الأكّدية و الإبلوية

ترجمة: د. فاروق إسماعيل*

المحور الأساسي لهذا البحث- توافقاً مع خطة موضوعات الندوة(1) - هو دراسة علاقة اللغة الإبلوية بالأكّدية. ولما كان موضوع العلاقة بين الإبلوية والكنعانية غائباً عن الندوة؛ فأرى من الضروري أن أشير إليها- بإيجاز- أيضاً.‏

ظهر منذ السنوات الأولى التالية لاكتشاف أرشيف القصر الملكي في إبلا اتجاهان في مسألة تصنيف اللغة الإبلوية ضمن مجموعة اللغات السامية المعروفة، وهما:‏

1.اتجاه يمثّله أغلبية الباحثين، ويذهبون إلى أن الإبلوية هي أقدم اللغات الكنعانية المعروفة.‏

2.اتجاه يمثله قلة من الباحثين، ويذهبون إلى أنها لهجة غربية من الأكّدية.‏

وقد دعم أصحاب الاتجاهين مذهبهم بدلائل ذات أهمية. ولكن- رغم ذلك- فإنهم جميعاً لا يوضحون بشكل مقنع كل الخصائص المميزة لهذه اللغة الجديدة ضمن إطار التطور التاريخي اللغوي.‏

طرحتُ للمناقشة- سنة 1981(2) - احتمالاً آخر؛ هو أن تكون الإبلوية لغة خاصة لا تنتمي إلى كلتي المجموعتين: السامية الشمالية الغربية، السامية الشمالية الشرقية. وثمة معطيات جديدة تجعل من الضروري التفكير في المسألة من جديد.‏

نشر ج. بتّيناتو G. Pettinato هذه السنة القوائم المعجمية ثنائية اللغة المكتشفة في إبلا(3) ، ولم يكن معروفاً منها قبل ذلك سوى مقتطفات، كما كانت معظم القوائم المنشورة سابقاً أحادية اللغة سومرية)(4) . وهذه القوائم الجديدة قوّت قناعتي بأن الإبلوية لا يمكن أن توصف بأنها "كنعانية مبكرة" ولا بأنها "لهجة غربية من الأكّدية". كما تشير إلى المنحى نفسه الوثائق الإدارية التي نشرت حالياً في المجلدين الثاني والثالث من سلسلة نصوص الأرشيف الملكي في إبلا(5) . وإذا ما أضفنا إليها بعض النصوص المنشورة في سلسلة Seb فسنلاحظ أن عدد نصوص إبلا المنشورة قد تزايد بشكل واضح منذ سنة 1981م.‏

سبق أن درس عدد من الزملاء الباحثين هذه المادة الجديدة، واستخلصوا منها معلومات مفصلة. ومنهم من زاد عليها معلومات مستقاة من نصوص غير منشورة وُضعت تحت تصرّفهم. وثمة مساهمة لفرونزارولي Fronzaroli- غير مطبوعة بعد- في هذا السياق قدّمت إلينا الآن خلال هذه الندوة).‏

ولكن إذا ما أردتُ التحدث عن تصنيف الإبلوية ضمن إطار اللغات السامية القديمة المعروفة فيجب عليّ أن أعرض قبل ذلك تصورات عامة عن اللغات ولهجاتها وعن السر اللغوية.‏

إننا نمتلك في لغاتنا المعاصرة) مصطلحات قليلة وغير محددة بوضوح، يمكن استخدامها في تمييز اللهجات أو الصيغ المحلية للغة ما أو المجموعات اللغوية المختلفة. وسبب هذه الحقيقة المؤسفة هو- بلا شك- ضعف اهتمام علماء اللغة بمسألة المصطلح. والأنكى من ذلك هو أن اللغات أو المجموعات اللغوية نفسها تجعل من الصعب؛ بل من المستحيل الاهتداء إلى ملامح مطّردة فيها، ويمكن الاعتماد عليها في تبيين الفروق بين اللغات أو المجموعات اللغوية المختلفة. وقد تكون الفروق في الأصوات اللغوية والنحو والمعجم مجرد قرائن لهجية أحياناً، ولكنها قد تكفي في أحيان أخرى للاعتماد عليها في إثبات حقيقة لغاتٍ مختلفة.‏

بشكل عام هناك ميل إلى عدّ تلك الفروق في دولةٍ يغلب عليها طابع التجانس العرقي علامات لهجية، أما اللهجات التي صارت منذ زمن طويل لغات شائعة في دول عدة فيمكن تصنيفها على أنها لغات مستقلة.‏

فاللغة الهولندية- على سبيل المثال- هي لغة مستقلة إزاء الألمانية الفصحى. بينما تعدّ اللهجات الألمانية الدارجة- ذات الصلة بالهولندية- لهجات ألمانية.‏

أما واقع اللغة العربية فمختلف تماماً؛ لأن كل الدول العربية تستخدم العربية الفصحى المعاصرة في الكتابة رغم وجود فروق بينها. ويمكن ملاحظة أن اللهجة المغربية تتميز عن لهجات المشرق العربي.‏

وتُميّز اللهجات الأكّدية وفق معايير مختلفة؛ فنحن نتحدث عن اللهجتين البابلية والآشورية، ونقدّر المشترك بينهما مرحلة سابقة لانقسامهما. كما نميز ضمن البابلية القديمة لهجات عدة، مثل: البابلية الشمالية، البابلية الجنوبية، لهجة ماري، لهجة إشنونّا.. الخ، رغم أن الفروق بينها أقل. ونجري تعديلات أخرى على مفهوم اللهجة إذا ما شمل حديثنا لغات أخرى أو ما نسميها باللهجات الأدبية. ولذلك أعتقد أننا بحاجة إلى أن نستخدم بدلاً من كلمة "لهجة" الوحيدة ثلاثة أو أربعة مصطلحات مختلفة متمايزة عن بعضها من حيث الدلالة بشكل أفضل.‏

وإذا ما انصرفنا إلى المجموعات اللغوية فسنجد أنها تفتقر أكثر إلى مصطلح محدد واضح ومقبول. ولا يمكننا في إطار هذا البحث الاهتمام بغير تأمل التطور اللغوي التاريخي ومراحله المتعاقبة.‏

ففي المنظور التعاقبي تظهر أمام الباحثين في اللغات السامية- قبل كل شيء- اللغات المتصرّفة التي تشكل مجموعة كبيرة تتميز بتحولات الجذور اللغوية وغيرها من الخصائص المشتركة. وقد انفصلت عن مجموع اللغات اللصقية- الخالية من ظاهرة تحول الجذور اللغوية- في زمن مبكر، ثم افترقت إلى لغات هندو جرمانية وسامية- حامية، ولا أرى المجال هنا مناسباً للحديث عن مشكلة اللغات السامية- الحامية المعقدة. ويجدر الذكر أن معظم اللغات الحامية بقيت حتى العصر الحديث دون تدوين كتابي؛ ولذلك فإن إمكانية إجراء مقارنة مفيدة لها باللغات السامية القديمة ضعيفة.‏

يحقّ لنا أن نفترض أن المظاهر الخاصة للأصل اللغوي السامي تشكلّت في نحو الألف الخامس ق.م في شمال غربي أفريقيا أو المناطق المجاورة لها. وإذا تبعنا روسلر Roessler الذي طرح أفكاراً أولية عن السامية الأم(6) ، فتكون لغات البربر في شمال غربي أفريقيا متطورة عن بقايا أصيلة للسامية المبكرة التي تحدث بها الساميون الذين بقوا في تلك المنطقة. ولكن لا يمكن إطلاق أحكام أساسية على تلك البقايا إلا بشكل محدود جداً.‏

هاجرت جموع التحالفات العشائرية أو القبائل الناطقة بالسامية خلال الألف الرابع ق.م إلى الشرق بسبب تبدلات مناخية قاسية، ولا أعتقد أننا يمكن أن نكتشف في يوم ما الكيفية والسبل التي سلكتها خلال انتقالها. وترجع بدايات تشكّل الأسر اللغوية السامية القديمة إلى زمن تلك الهجرات وإلى المراكز الانتقالية المفترض وقوعها في شمالي أفريقيا والأطراف الغربية لمنطقة آسيا الغربية. ومن ثم فهذا يعني سقوط مفهوم "الأسرة اللغوية"، ولكن ذلك يحتاج إلى إيضاح.‏

إن "اللغات الأم" للفصائل اللغوية الكبرى- وهذا المصطلح لم يعمّ استخدامه بعد- مثل الهندوجرمانية الأم والسامية الأم يفترض أنها لم توجد كلغات مستقلة البتة، بل هي تمثل غالباً وسائل مساعدة لعملية إعادة بناء اللغات وفق معايير علم اللغة المقارن، والهدف من ذلك هو جمع الظواهر المتماثلة التي يمكن تمييزها ضمن أقدم اللغات المعروفة في إطار واحد. وربما كانت هناك أهمية لمعرفة سبل التكون اللغوي وأصول الكلمات في أقدم اللغات قاطبةً، ولكنها اختفت في اللغات التاريخية فيما بعد، وهي تخرج عن حدود معرفتنا.‏

يختلف الأمر- على الأقل في المبادئ الأساسية- بالنسبة للغات التي تطورت عنها لغات مستقلة تؤلف معاً أسرة لغوية. وأفضل الأمثلة عليها هي اللغات الرومانية- ضمن الهندو جرمانية- واللغات الآرامية- ضمن السامية-.‏

نشأت الرومانية عن اللاتينية المعروفة لنا جيداً، أما اللغات الأدبية الآرامية للمسيحيين السوريين واليهود والمندعيين فتعود نشأتها إلى اللغة الآرامية القديمة المعروفة لنا بشكل أقل. ونسبُ هذه اللغات الحديثة إلى تلك القديمة أمر لا شك فيه؛ ولو أنها تعرضت بوضوح لتأثيرات اللغات المجاورة التي احتكت بها.‏

ولكننا نجهل أصول لغات من أسر لغوية أخرى كالجرمانية والسلافية بسبب عدم توافر تراث كتابي مدون لها. ويجب علينا أن نرضى في هذه الحالة- كما في حالة الفصائل اللغوية الكبرى- بمحاولات إعادة تركيب تلك الأصول الأم، وهي لا تتطابق بالتأكيد مع بداياتها التاريخية تماماً.‏

ولذلك فإن وضع اللغات الجرمانية والسلافية مختلف؛ إذ لا نستطيع ربطها بكيان حضاري قديم موحد يمكن مقارنته بالحضارة الرومانية التي نشأت في دولة قوية.‏

يختلف التطور الخاص للغات المستقلة ضمن أسرة لغوية اختلافاً واسعاً، كما يكتسب المصير التاريخي للشعوب الناطقة بتلك اللغات أهمية كبرى في تحديد وجهة ذلك التطور. ومن المفروض أن تجنّبنا هاتان الحقيقتان خطر استخلاص نتائج متسرعة واسعة النطاق تتعلق بالأسر اللغوية‏

إننا نجد- على سبيل المثال- في الأسرة اللغوية السامية الشمالية الشرقية التي تمثّلها الأكّدية وحدها تمايزاً قليلاً مقارنة بغيرها؛ وذلك بسبب غنى الحضارة البابلية وقوتها. ويجعلنا هذا نتردد في تصنيف البابلية والآشورية لغتين خاصتين مستقلتين. ولتسويغ هذا التردد يمكن أن نحتج بأن الآشوريين في عصرهم الحديث الألف الأول ق.م) لم ينظروا إلى البابلية على أنها لغة أخرى، وخلطوا دون حرجٍ حتى في النصوص الأدبية- التي كانت تلقى التهذيب اللغوي- بين الصيغ والأشكال الكتابية البابلية والآشورية.‏

وبقيت اللغات الآرامية متشابهة قروناً من الزمن؛ على الرغم من الفروق الموجودة بين الشرقية والغربية منها، والتطورات الخاصة في المندعية. ولم تتمايز وتتباعد عن بعضها بشدة إلا في العصر الحديث.‏

ويمكن أن نلاحظ اليوم في اللغات العربية الجنوبية- الإثيوبية اختلافات كبيرة مماثلة للشائعة ضمن أسرة اللغات الهندوجرمانية. وأعتقد أن أسباب تمايز اللغات المستخدمة في العصر الحديث وابتعادها عن بعضها هو موضوع قائم بذاته وجدير بالدرس.‏

لنعد إلى أسر اللغات السامية القديمة؛ فحسب المفهوم التقليدي الشائع انفصلت أول الأمر اللغة الأكّدية الشمالية الشرقية) عن اللغات الأخرى الموصوفة بالسامية الغربية، وتعود أقدم شواهدها الكتابية المسمارية إلى أواسط الألف الثالث ق.م.‏

أما السامية الشمالية الغربية فأقدمها الكنعانية القديمة أو: الأمورية)، وتعود شواهدها الأولى إلى نحو 2000 ق.م.، وتتمثل بمئات من أسماء الأعلام الأشخاص)، وكذلك بالتأثيرات الكنعانية في النصوص البابلية التي تعود إلى بعد ذلك التاريخ بقليل. ويعدّ معظم الباحثين لغة أوغاريت لغة كنعانية أيضاً.‏

يمكن للمرء أن يفترض انتقال الكنعانيين من مناطق غربي الجزيرة العربية وفلسطين إلى سورية أولاً؛ ثم بعد ذلك إلى بلاد الرافدين. ومن المناطق نفسها- وبعد نحو 1350 ق.م- قدمت العشائر التي تحالفت معاً عسكرياً، ودعاها الآشوريون- أول الأمر- "أخلامو" أي: جماعة الشباب)، ثم عرفوا بعد ذلك بالآراميين. ولغتهم الآرامية القديمة معروفة لنا من خلال نقوش كتابية تعود أقدمها إلى نحو 830 ق.م. النقش المدون على تمثال من موقع الفخيرية)، ولكن الآراميين كانوا يتكلمون بها قبل ذلك بزمنٍ طويل.‏

ثم تأتي أقدم لغة سامية جنوبية غربية وهي العربية الجنوبية القديمة، وتعود أقدم شواهدها الكتابية إلى نحو 1000 ق.م. أما أحدث اللغات السامية فهي العربية الشمالية.‏

ويرى بعض الباحثين في اللغات السامية- مثل س. موسكاتي S.Moscati- أن لا ضرورة لتقسيم كل من مجموعتي اللغات السامية الشمالية الغربية والجنوبية الغربية إلى أسرتين لغويتين، ويطرحون مخططاً لتقسيم اللغات السامية إلى ثلاث مجموعات عامة.‏

وقد سبق أن حذرت منذ زمن مبكر من مثل هذا التبسيط الزائد خشية أن يؤدي إلى إهمال الاهتمام بالفروق الكثيرة بين الكنعانية والآرامية، وبين العربية الجنوبية- الحبشية والعربية الشمالية، وقد يقود ذلك إلى ظهور صورة تاريخية مبسطة غير لائقة بها.‏

ونبهت في الوقت ذاته- في دراستي "في تقسيم اللغات السامية"-(7) إلى أنه توجد بين أسماء الأشخاص في العصر الأكدي القديم والبابلي القديم مئات من الأسماء التي يجب تصنيفها بالتأكيد على أنها سامية، ولكنها ليست أكدية ولا كنعانية قديمة. واقترحت آنذاك تسمية لغة تلك الأسماء بـ"الأمورية القديمة".‏

ولكن تبين بعد ذلك أنها تسمية لا تفي بالغرض، لأنه مع مرور الزمن انتشرت تسمية "الأمورية" وسادت للدلالة على الكنعانية القديمة- التي سماها ب.لاندس برجر "الكنعانية الشرقية"-. ولذلك استخدم منذ سنة 1966م بلادً من "الأمورية القديمة" التي أسيء فهمها تسميةَ "السامية الشمالية"؛ وأقصد بها أن مجموعة الأسماء المذكورة لا تمثل مجرد لغة سامية قديمة خاصة فحسب؛ بل أسرة لغوية أيضاً. وهي تسمية لم تلق الإقرار بها بعد، ولكن لا بد من الاعتراف بها إلى جانب اللغات السامية الشمالية الشرقية والشمالية الغربية.‏

كما يجب أن نعد الأوغاريتية في تكوينها القديم لغة سامية شمالية، وهي ليست- كما يبدو- لغة كنعانية، على الرغم من وجود تأثيرات كنعانية كثيرة يمكن ملاحظتها في نصوصها. ولما كان تكوين هذه اللغة المعروف لنا متأخراً إلى حد ما؛ فإن مقارنتها بالإبلوية الأقدم بنحو ألف سنة يمكن أن تتم وتكون مفيدة، ولكن ليس قبل إجراء دراسات تمهيدية مختلفة.‏

سبق لي أن ألحقت بتصوراتي اللغوية 1960) تصورات تاريخية، إذ افترضت أن المجموعات البشرية السامية الشمالية- التي ربما كان إلهها الرئيس هو اله دجن- أوجدت بعد نحو 2400 ق.م ظروفاً مناسبة مهدت لظهور مملكة أكد المفاجئ. وسأعود للتعرض إلى هذه المسألة بإيجاز.‏

يجب علينا بعد اكتشاف أرشيف إبلا أن نعيد النظر من جديد في هذه المسائل كلها. وقد طرح السؤال عن صلة الإبلوية باللغات السامية الأخرى منذ أن نشر ج. بتيناتو ملاحظاته الأولية عن وثائق إبلا، وكان في بدايته سؤالاً لا يعتمد على أساس مقنع واف. وإذا كان الاهتمام قد انصرف خلال ذلك إلى التفكير بوجود صلة وثيقة بين اللغة الجديدة والكنعانية، فإن الأمنية القصوى كانت تكمن في استجلاء شيء من ضمن الرقم يفيد في فهم "العهد القديم".‏

كما كانت حقيقة وقوع إبلا في المنطقة الخلفية الداخلية مقارنة ببعض المدن الساحلية الفينيقية وأوغاريت ذات أهمية بالغة أيضاً. وعندما نشر بتيناتو المجلدين الأول والثاني من سلسلة MEE التفتت الأنظار بقوة إلى وجود صلات للإبلوية بالأكّدية.‏

إن المجلد الذي يتضمن بحوث ندوة "لغة إبلا"(8) يبين- بشكل أوضح من محاضرات نابولي سنة 1980- تأهباً لإبداء تصورات محددة أكثر.‏

صحيح أن بعض الباحثين المساهمين في تلك الندوة استمروا في تأكيد وجود ظواهر إبلوية مشابهة للفينيقية والعبرية؛ ولكن هناك آخرون رأوا أن اللغة الجديدة قريبة جداً من الأكّدية. كما نلاحظ ميل بعضهم إلى دراسة خصائص الإبلوية دون البحث عن صلات دقيقة خاصة لها بهذه اللغة أو تلك.‏

فقد أظهر بحث ف. بناشيتي F.Pennacchietti بجلاء المكانة الخاصة للإبلوية، وكشف عن وجوه اختلاف كبير لها عن سائر اللغات السامية القديمة(9) ، وأشار ب. كيناست B.Kienast إلى المكانة الخاصة للإبلوية أيضاً(10) ، أما ي.جلب I.J.Gelb فقد استقى من مجموع محاضرات الندوة أفكاراً رئيسة، وعرض ملخصاً لنحو اللغة الإبلوية(11) . ويذكر أن ي. كرشر J.Krecher في بحث ألقاه بفلورنسا برهن على وجود حرف الجر السامي الغربي min "مِن" في الإبلوية.‏

واعتماداً على هذه المساهمات- وكذلك على بحث فرونزارولي غير المطبوع، الذي أشرنا إليه فيما سبق- يمكننا أن نخرج بالتصورات الآتية عن تصنيف الإبلوية، وذلك من خلال تناول مسائل محددة مختارة(12) .‏

يجب علينا عند دراسة الأصوات اللغوية الأخذ بعين الاعتبار أننا نعتمد فيها على صيغ كتابية غير مطردة غالباً، ولهذا فإن الاستنتاجات المؤكدة قليلة والأخرى أولية مبدئية. ونقابل هذا الوضع في الأكّدية القديمة أيضاً، ولكنه أفضل من الإبلوية؛ لأننا في الأكدية القديمة يمكن أن نستفيد من مراحلها اللغوية الأحدث- وهي معروفة لنا جيداً-، ونستخلص منها معلومات إضافية. أما الإبلوية فليست لها مراحل أحدث.‏

نلاحظ في الإبلوية وجود اختزال كثير في الأصوات الصامتة إلى درجة لا نجدها في أية لغة سامية أخرى. كما نجد فيها ظاهرتين تعودان- على الأرجح- إلى تأثير قديم، وهما:‏

- كثيرة تخفيف صوت اللام.‏

- غلبة كتابة صوت الراء لاماً.‏

ولا نلاحظ ذلك في الكنعانية القديمة. بينما نجد فيها أن صوامت "السامية الأولى"- ومنها الياء الواردة في مطلع الكلمة كسابقة فعلية- باقية بشكل أفضل من الإبلوية.‏

وفيما يخصّ التبدلات الصوتية يمكن ملاحظة أمرين مهمين في الإبلوية عند المقارنة بالأكّدية، وهما:‏

1- لا نجد في الإبلوية ظاهرة إمالة الفتحة نحو الكسرة a > e) عند حذف صوتي العين والحاء الحلقيين(13) .‏

2- لا تظهر في الإبلوية المخالفةُ بين الصوتين الشفويين الباء والميم) بإبدال الميم نوناً، كما في الأكّدية mapharum--napharum "الكل، الجميع". وثمة شواهد كثيرة على بقاء الصوتين متجاورين، مثل ma-ba-al-tum وغيرها(14) . ولاحظ أن الكلمة الأكّدية neba/ehu "حزام، نطاق" تقابلها في الإبلوية mabahu(15) .‏

إن من الصعب تصوّر وجود مثل هذه الاختلافات في لهجتين من لغة واحدة.‏

تختلف الضمائر الشخصية المنفصلة والمتصلة- والمعروف منها حتى الآن قليل- في صيغها الصوتية عن الصيغ الأكّدية والكنعانية معاً. ومنها مثلاً:‏

antanu "أنتم" في الأكّدية attunu، في العبرية attem).‏

nu/na- "-نا" في الأكّدية ni-).‏

وصيغ ضمائر الغائب فيها مبنية على سين في أولها، بدلاً من الهاء في اللغات الكنعانية الحدث. وهو أمر متوقع يتناسب مع قدم اللغة.‏

تتفق صيغ أسماء الاستفهام مع الأكّدية، وتختلف عن العبرية mi, ma). ولم تظهر فيها شواهد على ضمير التنكير أيّ) بعد. كما لم ترد في النصوص صيغ الأسماء الموصولة التي تختلف صيغها في اللغات السامية اختلافاً شديداً.‏

ويبدو لي أن الاختلافات بين الإبلوية والأكّدية في مجال تصريف الاسم ليست كبيرة، ونذكر من حالاتها ما يأتي:‏

- لا نجد في الإبلوية صيغة بناء الدلالة المكانية الزمانية للاسم بإلحاق -um) به؛ كما هي الحال في الأكّدية.‏

- ثمة شواهد معدودة في الإبلوية على بناء الدلالة الزمانية للاسم بإلحاق -is) به؛ كما في الأكّدية.‏

- لم يثبت فيها وجود علامة جمع الاسم المذكر الخاصة -aun) إلى جانب العلامة الأساسية‏

-u).‏

- تتخذ الإبلوية عند بناء الاسم منحى خاصاً أحياناً، ويلحظ فيها وجود فروق صوتية لفظية) في عدد من الأسماء المستخدمة بكثرة، نحو:‏

* mupustum "الحياة" في الأكّدية napastum, napistum، وكذلك napus/ltu، وفي اللغات السامية الغربية: ن ف ش/ س).‏

* nasu "الناس" في الأكدية nisu).‏

* saultum "السؤال والرجاء" في العبرية ?? ela).‏

ويصعب في حالات أخرى معرفة صيغة الاسم بدقة بسبب عدم اطراد الصيغ الكتابية.‏

أما أسماء الأعداد فلا نعرف منها سوى القليل، ومنها:‏

- lim "ألف" وتتفق هذه الصيغة مع الأكدية.‏

- ribab "عشرة آلاف" تقابل الاسم العبري ribbo والأوغاريتي ر ب ت.‏

- ma-I-at "مئة ألف" لا نجد هذا الاسم في أي لغة أخرى(16) .‏

وجميع أسماء الأعداد تكون مصوغة في حالة التنكير، كما في الأكدية.‏

وفي مبحث الفعل يمكن ذكر الملاحظات الآتية:‏

- تظهر السوابق ja-, ju-, ji) في الإبلوية- كما في الأكدية وبعض السماء "السامية الشمالية"- بصيغة I-, u-)، بينما نجد أنها بقيت دون تغيير زمناً طويلاً في كل اللغات السامية الغربية.‏

- لم يتعرف في الإبلوية بعد على صيغ المتكلم والمخاطب للاسم الشمولي Stativ، ويبدو أن استخدام الشمولي في صياغة بعض أسماء الأشخاص لا يتفق مع الأكدية.‏

- ليست هناك شواهد فيها على الصيغة الجديدة بعد الكنعانية القديمة) للماضي التام Perfekt المشتق من الشمولي، ولا على المبني في وزن iptaras افتعل).‏

- ثمة شواهد قليلة فيها على الماضي iprus والمضارع iparras.‏

- لا شواهد مؤكدة فيها- حتى الآن- على أبواب الفعل تحوّل حركاته)، ولا على علامة التابع الوصلي Subordinativ, Subjunktiv، كما في الأكدية.‏

- ما زالت وظيفة اللاحقة -a) التي ترد في أحيان كثيرة مجهولةً.‏

- يصاغ المصدر واسم الفاعل فيها- في الأوزان غير التائية- على غرار الأكدية.‏

- لا توجد فيها صيغة اسم المفعول. كما لا توجد شواهد مقنعة على الصفة المشبهة باسم الفاعل على وزن مفعول، فعال).‏

- المفاجأة في القوائم ثنائية اللغة هي كثرة الصيغ المصدرية المبنية في أوزان عدة المجرد التائي، المضعف التائي، المزيد بالشين التائي). ويلاحظ فيه وجود سابقة إضافية تاء) وكذلك كسر عين الكلمة الحرف الجذري التائي) بدلاً من ضمّها كما في الأكدية.‏

وهذه الصيغ المصدرية من نوع: tustakilum, turtabbilum, tasta ilum) غير قياسية في جميع اللغات السامية.‏

- هناك شاهدان فقط- حتى الآن- على الأفعال الرباعية، هما:‏

Nasardulum "؟"، nab/parsum "زحلق".‏

والفعلان يتماثلان تماماً مع النموذج الشائع في الأكدية nabalkutm "عبر، تجاوز"، ولكنهما غير موجودين في الأكدية، ونجد في الأثيوبية أيضاً مثل هذه النماذج التي تبدأ بالنون، ولكنها أفعال مختلفة من حيث المعنى، وجذورها اللغوية ذات نموذج مختلف، نحو: ق ع د و، زف زف.‏

وفيما يتعلق بالحروف فقد سبق أن أشرت إليها. واللافت للنظر فيها هو وجود مقابل للحرف الإبلوي iski "لِـ" في اللغة الأثيوبية eska. وحرف العطف ap "وَ، ثم" لا نجده في الأكدية، وله في العبرية استخدام آخر(17) .‏

ويبدو لي أن الفروق في مجال المعجم اللغوي كبيرة بين الإبلوية والأكدية؛ وكذلك اللغات الكنعانية. ولكن طالما أن القسم الأكبر من الكلمات الإبلوية يُفسّر بطريقة افتراضية أو لا يمكن تفسيره إطلاقاً؛ فإننا لا نستطيع تقدير نسبة تماثلها مع الأكدية أو الكنعانية، باستثناء ما يدخل ضمن إطار المشترك بين اللغات السامية. كما أننا يجب أن نضع في الحسبان وجود فروق لهجية ضمن الإبلوية ذاتها؛ ولو أننا لا نستطيع تقدير مدى انتشارها آنذاك.‏

كما أؤمن بأهمية إجراء مقارنة بين الثروة المعجمية الإبلوية والأوغاريتية، على الرغم من الفاصل الزمني الكبير بين نصوص اللغتين. ولعل العائق في تحقيق ذلك هو عدم وجود معجم أوغاريتي شامل(18) .‏

هذا ما استطعنا عرضه بإيجاز عن نحو اللغة الإبلوية ومعجمها. وبعْدُ؛ فيمكن القول بلا شك إن الإبلوية لغة مستقلة عن الأكدية، معاصرة لها. أما الأصعب إصابةً فهو سؤال آخر: هل تنتمي اللغتان إلى مجموعتين مختلفتين من اللغات السامية القديمة؟ وهنا أود أن اطرح بعض التصورات جواباً على هذا السؤال، وهي:‏

1- إننا نفتقر إلى قرائن تساعد على الفصل في مسألة فيما إذا كانت الإبلوية والأكدية من مجموعتين لغويتين مختلفتين ضمن اللغات السامية القديمة؛ أم أنهما رغم الفروق الكبيرة يمكن أن تنتميا إلى مجموعة واحدة، وذلك نظراً لقلة كتابات الألف الثالث ق.م التي وصلت إلينا. ولا شك في أننا سنستطيع الحكم بشكل أفضل على الحجج الداعمة لكل من الاحتمالين إذا ما تحققت عملية جمع أسماء الأشخاص "السامية الشمالية" من بلاد الرافدين؛ العائدة إلى الألف الثالث ومطلع الثاني ق.م، ودُرست بعمقٍ، وقورنت بأسماء نصوص إبلا.‏

وهذا العمل الضخم والصعب يحتاج إلى زمن طويل. ولكن يجب عدم تأجيله كثيراً، ومن المؤمل أن يشمل أيضاً نصوص العصر البابلي القديم التي كشفت في إيمار وغيرها من مدن شمالي سورية خلال السنوات الأخيرة.‏

2- تشير المعطيات التاريخية في الألف الثالث ق.م إلى حصول هجرتين كبيرتين للساميين إلى سورية وبلاد الرافدين. ومن المفروض- حسب نظائرهما المتأخرة من الهجرات السامية- أنهما توافقان مجموعتين لغويتين أيضاً. وبذلك يمكن أيضاً- على سبيل المثال- تقديم توضيح تاريخي لظهور مملكة أكد العظمى السامية المفاجئ، وهي لم تكن بالتأكيد مجرد مأثرة من مآثر رجل وحيد.‏

ومن المرجح حتى الآن أن الساميين الشماليين الشرقيين هم أول من جاء إلى بلاد الرافدين في نحو 3000 ق.م. ولكن يجب ألا يتحول هذا الرأي إلى عقيدة تاريخية ثابتة، وليس من المستبعد أن يكون الساميون الشماليون قد حلّوا قبلهم هناك. ويمكن أن يطرح المرء طبيعة التكوين الصوتي للإبلوية وحرصها على اختزال الأصوات الحلقية قرينةً تدعم هذا الرأي الآخر. ولكن هذه المسائل المهمة لا يمكن أن تتكشف تماماً بغير العثور على وثائق كتابية جديدة في سورية وبلاد الرافدين.‏

3- ثمة معطيات منهجية تدعم مبدئياً- حتى ظهور دلائل تثبت العكس- القول بأن الإبلوية تنتمي إلى المجموعة السامية الشمالية، وبأنها ليست قريبة جداً من الأكدية.‏

ومن المهم ألا نوظف معجمات اللغات السامية القديمة الأخرى؛ ولا سيما العبرية والأكدية، ونسخرها بلا احتراس زائد في خدمة الإبلوية. فالأخطاء التي حصلت- واختفت منذ زمن طويل- لدى البحث في لغات أخر؛ مثل الأكدية والعربية الجنوبية القديمة والأوغاريتية والحثية تفترض أن لا تتكرر، وأن يتم تفاديها قدر الإمكان. ويتطلب هذا ترك الباحث مسافة نقدية فاصلة بينه وبين تلك المعجمات المذكورة.‏

لم أستطع للأسف أن أقدم في الموضوع المطروح للبحث سوى القليل من النتائج المحددة، إذ توجب علي- بسبب الوضع الحالي للبحث في أقدم اللغات السامية؛ ولا سيما الإبلوية- أن أقصر حديثي على الأفكار الأساسية والمنهجية. وأنا مقتنع بضرورة البحث الدقيقة المحددة أكثر، وهي تستحق بالطبع الأفضلية، وتمتلك دائماً وعياً أفضل لمثل هذه المسائل، وتجد فرصة جيدة لها في المؤتمرات العالمية.‏

****‏

الحواشي والمصادر:‏

(1) -ألقي البحث في ندوة خاصة بلغة إبلا، وقد نشرت أعمالها في الكتاب الآتي:‏

P.Fronzarolied): Studies on the Language of Ebla. Qds 13, Firenze 1984) 11-24.‏

(2) -يشير إلى بحث سابق له. وقد سبق أن ترجمته ونشرته، راجع مجلة "دراسات تاريخية" العدد 53/54 1995)، ص 11-20.‏

(3) -MEE .‏

(4) -MEE 3.‏

(5) -D.O. Edzard, ARET 2. A. Archi; M.G.Bigga, ARET 3‏

(6) -O.Roessler: Der semitische Charakter der libyschen Sprache. ZA 50 1962) 121-150.‏

(7) -W.Von Soden: Zur Einteilung der semitischen Sprachen. WZKM 56 1960) 177-191.‏

(8) -L.Gacni ed): La Lingua di Ebla. Naples 1981.‏

)9-F.pennacchietti: Indicazioni preliminari sul sistema preposizionale dell Eblaita. Pp. 291-319.‏

(10) -B.Kienast: Die Sprache von Ebla und das altsemitische. Pp. 83-98.‏

وقد ترجمته إلى العربية، وسينشر في مجلة "دراسات تاريخية"، دمشق.‏

(11) -I.J.Gelb: Ebla and the Kish Civilization. Pp. 11-73.‏

(12) -يجدر التنبيه إلى وجود تداخل بين المعلومات المعروضة فيما يأتي ودراسة دياكونوف I.M.Diakonoff المنشورة في هذا المجلد أيضاً، ولكن منهج الدراستين مختلف عن بعضهما. كما تجدر الإشارة إلى أهمية البحث الذي سينشره كربرنيك M.Krebernik عن "النظام المقطعي والكتابي في النصوص المعجمية المكتشفة في إبلا".‏

(13) -يعرض بعض الباحثين أحياناً- كشواهد معارضة لهذا الرأي- أسماء الأشخاص التي تبدأ بكسرةٍ ممالة؛ ولا سيما الاسم Ib-du < ebdu، لأنهم يرون أن أصله هو cabdu "عَبْد، خادم".‏

ولكن الحقيقة هي أنه صيغة فعلية، ولا علاقة له بذلك الأصل. كما لا نجد أي شاهد مؤكد على كلمة belu "السيد" ذات الأصل baclu بعْل).‏

(14) -راجع: MEE 4, 416 ff.‏

(15) -راجع: ARET 2, 132.‏

(16) -إن صيغة اسم العدد ma-I-at صعبة التوضيح. ومؤخراً طرح فسليوس Wesselius- اعتماداً على اقتراح من فِنهوف Veenhof- قراءة الاسم بالدال ma-I-ad)، وذهب إلى أن أصله هو majjadu "كثير جداً". راجع: UF 15 1983) 314 Anm. 13)‏

وأعتقد أن هذا التفسير مناسب. وثمة شواهد كثيرة في الأكدية على الجذر اللغوي m d, mid "يكون كثيراً، يكثر". انظر Ahw 573 f., 650.‏

(17) -راجع: P.Fronzaroli, Seb 4, 167 ff.‏

(18) -إن مسردي Glossar الباحثين جوردن Gordon وأيستلايتنر Aistleither الجديرين بالتقدير في زمنيهما 1965) ما عادا اليوم يفيان بالغرض.‏

(1) العنوان الأصلي للبحث هو أُسَر لغوية ولغات مستقلة ضمن اللغات السامية القديمة: الأكّدية والإبلوية).‏

Sparachfamilien und Einzelsprachen im Altsemitischen: Akkadisch und Eblaitisch.‏

تأليف: ف. فون زودن.‏

* باحث من سورية.‏