دوستوفسكي والمسألة اليهودية(الأخيرة)

لنفترض أن من العسير جداً الإحاطة بالأربعين قرناً من تاريخ سلالة اليهود. لكني أقول من باب الحيطة: إنني أعلم حق العلم أن ما من شعب آخر في هذا العالم يفرط في الشكوى من نصيبه، والتظلم من هوانه وتعاسته وعذابه في كل لحظة وفي كل خطوة يخطوها أو كلمة يتفوه بها كالشعب اليهودي. أما المصيبة فهي أنهم  يحكمون أوروبا ويديرون بورصاتها - لندع غولدن شتاين الشهم يستشهد في سبيل الفكرة السلافية- ولو لم تكن للفكرة اليهودية مثل هذه القوة في العالم، لربما حسمت المسألة السلافية ذاتها ومنذ أمد بعيد لصالح الصقالبة لا لصالح الترك. وليكن كل هذا - من جانبي- عبارات جوفاء، نبرة فارغة وكلاماً ليس ذا وزن. أنا أتراجع، لكنني لا أستطيع رغم كل شيء التصديق تماماً بنحيب اليهود وأنهم مظلومون ومعذبون ومهانون. عندي أن القروي الروسي، بل والإنسان الروسي البسيط ينوء بما يكاد يفوق أعباء الفرد اليهودي.أنا أعرف أنه لا يوجد شعب في العالم كله يشتكي دونما انقطاع أبداً في كل دقيقة وثانية، من المصير الذي ألمَّ به كما يفعل اليهود. يتشكون من عذاباتهم ومن احتقار الآخرين لهم، ومن آلامهم التي لا تنتهي. يتشكون من كل شيء لدرجة تنسى معها أنهم هم الذين يسيطرون على اقتصاد أوروبا والعالم بأكمله. اليهود يصرخون ويشكون من أنهم منسيون ومعذبون. كانوا يصرخون مطالبين بالحقوق التي لم يكن يمتلكها الشعب الروسي نفسه. من الذي انقض أولاً على الشعب الروسي كما ينقض المفترس على الضحية؟ من الذي ناب عن الإقطاعيين في استغلال هذا الشعب حيثما استطاع إلى ذلك سبيلا؟ من الذي سخر حرفته الأبدية «تخزين الذهب» في مص دماء بسطاء الروس؟ أقول لكم إن الفارق بين المستغل اليهودي والإقطاعي الروسي كبير جداً، فالإقطاعي على الرغم من أنه استغل فلاحيه أبشع استغلال، إلا أنه كان يسعى دائماً إلى عدم تدمير هؤلاء الفلاحين من أجل مصلحته الشخصية، على الأقل، أما بالنسبة إلى اليهودي فالأمر مختلف، إنه لا يهتم إذا استنفدت طاقة الإنسان الروسي أم لا.. يأخذ ما يأخذ ثم ينصرف. إذا أردنا أن نبدأ بكتابة تاريخ هذه القبيلة العالمية، فإننا نستطيع فوراً أن نجد مئات الآلاف من الحقائق المتشابهة لما سبق، وأقوى مما سبق. وهكذا فإن حقيقة أو حقيقتين إضافيتين لن تقدما شيئاً خاصاً. أما ما هو شائق فعلاً فإنك - أكان من أجل النقاش أو هكذا بدافع الفضول - إذا أردت أن تأخذ فكرة حقيقية عن اليهود وعن أعمالهم، فلا حاجة بك إلى الذهاب إلى المكتبة من أجل المطالعة، ولا حاجة بك إلى الغوص في المجلدات القديمة، لا ترهق نفسك، ولا تبحث طويلاً، ولا تترك مكانك، بل لا تنهض عن الكرسي.. فقط مد يدك إلى أية جريدة بجانبك، وفتش في الصفحة الثانية أو الثالثة، وأنا أضمن لك أنك ستجد شيئاً ما يهمك، شيئاً ما شبيهاً بما قيل أعلاه، حتى لو كنا نجهل تماماً تاريخ القرون الأربعين لهذه القبيلة. من البديهي أن اليهود سوف يجيبون على هذا قائلين إن الجميع في هياج بسبب الحقد الذي يحملونه لليهودي. طبعاً من الممكن جداً أن يكذب الجميع، الجميع دون استثناء، لأن كراهيتهم لليهود هي التي تحركهم في هذا الاتجاه، ولكن في هذه الحال فإن السؤال الذي يطرح نفسه على الفور هو التالي: إذا كان الجميع دون استثناء يكذبون بسبب كراهيتهم لليهود، فمن أين جاءت هذه الكراهية؟ كلمة الجميع تعني شيئاً ما حتماً، كما صرح بيلنيسكي ذات مرة (بيلنيسكي كاتب وناقد أدبي روسي). أؤكد لكم أنه لا توجد كراهية مسبقة عند الشعب الروسي تجاه اليهود، ولكن من الممكن أن يوجد عدم ارتياح لهم، ومن الممكن أن عدم الارتياح هذا قوي للغاية.. أوه هذا الشيء موجود.نعم موجود. ولكنه لا يأتي بسبب أن اليهودي يهودي، ليس لسبب قبلي، ليس لسبب ديني، وإنما مبعث هذا أسباب مختلفة تماماً، هذه الأسباب ليس الشعب الروسي مسؤولاً عنها، ليس سكان البلاد الأصليون، وإنما اليهود أنفسهم وعدم امتزاجهم مع الآخرين. الثقة العمياء بأنه لا يوجد على الأرض سوى شخصية واحدة هي الشخصية اليهودية، أما الآخرون، وبالرغم من تواجدهم، إلا أنه يتوجب عدم أخذهم بالحسبان.. «أخرج من الشعوب واحتفظ بشخصيتك المتفردة، واعلم أنك الوحيد عند الرب، اسحق الآخرين أو حوَّلهم إلى عبيد أو استغلهم كما تشاء، ثق بأن جميع الشعوب سوف تخضع لك. اعرض عن الجميع باشمئزاز ولا تختلط بأحد».اليهود بكل ما في نظامهم القاسي من خصائص وعزلة دينية وقبلية، أكان على المستوى المعاشي اليومي أو على مستوى المبادئ العامة، إذا كانوا سيحصلون على الحقوق نفسها التي يتمتع بها العالم الأوروبي، أفلا يكونون في هذه الحال قد حصلوا على شيء أكبر أو أكثر أو شيء زائد أو شيء أعلى مما للسكان الأصليين أنفسهم.. هنا يمكن لليهود أن يشيروا إلى مختلف الأجانب قائلين:إن الأجانب متساوون أو تقريباً يتساوون في الحقوق مع السكان الأصليين، أما نحن فنملك حقوقاً أقل من الجميع، والسبب في ذلك أنهم يخافوننا كما لو أننا أكثر ضرراً من مختلف الأجانب. بالمناسبة بماذا اليهودي ضار؟ إذا كانت توجد نوعية سيئة من الشعب اليهودي، فهذا فقط لأن الشعب الروسي نفسه يريد ذلك لفظاظته وجهله وعدم قدرته على الاستقلال، وبانخفاض مستواه الاقتصادي. الشعب الروسي نفسه يبحث عن الوسطاء والأوصياء والسماسرة. حينما وجد اليهودي تدنت الإنسانية، وانخفض مستوى التعليم، وتوسع بشكل مقرف البؤس الذي يبدو كما لو أنه لا مخرج منه، وبات يسيطر اليأس والقنوط. دلوني لو سمحتم على ملة واحدة من الملل الأجنبية التي تسكن روسيا والتي يمكن مقارنتها باليهود من حيث امتلاكها مثل هذا النفوذ الهمجي؟ لن تجدوا ملة كهذه مطلقاً. اليهود يسيطرون في أوروبا على البنوك وأسواق البورصة والودائع، وليس صدفة أنهم يحركون رأس المال، وليس صدفة ـ أكرر هذا ـ أنهم يتحكمون بالسياسة كلها.. وماذا بعد؟الإجابة واضحة: إن القيصرية اليهودية تقترب.. القيصرية المطلقة. وسوف تحل بشكل احتفالي الأفكار التي سيتحطم أمامها حب الإنسان للحقيقة، والأحاسيس المسيحية، وحتى الشعور القومي والعزة القومية لشعوب أوروبا، وسوف تحل مادية عمياء، وعطش حسي مجنون لادخار النقود بكل الوسائل الممكنة وغير الممكنة. هذا ما صار متعارفاً عليه الآن كهدف أعلى. هذا ما أنجبه العقل، هذه هي الحرية! بهذا كله استبدلوا الأفكار المسيحية المنقذة لأخوة البشرية عامة.اليهود يعرضون السمسرة ويتاجرون بعمل الآخرين. رأس المال هو تراكم العمل. اليهودي يحب المتاجرة بعمل الآخرين. النخبة اليهودية تسيطر من يوم إلى يوم على البشرية كلها بشكل أكثر قسوة، وهي تسعى لإعطاء العالم هيئتها وكذلك جوهرها. اليهود دائماً يصرخون أن بينهم أناساً جيدين، يا إلهي! وهل المسألة هنا؟ فنحن الآن لا نتحدث عن أناس جيدين وأناس سيئين. ألا يوجد في الطرف الآخر أناس جيدون كذلك؟ وهل كان الباريسي الهادئ البال جيمس روتشيلد (من أكبر رجالات المال في العالم، وهو من يهود فرنسا) إنساناً؟ نحن هنا نتحدث عن الكل، نحن نتحدث عن (الجييدية)، عن الفكرة الشايلوكية التي تحل في العالم تدريجياً محل المسيحية الخائبة، ولكن فلتحي الأخوة..وماذا أقول، ولماذا؟ أم أنني عدو لليهود؟ هل صحيح أنني كما كتبت لي إحداهن -ولا أشك بحرارة وصدق الكلمات التي بعثت بها إليّ فتاة يهودية متعلمة- هل صحيح أنني كما كتبت هذه الفتاة عدو لدود لهذه القبيلة التعسة؟! وهذه القبيلة التي لا أنفك عن مهاجمتها بمناسبة أو دون مناسبة. «كراهيتكم للقبيلة الشايلوكية التي لا تفكر إلا في نفسها.. الخ». إنني أحتج على هذا بوضوح.. لقد سبق أن قلت: إن كل ما تتطلبه الإنسانية والعدالة، كل ما تتطلبه البشرية والقانون المسيحي، كل هذا يجب أن يكون مصنوعاً من أجل خدمة اليهود. لقد سبق وقلت هذا، أما الآن فإنني أضيف شيئاً ما، فبغض النظر عن كل الآراء التي وضعتها بخصوص اليهود، فإنني وبشكل مبدئي أقف بحزم مؤيداً إعطاء اليهود كامل الحقوق، وأن تكون هذه الحقوق مشرعة ومثبتة في دستور البلاد. أقف بحزم مؤيداً المساواة الكاملة بينهم وبين السكان الأصليين في مختلف المجالات، على الرغم من أن اليهود في كثير من الحالات يملكون حقوقاً- أو على الأصح – يملكون إمكانيات أكبر بكثير مما يملك السكان الأصليون. وبالرغم من ذلك فإنني أقف بحزم مؤيداً إعطاء اليهود مطلق الحقوق التي للسكان الأصليين. وإذا كان الأمر كذلك، فلماذا كتبت أنا هذه الصفحات كلها؟ وماذا أردت أن أقول طالما أنني أناقض نفسي؟ لا، ليس من تناقض في هذا، لأنه ليس عند الإنسان الروسي أي تحامل أو ظن مسبق في ما يتعلق بمسألة توسيع الحريات لليهود. أنا أؤكد هذا، وأؤكد بالمقابل أن التحامل والظن المسبق قابع في طرف اليهودي أكثر بكثير مما هو في طرف الروسي، وإذا لم يقم بعد هذا الصرح من الأخوة، فإن ذنب الروسي في هذه النقطة لا يقارن بذنب اليهود. لقد أحضرت لكم أمثلة عن اليهودي البسيط الذي يرفض أن يشارك الروسي الطعام، فماذا كان رد الروسي؟ إنه لم ينتقم ولم يغضب، بل على العكس فقد فكر بعقله وعذره قائلاً: «هكذا هي ديانة اليهودي، وبسبب معتقداته يسلك هذا السلوك». وليس اليهودي البسيط بل حتى اليهودي المثقف فإنه يملك بداخله تحاملاً لا حدود له ضد الروسي.. ومع هذا فاليهود يصرخون بأنهم يحبون الشعب الروسي، حتى إن أحدهم كتب لي يقول: «أنا حزين لأن الشعب الروسي لا يملك ديانة أو معتقداً، ولأنه لا يفهم شيئاً من المسيحية». هذا اليهودي المثقف جداً؟! إن التشكيك والتعالي الموجودين في الطبع اليهودي إنما يشكلان عندنا نحن الروس أعقد الخصائص وأبشعها في الشخصية اليهودية. إن الشعب الروسي سيستقبل اليهودي بغض النظر عن الاختلاف العقائدي القائم، بل سينظر باحترام كامل لحقيقة هذا الاختلاف التاريخي. ومن أجل هذا فإنني أرجو المراسلين والمحاورين اليهود أن يكونوا تجاهنا نحن الروس أكثر تسامحاً وأكثر عدلاً. إذا كانت تعاليمهم وإذا كان «تأففهم الواجم» الأبدي تجاه الروس مجرد تحامل فرضته علاقة عابرة، وإذا لم يكن متجذراً في القوانين الباطنية لليهودية. ليبرهن اليهودي على أنه قادر على الإفادة من هذه الحقوق دون أن يوقع الضرر والإجحاف بحق الآخرين. ولكن السؤال يظل قائماً: هل يستطيع هؤلاء اليهود الخيرون عمل الكثير؟ وإلى أي حد هم مستعدون للعمل الجديد الرائع الحقيقي؟ إلى أي مدى هم مستعدون للوحدة الأخوية الحقيقية مع غيرهم من الشعوب الغريبة عنهم بالدم والمعتقد الديني؟