أدونيس: أحب أن أبكي

أدونيس: أحب أن أبكي

بين ضوء الكلام، وظُلمة الزمن، عاش محمود درويش.

الأول أسنده إليه الفلسطينيون والعرب لكي يُطفئ الجحيم بماء الفراديس. جعلوا منه مَطْهَراً يتجاوزون به خيبة العدل والسياسة، ورمزاً يلجأون إليه لكي يحنّوا ويتذكروا حيناً، ولكي يستشرفوا ويأملوا، حيناً آخر.

وهو عبء احتضنه، وإن كان طاغياً عليه، وهذّبه وارتقى به، وقرَنَ فيه بين الألم المرير والمتعة العالية، وبين الفجيعة والجمال. وفي ذلك صارع العبءَ الآخرَ، عبء الزمن، وآخاه واحتضنه كذلك.

كتب شعره كمثل كيمياء تحوّل الموت الى حركة حية، وتخترع الشطآن حتى للقوارب المحطّمة. وحيثما اغتربَ، أقام عاصمة للأمل، جاعلاً من الشعر أرضاً أخرى، وسماء أخرى.

لكن ماذا تقول لك الكتابة حين تنهار فوق صدرك ذروةٌ من ذرواتها؟ خصوصاً ان محمود درويش لم يكن، بالنسبة إليّ، مجرّد صديق. كان أخاً قريباً، وشريكاً حميماً في الحياة التي جمعتنا في بيروت، قبل الحصار، وفي أثنائه، وبعده في باريس. كنّا في هذه المدينة الفريدة نبني جسور الشعر ونربط الأفق بالأفق.

وكنا في بيروت نفتح لغاتنا على الرياح الأربع. وفي بهاء الصداقة كنا نحتفل - في بيتنا، كل سنة، باليوم الذي ولد فيه مع نينار التي ولدت في اليوم نفسه: 13 آذار.

كان يأخذها بين ذراعيه، فتقول له بطفولتها الشاعرة: «أنت كبير، وأنا صغيرة. شو استفدنا؟».

مع ذلك، فيما بعد، في غلواء الصداقة، والتباس علاقاتها، باعَدَت بيننا الحياة. غير ان الخيط الذي يصل الضوء بالضوء لم ينقطع بيننا ابداً.

الآن، أحب أن أبكي.

رايات أدونيس

- 1 -

تاريخٌ كمثل غيومٍ تتكاثَفُ، ولا ريح.

غيومٌ تسدّ الأفق حتى على الشمس،

وها هو الثلج يواصل سقوطه، غامراً رؤوس البشر

وعقولهم.

فليهنأ الطغاة.

- 2 -

بكى جسدُ الليل

فيما كان يتمدد على الفراش المريض

الذي تتمدد عليه بيروت.

- 3 -

لا تمشِ أيها الليل حافياً

بين أعشاب بيروت.

الأعشاب كلها تحولت الى مسامير وشظايا.

- 4 -

أنقاضٌ تُحيط ببيتك،

تقفز أحياناً على الدرج،

وتصعد حتى وسادتك.

تتزلزل الكتب، وتفرُّ منها الكلمات

كأنها طيورٌ يرُجُّها الذعر.

- 5 -

لا يعرفُ لماذا نُصِّبَ حارساً للخريف،

ولماذا ربّاه الصيف

لكي يقوم بهذه المهمة،

وساعده في ذلك الشتاء والربيع.

لا يعرف.

يشعر أنه سيموتُ قبل الفصول،

وأنّ الموت هو الحارس الوحيد.

- 6 -

الوقت، هذا الوقتُ، بحيرةٌ تجفُّ،

تتخبّط فيها أسماكٌ واهنة.

للأسماك عيونٌ تشبه عيون الأطفال.

- 7 -

نجومٌ تَلبس ثياباً بيضاً

تنتظرها نوارس عاشقةٌ تلبس الموج.

لكن، لماذا يرتجف الشاطئ،

راسماً على صدره شبكة سوداء؟

- 8 -

في ظل صخرة، يتفيّأُ ويتأمل:

«لا بأس»، يقول في ذات نفسه،

«عندي بابٌ لكل جهة من الجهات الأربع».

سيزيفُ، أخيراً،

يبتكرُ موسيقى للسفر مع الصخر.

- 9 -

اللانهايةُ «داءٌ»

أخطرُ ما فيه أن دواءهُ هو النهاية.

- 10 -

يُصرّ على أن يضع قلبه دائماً،

بين شفتيه:

يريد أن يغيّر العلاقة

بين لمسة اليد وخفقة القلب.

- 11 -

الساعة - هذه الآلة الذكية

لا تسأله إلا عمّا مضى.

والوقتُ - هذا الوقت غير الذكي

لا يسأله إلا عمّا يأتي.

- 12 -

لا يحيا الضوء إلا وحيداً:

في وحدة معيّةٍ،

لا وحدة انفراد.

وحدة وصلٍ، لا فصل.

- 13 -

القشُّ آخرُ عرش الطاغية،

واللهب أوله.

- 14 -

ما لتلك المدينة؟

«تنجح» في تبذير الدماء،

و «تسقط» حتى في توفير الماء.

- 15 -

لا تجعل من المنفى وطناً:

المنفى منفى لا غير،

وفي هذا جمالهُ المفرَد.

- 16 -

من كرم الموج

عندما يستضيفك في بيته،

أن يهدمه عليك.

- 17 -

الحلم والسفرُ

أخوان من أبوين مختلفين،

وأمّ واحدة.

- 18 -

ماذا يصنع بتلك الرايات التي سار تحتها، وهتف لها،

وهتف باسمها؟

الرايات التي أنكرها وأنكرته، والتي احتجّ عليها

الأفقُ والهواء، ولا تزال ترفرف؟

ماذا يفعل، إذاً، بذلك الجزء من نفسه التي لا يزال

رِباطُ الذكرى يشدُّها إليه؟

هل يهجره، وكيف؟

هل يقتله، وكيف؟

برباطٍ آخر؟

ألن تكون لهذا الرباط راياتٌ أخرى، تكون لها ذكرى أخرى،

يكون لها هجرٌ أو قتلٌ آخر؟

بالنسيان؟

لكن، أليس النسيان ذكرى صامتة، محجبة؟

أم يقولُ:

النفسُ محيطٌ يتسع لكل شيءٍ ويبقى هو هو؟

تأتي الرايات، تخفقُ، يلفظها المحيط، ويبقى هو هو.

وماذا يقول، قبل ذلك، لتلك الوجوه الصديقة التي كانت تحيط بوجهه، تحت تلك الرايات، والقلوب التي خفقت رفيقة لقلبه؟

أيقولُ: انفصلتُ عنكِ، متعمداً، أو هارباً، أو مُرهقاً؟

أم يقول: كنا نسيرُ معاً على طريق واحدة، في أفقٍ واحد، غير أن الطريق اضطربت، والأفق أظلم، وفجأة رأيت نفسي وحيداً، لا أعرف كيف، وأخذتني الوحدة، لا أذكر كيف، واخترت الوحدة وخيبتها؟

الوحدة - الخيبة!

أليست في الوحدة - الخيبة رغبةٌ لها دمٌ آخر، وشرايين أخرى؟

الحياة