السحر في وادي دجلة والفرات(1)

من المفترض في بلد يعدّ مهد السحر والشعوذة والرقي أكثر من غيره أن يأمل المرء بوجود وفرة من الأساطير والمعتقدات الشعبية، ولن يخيب أمله في ذلك، على الرغم من إن الإسلام، بمنطقيته وعقلانيته، قد بدد الكثير من المعتقدات الموغلة في الضلال. إن المواطن العراقي، عموما، لا يمارس الطقوس الوثنية مثلما يمارس الزنجي طقوسه الوثنية؛ كما انه لا يعير الكثير من الاهتمام بالعالم الآخر مثلما يفعل الفلاحون الايرلنديون، وهو لا يخشى الأموات كما تخشاها شعوب حوض المحيط الهادي. والبيوت المسكونة في نظر العراقي لا تسكنها أرواح الموتى، وإنما يسكنها الجن الذين خلقهم الله من نار، وهم اقرب الى العفاريت منهم الى الشياطين. بيد إن بإمكان مؤلف كتاب الغصن الذهبي (The Golden Bough) أن يكتب مجلدات عدة بشأن كمّ المشاهدات التي تتخلل الحياة اليومية لسكان وادي الرافدين، وبشأن الطقوس التي يتخذونها لحماية أنفسهم من الشر وسوء الحظ، فضلا عن الأساليب السحرية التي يستخدمونها ضد المرض.

إن أكثر ما يتخلل حياة العراقي من خرافات، كما هو الحال للايطالي، هو الخوف من عين الحسود. ما هي عين الحسود؟ إنها القوة التي يمتلكها بعض الأشخاص، رغما عنهم غالبا، التي تستنزل البلاء وسوء الحظ. ويا لتعاسة من يوصف بأنه حسود، إذ سيخشاه جيرانه، وسيعدّه أهله بلاءً. أما في المناسبات الاجتماعية فإنه ضيف ثقيل على الدوام. وعند العشائر يحدث أن يطلق الرجل زوجته إذا ظنّ أنها تصيب بالعين.

وقد اخبرني رجل ذات مرة بأنه كان يعرف رجلا حسودا تباهى بقدرته على كسر شراع سفينة كانت تمخر عباب النهر حينذاك قبل أن تصل الى انعطافة كانت ستواريها عن الأنظار باستخدام قوة العين، وراهن الناس. غير إن أولئك الذين ارتابوا في قدرة العين خسروا نقودهم، لأن الشراع انكسر فعلا.

ومن الطقوس المأثورة في انكلترا وجوب ارتداء العروس شيئا ازرق في يوم زفافها. إن هذا الاعتقاد بأن اللون الأزرق مؤثرٌ في عين الحسود اعتقادٌ شائعٌ تقريبا، كما أظن، إذ يرتدي الأطفال والجياد والبغال هنا وفي ايطاليا وصقلية خرزة زرقاء بوصفها حجابا ضد العين. وتُصمم قوارب القفة المستديرة الحوضية الشكل، الشبيهة بالسلة، التي عادةً ما يراها المرء وهي تتهادى في نهر دجلة، بطريقة يلتصق فيها الخرز والدهّاشة في القار الذي يجعل القفة منيعة ضد الماء. كما يعلّق سائقي بضع خرز زرقاء في المفتاح عندما نمضي في أية رحلة. فضلا عن ذلك، تتضمن عمارة المنازل قِطعا من الفخار الزرقاء والخرز. ويبدو لجام الحصان وسرجه سارّا للناظرين بوجود حواشٍ وزخارف الخرز الزرقاء والوِدع. وتُستخدم الودع، وهي تعويذة قضيبية الشكل موغلة في القِدم، ضد العين الشريرة، كما هو الحال في جنوبي أوربا. تقول إحدى الأهازيج:

ودعة ودهاشة من عين اللاّشة

والدهاشة المذكورة في الأهزوجة هي خرزة زرقاء ذات ثقوب يتراوح عددها بين الخمسة الى سبعة ثقوب، ولها شكل الازرار، وهي تُباع خصيصا لتُخاط على الثياب أو القلنسوات كتميمة أو حجاب. وغالبا ما ترى طفلا وقد عُلقت بعضٌ من هذه الخرز على ثيابه، إذ تتوسط واحدة منها عادةً كتفيه على ظهر معطفه، إذ إن بإمكان العين أن تصيبه من الوراء وليس من الأمام فحسب.

وتتميز العباءة المشهورة، وهي أردية حريرية تُنسج في النجف، بالخيط الأزرق المخضر الذي يُخاط في إحدى زواياها. كما إن الأزرق هو اللون السائد للقرميد المزجج الأخاذ الذي يكسو جميع منائر بغداد وقبابها. ولا تحظَ كل درجات الأزرق بهذا الاحتفاء، وإنما يحظى به الأزرق المخضر الزاهي والأزرق السماوي ولون اللوبن([2"> والعائق([3"> فقط. أما زهرة العفص، وهي حجابٌ آخر ضد العين، فكثيرا ما تراها معلقة في قلنسوات الأطفال مع الودعة والدهاشة. ويعدّ وضع نعل قديم على باب البيت أو شباكه إحدى التمائم. وهناك مثل هذا النعل في الشارع الجديد ببغداد. وعندما قطع الأتراك الشارع ابّان الحرب، أعاد رجلٌ ما بناء بيته، وفي طور بناء البيت وقع احد العاملين من السقالة، وعلى اثر ذلك لم يقبل العمال مواصلة البناء إلا بعد أن عُلق النعل.))

ومن الشؤم أن تبدي إعجابك من دون إضافة العبارة الواقية "ما شاء الله". فعندما تُبدي إحداهن إعجابها قائلة: "يا له من ازارٍ جميل هذا الذي ترتدين"، تجيبها الأخرى على وجل: "لا تصيبيني بالعين".

وتحرص النساء كل الحرص على ترك وجوه أطفالهن تتسخ، كما يحرصن على أن يُلبِسنَهُم الرثّ من الثياب لئلا يجذب جمالهم العينَ. فلو إن امرأة أغواها الشيطان بإظهار فلذة كبدها في أبهى حُلّة في الأعياد مصطحبةً الصبي وقد خيطت التمائم في قلنسوته وارتدى معطفا حريريا والخلاخل تتدلى منها الأجراس ليمتع نظره ولكن الجو حار أو مغبر، فلن ينفك الصبي يبكي متلويا من الالم والحمى. وهنا يجن جنون الأم، فلم تكن التمائم كافية، إذ إن عينا ما قد أصابته وستكشف الأم مَن أصابته بالعين، وهي على الأغلب إحدى الجيران التي حسدت بهاء الطفل وحُسنه.

ويُدعى الرجل الحكيم، وهو من سلالة اسيبو (Asipu) من بابل القديمة، "فتاح فال"، أو "فتاحة فال" إذا كانت امرأة، وذلك لأنه يفتح كتاب التمائم الخاص به للذين يطلبون نصحه. فلو إن شابا اُغرم بفتاة قد شغفها غيره حباً، فلابد أن يلجأ الشاب الى فتاح الفال ويفضي إليه بمكنونات قلبه. ويفكر الحكيم بتمعن، مدونا حجابا فاعلا على قصاصة ورقية، ويعطيها للشاب مصحوبة بالقليل من البخور. بعد ذلك يضع الحكيم كتاب تمائمه "كتاب الفتاح" على رأس زائره، فيفتح الكتاب ويبدأ بالقراءة. وبعد أن يستشير العرّاف يقول: "في اليوم واليوم الفلاني، ضع الحجاب الذي أعطيتك إياه في الماء واشرب بعضه بنفسك، واجعل الفتاة التي تهوى تشرب منه بطريقة أو بأخرى، وعند الغروب بخّر نفسك بما أعطيتك من بخور، وحالما تراك فستُصبح معبودها، أما الآخر فسيطويه النسيان".

ولابد أن اذكر في عودتي هذه الى موضوع العين تقليدا شائعا، إذ يُؤْثَرُ الصبيانُ على البنات هنا، كما هو عليه الحال في عموم (بلاد) الشرق. وهربا من العين التي تطارد الذكور، تُترك شعورهم لتطول ويرتدون ملابس الإناث. فذات يوم جاءت المرأة التي استأجرها لغسل ثيابي مصطحبةً معها طفلا في رداء البنات، فسألتها: "ما اسم طفلتك؟"، فأجابت قائلة: "انه ليس بنتا، بل صبيا"، ثم استطردت موضحةً بأنه ابنها الوحيد بين بنات ثلاث.

ولا يلجأ العشاق الخائبون الى الفتاح فال دائما، إذ إن وصفات مرض الحب من طرفٍ واحد وغيره من أنواع البلاء تُحفظُ في العائلة وكأنها وصفات ناجحة في كتاب للتدبير المنزلي!

وقد شاهد احد أصدقائي شابا بدا من ملبسه بأنه كان من "الأفندية" أو من طبقة المثقفين وهو يتوجه نحو حافة النهر وينحني ليغسل يديه. وبعد أن غسلها اخرج من جيبه منديلا دون أن يدري أن هناك مَن يراه. وغسل الشاب يديه مرة أخرى، وفرش المنديل على الأرض بعناية، وغسل يديه، ثم وضع البيضة على المنديل، وغسل يديه، ثم رفع البيضة قاذفا بها الى النهر، حيث انكسرت واختفت. وعيّن الشاب البقعة بعناية، مُجددا اغتساله الذي تخلل كل خطوة جديدة من العملية. وبعد ذلك، انتقى الشاب حجرا ووضعه على المنديل، فلقفه ورماه نحو البقعة التي اختفت فيها البيضة. وبعد أن غسل يديه لآخر مرة، نهض ومضى لسبيله.

ويخجل العرب المثقفون من الاعتراف بأنهم يعرفون أيا من هذه الأشياء، بيد إن صديقي استطاع أن يعرف من كاتبه بأن ما شهده على النهر كان حجابا قديما جدا، ويهدف الى أن يضمن للرجل محبة المرأة التي يهوى، فلا تسلِّم قلبها لسواه.

ويُستخدم البيض بوصفه ركنا أساسيا في الشعوذة والرقيات. وقد مررتُ في مواضع مختلفة من الكتاب على وصف الركن الذي تشغله المشعوذات اليهوديات والكمّ الهائل من قشور البيض التي تتناثر في الجوار. وكثيرا ما رأى زوجي، الذي كانت مكاتبه في جوار هذا الركن، عجوزا تصنع التمائم باستخدام البيض. وكان الأهالي يجلبون لها الأطفال، فتمرر بيضةً تخرجها من صدرها حول وجوههم متمتمةً بالرقي طوال الوقت. ثم تسحق العجوز بيضةً ويُرمى هشيمها الى النهر، بينما تغسل يديها استعدادا لزبون آخر. ولم أكن اعلم أي من التمائم كانت تلك، فمن المعتقد إن رمي بيضةٍ بعد الغروب هو نذير شؤم، إذ إن ذلك يعني "فقدُك لطفلك"، إذ قال مصدر معلوماتي: "سمعت أمي تقول لجارتنا التي جاءت بعد حلول الظلام تطلب بيضةً من اجل قرة عينها: تعالي غدا وسأعطيك مائة بيضة، أما الليلة فلن أعطيك شيئا".

ويستخدم العراقيون ما يُصطلح على تسميته، كما أظن، السحر التعاطفي. هاكم مثلا رقية ضد الحمى والصداع: تُجلبُ سعفة نخلٍ وتُحرق، وتحمل المرأة السعفة المحترقة بعيدا. وما أن تمشي حاملةً السعفة مسافةً قليلة حتى يأمرونها بالتوقف ويُطفئون النار، فتزول الحمى في اللحظة والتو. وتلجا المرأة الحامل التي تخشى الإجهاض الى حجاب الحيّة، إذ يتم اصطياد عصفور يُقدم الى أفعى لتبتلعه، وما أن تفعل حتى تُقتل وتُبقر بطنها، فيُستخرج العصفور ويوضع في محفظةٍ جلدية تُخاط بعدها، لتتقلدها المرأة بحزام الى ظهرها. ويُعالج التهاب الصدر بالوشم على الصدر، كما يُعالج الم المعدة عند الأطفال بالوشم على البطن باستخدام سيجارة. أما إذا اشتكى الراشدون من الم المعدة، فعلاجهم يكون بالوشم باستخدام فتيلة مشتعلة من القماش الأزرق المصبوغ محليا، التي يتم تعريضها لصدر الوجع مباشرةً.

وقد اخبرني احد المسيحيين بأنه عندما كان مع بعض البدويين برأ رجلا كان يعاني من تضخم الطحال بالطريقة التالية: أولا قام البدو بربط ذراعه للأعلى، ثم وُضعت ذراعه في ماء ساخن، ثم فتحوا وريدا، فتدفق الدم، ووضعت كعكة، وما أن جفت حتى شفي الرجل.

وتُستخدم الوسيلة التالية في علاج "حبة بغداد"، وهو مرض كان العلم قد ضاقت به الحيل معه حتى الآن: خذ عصفورا واقتله ودع دمه الدافئ النضِر يلامس البثرة، ثم علق العصفور عاليا، وريثما يجف جسده ستجف البشرة وتتلاشى. ومن وسائل علاج الحمى أن يوفد رجلان من بيت الرجل المحموم لربط خيط عبر الشارع، فتنقل الحمى لعابر السبيل الذي يقطع الخيط فيبرأ المحموم.

أما "النَفَس"، فهو مشابه للعين. وقد عُرض على رجلٍ ارتاب في النفس رجلٌ قتل كلبا بمجرد التنفس والتعليق بما يلي: "ما أحسن هذا الكلب"، فخرّ الكلب صريعا. كما انزل رجلٌ ذو نفسٍ البلاءَ بأطفاله كلهم، إذ ماتوا وهم أطفال. وعندما لجأ الى الملا نصحه هذا بالامتناع عن طهورهم، على الرغم من إن الشريعة الإسلامية تفرض الطهور. وقد اخذ الرجل بنصيحته، فصار ربّ أسرة من الذكور.

وقبل أن اختم موضوع الأدوية هذا، ينبغي أن لا اغفل العلاج المحلي لمرض السعال الديكي، واسمه الشعبي "الحُميرة"، نسبةً الى صوت النهيق، و "خنزيرة"، وكلاهما حيوانان من غير اللائق ذكرهما. يذهب والد الطفل المصاب بالسعال الديكي الى بائع الخفّ أو الخفّاف أو صانع الخِفاف الحمراء والصفراء التي ينتعلها المسلمون واليهود فقط، ويقول له: "يا كلب، سويلي كلب، لخاطر الكلب ابن الكلب". وإذا دعوتَ أحدا بأنه "كلب ابن كلب"، فإن هذه إهانة مريعة، ولكن في هذه الحالة يكتفي صانع الخِفاف بالتبسُّم، ويقتطع شكلا يشبه الكلب من قطعةٍ جلدية معلقة حول رقبة الطفل. ومن وسائل العلاج الأخرى أن يشرب المريض من ماءٍ شرب منه كلبٌ أو خنزير، وأن يذهب الى القصاب فيأخذ هذا الأخير خنزيرا الى النهر، ويمسكه في النهر من حنجرته ثم يخنقه. وباليد ذاتها يأخذ القصاب حنجرة الطفل ويعصرها بلطف، مُخرِجا بذلك السعال المزعج.

وتتناقل العائلات وسائل لعلاج امراضٍ معينة. إذ إنني اعرف شيخا ودودا تسلّم مؤخرا إدارة دائرة حكومية له قدرة وراثية على إشفاء الحمّى، إذ انه يكتب سورة الفاتحة على حبة لوزة مقشرة ليأكلها المريض. وفي حال استمرار الحمّى فإنه يهيئ لوزة أخرى فيها الشفاء إذا لم يحتج المريض الى تناول حبة لوز أخرى.

وكثيرة هي التمائم للنساء اللائي يرغبن بالذرية، وإحداهن أن تزحف المرأة بين قائمي بعير واقف. وفي يوم الجمعة الذي يسبق عيد الفصح تزحف النسوة المسيحيات العاقرات تحت مصغّر لتابوتٍ ملئ بالزهور يُطاف به حول الكنيسة. وتعقد النساء على اختلاف عقائدهن الخِرق في أقفال مدفعٍ قديم يسمى "أبو خزامة" على بوابة القلعة في بغداد. ويتمتع المدفع الذي يناهز عمره الثلاثمائة عام بخصائص سحرية؛ إذ تأتي النساء بأطفالهن حديثي الولادة للمدفع واضعاتٍ رؤوسهم في فوهته كفأل حسن.

وغالبا ما تزور النساء العاقرات جامع الشيخ جنيد، الذي يبعد بضعة أميال عن بغداد، خارج ضريح السيدة زبيدة. ويوجد خلف هذا الجامع في الجانب الشرقي بئرٌ يقال بأن الشيخ جنيد كان يتوضأ بمائها. وهنا لابد أن تستخرج المرأة الماءَ بالدلو ثلاث مرات وتسكب القليل منه على كتفها وهي تقول: "تحبل"، وسيتحقق مرادها. ولابد أن يتم ذلك في يوم أربعاء. كما يجب أن تدفع السيدة للسيد القائم على الضريح مبلغا من المال. وبالطريقة ذاتها يمكن للمرأة التي تتوق لإنجاب ولد وليس لها إلا البنات أن تنال مناها عند البئر المقدسة. كما إن للحجر المحفوظ في الجامع قدرات شفائية، إذ إن الألم يتلاشى إذا مسح المريض بيده على الحجر ثم وضع يده على موضع العلة. ومن الأفضل أن يلامس الحجرُ العلةَ، أو أن يُطاف بالحجر حول ضريح الأمام. بيد إن خضر الياس أو النبي إيليا هو الولي الذي يؤمه المكروبون. ويقترب معنى كلمة "خضر" من معنى "دائم الاخضرار" لتبيان قدسيته وقوته السرمدية. ويكرمه المسلمون والنصارى واليهود على حد سواء، وهو رجل ربّاني ودود لا يخذل من يطلب معونته من النساء العاقرات أو العشاق المعذبين أو الأمهات المكروبات. وما أن ينتخي به المرء حتى يجده حاضرا، إذ إن الأمور البشرية تهمه كثيرا. وتُنذر النذور للخضر، وتُضاء له الشموع، كما تُقدَّم القرابين في ثوابه.

ومن أسماء الخضر الأخرى "شيخ الشط". فكثيرا ما يرى المرء تلك الطوافات الصغيرة المصنوعة من جذع سعفة، المغطاة بطين، تتهادى في صفحة دجلة حاملةً ثلاث أو خمس أو سبع شمعات مضاءة، تشيعها عيون مُرسليها، فإذا وصلت سفينة كبيرة متهاوية الى نقطة معينة في النهر وعليها شمعة واحدة مضاءة على الأقل، فسيغدو مؤكدا إن خضر الياس قد قَبِل نذرهم وسيمنحهم ما تمنوا.

وفي الليلة التي تسبق الصوم الكبير يصوم الناس صوم نينوى (إحياءً لذكرى تدمير نينوى)، أو صوم خضر الياس، ويعدّ هذا الوقت ممتازا لنذر النذور للخضر. إذ تنذر المرأة العاقر الصائمة لخضر الياس أن توزع الحلويات والكعك في ثوابه للفقراء، إذا دعا([4"> اللهَ أن يرزقها بولد فإنها ستوزع الكعك سنويا طوال حياتها.)

ولربما كانت متشوقة لتعرف إن كان نذرها قد قُبل، فإذا كانت كذلك، فستُعدّ حجرةً في منزلها، واضعةًً فيها صينية كبيرة ملأى بالكعك، وصينية أخرى تملؤها شموعا مضاءة وطاسة ماء ومشط وفرشاة وبعض الكرفس. وتحرص المرأة أيّما حرص على أن تنثر الكثير من الكرفس على كعكاتها حتى تجد آثار عصا الخضر عليها أو اثر لجام دابته في الصباح التالي إذا قُبل نذرُها. ويوضع الكرفس لكي تأكله الفرس، أما المشط والفرشاة فيوضعان حتى يمشط الولي بها لحيته الكثة وليهندم نفسه. وقد أكد لي مَن اخبرني بهذه الأشياء، وهو رجلٌ متعلم، بأن علامات ظهور الولي مرئية بوضوح غالبا. أما إذا لم تكن ثمة علامات فستُطمئِن المرأة نفسها بالقول: "لا يهم، ربما سيزورنا في السنة القادمة". ويُعتقد بأن الخضر سيعود الى الأرض عند ظهور الإمام الثاني عشر([5"> (المُهدي) والمسيح.)

ونذرت زوجة احد تجار بغداد المشهورين، وهي من إحدى العائلات فاحشة الثراء، بأنها ستلبس الأسمال الرثّة وتمشي حافية القدمين لتستجدي الصدقات من سبعة بيوت للمتعففين إذا برأ ولدها من مرضه، فإذا جمعت شيئا من الصدقات، فهذه علامة على قبول نذرها. وبالفعل حصلت على مبلغ ضئيل، وعاد ولدها صحيحا معافى، وهي الآن عجوزٌ هرمة، غير إن فقراء بغداد يتسلمون عطاياها كل سنة وفاءً لنذرها.

وما أكثرها تلك الأحراز الخاصة بفقد الأطفال العليلين. وتضفي حقيقة كون معدلات الوفيات بين الأطفال تصل الى 70% من عددهم الكلي أهميةً مساوية لهذه الخرافات. إذ تجلس المرأة التي فقدت أطفالها حين تُرزق بطفل جديد متنكرةً على قارعة الطريق لتستجدي من المارة مناديةً: "من بركاتكم"، ويتوجب عليها أن تبتاع بما حصلت عليه من مال قطعةً صغيرة من الذهب أو الفضة لتحفر اسمها عليه، ثم تخيطها الى ثياب طفلها أو قلنسوته مع كلمة "يعيش". فضلا عن ذلك، يمكنها أن تذهب الى امرأة ابتسمت لها الأقدار فلم يمُت أي من أبنائها لتستجدي منها بعض ملابس الرضّع ليرتديها وليدها الواهن. ومن الأحراز الناجحة حرز محمد. إذ ينبغي على الأم أن تذهب الى سبعة أطفال اسمهم "محمد" لتحصل على قطعة فضة من كل واحد منهم، وتُذاب القطع لتُصنع منها قطعة واحدة يُنقش عليها اسم "محمد". وتعلق هذه القطعة في رقبة الطفل لتحفظه قويا معافى.

وتؤدي الفتاة البغدادية التي تخشى أن يفوتها قطار الزواج ما يسمى بحج الأربعين سبتاً، إذ يتوجب عليها الاستيقاظ مبكرا، والذهاب حافية القدمين، أو مرتدية جواربها، دون أن تكلم انسيا في الطريق، متوجهةً نحو مرقد الإمام موسى الكاظم في الكاظمية على بُعد بضعة أميال، أو الى مرقد الشيخ معروف الكرخي قرب ضريح زبيدة. وعند وصولها الى المرقد تدخل قارعةً على باب ضريح الولي مرددةً: "ها قد جئتُ إليك، لا تقُل بأني لم آتِ!"، ويتوجب عليها العودة كما أتت، وبذلك تضمن الزواج في اقرب وقت. كما يمكن القيام بالزيارات الأربعين في يوم الأحد الى ضريح الإمام الأعظم أبي حنيفة، أو الى الشيخ عبد القادر الكيلاني لثلاثة وأربعين يوم احد.

وتوجد أيام مباركة وأيام نحسات، إذ يعدّ الشيعة الأيام الأولى من محرم وشهر صفر بأكمله أيام شؤم، لأن محرم يُحيي أحزان فاجعة كربلاء واستشهاد الحسين، أما صفر فقد توفي فيه الرسول محمد. ويعتقد المسلمون إن أيام الخميس والسبت أيام مباركة لاستهلال تجارةٍ ما (ربما اختاروا يوم السبت بالذات لغياب منافسة اليهود). أما ظهور القمر الأحمر في شهر رمضان فهو نذير شؤم للجميع. ويصوم المسلمون كافة في رمضان فيُحجِمون عن الأكل والشرب من الفجر حتى حلول الظلام الى نهاية الشهر. وفي رمضان الماضي استيقظنا على جلبة كبيرة، تنوعت بين القرع على علب الصفيح ونفخ الأبواب وإطلاق العيارات النارية وغيرها من ألوان الضوضاء، إذ يغلب اعتقادٌ سائد إن لون القمر الأحمر يعني إن الحوت قريب منه وقد يبتلعه، وإذا ما حدث ذلك فهذا يعني استمرار رمضان الى ابد الآبدين، ويا لها من قارعة! ولذلك يفعل المسلمون ما بوسعهم لإخافة الحوت وحمله على الهرب.

وهناك طرائق مباركة وأخرى مشؤومة لمزاولة فعاليات الحياة اليومية. فخُذ مثلا طريقة قص الأظافر على وجه الدقة، إذ يتوجب قص أظافر الكف الأيمن على وفق التسلسل الأتي: أولا الخنصر، ثانيا الوسطى، ثالثا الإبهام، رابعا البنصر، خامسا السبابة. أما الكف الأيسر فتقص الأظافر كما يأتي: أولا الإبهام، ثانيا الوسطى، ثالثا الخنصر، رابعا البنصر، خامسا السبابة.

لقد وقفت على ذكر هذه الأشياء لأنها تُظهر أي دور كبير تمارسه طقوس الخرافات تلك في حياة الناس اليومية. وثمة خرافات متعلقة بالسادة أو مجموعة الأحفاد المزعومين لمحمد وعلي. إذ يعتمر السادة عمامةً خضراء دلالة على قدسيتهم (يقدس المسلمون واليزيديون اللون الأخضر، إذ يعدّه اليزيديون لون إلههم الحارس، الشيطان). ويُحترم السيد حتى وإن كان قذرا سئ الخلق استنادا الى نسبه المقدس. ويلجأ حتى المسيحيون واليهود الى السادة طلبا للتمائم. ويشتهر احد السادة في بعقوبة بإخراج الجن، إذ تُحضر العائلة الشخص المجذوب الى السيد، فإذا لم يستجب الجني لمحاولة طرده ويخرج، يوثق المجذوب البائس من يديه ورجليه، فيكيل له السيد الضربة تلو الضربة صائحا: "اطلع". وكم من المرضى السيئي الحظ لقوا حتفهم أثناء هذا العلاج، ولكن في هذه الحالة لا جَرَم أن الجني قد خرج، كما يوضح السيد.

وحدثني صديق لي بأن المرأة التي يستأجرها لغسل ثيابه، وهي شابة يهودية محترمة، طلبت منه دفعة مقدمة تبلغ عشر روبيات. وعندما سألها عن سبب طلبها هذا أخبرته بأنها أرادت أن تدفع اجر السيد العرّاف على ضفة النهر الأخرى. لقد اسر الأتراك خطيبها، وبما انه لم تردها أية أنباء منه، فقد كانت تتحرق شوقا لتعرف أين تجده. وطالما هو على قيد الحياة لن تتمكن من الاقتران بآخر، إذ إن رابطة الخطوبة لدى يهود وادي الرافدين كرابطة الزواج. وعندما سألها صديقي عمّا سيفعله السيد، أخبرته: "عليّ أن اشتري قطعة لحم وأعطيها إياه ومعها عشر روبيات، فيضعها تحت مخدته. وعندما ينام سيكشف له في الرؤيا عن مكان خطيبي إذا كان حيا يُرزق".

وفي الحلة حوكم احد السادة لأنه قتل صبيا، إذ امسك به وهو يجمع الحطب خارج المدينة، فقتله، وانتزع قلبه، وصارت الأدلة ضده دامغة باكتشاف شفرة حلاقة ملطخة بالدماء في حوزته. وقيل في حقه انه قتل صبية آخرين بالطريقة ذاتها. ويبدو إن تلك كانت طريقة لعلاج احد الأمراض، وتقضي بالتهام قطعة من قلب صبي صغير يقتلعه سيد. وأحيانا تُعرض على السادة الراغبين بارتكاب الجريمة وتأمين العلاج مبالغ طائلة في الخفاء. وينبغي أن لا يكون الصبي قد دخن مطلقا. وقد اخبر احد الغلمان في بغداد مولاته، التي أخبرتني بدورها، بأنه عندما كان صبيا هرب من سيد كان يريد الإجهاز عليه للغرض ذاته.

وهناك بعض الأحراز التي يُعتقد أنها تجعل حاملها منيعا مصونا. فقد أعطى حاخام يهودي من البصرة احد معارفي حرزا على هذه الشاكلة. وكان الحرز عبارة عن كيس جلدي صغير يحتوي، من بين أشياء أخرى، على خمس ابر وخمسة خيوط حريرية مختلفة الألوان، واسم والدته، وتاريخ ولادتها، وتاريخ ولادته. ويصوم الحاخام أربعا وعشرين ساعة قبل إعداد الحرز. وقد أكد هذا الأخير لصديقي بأن الحرز سيجعل حامله لا يتأثر بطعنات الرماح أو العيارات النارية.

ويُحضَّر حرزٌ آخر يجعل حامله لا يتأثر بالجروح، على النحو الآتي: امسك عندليبا، وليكن صحيحا لا عيب فيه، وخذه الى مقبرة عندما يكون القمر بدرا؛ اختر قبراً، وأشعل فوقه نارا، ثم ضع قدرا فيه ماء على النار، ولكن ادر ظهرك للقبر أثناء العملية. بعد ذلك، اقتل العندليب من وراء ظهرك وضعه في القدر وأنت مديرٌ ظهرك أيضا، واتركه يغلي ويغلي حتى يستحيل سائلا، فيما عدا عظمٌ صغير واحد لم يغلِ. وهنا سيسطع ضوء القمر على هذا العظم جاعلا إياه يتوهج وهجا ابيض. خذ هذا العظم وضعهُ في كيس جلدي واحمله، وسيكفيك شر العيارات النارية.

ويمكن استخدام الهدهد بالطريقة ذاتها، غير انه يتم اختيار العظم بعد الغلي بوضع العِظام كافة في الماء الجاري، ويكون العظم الذي يطفو عكس اتجاه الماء هو العظم السحري الذي يتم الاحتفاظ به. ويعدّ التحدث أثناء العملية مهلكا لا محالة.

وقد أوضح لي احد معارفي بأن الناس ضربوا له مثلا على ما يحدث إذا خُرقت هذه القاعدة من خلال رجل أبكم كان يجلس في المقهى، إذ فقد قدرته على النطق كما يلي: كان بصدد تنفيذ حِرز الهدهد، وبينما هو في المقبرة يُغلي الطير، ناداه جني بإسمه قائلا: "احمد، أين أنت؟"، فنسي الرجل وأجاب: "انأ هنا"، فحلّ به بلاء البكم منذ ذلك الحين. إن الجن يتلبس أي رجل يكسر التعويذة بتلك الطريقة.

ومن الجن المقسِطون المحسنون، ومنهم مَن هُم دون ذلك. وهم يحبوا أن يقطنوا السراديب التي يلجأ إليها الناس حين يشتد الحر في الصيف القائظ. وأحيانا يُصدر الجن ضوضاء عظيمة ليلا تمتزج بين الغناء والرقص والصراخ. بيد إنهم مسالمون، إلا إذا اُزعجوا. ويُشاع إن جنيّا يسكن شجرة في البيت المجاور لبيتي، وهو يطرق على النوافذ أحيانا. وذات مرة اخبرني رجلٌ إن الجن استعاروا ثياب جدته في إحدى الليالي من اجل عرس احد الجن. وعندما سألته "كيف عرفت بالأمر؟"، إذ إن الثياب كانت في محلها في الصباح التالي، وكان الصندوق مغلقا كسابق عهده، أجاب: "كانت هناك بعض الحنة على الثياب، وبذلك عرفت إن الجن استخدموها". ولمنع الجن من اقتراض الثياب هذا، ينبغي على المرء أن يضع بين ثيابه سكينا ودبوسا وإبرة وحبة تدعى "حبة سودة". ومن الجن الأشرار الذين يحرقون أو يدمرون الأشياء في البيت، ويغطون العظام بالتراب والقذارة، كما إنهم يسيئون التصرف في ظروف أخرى. ومن الجن نوعٌ مثابرٌ شغول، إذ انه كالجرموزة[6"> تماما، يقوم بأعمال المنزل قبل أن تصحو ربة البيت الصالحة، حتى انه يتسوق لها.

ويضعف الجن أمام الجمال البشري، فتراهم يهيمون بالعذراوات من البشر. إذ تجد فتاةٌ جميلة نقودا على مخدتها عندما تصحو في الصباح، فتعلمُ إن جنيا عاشقا كان يزورها. ولا يكتفي الجن دائما بالزيارات العابرة؛ إذ يُحكى إن فتاةً بارحت فراشا ليلا على اثر صوتٍ ينادي باسمها، وتوجهت صوب السرداب. وقد استيقظت الأم فتبعتها، بيد إنها وجدت باب السرداب موصدة، فنادت على ابنتها، وأجابها صوتٌ واهنٌ ناء: "أنا هنا". ولكن، عندما دخلوا الى السرداب عنوةً لم يجدوا سوى حفرة في الأرض.

والجن لا يؤذون الأطفال أو مَن يصاحب الأطفال، ولاسيما الصغيرات. إذ لا تجرؤ النساء على ولوج غرفة مظلمة دون أن تصطحب طفلة صغيرة. ويعتقد الصابئة بأن الجن يسرقون الطعام، فتراهم لا ينبسّون ببنت شفة أثناء الأكل، فلو تفوّه احدهم بكلمة فسيأخذ الجن قِطع الطعام ويهربون بها. والجن مولعون بالمقالب العملية؛ إذ اخبرني احد البغداديين بأن جده رأى خروفا يتجول في الحي المسيحي ذات ليلة، فاصطحبه الى البيت. وقد تضرعت إليه زوجته أن يخرجه لأنها شعرت بأن في هذا الحيوان شئ مريب، بيد انه لم يصدقها. وتم ربط الخروف في باحة المنزل. وفي صباح اليوم التالي وجد أهل الدار جثة رجل غريب ملقاةً في الباحة. ولشدة فزعهم، فقد سحبوه خارجا والقوا به الى الشارع، وعندها تحول ثانيةً الى خروف وواصل المسير!

وهناك العديد من المخلوقات الخرافية، فالسعلاة (السعلوة)، هي مخلوق نهري له شعر اخضر طويل، تسكن دجلة، وبالإمكان مشاهدتها وهي تمشط شعرها الطويل. واخبرني أوربي يقطن منطقة الأهوار قرب العمارة بأن هناك أمراض معينة لا يمكن علاجها إلا عن طريق الأحراز التي يصنعها أشخاص يُعرفون بأنهم ثمرة اقتران هذه المخلوقات المائية وعشاقها من البشر، الذين تستدرجهم السعلاة الى الفراش النهري ثم تحررهم. وينص القانون التركي بوضوح على عدم شرعية اقتران البشر بالمخلوقات المائية.

وهناك مخلوق ذكر يسكن دجلة يُعرف بإسم "فريج الاكرع"، وهو كائن غريب نصف بشري نحيل القدمين وأصلع الرأس، ويحدث أن يقع في شِباك الصيادين، فيتضرع إليهم راجيا أن يتركوه، واعدا إياهم باللؤلؤ والجواهر وما لذّ وطاب لهم من ألوان الكنوز، مكافأة ً لهم على اطلاق سراحه. ولكن عندما يستجيب له الصيادون يسبح بعيدا دون أن ينفذ أيا من وعوده، ساخرا من محرريه وناعتا إياهم بأسوأ الشتائم!

وقد نشرت إحدى الصحف المحلية في بغداد، وهي صحيفة "المفيد"ن بتاريخ الأول من آب (أغسطس) 1922، مقالا حول حيوان غريب لا يمكن أن يكون سوى هذا الشيطان النهري. وقد شاهده بعض الناس قرب نورية السيد لطفي الآلوسي في نهر الفرات. وقد وصفوا الحيوان بأنه يشبه الجمل في مظهره العام، وإن كانت قائمتاه الأماميتان وهيأته كهيأة الإنسان، وكان له شعر طويل يميل الى الاخضرار، وله (hea) طويل احمر، وذيله يشبه ذيل السمكة. وقد ابلغ الكثير من سكان المكان عن رؤية هذا المسخ، وأطلقوا النار عليه، بيد إنهم لم يصيبوه بأذى، فتعالى حماس الناس.

أما العفريت الذي يُعرف ﺑ "الطنطل" فهو جنيٌ فظٌ اخرق. وهو يقفز على ظهور المارّة ليلا، كما يضع قدمه أمام الشخص حتى لا يتمكن من الحراك دون أن يرى ما الذي يعيقه. ويصفه أولئك الذين شاهدوه بأنه طويل كالمنارة، وهو مولعٌ بالحيل القذرة المدهشة.

ولليهود شيطانهم الخاص بهم، ويدعى شبطيم، ,له قامة هائلة الطول مثل الطنطل. ويعترض هذا الشيطان طريق المسافرين ويختبر إيمانهم، فإذا كان المسافر يهوديا صالحا فإنه يسمح له بالمرور، أو أن ينقله الى وجهته بطريقة خارقة للطبيعة، أما إذا كان مسلما أو مسيحيا فإنه يشبعه ضربا ويسلبه ماله، ويتركه فاقد الوعي.

ويعدّ الحب العنيف ضربا من ضروب الجنون أو التلبس، الذي يُعالج عن طريق إخراج الجن. ويُحكى إن امرأة يهودية شابة شُغفت مؤخرا بحب شاب متزوج، فما كان منهم إلا أن أخضعوها للوضوء والصيام والصلوات والجرعات السحرية. وأخيرا، ولغرض إكمال العلاج، مكثت في بيت الحاخام لبعض الوقت، فخرجت وقد برأت من غرامها تماما. أما فيما يخص البدو فإن مهمة علاج الحب تُناط بعجوز القبيلة. إذ اخبرني ضابط سياسي بأن إحدى العوائل قدمت إليه شكوى ضد شاب تمكن من تسريب الدواء والطعام، بل وحتى قطع القماش المغمسة بخلطة الحب، حتى إن الفتاة صارت مولعة به عندما تأكل أو تشرب أو ترتدي ثيابها. ويتلخص العلاج الوحيد في جلب العالِم الذي يقوم بقراءة أجزاء من القران على المريضة، فضلا عن غسلها مرات عدة يوميا، وإعطائها طعاما معدّا خصيصا لها.

وتحصّن حياة الطفل بشتى ضروب السحر التي تخطر ببال الأم، على الرغم من إنها، للأسف، تنسى كثيرا الاحتياطات الصحية الضرورية لصحته. فعند ولادة الطفل يوضع سيف مجردٌ من غمده قرب الوليد لطرد الجن، كما يعلق جزء من القران في رقبته. وسبق أن وصفتُ كيف تحاول الأم القلقة على وليدها العليل الحفاظ عليه. وعندما يقع الطفل على الأرض، وهو أمر كثير الحدوث في العراق، إذ غالبا ما تقوم الأخت الصغيرة برعاية الرضيع، يتوجب على الأم أن تبخّر المكان الذي سقط فيه، إذ تذهب الى ذلك المكان عند الغروب آخذةً معها الملح والنخالة وبيضة واحدة، ثم تضرم نارا في تلك المنطقة وترمي فيها بعض الملح والنخالة وتكسر البيضة على الأرض، وهي تلثم الأرض منادية: "أيها الملائكة، أيها الملائكة الصالحون، لا تؤذونا ولن نلحق الأذى بكم". وتكتفي أحيانا بوضع شمعة مضاءة على مكان وقوع الطفل.

ويؤخذ الطفل الكثير البكاء الى النهر، حيث يُغسل وجهه ويداه، وتوضع بيضة في كفيه الصغيرين، حيث سيحملونه على رميها في الماء. وتتكرر هذه العملية في ثلاثة أيام متوالية. وتقول النساء إن ذلك "يبرِّد" قلب الطفل بحيث لن يبكي من اجل أن يرضع.

وهناك العديد من الخرافات المتعلقة بالمنازل، إذ لا يجازف العربي بشراء أي منزل الى أن يعرف إن كان البيت فأل خير أو نذير شؤم على مالكيه. ولهذا السبب بالذات من الصعب استئجار منزل جديد، إذ إن فأله إذا صح القول لم يجرَّب بعد. ويفترض إن المرض يحوم حول منازل معينة. واعرف رجلا انكليزيا اُنذر بحسن نية إن البيت الذي كان بصدد سكناه تسكنه رُكبة خادمة. ولا تكون المنازل المسكونة بالجن مشؤومةً بالضرورة، إذ إن من الممكن أن يكون الجن غير أولي ضرر، أو حتى من النوع الودود.

غير إننا إذا عددنا الخرافات فلن نحصيها، إذ تتدفق الأمثلة الى ذاكرة المرء أثناء الكتابة، ويستحق الموضوع بلا شك أن يُفرد له كتاب بحد ذاته. ولكي لا احمل الموضوع فوق طاقته، فسأختم الفصل.

--------------------------------------------------------------------------------

([1">) Stevens, E. S; By Tigris and Euphrates, Hurst & Blackett, London..

([2">) اللوبن (Lupin): نبات حدائق طويل ذو أزهار صغيرة تنمو على ساقه السميك.

([3">) العائق: نبات جميل الزهر.

([4">) المقصود هنا خضر الياس.

([5">) ورد في النص الأصلي سهوا "الإمام الثالث عشر".

([6">) الجرموزة: جنية سمراء صغيرة، تزعم الأسطورة أنها تساعد سرا في أداء الأعمال المنزلية، وغالبا ما يتراوح عمرها بين السابعة والتاسعة (المترجم).