مذكرات الضابط تومار في حرب لبنان الثانية (2/2)

لم يتوقف الرصاص والقصف الصاروخي المباشر على المنزل الذي كان نتواجد فيها إلى حين تدخلت قوات إسناد كبيرة من الدبابات والمشاة من التقدم نحو يارون دافعة كلفة عالية من عتادها وجنودها خوفا من أيتم قتلنا جميعا أو أسرنا لأن المئات من عناصر المخربين كان يحيطون بالمنزل من كل موقع.

خفت حدت الرصاص والقصف قبل أن تتوقف نهائيا بعد أن دخلت الدبابات إلى القرية ووصلت إلى قرب منزلنا.

لم تعتقل القوة أيا من رجال نصرالله ولكنها سحبت ثلاثة من مقاتليه جثثا مدماة سقطوا بقصف الطائرات الحربية التي إستعملت صواريخ المسماة " فراش النار " لطرد المخربين من مسار الدبابات التي خسر رتلها أربعة منها تم تدميرها بشكل كامل وثلاث أخرى علمت بأن أعطبت.

كانت الطائرات المروحية تحاول الهبوط مجددا لنقل الجرحى والقتلى الذي سقطوا في صفوفنا. تسعة جنود جرحوا من وحدتي وثمانية سقطوا قتلى في رتل الدبابات فضلا عن الجرحى. كانت مجزرة لا معركة، " يجب ضرب روسيا بالقنابل النووية " صرخ قائد الكتيبة في اللاسلكي ردا على تقرير الخسائر، دباباتنا كانت ستباد بصواريخ المخربين لولا أن الطائرات أحرقت كل الحقول والتلال المجاورة.

بعد سحب الجرحى والقتلى وتفقد المقاتلين من وحدتي، قررت أن أصعد إلى الطوابق العليا على رأس نفر من جنودي لكي أتفقد الغرف لعل المخربين يختبأون فيها وكانت المفاجأة.

صالة علوية للمنزل كانت تمتليء حوائطها بصور خسن نصرالله، صور كبيرة ومزينة بالخشب الفاخر ، يبدو على المنزل أن صاحبه يمتلك المال الكافي لنقش صورة لنصرالله بالبورسلان الملون، وأخرى خشبها من النوع الذي يصدر منه رائحة عطرة . كانت إحدى الصور لنصرالله بحجم يكفي لكي ترى التفاصيل الصغيرة في وجهه ، نظرت إلى عينيه ، وقررت أن ألتقط لنفسي صور تذكارية معه، طلبت من مرافقي أن يحملوا الكاميرا الشخصية التي أملكها والتي جلبتها في عتادي ووقفت بجانب صوره ألتقط صورة بعد الأخرى.

كنا جائعين وعطشى والعتاد وصل. رجال جيش الدفاع أكملوا المهمة ولاحقوا المخربين في الخارج وكان لنا وقت كافي لتناول وجبة طعام معلبة بعد يومين من الجوع ، كان في الغرفة طاولة وكراسي فجلست مع الجنود لنأكل بسرعة ، أكلنا ونصرالله ينظر إلينا. حمل أحد رجالي أكبر صوره ووضعها على الأرض واسندها بالكرسي وصار يحاول إطعامه كأنه يشاركنا الأكل الذي حرمنا منه بسبب رجاله.

قبل خروجي من الغرفة ومن المنزل قررت أن أنتقم لرجالنا ، عدت كالأبله الذي لا يجرؤ على مواجهة الخصم فواجه الصورة . عدت إلى الغرفة وبدأت بإطلاق النار على الصور واحدة بعد الأخرى، صرخ المراسل في جهاز اللاسلكي ،لا تقلقوا رجالنا قتلوا نصرالله ...

حين أفكر بالسبب الذي دعاني لإطلاق النار عبثا في ذاك المنزل أشعر بالخجل. فأنا جندي تربى على فكرة أن النصر أمر حتمي لجيش الدفاع، وأن رجالنا قاتلوا حروبا عدة بلا قتال، كانت الحروب السابقة مثال على قوة وعزم وقدرة إسرائيل، هذه الحرب كانت شيئا آخر ، كنا كجنود متحمسين لخوض المعركة في البداية، فلدينا اقوى جيش في المنطقة وطائرات المراقبة تستطيع إبلاغنا بكل ذبابة تتحرك في المحيط ، ومع ذلك ، ها نحن جنود إسرائيل العظيمة نختبيء في المنازل لا نلوي على شيء. ونطلق النيران على صور جامدة .

تيقنت بعد تفكير طويل، بأن زمن الحروب المضمونة النتائج ولى، وتمنيت لو أني كنت مكان أبي حين قاتل لساعات في حرب الأيام الستة ودخل القدس ليعيدها عاصمة لمملكة داوود. أما نحن مع هكذا حكومة وجيش فأخشى أن نقاتل يوما على حدود القدس كما نقاتل الآن بصعوبة لنكافح بضع آلاف من مخربي نصرالله على بعد مئات الأمتار فقط من ارض إسرائيل، ومع ذلك إستلزم إيصال الطعام والذخيرة لنا يومين كاملين.