كيف شكلت حرب 1967 الشرق الاوسط الحديث ؟

"حرب الأيام السته: يونيو 1967 وصناعة الشرق الأوسط الحديث"

كيف شكلت حرب 1967 الشرق الاوسط الحديث ؟

Michael Oren هو أستاذ تاريخ بمركز "شاليم" Shalem Center بالقدس، ومدير مشروع "تاريخ الشرق الأوسط" بالمركز، وهو مؤلف واحد من الكتب المهمة حول حرب 1967 بعنوان:
"حرب الأيام السته: يونيو 1967 وصناعة الشرق الأوسط الحديث" Six Days of War: June 1967 and the Making of the Modern MiddleEast ، والذي صدر في عام 2002.

وقد حاول أورين في كتابه تقديم رؤية وتفسير لكيفية وقوع حرب يونيو 1967. ويدافع اورين في كتابه عن مقولتين رئيسيتين :

الأولى أن الحرب الشاملة قد نشبت نتيجة تفاعل عدد من الأحداث الصغيرة في الأسابيع القليلة السابقة على الحرب والتي كان لها تأثيرها على الجماعات والقيادات السياسية في المنطقة وتعبئتها في اتجاه بديل الحرب، ومن ثم فإن النجاح في ضبط هذه الأحداث كان من شأن الحيلولة دون وقوع تلك الحرب.

المقولة الثانية أن إسرائيل لم تكن تخطط لحرب شاملة، ولكن سيناريو الأحداث قبل وأثناء الحرب قد دفع بها إلى شكل الحرب الشاملة واسعة النطاق.

وتأتي أهمية هذا الكتاب أنه يحاول تقديم بعض الدروس المهمة لتلك الحرب من خلال محاولة إسقاط الموقف السابق على الحرب على الموقف الإقليمي الراهن. وبصرف النظر عن الموقف السياسي مما جاء في هذا الكتاب، يقدم تقرير واشنطن عرضا موجزا له، بمناسبة الذكرى الأربعين للحرب والتي ارتبطت هذا العام بجدل كبير داخل العالم العربي.

الموقف الراهن وحرب يونيو 1967: سيناريوهات متشابهة

يرى أورين في كتابه أن التفاعلات الإقليمية الراهنة تنطوي على سيناريو يشبه إلى حد ما نفس سيناريو الأحداث التي شهدها الصراع قبل اندلاع حرب يونيو 1967؛ فهناك تنظيمات فلسطينية تقوم بعمليات عنف ضد إسرائيل، هدفها القريب هو إيقاع أكبر قدر ممكن من الخسائر والضحايا الإسرائيليين، وتهدف على المدى البعيد إلى خلق حالة من عدم الاستقرار في العالم العربي، والضغط على النظم السياسية العربية لدفعها إلى بديل المواجهة المسلحة مع إسرائيل.

هذا هو الموقف ذاته الذي ميز الأسابيع الثلاث السابقة على حرب يونيو 1967. فقد كان عرفات يعلم في ذلك الوقت أن أي رد فعل انتقامي من جانب إسرائيل سيتسبب في خلق أزمة كبيرة للنظم السياسية العربية في ذلك الوقت. كان هناك انقسام بين النظم العربية، البعض كان يؤيد عرفات خاصة النظام السوري، البعض الآخر توقف عن الدعوة العلنية إلى الحرب واكتفى بعقد اجتماعات القمة الطارئة.

وعلى الجانب الإسرائيلي، كانت إسرائيل تعيش أزمة اقتصادية بسبب البطالة والركود الاقتصادي قريبة إلى تلك التي تعيشها إسرائيل (أواخر التسعينيات وأوائل الألفية الجديدة). وكان السياسيون الإسرائيليون قد نجحوا قبل الحرب في تشكيل حكومة وحدة وطنية. كما أدت الهجمات الإسرائيلية على الضفة الغربية وقطاع غزة، والاعتداءات الإسرائيلية على قرية السموع في نوفمبر 1966 إلى زيادة العزلة الدولية ضدها، وصدور قرار مجلس الأمن رقم 288 في ديسمبر من العام نفسه بإدانة إسرائيل. وعلى الجانب الأمريكي، كانت الولايات المتحدة مشغولة بالحرب الباردة وبمشكلة فيتنام.

عملية الفجر وسيناريو الأحداث قبل اندلاع الحرب الشاملة

على الرغم من محدودية المدى الزمني لحرب يونيو 1967 إلا أنه يكاد لا يوجد صراع آخر بنفس تلك الكثافة والتداعيات التاريخية الطويلة على المنطقة والعالم؛ فما يتم الكشف عنه من معلومات ووثائق كانت تعد شديدة السرية في مرحلة تاريخية سابقة، يلقي الضوء على ما حدث في تلك الحرب.
وستقدم دوما الوثائق التي يتم الكشف عنها من جانب الولايات المتحدة، وبريطانيا، وإسرائيل، وروسيا وغيرها من مذكرات صانعي القرار والمسئولين العرب، أدوات جديدة ومهمة للمؤرخين لطرح تفسيرات جديدة لما حدث في تلك الحرب، وإلقاء الضوء على ملابسات ما حدث في الفترة القليلة السابقة على وقوع الحرب. ففي إطار بيئة صراعية، وانقسامات شديدة بين النظم السياسية العربية، وحرب باردة، تمكنت أحداث شرارات صغيرة من إشعال نيران ضخمة على المستوى الإقليمي.

يقول أورين يمكن النظر إلى ما حدث في 13 نوفمبر 1966 باعتباره الشرارة الأولى لحرب يونيو 1967. في ذلك اليوم قامت إسرائيل بهجمات انتقامية ضد قرية سموع الفلسطينية في منطقة جبال الخليل، التي كانت خاضعة للإدارة الأردنية، حيث تم قصف القرية بالمدفعية وسلاح الجو الإسرائيليين ثم دخلتها القوات الإسرائيلية بعد ذلك، حيث قامت بهدم عدد كبير من الأبنية. وقد بررت إسرائيل هذا الهجوم بمقتل ثلاثة جنود إسرائيليين نتيجة انفجار لغم قامت بزرعه عناصر من حركة فتح. وقد تبع ذلك الهجوم قيام الفلسطينيين بأعمال شغب واضطرابات واسعة اتهموا فيها ملك حسين بعدم اتخاذ الإجراءات اللازمة للدفاع عنهم، تلاها اشتباكات بين الجيش الإسرائيلي وفيلق أردني. وقد حاول الملك حسين التخفيف من تلك الضغوط عليه وإلقاء جزء من تلك المسئولية على الرئيس جمال عبد الناصر، إذ اتهمه بأنه "يتخفى خلف قوات حفظ السلام في سيناء". وفي الوقت نفسه، كان الرئيس عبد الناصر يسعى إلى مبرر للتحرر من قوات الطوارئ التابعة للأمم المتحدة UNEF. وفي 12 مايو 1967 صدر تقرير روسي (خاطئ) زعم أن إسرائيل تقوم بحشد قواتها على حدودها الشمالية في إطار التجهيز لغزو سوريا. قام الرئيس عبد الناصر على إثرها بإرسال قواته العسكرية إلى سيناء وطرد قوات الطوارئ UNEF، وإغلاق مضيق تيران الذي تعتمد عليه التجارة البحرية الإسرائيلية.

وهكذا، وبعد اندلاع وتداخل تلك الأحداث الصغيرة (مقتل ثلاثة جنود إسرائيليين بسبب لغم زرعته عناصر فتح، هجوم إسرائيلي على قرية سموع، اضطرابات وأعمال شغب فلسطينية للضغط على ملك الأردن، اشتباكات محدودة بين الجيشين الأردني والإسرائيلي، تقرير روسي خاطئ) لم تكن المسألة سوى وقت لكي تندلع الحرب.

يقول أورين، كان يجب على إسرائيل أن تقوم بهجمات 13 نوفمبر على قرية السموع، لأسباب عديدة، أهمها أن الملك حسين على الرغم من أنه كان معروفا بكراهيته الواضحة للصهيونية، إلا أنه استطاع التوصل إلى تعايش واقعي مع القيادات الإسرائيلية على المستوى الشخصي. وقد قام الملك حسين بعد حادثة مقتل الجنود الإسرائيليين الثلاث بإرسال خطاب عزاء إلى رئيس الوزراء الإسرائيلي آنذاك ليفي إيشكول Levi Eshkol، أكد فيه عزمه بذل قصارى جهده لتحجيم حركة فتح والسيطرة على الفلسطينيين. وكان الخطاب قد أُرسل يوم الجمعة إلا أنه وصل متأخرا إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية. وفي صباح يوم الأحد 13 نوفمبر شنت إسرائيل عملياتها ضد قرية سموع. ربما لو كان الخطاب قد وصل في موعده إلى رئيس الحكومة الإسرائيلية، لكان من الممكن ألا تقوم إسرائيل بتلك العملية، أو على الأقل ليس في صباح ذلك اليوم.

كانت الدعاوى للحرب شعارا قويا في مصر في ذلك الوقت، التي خططت لتفجير أهداف استراتيجية، ثم إرسال الدبابات عبر صحراء النجف بإسرائيل إلى الأردن بهدف شطر إسرائيل إلى نصفين. عرفت هذه الخطة بعملية "الفجر" The Dawn، وكانت من بنات أفكار وزير الحربية المصري عبد الحكيم عامر. الرئيس جمال كان يريد ألا يُلام على حرب ضد إسرائيل، ولكنه لم يكن واثقا من قدرته على منع عامر من تنفيذ هذه العملية. كان من المخطط أن يتم تنفيذ العملية في 27 مايو 1967، ولكن تم إلغائها في اللحظة الأخيرة، بسبب تحذيرات من الرئيس الأمريكي ليندون جونسون للسفير المصري في الولايات المتحدة آنذاك مصطفى كامل بعدم قيام مصر بأي إجراء من شأنه تفجير الموقف، وذلك استنادا إلى تقديرات أمريكية بوجود تخطيط مصري للحرب، بالإضافة إلى رسالة روسية للقاهرة تضمنت تحذيرا روسيا للأخيرة من القيام بأية عمليات خوفا من تحميل مصر مسئولية تفجير الوضع وتعميق حالة العداء. نتيجة لذلك تدخل الرئيس عبد الناصر قبل بدء تنفيذ العملية بدقائق، وأمر بإلغائها.

يقول أورين لو قدر لتلك العملية أن تم تنفيذها لكان تأثيرها فادحا على إسرائيل، ولتكبدت إسرائيل بسببها خسائر كبيرة لا تقل عن تلك التي تكبدتها مصر نتيجة العدوان الذي شنته إسرائيل على مصر بعد ذلك بتسعة أيام.

تغيير هدف ونطاق الحرب

حتى الحرب ذاتها، كان من المخطط أن تستمر لمدة 48 ساعة فقط يتم خلالها تدمير سلاح الجو المصري وتحييد خطوط الدفاع الأولى لمصر في سيناء، ولكن هدف ومسار العملية تغير، لتتحول إلى حرب شاملة، ولتنتهي إلى احتلال الضفة الغربية وقطاع غزة وسيناء والجولان. كيف تغير هدف ونطاق ومدة الحرب؟ هذه هي الفكرة الجوهرية والمركزية للكتاب، حيث يحيل المؤلف القارئ إلى كتابه للإطلاع على تفصيلات ما حدث.

أحد جوانب الحرب التي يناقشها الكتاب بالتفصيل هو احتلال الضفة الغربية والقدس. فقد أعلنت إسرائيل بقوة ووضوح أنها لن تطلق النار ضد الأردن، إذ كانت إسرائيل حريصة على عدم فتح جبهة عبر كل حدودها الخارجية. أيضا الملك حسين لم يكن لديه نية في الدخول في حرب مع إسرائيل، إلا إنه لم يستطع التراجع عن مساعدة مصر خوفا من فقد عرشه وربما حياته، وقد جنب نفسه كل تلك المخاطر بأن وضع جيشه تحت القيادة المصرية. وفي 5 يونيو أرسلت إسرائيل رسالة إلى الملك حسين حذرته من إطلاق النيران عبر الجبهة الأردنية. وخوفا من قيام الأردن بمحاصرة القدس الغربية عبر حدود 1948، قامت إسرائيل بإرسال قواتها إلى بعض مناطق القدس، وتحرك الجيش الإسرائيلي أيضا لإسكات المدفعية الأردنية.

ومع وصول القوات الإسرائيلية إلى مدخل المدينة القديمة، انتظرت إسرائيل لمدة 24 ساعة للإجابة على سؤال هل تدخل المدينة أم لا؟ أغلب القيادات الإسرائيلية، منهم موشى ديان، نصح بالبقاء خارج المدينة. الولايات المتحدة أيضا نصحت بعدم دخول القدس، خوفا من أن يؤدي ذلك إلى انتهاء الحكم الهاشمي. وبسبب عدم قدرة رئيس الحكومة الإسرائيلية على اتخاذ قرار، فقد فضل ترك الكرة في ملعب الملك حسين، فقد اقترح على الملك حسين، عبر البريطانيين، احتفاظ الأردن بالمدينة القديمة بشرط إنهاء سيطرة القيادات العسكرية المصرية على الجيش الأردني، وقبول وقف إطلاق النار، والدخول في محادثات سلام. ولكن بعد ساعة واحدة من انتهاء المهلة المحددة وعدم وصول رد من الملك حسين صدرت الأوامر للقوات العسكرية الإسرائيلية بعبور بوابة الأسد بعد ساعة واحدة ودخول القدس الشرقية.

دروس من حرب يونيو

ينتهي أورين إلى أن الموقف الراهن في الشرق الأوسط لا يختلف كثيرا عن الموقف السابق على حرب يونيو 1967، فهناك أحداث صغيرة متناثرة في سياق الصراع العربي الإسرائيلي يمكن أن تكون شررا لحرب شاملة في المنطقة، وهو ما يؤكد الحاجة إلى دور بارز للقيادات السياسية العقلانية، وأن تكون الغلبة للحسابات العقلانية، والتحليلات الموضوعية، كل ذلك بهدف تقليل دور الصدفة والعوامل العشوائية في تحويل تلك الأحداث الصراعية المحدودة وعمليات العنف المتناثرة إلى حرب إقليمية شاملة.