مذكرات د. علاء بشير طبيب صدام حسين الخاص(14)

حرامي المصعد

كان مكي حمودات، وهو ضابط كبير برتبة لواء ركن، قصير القامة أشيب الشعر في الخمسينات من عمره، وكان يري في نفسه رجلاً مهماً، لأنه المستشار العسكري لعدي صدام حسين.

عندما زارني في المستشفي في صباح العشرين من يونيو سنة 2001، لم يحضر ليتباحث معي في قضايا عسكرية أو سياسية وإنما جاءني لأمر آخر، حيث قال:

«يحتاج نجل الرئيس إلي المصعد الذي لديكم».

كان المصعد الذي لدينا هو الوحيد في مركز صدام لجراحات التجميل في بغداد، وكنت أنا مديره الطبي والتنفيذي منذ 1976، عندما كان المركز مجرد مستشفي استقبال حوادث عادي. وكان مستشفانا يتكون من مائة وعشرة من الأسرة وأكثر من ثلاثمائة موظف بينهم خمسون طبيباً. وكان المبني يتكون من طابقين فقط.

وهــذا ما كان يشــير إليــه الفـــريق مكي في كلامــــه، حيث إنه علي بعد كيلومتر واحد شرقاً من مستشفانا كان مستشفي الحيدري للنساء، الذي يتكون من طابقين من دون مصعد.

لذلك فإن اللواء مكي كان يري أنه من الأفضل أن ينتقل المصعد من عندنا إلي هناك، لأننا في رأيه يمكن أن نصعد السلم بين الطابق الأرضي والأول بغير عناء.

تجارة.. الصحة

قبل هذه الواقعة بأسابيع استولي عدي علي مستشفي الحيدري للنساء والتوليد في سرية تامة، وكان بصدد تحويله إلي أحدث مستشفي في العراق. فقد فطن عدي إلي إمكان التربح من قطاع الصحة. ولأنه كان يريد أن يبقي الأمر سريا، فقد واجه صعوبة في الحصول علي التجهيزات الطبية والتقنية والمعدات اللازمة عبر القنوات الرسمية ليتمكــن من تحقيــق مشروعــه. وكان المصعد مــن أهم ما ينقصه. شرح لي اللواء الركن الموقف وصرح لي بأنه يعتبرني مَرِنا بدرجة كافية ستجعلني أوافق علي طلب عدي.

فقلت له إننا نحتاج المصعد في مستشفانا، وبالإضافة إلي ذلك فأنا لا أستطيع أن أتنازل عن شيء من الملكية العامة من دون أمر من السلطة العليا.عندها أخرج لي ورقة من جيبه الداخلي ووضعها علي المكتب أمامي، كانت الرسالة الموجهة إلي من الدكتور عميد مدحت مبارك وزير الصحة موجزة في جملة واحدة تقول: «دكتور علاء، هل تعتقد أنه من الممكن أن ينقل المصعد من مستشفاكم إلي المستشفي الجديد الخاص بعدي»؟ فقلت معترضاً: «هذا ليس خطابا رسميا، والصيغة هي سؤال وليس أمرا بأن نقوم بفك المصعد من مكانه وتركه لكم».

متاهة النظام

استشاط اللواء الركن غضباً واحمر وجهه وخرج ضارباً الباب بعنف لأنه سيعود إلي عدي صفر اليدين.

وشعرت أن ما حدث ستكون له عواقب وخيمة ليس فقط عليّ ولكن علي وزيري الدكتور مبارك أيضاً.

ولأن الدولة أصبح يغشاها الفساد والظلم فلم يبق أحد من الوزراء أو في الجهاز الإداري إلا وتعيَّن عليه أن يتوخي الحذر دائماً . فلم يعد هناك أمان. عندما أفكر في تلك الأيام أجدها كابوساً كئيباً. وكان من الطبيعي وقتها أن نكتسب بعض الصفات الخاصة التي تساعدنا علي ألا نضيع في متاهة النظام الحاكم وما يواجهنا من تعقيدات شخصية وسياسية وعملية. وهذا ما أثار إعجابي بوزير الصحة الدكتور مبارك الذي استطاع البقاء في منصبه منذ نهاية حرب الخليج وحتي دخول الغزو الأميركي إلي العراق في شهر أبريل من العام المنصرم.

كانت لدي مدحت مبارك قدرة عالية جداً علي التأقلم مع كل المتغيرات الاجتماعية والسياسية. حيث وُلد الدكتور ـ الذي كان في عمري نفسه ـ وتربي في السليمانية في شمال العراق. وقد اشتهر في البداية كمقاتل في حرب العصابات التي كان يقودها وقتئذ قائد الأكراد مصطفي برزاني. يقول البعض إن عائلته تنتمي إلي قبيلة النُعيمي العربية. قد يكون جمال العراق في هذا الخليط الرائع للقوميات المتآخية افتراضا. وعلي أي حال فقد غَيَّرَ الجهة التي كان ينتمي إليها وهو طبيب شاب وأصبح مديرا للمستشفي الحكومي الجمهوري الموجود في بلدته.

وقد حدثت محاولتان لاغتياله من قِبَل جماعات المقاومة الكردية. حتي أنه أصيب في المحاولة الثانية بجروح بالغة في الصدر بعد أن أُطلقت عليه عدة أعيرة نارية من مدفع كلاشينكوف. ولذلك قرر بعدها الحياة في بغداد الأكثر أمناً. ثم عُيِّن بعد ذلك مستشاراً طبياً للرئيس، وحصل بعدها علي مقعد في البرلمان، وبعد فترة قصيرة قضاها كوزير للشؤون الاجتماعية عينه صدام وزيراً للصحة.

ولم تنهل الإهانات والمضايقات علي رجل في حكومة صدام مثلما انهالت علي هذا الوزير.

قصة المصعد

وكما توقعت، لم يمض وقت طويل حتي وقع مدحت مبارك في مشكلة كبيرة بسبب المصعد الموجود في مستشفانا. اتصل بي الوزير وطلب مني الحضور إلي مكتبه علي الفور، ولم يذكر لي الموضوع الذي يريدني بشأنه. وفهمت أن المشاكل قد بدأت، لأنه اتصل بي في السابعة صباحاً، وعلي غير العادة، من مكتبه وكان ذلك بعد يوم واحد من زيارة مستشار عدي العسكري لي.

كان الوزير مكفهر الوجه ويبدو عليه الإنهاك، عندما دخلت عليه قال لي: «لقد علم صدام بموضوع المصعد».

لا أعرف كيف، لكنه حكي لي كيف زاره ثلاثة من مسؤولي ديوان الرئاسة لاستجوابه حتي ساعة متأخرة من الليل. أعطوه خطاباً كتبه الرئيس بيده يطالبه فيه بشرح كيف يمكن لوزير يثق به الرئيس أن يخطر بباله أن يعطي لمستشفي خاص مصعداً مملوكاً لوزارة الصحة.

أعطاني مبارك الخطاب وكان فيه كلمات كثيرة مشطوبة مما يدل علي أن صدام قد كتبه وهو في ثورته.

كان صدام يسمح لقصي وعدي وباقي حاشيته بأن يفعلوا ما بدا لهم في ظل الاقتصاد المتهالك والفساد العام، لكنه كان يرفض أن تحدث سرقات واضحة من الأموال العامة.

سألني الوزير بصوت خافت:«بماذا أرد علي الرئيس»؟

فأوضحت له بداية أنني لست الشخص الذي أخبر صدام بموضوع المصعد، وذلك لأتجنب أي شك قد يساوره. والحقيقة إنني للآن لا أعرف من قام بإخبار صدام عن هذا الموضوع. فالرئيس له مصادره التي تمده بالمعلومات في كل مكان، ولذلك فقد كان من المتوقع أن يصل إلي مسامعه موضوع المصعد، وأن يهتم به كما يهتم بكل آمال الأمة وآلامها، فهل يسمح الرئيس بأخذ مصعد من مستشفي حكومي لينقل إلي مستشفي خاص.

تنصت علي المكتب

ولأني أعرف أنه يتم التنصت علي مكتب الوزير فلم يكن هناك مانع في أن أبالغ بعض الشيء.

واستطردت في كلامي ذاكراً أن المصعد معطل عن العمل منذ أكثر من عشر سنوات.

لقد غُيِّر اسم مستشفي الواسطي سنة 1996 إلي مركز صدام لجراحات التجميل، وكان المركز علي بعد ثلاثمائة متر من مركز آخر رمادي اللون، مكون من ثلاثة طوابق بها عدد قليل جداً من النوافذ الصغيرة، وكان ممنوعا الاقتراب منه لأنه مبني المخابرات.

وكلنا كان يعرف ما يحدث هناك.

أثناء الهجوم الجوي علي بغداد في فبراير 1991 قصف الأميركان هذا المركز الذي ربما كان أسوأ معتقل تعذيب أنشأته الحكومة العراقية. ولأن هناك أرضا غير مبنية بين ذلك المركز الذي دُمر تماماً وبين مركزنا، فقد تعرض مركزنا لأضرار كبيرة. وكانت أبواب المصعد هي أكثر ما تعرض للتلف.

وأثناء الفوضي التي حدثت في أعقاب الانفجارات تعرض المركز للسرقة، وكان من بين ما سُرق لوحات التشغيل وأجزاء مهمة من المصعد. وفي السنوات العشر التي تلت ذلك كان شراء أبواب جديدة وقطع غيار للمصعد في ذيل قائمة مشتريات وزارة الصحة. وكان هذا هو السبب في بقاء المصعد في مستشفانا.

اقترحت علي الوزير أن يخبر الرئيس بالحقيقة وهي أن المصعد معطل وأن الوزارة بصدد شراء مصعد جديد: «لذلك فلم أر مشكلة في أن أترك المصعد القديم المعطل لعدي، طالما يحتاج هو إليه».

ورأيت كيف تعلق مبارك ذلك الحائر والقلق بهذا الاقتراح وكأنه «غريق يتعلق بقشة». فربما يرضي صدام بهذه الإجابة.

وكان الأمر الأسوأ بالنسبة إلي الرئيس هو اكتشافه أن المصعد لم يكن هو الشيء الوحيد الذي أراد عدي الاستيلاء عليه من وزارة الصحة ليستكمل تجهيز مستشفاه الخاص في أسرع وقت، فقد طمع عُدي ليس فقط في المصعد ولكن أيضاً في كل شيء آخر احتاج إليه من مستشفيات بغداد الحكومية. كان الأطباء الذين عينهم يكتبون له قوائم بما يحتاجونه ثم يقوم مكي حمودات بالاستيلاء عليها وجلبها إلي مستشفي الحيدري.

كان هذا أسهل الحلول بالنسبة إلي عدي، كي لا يضطر أن ينتظر طيلة الشتاء والربيع حتي يتمكن من الحصول علي ما يحتاج إليه بالطرق الرسمية.

مندوب عدي

كان اللواء مكي يقوم بتفتيش المستشفيات في سرية تامة، وكان علي الأطباء والممرضات أن يقفوا مكتوفي الأيدي وهم يرون مندوب ابن الرئيس وهو يستولي علي معداتهم الطبية وأجهزتهم الضرورية والأدوية، وحتي أدوات العمليات الجراحية. وبعدها كانوا يضطرون إلي العمل بما تبقي لهم بعد هذا السطو علي مستشفياتهم.

ولم يكن من السهل تعويض ما سرقه عدي، فقد كان طلب معدات أو تجهيزات جديدة بمثابة كابوس طويل ومخيف يؤرق مديري المستشفيات، علي الرغم من أن برنامج «النفط مقابل الغذاء» الذي طبقته الأمم المتحدة كان لابد أن يوفر لنا مثل هذه الاحتياجات، ولكن الواقع العملي كان علي خلاف ذلك فقد كانت البيروقراطية العراقية التي يجب أن تفحص مطالبنا كعادتها بطيئة ورديئة. ولم تساعدنا بيروقراطية العقوبات الاقتصادية هي الأخري. وأسوأ ما في الأمر هو عدم الاكتراث بالآراء والأحكام الطبية عند الشراء، لكن كان الأهم دائماً هو اختيار الموردين الذين يدفعون أعلي العمولات لعصابات الذئاب.

تولي صديقي الدكتور عدنان الناصري لفترة قصيرة إدارة مكتب شكاوي الرئيس، وكان بإمكان أصحاب الشكاوي أن يكتبوا له أو يتصلوا به هاتفياً ليحكوا له مشاكلهم شخصياً. وربما أبالغ إذا قلت ان مكتب الشكاوي هذا كان له تأثير كبير في حل المشاكل.

تنصت في كل مكان

ولكن من الغريب أن وصول مشكلة المصعد إلي مكتب الشكاوي وقد كان صديقي أحد الثلاثة الذين استجوبوا الوزير طوال الليل. وطلب مني الدكتور عدنان أن أحضر إلي مكتبه ليحصل مني علي بعض المعلومات عن الموضوع. ولما كنت أعلم أن مكتبه يتم التنصت عليه هو أيضاً، لذا فقد قلت له ما قلته نفسه لوزير الصحة.

وضع أمامي ورقة صغيرة علي المكتب مكتوب فيها: «عندي صورة من خطاب وجهه صدام لعدي بخصوص المصعد». وكانت عادتنا في المكاتب الحكومية في بغداد عند الحديث في أمور حساسة أن نكتب وريقات صغيرة لبعضنا البعض لنتبادلها، وذلك من باب الاحتياط.

وبدأت أقرأ المكتوب في الورقة: «كيف تجرؤ وأنت ابني علي أن تأخذ من مبني حكومي عام شيئا لتضمه إلي ملكيتك الخاصة؟ إن العمل في مجال المستشفيات ليس مجال عملك. كيف تجعل طبيبة تدعي أنها اشترت مستشفي الحيدري، بينما يعرف الجميع أنك أنت صاحب هذا المشروع؟ يتعين عليك في المستقبل أن تتقدم للحصول علي موافقة وترخيص بالعمل وامتلاك مستشفي، مثلك في ذلك مثل أي مواطن عراقي».

ظهر واضحا في تلك الرسالة أن صدام كان في غاية الانزعاج من عدي. كتب له: «ينبغي أن تعرف أنك بهذه الأفعال لا تسيء إلي نفسك وحسب بل تسيء إليّ وإلي سمعتي. فإنك لو لم تكن ابن صدام حسين ما كان في استطاعتك فعل ما تفعل! إن الناس سوف يتكلمون عني بالسوء». طلبت من عدنان الناصري نسخة من هذه الرسالة، لكنه رفض لخطورة ذلك علي نفسه، وكان محقا في ذلك.

وكان الأب وابنه يتواصلان عادة عن طريق الخطابات، ويتجنبان الكلام في الهاتف لأنهما ينطلقان من أن مكالماتهم سيتم التنصت عليها. وفي المعتاد كان قصي وعدي يضطران إلي تحديد مواعيد مع أبيهم عن طريق سكرتيره الخاص والرجل القوي عبد حمود. ولم تكن هناك علاقة يومية بينهما وبين أبيهما، لذا لم يتبق أمامي بعد رفضي لطلب مستشار عدي العسكري وبعد أن تلقي عدي من أبيه خطاب تأنيب لهذا السبب إلا أن أنتظر انتقام عدي مني.

انتقام عدي في «بابل»

لذلك فلم اندهش عندما حضر إلي المستشفي بعد ثلاثة أيام اثنان من المحررين الصحفيين ومصور من العاملين في جريدة بابل التي يمتلكها ويرأس تحريرها نجل الرئيس.

بالطبع كان أول ما فعلوه هو تفقدهم للمصعد التعس والتالف، كما قاموا بتصويره من كل الجهات ثم جاءوا إلي مكتبي، وطلبوا مني التعليق علي وضع المصعد المعطل الذي اعتبروه فشلا إداريا سببه الإدارة السيئة للمستشفي التي لم تتمكن من عمل أي شيء لإصلاحه علي مدار عشر سنوات.

وأكدوا لي أنهم سيقومون بنشر هذا المقال في جريدتهم.

وأخبرتهم أني متشوق لقراءته وشكرتهم لاهتمامهم بهذه المشكلة وأن المستشفي يعتمد علي جهودهم الصحفية التي ستعود علينا بالفائدة بكل تأكيد:«لقد كتبنا مرات كثيرة لا حصر لها لوزارة الصحة وطلبنا منهم إمدادنا بالأموال وقطع الغيار اللازمة لعمل الإصلاحات ولكن حتي الآن دون جدوي، كما رأيتم بأنفسكم».

ثم شكرني المحرران والمصور وخرجوا، وسألت نفسي ما إذا كانوا سيقومون فعلاً بنشر هذا المقال، لأنهم إذا فعلوا فسوف أفقد عملي كمدير للمستشفي، فمعظم من هاجمتهم هذه الصحيفة واتهمتهم بالتقصير فقدوا أعمالهم سواء كانوا وزراءً أو مثلي في ذيل السلم الوظيفي.

وقد كانت لي مشكلة سابقة مع جريدة بابل في الفترة بين نهاية عام 1992 وبداية عام 1993 عندما دعاني عدي ذات مساء وحدثني في أمور كثيرة وامتدح إنجازاتي كطبيب وكفنان وطلب مني أن أكتب في جريدته كلاماً فيه إساءة لبعض الوزراء وأصحاب المناصب العليا في حزب البعث، وفي المقابل وعدني أن تقوم الجريدة بامتداحي وتمجيدي ونشر صورتي بالحجم نفسه الذي تنشر به صورة صدام علي صفحة الغلاف.

شتم المسؤولين

فأجبته بأنني لا أعرف تلك الشخصيات التي ذكرها ولذلك فلست مؤهلاً لهذه المهمة. ولكنه أكد لي أن ذلك لا يعد مشكلة علي الإطلاق، وأضاف قائلاً:

«سنمدك بكل المعلومات اللازمة».

علي الرغم من ذلك أعدت عليه رفضي للعرض وقلت له: «أنا لست موهوباً في الكتابة».

ولا أجــد مسوّغا لأن أسمح لنفسي بشتم المسئولين علي صفحات الجرائد من دون مبرر.

وبعدها بخمسة أيام نشرت الجريدة صفحة كاملة عن: مستشفي الدكتور علاء بشير الخاص في بغداد. ذكروا في المقال أن الدكتور علاء يتربح من مرضي جراحات التجميل ويطلب منهم أتعابا مبالغا فيها واتهموا سكرتيرتي بالاحتيال وبأنها تقنع المرضي الذين يقعون في مخالبنا بعمل صور بالأشعة وتحاليل دم، علي الرغم من أن معظمهم لا يكونون في حاجة الي ذلك. بالإضافة لذلك فقد اتهمونني بالعجرفة والغرور والوقاحة. وفي ختام المقال طالبوني ألا أنسي أنه حتي فرعون قد مات وأنه لم يأخذ معه شيئا مما جمعه من المال ومن عرض الدنيا.

حق الرد

وما إن نزلت الجريدة إلي الأسواق حتي أُوقف توزيعها. وفي اليوم التالي تلقيت اتصالاً من وزير الثقافة حامد حمدي الذي أخبرني أن لديه تعليمات بأن يتيح لي إمكان الرد. يمكنني أن أكتب ما شئت وسيظهر في جريدة اليوم التالي ويذاع في التلفاز. ولكني رفضت، فما كُتب في الجريدة لا يستحق الرد. وقلت له:

«دعهم يقولون ويكتبون ما يشاءون، فستثبت الأيام من كان منا علي حق ومن كان الكذاب. والناس يعرفونني ويعرفون أن هذا المقال مجرد هُراء. ومن لا يعرف ذلك الآن، فسيعرفه بعد فترة».

وبعد أسبوع قابلت ساجدة أم عدي واعتذرت لي علي ما جاء في المقال وأخبرتني أن صدام غضب جداً عندما قرأه وقالت إنهم يأسفون جميعا لما حدث، وأن عدي نفي عن نفسه أي مسؤولية وأخبر عائلته أن المقال تم تحريره ونشره دون علمه أو اشتراكه.

ولم يظهر أي مقال عن المصعد المعطل أو العمل الرديء في مركز صدام لجراحات التجميل مرة أخري، مما أصابني بالدهشة. وعلي الرغم من علمي بأن صدام مازال يكن لي الاحترام والتقدير إلا أن عدي كان يتمادي في تنفيذ رغباته رغم أنف أبيه. وكنت أشعر أن الرئيس لا يجرؤ علي وضع حد لحملات عدي الانتقامية خوفاً من أن يفلت زمام جنون عدي. كان نجل الرئيس يسيئ استغلال حرية الصحافة من خلال جريدة بابل وعن طريق محطة تليفزيون الشباب التي كان يمتلكها. وفي أحد الأيام وأثناء إجرائي لعملية جراحية، إذا بمُعد برامج من محطة الشباب يأتي إليّ في العيادة ويطلب مني أن أذهب معه لتصوير برنامج حواري.

فأجبته: «لا أستطيع الحضور معك فغرفة الانتظار فيها مرضي كثيرون ولا يمكن أن أرسلهم إلي منازلهم الآن».

فقال لي: «يجب أن تحضر وإلا فسيغضب عدي فهو مُصِر علي اشتراكك في هذا البرنامج».

فقلت له: «ولكنني حتي لا أعرف موضوع البرنامج ولست مستعداً له. يؤسفني أنني لن أستطيع الحضور».

فسألني: «هل يمكنك أن تتصل بالمنتج»؟

فأجبته: لا، لن أفعل. اتصل أنت به وبعُدي وأخبرهما أنك لم تجدني وسأغلق أنا العيادة وأذهب إلي أي مكان لا يجدانني فيه.

خبر كان

كنت أعرف هذا الشاب، فهو ابن صديق لي يعمل مهندسا معماريا. قلت له: أبوك صديق عزيز علي، والآن ستفعل ما أخبرتك به. فوافق علي مضض وخرج من عندي. ولم تمض دقيقتان إلا وكان عندي مرة أخري قائلاً أرجوك يا دكتور علاء لا تتسبب لي في مشكلة، إذا اكتشفوا الأمر سأكون أنا في خبر كان.

«لا تخف، لا أحد غيرنا نحن الاثنين يعرف بالأمر».

«الله مطلع علينا ويعرف كل شيء، أرجوك اتصل بالمنتج».

مقابلة بالقوة

اتصلت به فقال لي: «عدي يجلس بجواري وطلب شخصياً اشتراكك في البرنامج مع مجموعة من الضيوف وأنا أخشي أنك إذا لم تحضر فسوف يقولون عنك أشياء كثيرة لن ترضيك».

كنا خمسة من المشاركين في البرنامج، مطربة أردنية وزوجها، مطرب عراقي وواحد من وزراء صدام وكنت أنا جالساً بجوار المذيعة وهي شابة بالغة الجمال، ودون أن يلاحظ أحد دفعت إلي بالورقة التي كُتبت فيها الأسئلة وأرادت من ذلك أن تُعلمنِي أنها لم تكن فكرتها هي ولا الأسئلة من إعدادها.

كان السؤال الأول: لماذا لا تحب التعاون مع محطتنا؟

وبعد أن أجبت عن السؤال بأنها ليست مشكلة تماماً بالنسبة لي أن أظهر في برامج عدي، استكملت أسئلتها التي كانت علي غرار السؤال الأول، مثلاً لماذا أتصرف وكأني أفضل من الآخرين، لماذا أنا دائماً عنيد وهكذا؟ وتحول الموضع برمته إلي حرب كلامية. وعندما انتهت الحلقة، اقتربت مني المذيعة وهمست إلي: «أرجوك أن تطلب مني اصطحابك إلي الخارج. وبدا عليها الخوف والهلع. غادرنا الاستديو معا واصطحبتني إلي الباب الرئيسي حيث انتظرها معد البرامج الشاب في سيارته القديمة ماركة فولكس فاجن، وتركنا المكان معاً، كان هذا الشاب هو خطيب المذيعة. ونحن في السيارة شكرانني وقالا لي أن عدي طلب مقابلة المذيعة الحسناء وحدها بعد التصوير في حجرة خلفية. وبعد شهر تزوجا وهربا إلي الأردن.