ياسر عبد ربه يفتح دفاتر الثورة الفلسطينية(3)

سألت ياسر عبد ربه ان كان محمود درويش عرف باتفاق أوسلو قبل توقيعه، فأجاب: «نعم كنت اطلعه على قناة أوسلو وبمبادرة مني. كان يبدي ملاحظاته ولم تكن له علاقة بمطبخ المفاوضات».
ويقول عبد ربه إن ياسر عرفات «كان يشعر بأنه يدخل التاريخ المدون والمكتوب من خلال قلم محمود درويش. لذلك كانت مكانة محمود عندي هائلة جداً». ويضيف: «مديح الظل العالي لدرويش هو ملحمة بيروت التي كان ياسر عرفات يعتبرها جوهرة التاج بالنسبة إليه والمأثرة الكبرى في حياته».
ويروي أن ياسر عرفات الذي كان يحصن موقعه في طرابلس في شمال لبنان في 1983 استعداداً للمواجهة مع المنشقين عن «فتح» الذين تدعمهم سورية فوجئ بوصولي ودرويش سراً إلى طرابلس لزيارته. وهنا نص الحلقة الثالثة:

> ماذا تقول أكثر عن هذه العلاقة الخاصة التي رافقتها بين محمود درويش وياسر عرفات؟

- محمود درويش كان الصوت العلماني الثقافي المتنوّر والواقعي والحالم للثورة الفلسطينية. كان بالنسبة الى عرفات مثلما كان المتنبي عند سيف الدولة مع الأخذ في الاعتبار اختلاف العصر بالتأكيد، واختلاف نمط العلاقات بين القائد والشاعر أو السياسي والشاعر بين عصر وآخر. إذا وضعنا مدائح المتنبي لسيف الدولة جانباً، بقية العلاقة قد تكون متشابهة ومتطابقة، لأن أهم الوثائق التي تؤرخ لنضال ياسر عرفات والثورة الفلسطينية المعاصرة وضعها محمود درويش، من الخطاب الاول لعرفات في الأمم المتحدة الذي أطل عبره على العالم بلغة جديدة وقال فيه: لا تسقطوا غصن الزيتون من يدي.

> لم يكن ينزعج منه؟

- ولا لحظة، محمود كان ايضاً شخصاً رقيقاً وناعماً في التعامل وكان يحب ياسر عرفات. كان يعرف نواقصه وأخطاءه، عرفها بدقة عميقة، ومن يقرأ رسالة محمود الى ياسر عرفات يرى بين السطور انه لم يكتب مديحاً مجانياً له إنما كان يحب فيه رمزيته، بمعنى ان محمود كان يرى ان عرفات قادر على تمثيل الرمز الفلسطيني في شكل متقدم جداً. ثم كان معجباً ببراغماتية عرفات ودهائه السياسي، وقدرته على التعاطي مع الأحداث. كان يشاطرنا الملاحظات والانتقادات نفسها، عدم ثقة ياسر عرفات بالمؤسسة كان يقلق محمود وكذلك عدم ثقة عرفات بكثير من المحيطين به وعدم استعانته بهم في شكل كامل، لكن غير صحيح أن عرفات كان يستبعد المحيطين به، وأنا هنا أحذر من الوقوع في فخ ان عرفات لم يكن يستمع لأحد. هذا غير صحيح. لم يكن هناك حادث سياسي مهم أو رسالة سياسية مهمة كانت تصله أو مهمة سياسية كان المطلوب أداؤها، إلا وكان يجمع عدداً يثق به، مجموعة معينة ما بين 5 الى 7، أحياناً يكبر هذا العدد للتشاور معه وأحياناً كثيرة كان يغير مواقفه من خلال التشاور. ياسر عرفات كان مدمن اجتماعات، كان «يطلع روحنا» لكثرة ما يحب الاجتماعات، وكثرتها وطولها، لأنه لم يكن لديه مهنة أخرى غير ان يسمع. ياسر عرفات لم يكن قارئاً جيداً إلا للتقارير الأمنية والسياسية لكنه مستمع ممتاز، وهو من خلال سمعه كان يعمل مصفاة للأفكار، في بعض الأحيان، ومن شدة اعجابه ببعض الأفكار يتبناها ويعيد إنتاجها باعتبارها أفكاره الخاصة.
وكان عرفات يسأل دائماً عن محمود إذا غاب مدة عنه، وكان محمود يتحمل دعوات عرفات الى العشاء، لأن عشاء عرفات كان متقشفاً ومن لون واحد ويفتقد أن يكون عشاء شهياً أو فيه الحد الأدنى من تسميته شهياً.

> هذا الخطاب عام 1974 كتبه محمود درويش؟

- كان لمحمود درويش، وصولاً إلى إعلان الاستقلال في 15 تشرين الثاني (نوفمبر) 1988 الذي بموجبه وافقنا على قرارات الشرعية الدولية على مبدأ تقسيم فلسطين وعلى قيام دولة فلسطينية مستقلة في حدود عام 67 ووضعنا مواصفات هذه الدولة القادمة، دولة ديموقراطية علمانية، يتساوى فيها كل الناس، دولة تنظر الى المستقبل، دولة علمانية. هذه كانت العناصر التي قدمت ياسر عرفات إلى العالم بصورة أكثر استجابة مع متطلبات العصر. كل المحطات الكفاحية الأكثر اضاءة لياسر عرفات سجلها محمود درويش. «مديح الظل العالي» هو ملحمة بيروت التي كان ياسر عرفات يعتبرها جوهرة التاج بالنسبة إليه والمأثرة الكبرى في حياته، مأثرة الصمود الملحمي الطويل الأمد في وجه القوة الاسرائيلية الغاشمة.

> هل كان عرفات مدركاً لذلك؟

- في اعتقادي أن عرفات كان يشعر بأنه يدخل التاريخ المدون والمكتوب من خلال قلم محمود درويش. لذلك كانت مكانة محمود عنده هائلة جداً. كان يتصرف أمامه بكل التواضع وكل عناصر المشاغبة. في المؤتمر الخامس لحركة «فتح» الذي عقد في تونس في عام 1989، وهو آخر مؤتمر، انشغل الناس لمدة أسبوعين وكانوا يقولون إنه سينتهي بقرارات تاريخية. بعد انتهاء المؤتمر، ذهبنا في الصباح الباكر الى عرفات وسألناه عن البيان الختامي والمقررات، لأن هناك عشرات الصحافيين والاعلام العالمي ينتظرون النتائج، خصوصاً أنه كان بعد انطلاق الانتفاضة الأولى، فأجاب: أي بيان؟ قلنا: بيان المؤتمر، فقال: لا يوجد بيان. ونحن كنا منشغلين بترتيب الوضع الداخلي عندنا ولم يتسنَ لنا إعداد بيان. ناقشنا لكننا لم نكتب.
محمود درويش وعبدالله الحوراني وأنا، ونحن الثلاثة لسنا من «فتح»، كتبنا بياناً ختامياً لمؤتمر لم نحضره. وكان محمود درويش هو المحرر الرئيسي لوثيقة مؤتمر «فتح» الخامس، والناس حتى الآن، يقرأون هذه الوثيقة ويتداولونها، وربما 99 في المئة من أعضاء المؤتمر لا يعرفون هذه الحقيقة. هذه الوثيقة كتبها محمود درويش وقدمت إلى العالم باعتبارها ورقة مهمة. لم يكن فيها شيء يختلف عن جوهر ما تسعى إليه «فتح» في تلك الفترة، وما يدور في رأس عرفات.
احياناً كنت أحاول أن ألعب دور المشاغب على العلاقة بين محمود درويش وياسر عرفات. كتب محمود درويش مقاطع عدة عن الأندلس، في نهاية الثمانينات على ما أظن، بينها مقطع يتساءل فيه: هل يتحاج الزعيم والقائد إلى شاعر وهو في الطريق نحو قرطبة؟ وقرطبة تعني طبعاً القدس أو فلسطين المحتلة. القائد يجيب: نعم بالتأكيد. فيرد الشاعر: ما أكذبه. سألت محمود درويش مداعباً اياه أمام أبو عمار عن هذا المقطع، فقرأه وعندما وصل إلى «هل يحتاج القائد إلى الشاعر وهو في الطريق إلى قرطبة» استبدل جملة «ما أكذبه» بـ «ما أعذبه». لأنه هو القائل «ما أكبر الفكرة أو ما أعظم الفكرة، ما اصغر الدولة» فان تأريخه لمرحلة ما بعد قيام السلطة نضب، اذ تجسدت على شكل سلطة ربما أقل حتى بكثير من الحلم الكبير الذي كان عنده. لهذا السبب اكتفى محمود بعد قيام السلطة ببعض اعمال نثرية وقصائد بين حين وآخر، تعالج اموراً ذات صلة بمجرى الحياة الفلسطينية، وبالآلام التي تعاني منها وكان آخرها، ربما، ما كتبه عن انقلاب غزة، وكتبه في شكل نقدي وساخر. وعاد محمود بعد ذلك يتعامل مع المأساة الفلسطينية بجذورها الأولى مغلباً النزوع الانساني في هذا التعامل. لذلك، أعتقد ان علاقة خاصة جداً كانت بين ياسر عرفات ومحمود درويش. كل منهما كان يحتاج إلى الآخر، ربما كان محمود يحتاج إلى بطل للمأساة ليكتب عنه، وبطل المأساة كان يحتاج إلى الشاعر ليدون مأثرته في التاريخ.
أبو عمار كان رقيقاً جداً مع خصومه السياسيين خلافاً للانطباع الذي كان يعطى عنه، سواء خصومه داخل «فتح» أو خارجها، وربما من اكثر خصومه السياسيين مشاكسة كان جورج حبش. لكن ياسر عرفات هو الذي سمّى جورج حبش حكيم الثورة الفلسطينية، على رغم ان حبش كان ينتقد باستمرار النهج البراغماتي الذي كان يتبعه أبو عمار.
كان أبو عمار يحب نايف حواتمة وهو الذي أطلق عليه تحبباً اسم سوسلوف، منظّر الحزب الشيوعي السوفياتي، باعتبار أنه منظّر الثورة الفلسطينية ومنظر البراغماتية.
انا كنت ربما أقرب الناس، على مدى طويل، إلى ياسر عرفات من خارج «فتح»، وتدرجت هذه العلاقة على مدى 35 سنة بيني وبينه.

> تعرفت إليه في الكرامة؟

- تعرفت إليه في الكرامة وتطورت هذه العلاقة تدريجاً. وكلما مضى وقت كانت هذه العلاقة تتوطد أكثر فأكثر إلى أن غاب، الى اليوم الذي غادر فيه بالمروحية للعلاج في باريس. كنت وقعت في غرام الأسلوب العملي والبراغماتي لياسر عرفات في التعامل مع القضايا وطريقته في النظر الى الأمور من زاوية عملية محضة. كان لا يعادي المتشددين بل كان يحاول من خلال الحوار معهم ان يقربهم الى الموقع العملي. وهذا كان دأبه دائماً مع أناس مثل جورج حبش. كان مفترضاً أن أدخل اللجنة التنفيذية عام 1969 لكن في المجلس الوطني الأول الذي حضرته، وأعتقد أنه عقد في آذار (مارس) أو نيسان (ابريل) من ذلك العام كنت أترأس وفد «الجبهة الديموقراطية» ولعبت دوراً مشاكساً للغاية في تلك الجلسة حتى استفزيت مشاعر «فتح» لأننا كنا نطرح أفكاراً راديكالية إلى أقصى الحدود، لتغيير وضع منظمة التحرير ودفعها الى تبني شعار الدولة الديموقراطية والتخلي عن شعار تحرير فلسطين. هذا الدور المشاكس جعلهم يرفضون أن أكون عضواً في اللجنة التنفيذية. أبو عمار وقيادة «فتح» اختارا أكثرنا عقلانية ومرونة في تلك الفترة، بلال الحسن، ليكون عضواً في اللجنة التنفيذية ممثلاً لـ«الجبهة الديموقراطية». استمر بلال عاماً واحداً ثم غادرنا عملياً.

> إلى أين؟

- ترك العلاقة معنا بالتدريج وخصوصاً بعد أيلول 1970، وكانت لديه بعض الاحتجاجات على خطنا السياسي الذي كان يعتبره خطاً متطرفاً وهو كان يميل إلى الاعتدال. دار الزمان واصبح هو الآن يميل إلى التطرف ونحن نميل الى الاعتدال.
من نهاية عام 1970 وبداية عام 1971، بدأت تتطور العلاقة بيني وبين ياسر عرفات، إلى حد أنه كان يصر على أن ألازم فاروق القدومي الذي كان رئيس الدائرة السياسية في منظمة التحرير، في كل الرحلات واللقاءات السياسية لأنه ربما كان يعتبر أن القدومي، بسبب خلفيته البعثية والمتطرفة، يمكن أن يأخذ مواقف تشذ عن القاعدة التي يريدها عرفات. من هذه التجربة كان هناك بناء للثقة.

> متى دخلت اللجنة التنفيذية؟

- دخلتها عملياً في نهاية عام 1970، رسمياً في أواسط عام 1971 ولا أزال عضواً فيها من دون انقطاع. هناك أكثر من خمس مراحل مهمة كان يحرص ياسر عرفات على وجودي فيها. مثلاً أولى مفاوضات عملية بين منظمة التحرير الفلسطينية والولايات المتحدة الأميركية في 13 كانون الاول (ديسمبر) 1988، بعدما ألقى عرفات خطابه الشهير في الأمم المتحدة في جنيف، لأن الأميركيين رفضوا السماح له بالذهاب إلى نيويورك فانتقلت الأمم المتحدة إليه. بعد الخطاب كان من المتوقع أن تعترف بنا الولايات المتحدة، لكن الخطاب لم يكن ملبياً للشروط وبخاصة في ما يتعلق بنبذ الارهاب. وأتبع عرفات الخطاب في اليوم التالي بمؤتمر صحافي تبنى فيه مبدأ نبذ الارهاب بشكل صريح ففتح الحوار واعترفت الولايات المتحدة بنا.

> اعترفت بمنظمة التحرير؟

- في تلك الفترة، وافقت على بدء حوار مع المنظمة. بعدها كلمني عرفات من جنيف وطلب مني أن أقود الوفد الفلسطيني للحوار مع الأميركيين في اليوم التالي في تونس، مع السفير الأميركي هناك روبرت بيليترو. وبدأنا الحوار. شكلت وفداً فلسطينياً من 3 أفراد كان بينهم عبدالله الحوراني وحكم بلعاوي وعبداللطيف أبو حجلة. قدت الوفد وبدأنا الحوار وعقدنا 6 أو 7 جلسات لكن في النتيجة فشل الحوار بسبب حادث سفينة «أكيلي لاورو» مع أبو العباس، ورغبة الادارة الأميركية أن نطرد أبو العباس من عضوية منظمة التحرير. نحن وافقنا وقتها على تجميده أو على عدم حضوره ومشاركته في الاجتماعات القيادية واللجنة التنفيذية، فاستغلت الادارة الأميركية الامر وكانت لديها رغبة في تجميد الحوار وتم تجميده.

الحوار الاميركي - الفلسطيني

> وهكذا بدأ الحوار الاميركي - الفلسطيني؟

- عملياً في عهد جورج بوش الأب. وقبل أن يتسلم بوش الأب الولاية وكان قد انتخب. بين رونالد ريغان وبوش في المرحلة الفاصلة بين التسلم والتسليم.

> والمرحلة الثانية؟

- في المرحلة الثانية، اصطحبني ياسر عرفات أنا ومحمود درويش الى استوكهولم، وكان الداعي يومها وزير خارجية السويد ستان اندرسون. كان الغطاء لقاء مع وفد يهودي أميركي برئاسة محامية أميركية هي ريتا هاوزر. كان ذلك في أواخر عام 1988 بعد اعلان الاستقلال الفلسطيني واعلان قبولنا بالقرار 242. بعد اللقاء مع وفد اليهود الأميركيين وحديثنا عن ضرورة اعتراف اسرائيل بمنظمة التحرير وأن هذا هو المدخل الى الحل، أخذنا اندرسون إلى غرفة جانبية وقال: أنا تسلمت رسالة من جورج شولتز الذي كان حينها وزيراً للخارجية، تقول :إذا وافق ضيوفك (الفلسطينيون) على نبذ الارهاب وعلى قبول القرارات الدولية فالولايات المتحدة مستعدة لفتح الحوار بيننا وبينهم، أي مع منظمة التحرير.

> هذا قبل اللقاء مع بيليترو؟

- هذا كان مقدمة اللقاء. كتبت بناء على طلب ياسر عرفات ملاحظات على الرسالة وطلبنا ان يكون هناك اعتراف بمنظمة التحرير كممثل شرعي وحيد للشعب الفلسطيني. لم نحصل على هذا، لكن ظل الاتصال قائماً بيننا وبين السويد عبر وزير الخارجية السويدي الذي كان هو الوسيط مع جورج شولتز في واشنطن. واتفقنا في النتيجة على أن نقوم بهذه الخطوة وأن نعلن عنها. خرجنا من السويد وذهبنا الى تونس ووجدنا هناك ما يشبه العاصفة تنتظرنا من كثير من القيادات بمن فيهم قيادات «فتح» بأن هذا تنازل وتفريط كبيران، وخاض ياسر عرفات المعركة وفي النتيجة طلب منا، أنا ومحمود درويش، ان نصوغ له خطاباً يمكن أن يلقيه في الأمم المتحدة يتضمن قبولنا بالشروط الأميركية من دون ان نعلن ذلك. وضعنا هذا النص. أخذه عرفات وقام بجولة عربية شملت مصر والعراق والسعودية ودولاً عربية أخرى ليعرض عليهم هذا النص. عاد من جولته العربية بنص مختلف. صرت تبحث عن الموقف في شأن نبذ الارهاب بالميكروسكوب فلا تجده. تبحث مثلاً عن كلمة «نحن» فتجدها في المقدمة، «ننبذ» في الصفحة الثالثة و «الارهاب» في الصفحة العاشرة. قلنا له: هذا لن يمر، فقال: دعونا نحاول. ذهب الى جنيف حيث ألقى خطابه. كان الأميركيون ينتظرون منه هذا الموقف لكنهم لم يجدوه فقالوا هذا لا يلبي، فعقد المؤتمر الصحافي في اليوم التالي وقال بكل صراحة أنا أوافق على نبذ الارهاب. طبعاً قالها بلغة انكليزية مكسّرة الى حد... كان مطلوباً منه ان يقول: أنا أنبذ denounce الارهاب. فقال: أنا أعلن announceالارهاب terrorism. فقال له الجالسون قربه قلتها خطأ. فقال: أنا انبذ السياحة tourism. فقالوا له: لا تزال خطأ. فقال: أنا اعلن السياحة. فانفجر الجالسون والصحافيون من الضحك وقالوا له: صح. هذا ما نريده بالضبط. أنا اعلن السياحة بما يعني أنا انبذ الارهاب.
مع بدء مفاوضات مدريد، توليت قيادة الوفد الفلسطيني في لجنة التنسيق بين وزراء خارجية الدول المشاركة أي سورية والأردن ولبنان. وكانت تضم فاروق الشرع وفارس بويز وكامل أبو جابر عن الأردن ثم تغير وجاء شخص آخر. كنا نلتقي بشكل دوري في عواصم مختلفة للتنسيق وهذه اللقاءات كان موازية للقاءات الوفد الفلسطيني الذي كان برئاسة فيصل الحسيني في مفاوضات واشنطن التي تلت مؤتمر مدريد. كان الغرض هو تثبيت مرجعية منظمة التحرير، وان القرار السياسي هو عند قيادة المنظمة. نحن جمدنا المفاوضات بعد ان قامت اسرائيل بطرد نحو 400 من اعضاء «حماس» الى مرج الزهور، وانقطعنا عن المفاوضات. بعد نحو ثلاثة او اربعة شهور، جاء وعد من الاسرائيليين عبر الاميركيين بأنهم سيعيدون مبعدي مرج الزهور بعد أسبوع لنستأنف المفاوضات مرة أخرى. اجتمعنا في دمشق في حضور الأطراف العربية الثلاثة واتفقنا على استئناف المفاوضات من جديد لأننا كنا ربطنا الوفود العربية الأخرى معنا في هذه العملية.
ذهبنا الى عمان مع عرفات للاجتماع مع الوفد الفلسطيني المفاوض الذي كان يرأسه حيدر عبدالشافي ومعه فيصل الحسيني وكان ذلك عام 1992. قال أبو عمار لحيدر عبدالشافي اننا اتخذنا قراراً بأن تستأنفوا المفاوضات بعد التزام اميركي بعودة مبعدي مرج الزهور، فقال له عبدالشافي: لا استطيع ان انفذ هذا القرار إلا بعد أن أعود إلى وفدي. فقال له: من وفدك؟ فقال: وفدي الفلسطيني. فقال له: انت وهم وفدي. فطلب عبدالشافي من عرفات ومني مغادرة القاعة ليجتمع مع اعضاء الوفد الفلسطيني ويقرروا هل يعودون الى مفاوضات واشنطن أم لا. كان هذا عملاً أذهلنا جميعاً. عرفات لم يصدق نفسه، ومنذ تلك اللحظة اتخذ قراراً ضمنياً بالانتهاء من هذه الصيغة. لأنه قال لعبد الشافي في الليل: اذا رفضت قراري الآن، وهو مستند الى تلبية شروط نحن متفقون عليها، وهي اعادة مبعدي مرج الزهور لاستئناف المفاوضات، فماذا ستفعل غداً عندما نتقدم أكثر في المفاوضات وتصبح هناك امور أكثر استعصاءً؟ أنا ليس عندي ازدواجية في القرار. كانت هذه صدمة كبرى لعرفات وبناء عليها، كما شعرت، قرر ضمنياً التخلص من هذه الصيغة.

> هل كان لقاء استوكهولم مع يهود أميركيين؟

- مع وفد يهودي أميركي لكن اللقاء كان غطاء لنذهب إلى استوكهولم من اجل ان نتحاور سراً عبر وزير الخارجية السويدي مع جورج شولتز واستمر هذا لمدة 3 أيام، نحن نتبادل الرسائل بيننا وبين الأميركيين عبر السويديين حول شروط الحوار الذي يمكن أن يفتحه الأميركيون اذا قبلنا بشرط نبذ الارهاب.

> هل تذكر مراحل اخرى كلفها فيها عرفات بمهمات؟

- في مرحلة السبعينات، كلفني ان اذهب إلى سورية عندما بدأ السوريون الدخول الى لبنان وبدأ الصدام بيننا وبينهم بعدما وصلوا الى صوفر، في محاولة لإيجاد حلول معهم. كان من المحطات الأكثر خطورة عندما دخل الجيش السوري الى قلب مدينة صيدا في شكل يفتقد الى الخبرة العسكرية فضرب عدد من الدبابات وخرج العديد من الجنود السوريين من دباباتهم وسلموا أنفسهم الى المقاتلين الموجودين أمامهم. ذهبنا بعد هذا للقاء الرئيس حافظ الأسد.

> من ذهب؟

- فقط اثنان، فاروق القدومي وأنا. قبل أن ندخل، قال لي القدومي: أنا أرخي وانت تشد. هو لا يريد أن يكون صاحب الدور الذي يشد خصوصاً مع السوريين لقربه منهم. دخلنا فسلم علينا الأسد بفتور، ووجدناه غاضباً الى حد كبير، وبمجرد ان جلسنا قال: هكذا تقطعون رؤوس الجنود السوريين وتلعبون بها «فوتبول» في شوارع صيدا وعين الحلوة؟ أنا ذهلت. تنحنح فاروق القدومي ليعطيني الاشارة، فتدخلت قبل أن يتكلم القدومي وهو رئيس الوفد. وقلت له: سيادة الرئيس من أين هذه المعلومات أرجوك؟ فقال: هذه من أجهزتنا. فقلت له: سيادة الرئيس هذه معلومات كاذبة ومختلقة مئة بالمئة وارجوك أن تحاسب - وهذا الأمر يعود لك - من نقل هذه المعلومات لأن هذه المعلومات أكثر من مسمومة وضارة. نحن نلعب برؤوس الجنود السوريين؟! ولا جندي سوري أصيب بحجر.

> ألم يقتل جنود سوريون؟

- ربما كان هناك جرحى. خرجوا من الدبابات وبعضهم أخذناهم الى عين الحلوة وتم تكريمهم والتعامل معهم بشكل عادي للغاية ثم نقلوا بحافلات الى منطقة جزين ومنها الى البقاع حيث توجد القوات السورية، بشكل هادئ جداً.

> ماذا قال لك الأسد؟

- قال حسناً حسناً. تفضلوا لماذا أتيتم؟ فقلنا له: اتينا لأن الوضع في تل الزعتر مأسوي، وأنتم يا سيادة الرئيس لكم دور، وتقدرون على وقف هذه المجزرة في تل الزعتر. لم يعد بشيء وقال: سأرى ماذا يمكن أن نفعل لكن تعرفون أننا ليس في امكاننا أن نؤثر عليهم ولا أن نضغط عليهم. ليس في يدنا القرار للتأثير عليهم. نحن كانت لدينا معلومات اخرى (...).