقبول لغة أكثر ليونة مما توصلنا إليه معه في كل المسائل الأمنية.

وافقت مادلين على أن تلك هي الاستراتيجية الصحيحة التي نتبعها، لكنها أرادت أن تعرف ماذا سيفعل الرئيس مع بيبي وعرفات عند عودته للاجتماع بهما بعد ظهر اليوم.

نحتاج مع بيبي إلى أن يقول جورج كينيت أمام الرئيس إن الفلسطينيين قدموا الآن خطة يمكن الركون إليها، وهي تشمل كافة المستويات ـ العسكريّة والمدنيّة ـ وتعطي صورة واضحة عما سيقوم به الفلسطينيون.

عندئذ أعتقد أن الرئيس يمكنه أن يطلب من بيبي إعطاءه الـ 14.2 بالمائة في جيبه وأن يعطينا المزيد من حرية التصرف بشأن اللغة المستخدمة لإعادة الانتشار الثالثة. وإذا ما تمكن الرئيس كلينتون من الحصول على هذه الأشياء، سنكون في موقف يمكننا من الذهاب إلى عرفات والحصول على المزيد، بما في ذلك التفاهمات الخاصة بالأمن والتي سيكون الحصول عليها ضروريا جداً بالنسبة إلينا.

وافقت مادلين لكنها أرادت مراجعة كل ذلك مع ساندي عند وصوله.

* دنيس روس: خدعة ودراما إسرائيلية كاذبة انطلت على الفلسطينيين ولكن ليس علينا..!

* أنتج يوم الأربعاء الأزمة التي تنبّأت بها. فكما هو متوقّع، عندما حصل الإسرائيليّون على النص الفعلي، كان لديهم مشكلة كبيرة معه، مشكلة كبيرة جدّاً بحيث إنّهم هدّدوا بمغادرة واي.

كنت أنا ومادلين نتناول طعام الفطور في واي سنتر. كنّا نحاول ترتيب اجتماع بين اولبرايت ونتنياهو عندما أفادنا بات كنيدي ـ المسؤول عن الأمور اللوجستيّة في القمّة لكل الفرقاء ـ بأنّ الإسرائيليّين طلبوا منه المساعدة للتوجّه إلى مطار أندروز في الساعات القليلة التالية. نظرت إليّ مادلين وسألت ما العمل، وكيف نستجيب إلى ذلك؟

قلت إننا كنا نتوقع حدوث أزمة معهم عندما يرون اللغة اللينة مكتوبة على الورق، وأنهم لن يحصلوا على كل ما يريدون. كما أنهم ربما يرفعون من غضبهم لكي يقنعونا بأنّ الأمور سيّئة جدّاً بحيث نعطيهم بعض التطمينات الجانبيّة. وقلت، «إنّ أهمّ ما يمكننا القيام به هو أن نوضح أنّنا لن ننزعج من تمثيليتهم الصغيرة. لنبلغهم بأنهم إذا أرادوا الرحيل فإننا راغبون في مساعدتهم على القيام بذلك». وختمت حديثي بإبلاغ مادلين أن ذلك «نهج لا خسارة فيه بالنسبة إلينا. إمّا أن نتحدى بيبي بأن ينفذ تهديده وإما إذا تبين أنه لا يهدد ـ وهو أمر أشكّ فيه كثيراً ـ وترك بيبي محادثات السلام، فعليه عندئذ أن يفسّر لماذا أعطى ظهره لمحادثات السلام».

وعندما وضع فريقه حقائبهم خارج ريفر هاوس بعد وقت قصير، علمنا أنها خدعة. فإن كنت تريد المغادرة تغادر فحسب. تجري ترتيباً لموعد مغادرة طائرتك وتستدعي الشاحنات المقفلة وتشحن الحقائب في الشاحنات. لم يكن هناك أيّ إثارة في وضعهم الحقائب في الخارج، بل دراما كاذبة فحسب.

رأى الفلسطينيون بالطبع العرض المسرحي الإسرائيلي. وكان من الطبيعي أن يفترضوا أن الإسرائيليين يواجهون مشكلة معنا. استخدمت ذلك لبناء مصداقية جهودنا. لم يكن بوسعي تقديم النصّ بأكمله إلى الفلسطينيين بعد لأننا لم نحصل على تعليقات من الإسرائيليين ـ وربما نجري بعض التغييرات على هذا النص المنقح لجعله أكثر استساغة بالنسبة إليهم. لكنني التقيت بصائب ومفاوض فلسطينيّ آخر، حسن عصفور، وأوضحت أننا نراجع الصياغات الأمنية مع الإسرائيليين، وأننا حاولنا أن نأخذ المخاوف الفلسطينية بالحسبان وأنّ الإسرائيليين لم يرقْ لهم ذلك. لكن قلت لا تخدعوا أنفسكم، فنحن لا نستطع «أن نجاريكم في تليين النصّ إلا إذا حصلنا على تطمينات واضحة منكم بشأن توقيف المشبوهين والتدقيق في إطلاق المسجونين والشرطة ومصادرة الأسلحة غير القانونيّة».

تجاهلنا الإسرائيليين، فيما بقيت حقائبهم في الخارج معظم النهار، وعملنا مع الجانبين على التطمينات. ركزنا مع الفلسطينيين على توجيه رسالة إلى وزيرة الخارجية من عرفات تتقدّم من قضيّة إلى أخرى وتطمئننا أنّ الفلسطينيين سيفون بواجباتهم، وبخاصة أنّه لن يكون هناك «باب دوّار» بشأن إطلاق المساجين. كنّا بحاجة إلى هذه اللغة لاستخدامها مع بيبي.

كان اجتماعنا مع بيبي ووزرائه ـ شارون ومُردخاي وشارانسكي ـ يستحقّ الاهتمام لسببين. أولاً، وافقت وزيرة الخارجيّة على طلب بيبي رسالة تؤكّد على أنّ تنفيذ الفلسطينيّين لكافة التزاماتهم يجب أن يتمّ قبل أن نتقدم من مرحلة إلى التالية في الجدول الزمنيّ. ثانيا، رداً على بيان وزيرة الخارجيّة بأن للفلسطينيّين الحق بأن يتوقعوا التنفيذ من الإسرائيليين أيضاً، استاء شارون ونعت الفلسطينيين بأنهم «عصابة من المجرمين».

* روس: أعطينا الإسرائيليين النص المقترح للإتفاق فهددونا إذا لم نقبل تعديلاتهم

* كان اجتماعنا مع بيبي ووزرائه ـ شارون ومُردخاي وشارانسكي ـ يستحقّ الاهتمام لسببين. أولاً، وافقت وزيرة الخارجيّة على طلب بيبي رسالة تؤكّد على أنّ تنفيذ الفلسطينيّين لكافّة التزاماتهم يجب أن يتمّ قبل أن نتقدّم من مرحلة إلى التالية في الجدول الزمنيّ. ثانيا، ردّاً على بيان وزيرة الخارجيّة بأنّ للفلسطينيّين الحقّ بأن يتوقّعوا التنفيذ من الإسرائيليّين أيضاً، استاء شارون ونعت الفلسطينيّين بأنّهم «عصابة من المجرمين».

في أعقاب الاجتماع مع بيبي، أنهيت تفاهماتنا الجانبيّة بمفردي مع إسحاق مولخو. لم يكن ذلك يعني أنّ مصاعبنا قد انتهت، بل أنّ الإسرائيليّين سيعطوننا الآن تعليقاتهم على النصّ بأكمله لنردّ عليها. كنت أتوقّع أنّ المباحثات مع إسحاق وداني نافيه ودانييل ريزنر ستكون صعبة، حيث سيحاولون قراءة النصّ كلمة كلمة ليروا ما المزيد الذي يمكنهم الحصول عليه.

طلبت من مارتن وآرون وجون شوارتز الانضمام إليّ في المباحثات. وكان البحث يتخذ المسار الذي توقّعته عندما أحضر مساعدي، نيك راسموسن، تقريراً من رويترز يستشهد بأفيف بوشينسكي، وهو الناطق الرسميّ الصحفيّ الإسرائيليّ، الذي «هدّد» بمغادرة واي إذا لم يكن الإسرائيليّون راضون عن نتائج المراجعة التي يجرونها للنصّ المقترح. لم يكن «التهديد» سلوكاً مقبولاً، لكنّه كان سلوكاً مع ذلك. والأهمّ من ذلك أنّ الإشارة إلى أنّنا نقوم حاليّاً بمراجعة النصّ مع الإسرائيليّين تخرق تفاهمنا على أنّ إطلاعهم على النصّ قبل تقديمه إلى الفلسطينيّين يستند إلى السريّة التامّة. وخرق القاعدة، كما أكّدنا طوال الطريق، يعني أنّنا لن نعود ملزمين بأي تفاهمات توصّلنا إليها فيما بيننا، وقد أبلغتهم بذلك. علينا التشاور مع وزيرة الخارجيّة بشأن ما يجب عمله عند هذه النقطة.

عرف الإسرائيليّون أنّهم يواجهون مشكلة. فبعد أن قطعنا المفاوضات بوقت قصير، اتصل داني نافيه وزلمان شوفال وسألا إن كان بوسعهما المجيء لمقابلة وزيرة الخارجيّة. أخبراها أنّ بيبي لم يكن يعرف بالبيان الصحفيّ، وردّت وزيرة الخارجيّة أنّ «من الصعب تصديق» ذلك. واقترح داني وزلمان أن تتوجّه وزيرة الخارجيّة للقاء رئيس الوزراء بمفرده لتصفية الجوّ. وقد وافقت.

فيما كانت تستعدّ للذهاب إلى ريفر هاوس، دخل جورج وأعلن، «لقد حصلنا عليه، الصفقة الأمنيّة« تمّت بين مردخاي ودحلان. وقد «وافقا على خلاصتي لتفاهمهما»، وسيكون أمام الفلسطينيّين أسبوع واحد لإتمام خطّة العمل التي تستمرّ ثلاثين يوماً.

بوجود اتفاق مردخاي بيدنا، أبلغت وزيرة الخارجيّة أنّ لديها الكثير من أوراق الضغط على بيبي. لم يعد علينا مطاردته أو العمل وفق جدول عمله. يمكننا العمل وفق جدول عملنا الذي يحدّده الآن الفريق السياسيّ في البيت الأبيض. وقد أصرّوا، نظراً لأنّ انتخابات نصف المدّة ستجري بعد ستّة أيّام فقط، على أن ينضمّ الرئيس إلى الحملة، وأن يكون غداً ـ الخميس ـ آخر يوم لتواجد الرئيس في واي.

ذهبت مادلين للقاء بيبي وأفادت عند عودتها أنّ بيبي مستعدّ الآن لمتابعة مراجعة النصّ ومحاولة الانتهاء من كل شيء غداً.

اجتمعت بإسحاق وداني وأبلغتهما أنّ «رئيس الوزراء وافق على أن نقدّم النصّ إلى الجانبين الآن». بدا أنّهما تفاجآ وقالا إنّهما فهما أنّ علينا مراجعة النصّ قبل تقديمه إلى الفلسطينيّين، لكنّهما «سيراجعان رئيس الوزراء».

كانت تعليماتي تقضي بإعطاء النصّ للفلسطينيّين الآن، ولم يكن في خاطري إضاعة الوقت فيما ذهبا لمقابلة بيبي. أبلغتهما ذلك، لكنّني قلت إنّني سأعطيهما نصف الساعة التالية لإنهاء مراجعة تعليقاتهما. وقد شكراني لكنّ سعادتهما سرعان ما تحوّلت إلى ألم حقيقيّ. وقبل الاختتام أبلغتهما أنّنا لن نقدّم رسالة بشأن عدم الانتقال من مرحلة إلى التالية إلا بعد إتمام الواجبات، ولا جدولاً زمنيّاً تأتي فيه المسؤوليّات الفلسطينية قبل تنفيذ الواجبات الإسرائيليّة. فعلى الرغم من وعد وزيرة الخارجيّة في وقت سابق ورغبتنا في الاستجابة للمطالب الإسرائيليّة، إلا أنّ التسريب قوّض مصداقيّتنا مع الفلسطينيّين ـ «كنّا نعني ما قلناه عن عدم انعقاد التفاهم إذا لم يحترموا مبدأ السريّة». بدا إسحاق وداني كأنّهما لكما على معدتهما، لكنّهما سرعان ما سلّما بالأمر. وقد أشار ذلك بوضوح شديد إلى أنّها مستميتان لإبرام الصفقة.

كانت مادلين متلهّفة للتقدّم، وبناء على إلحاحها طلبت من آرون تقديم النصّ ـ مع بعض التعديلات التي تأخذ في الحسبان ما سمعناه من الإسرائيليّين ـ إلى الفلسطينيّين خلال ساعة. وقد فعل ذلك وأفاد بأنّهم استمعوا إلى شرح كل مقطع وطرحوا بعض الأسئلة. لكنّ آرون قال إنّهم «كانوا في مزاج مستكين». قلت لم لا؟ لقد رأونا نتصارع مع الإسرائيليّين طوال اليوم، وهو ما لم يكونوا يتوقّعونه تماماً.

* كلينتون لم يحبذ لقاء منفردا بنتنياهو وقال: ماذا أفعل معه لوحدنا

* دخلنا لنطلع الرئيس على ما دار. كان رام إيمانوئيل، لعلّه أهم مستشاري الرئيس في القضايا الداخلية، قد رافق الرئيس إلى واي، وطلب مني أن أذكر ما يجب أن يقوله الرئيس. فقلت «سيّدي الرئيس، ما عليك إلا أن تقول لقد حصلت على خطّة أمنيّة حقيقيّة، وعليك الآن يا بيبي أن تضع بضعة أشياء في جيبي».

قال الرئيس إنّه أدرك الأمر، لكنّه سأل ألن يكون من الأفضل بالنسبة إليه أن يفعل ذلك في مجموعة صغيرة بدلاً من اجتماع بين شخصين؟ أومأنا جميعاً بالإيجاب، وسأل عندئذ، ماذا أفعل معه لوحدنا؟ اقترحت أنّ بوسعنا أخذ استراحة قصيرة بين الاجتماعين لبحث ما قد يكون من المفيد عمله بعد ذلك. وافق الرئيس ومشينا مسافة الخمسمئة ياردة إلى ريفر هاوس وكنّا نبدو كجيش مع حشود من رجال الأمن ومعنا فريقنا بأكمله يمشون مثقلين. شعر الرئيس بسخف هذا المشهد فالتفت إلى جورج وقال، «أتعتقد أنّ لدينا ما يكفي من الأشخاص معنا؟».

لسوء الحظّ، عندما وصلنا إلى هناك، ذهبت خطّتنا المحبوكة جيدّاً أدراج الرياح. رحّب بيبي بالرئيس، وعندما اقترح الرئيس اجتماعاً لمجموعة صغيرة أولاً، أجاب بيبي «حسناً» وأحضر معه ثمانية أشخاص إلى السقيفة. ولأنّ الإسرائيليين لم يلتقوا بأيّ أميركيّ طوال اليوم، كانوا متوتّرين ومن ثمّ كان الوفد الموسّع. تراجعت إلى الخلف لجعل مجموعتنا أصغر، ومن حيث كنت أقف كان بوسعي أن أرى جورج وساندي ومادلين في جانبنا، وضعف العدد في جانب بيبي. وبعد بضع دقائق، طلب مني ساندي أن أنضمّ إليهم. فحشرت نفسي على كرسيّ أحضره مساعد بيبي العسكريّ وأدركت أنّ الاجتماع يسير على طريقة بيبي، لا على طريقتنا. لقد ارتكبت خطأ كبيراً في عدم التوجّه إلى ريفر هاوس نهاراً، على الأقل لأصافح الإسرائيليّين وأهدّئ شكوكهم وأشرح لهم ما نقوم به.

عندما جلست، كان بيبي يتحدّث إلى جانبه بقدر ما يتحدّث إلى جانبنا، وشدّد على أنّه لم يسمع أي شيء عن احتياجاته. وبدلاً من الردّ بشكل مباشر، طلب الرئيس من جورج أن يشرح ما الذي يتمّ عمله بالنسبة للاحتياجات الأمنيّة الإسرائيليّة وأين تقف الأمور في خطّتنا. ربما كان نجح ذلك لو لم يصرّ بيبي على أن يسمع الإسرائيليّون ذلك بشكل مباشر لا عن طريق طرف ثانٍ. وقال بيبي، «بقدر ما نثق بكم، الأمر يتعلّق بأمننا، ويجب أن يستمع شعبنا إلى خطط الفلسطينيين من الفلسطينيين».

رغم أنّ جورج كان واثقاً أن لدينا الآن خطّة عمل من الفلسطينيين، فقد شعر بعدم الارتياح فيما كان يزعم أنّ هناك خطّة عمل تلبّي الاحتياجات الأمنية الإسرائيلية عندما قال رئيس وزراء إسرائيل أنّ ذلك خبر جديد بالنسبة إليه. فالإسرائيليون يجب أن يروها على الأقل وأن يقبلوا أنّه يمكن الركون إليها. ونتيجة لذلك آثر جورج عدم مواجهة مقولة بيبي. لقد أبطلت المقدّمة المنطقيّة لهذا الاجتماع وما نقوم به فيه. وبدلاً من السماح لبيبي بأن يضعنا جميعاً في موقف دفاعيّ، آثرت أن أتدخّل: «اسمع يا حضرة رئيس الوزراء، إنّ ما سمعه رجالك الأمنيّون من الفلسطينيّين حتى هذه المرحلة يشمل المستويين العسكريّ والمدنيّ ويتجاوز كثيراً الخطّة الشاملة لسنة 1996 التي لطالما اعتبرتها نموذجاً يحتذى. وشعبك يقول إنّ هذه الخطّة جدية».

ردّ بيبي واصفاً الخطّة بأنّها واعدة ولكن غير كاملة، والآن، بعدما ووجه جورج بمقولة بيبي، قال، في نهاية المطاف «إنّه أمنك وسنعمل لكي نحمل الفلسطينيين على تقديم خطّة حقيقية»، معترفاً بأنّنا نحتاج إلى الحصول على المزيد من الفلسطينيين لكي يكون هناك خطة حقيقية. هنا تدخّل الرئيس طالباً من بيبي أن يراجع احتياجاته. مررنا عليها واحدة بعد الأخرى، فيما كان بيبي يذكر احتياجاته ثانية، وأخيراً نظر الرئيس إليّ. وقبل أن أستجيب، قال ساندي: «السيّد رئيس الوزراء، إنّنا نعمل فقط على جدول أعمالك، أنت لا تضع شيئاً في جيبنا. عليك أن تضع شيئاً في جيبنا إذا أردتنا أن نحصل على ما تحتاج إليه». تملّص بيبي من الإجابة قائلاً، «لقد قدّمنا ما يمكن أن نقدّمه».

ملت على ساندي وقلت، «هذا جوّ رهيب، لن يعطي بيبي شيئاً أمام كل هؤلاء الأشخاص. لندع الرئيس يجتمع به على انفراد ويحصل على الـ 14.2 بالمائة في جيبه. وامنحني دقيقة واحدة مع الرئيس قبل أن يجتمع مع بيبي على انفراد». وافق ساندي واقترح على المجموعة أنّه ربما يكون من المفيد أن يجتمع الزعيمان معاً على انفراد عند هذه النقطة.

جاء الرئيس ليتحدث إلي وقال، «لم أستطع أن أوقفه أمام كل هؤلاء الأشخاص. ماذا تريدني أن أفعل معه الآن؟» قلت، «سيعالج جورج الموضوع الأمني وستكون هناك خطّة يمكن الركون إليها، وعلينا أن نعرف إن كنّا سنحصل على الـ 14.2 بالمائة في جيبنا. أبلغه فقط أن عليك أن تحصل على ذلك». قال الرئيس كلينتون «فهمت». وقد حصل بالفعل على ما يريد.

لكن في الاجتماع الخاصّ أثار بيبي اقتراحاً جديداً. لماذا لا نسعى إلى اتفاق جزئيّ؟ فذلك يحدث تقدّماً دون إجباره أو إجبار عرفات على عمل ما لا يستطيعانه في هذه الفترة. ونظراً لأنّ عرفات لا يستطيع في الظاهر تلبية طلب بيبي بشأن القتلة الثلاثين ولا عقد اجتماع المجلس الوطنيّ الفلسطينيّ بشأن الميثاق، يستطيع بيبي تنفيذ الـ 13 بالمائة لكنّه بحاجة إلى هاتين الخطوتين من عرفات لنقل السلطة من 14.2 بالمائة من المنطقة «ب» إلى المنطقة «أ». وإذا كان ما يحتاج إليه بيبي صعباً جدّاً على عرفات الآن، لم لا نحدث تقدّماً ولكن باتفاق على حزمة أقل؟

كان من المفترض أن يلتقي الرئيس بعرفات على انفراد الآن. وبدون أن يسألنا، قال الرئيس إنّه لا يعتقد أنّ عليه أن يراجع كل هذه الأمور في هذه المرحلة، فما الذي يجب أن أفعله؟ قلت لن نصل إلى أي مكان بدون الخطّة الأمنيّة. وعليك أن تكرّر ثانية وجوب أن نحصل على خطّة عمل يمكن الركون إليها وإلا لن نحصل له على شي. يجب أن يشارك جورج في اجتماعك مع عرفات ويجب على عرفات أن يصدر تعليمات إلى رجاله الأمنيّين ليعطوا جورج ما يحتاج إليه. أومأ الرئيس برأسه، وقال عرفات إنّه سيفعل ما طلبه الرئيس. وأبلغ الرئيس أيضاً عرفات على انفراد أنّ لديه الـ 14.2 بالمائة في جيبه، وذلك يعكس بوضوح رؤية الرئيس بأنّه يحتاج إلى إعطاء عرفات شيئاً. وفيما وصل اليوم الثالث إلى نهايته، تساءلت إذا ما كان عرفات سيعطينا ما نحتاج إليه.