طائر الأنوق.. مقدس عند الحضارات القديمة وبشارة بقدوم الربيع

عرف طائر أبو منجل الأصلع المكتشف في تدمر مؤخرا بأسماءٍ كثيرةٍ خلال العصور التاريخية وعرفتها الحضارات القديمة كلها ولكن بعض هذه الحضارات وصلت إلى درجة التقديس في حبها لهذا الطائر.

للطائر المقدس أسماء عدة.. والأنوق هو الاسم الحقيقي:
[img]http://sana.sy/servers/gallery/20080623-180229.jpg[/img]

وخلال اللقاء التشاوري الذي دعت إليه الهيئة العامة لإدارة وتنمية البادية السورية بالتعاون مع الجمعية السورية لحماية الحياة البرية حول طائر أبو منجل الأصلع والحياة البرية في تدمر قدم الباحث أحمد قشعم مدير المركز الثقافي العربي بتدمر معلومات موثقة عن هذا الطائر الذي سمي بأسماءٍ كثيرةٍ منها تحوت... أبيس... الرخمة... الأنوق... النوق... أبو منجل... أبو منجل الأصلع... عنز... الحارس... المقدس إلا أن الاسم الحقيقي له هو الأنوق بضم النون وتسكين الواو.

ويضرب العرب المثل به لندرة بيضه فيقولوا: "أعز من بيض الأنوق" والأنثى منه لا تمكن من نفسها غير ذكرها وتبيض بيضةً واحدةً فقط.

وطائر الأنوق أصغر من اللقلق و يتميز بمنقارٍ طويل 10-15سم مقوسٌ تقوساً تدريجياً إلى الأسفل يشبه بذلك منجل الحصادين ولهذا سمي بـ أبو منجل .

وأوضح الباحث قشعم أن تسمية الأنوق ربما تعود لإعجاب هذا الطائر بنفسه وتمايله وتبختره في مشيته أو لأنه ينظر إلى الأشياء من الأمكنة المرتفعة، ويطل عليها بزهوٍ وإعجاب، وما زالت هذه اللفظة مستخدمةً في العامية، فيقولوا تناوق أي نظر واسترق النظر أو ربما لأنه يسكن النيق وهو حرف الجبل الشامخ العالي.

[img]http://sana.sy/servers/gallery/20080623-180304.jpg[/img]
أبو منجل: رمز اعتمده الفراعنة في الكتابة التصويرية، وبشرى سارة تنذر ببدء الحياة

وقد اكتشفت هذا الطائر مجموعةٍ من المهتمين بالطيور من أبناء تدمر حيث قاموا بالإرشاد إلى أمكنة تواجده علماً أنّ أهالي المنطقة والبدو والصيادين كانوا يعرفون هذا الطائر جيداً، وكانوا يعرفون طباعه وصفاته وقد رووا في اللقاء التشاوري أنهم شاهدوا قبل سنة 2000م أعداداً كثيرةً منه حيث شاهدوا آخر مرة حوالي 50 طائراً منه ولكن أهل المنطقة لم يكونوا يعرفون أن هذا الطائر مهدد بالانقراض لانهم كانوا يشاهدونه في كل عامٍ وعندما علم المختصون من سكان المنطقة بتواجده أسرعوا إلى ترصده وإثبات تواجده بالصورة ونقل هذا الحدث إلى العالم الذي لم يكن يعرف أن هذا الطائر مازال موجوداً في سورية وتمكن فريق وطني من اهالي تدمر من رصد وتوثيق مجموعة مكونةٍ من ثلاثة أزواجٍ تحضن البيض، وطائر مفرد من نوع أبو منجل الأصلع الشمالي وذلك على جروف الجبل الأبيض على بعد عشرة كيلومترات من بحيرة وادي أبيض شمالي مدينة تدمر.

[img]http://sana.sy/servers/gallery/20080623-180340.jpg[/img]ويشير الباحث قشعم إلى أن هذا الطائر كان معروفاً لقدماء المصريين إلى جانب قريبه الوثيق الصلة أبو منجل المقدس ذي اللون الأبيض وقد اكتشفت تماثيل لطائر أبو منجل الأصلع الشمالي في قبور الفراعنة تعود إلى ثلاثة آلاف عامٍ قبل الميلاد كما جرى تحنيطه وتمثيله كأحد النقوش الهيروغليفية.

وكان الأنوق مقدساً لدى العديد من الحضارات القديمة وكان ظهوره عند الناس يعتبر بشرى سارة فهو يعني عندهم انتهاء فصل الشتاء واقتراب فصل الربيع الذي تبدأ فيه الحياة سنةً جديدة ويبدأ موسم الخير والعطاء وتتفتح الحياة من جديد وكان هذا الطائر يرافق القوافل في الزمن القديم ويعرفه علماء الآثار جيداً وقد خُصص له حرف هيروغليفي في كتابة كهنة مصر القدماء التصويرية وكان مباركاً لدى الأتراك خصوصاً في مدينة بيرسك حيث كان يعيش مع الناس الذين اعتبروا ظهوره دليلاً على انتهاء فصل الشتاء وهجرة الأرواح كما كان دليل الحجاج إلى مكة المكرمة .

وفي حزيران 2006 تم التقاط ثلاثة طيور بالغة من مجموعة أبو منجل قرب تدمر ذكران أطلق عليهما اسما سلام وسلطان وأنثى أطلق عليها اسم زنوبيا تيمناً بملكة تدمر.

بعد كل ما تقدم علينا أن نعود إلى التسمية العربية التي تنطبق على هذا الطائر وتعطيه بعداً تاريخياً وبيئيا فأجدادنا العرب عرفوا هذا الطائر وتحدثوا عنه بإسهابٍ ووصفوا سلوكه وخصائصه وفوائده وبلغ الاهتمام بهم درجةٍ وصلت إلى أن فسروا معنى رؤيته في الأحلام.

ومن خصائص هذا الطائر انه يحب الأمكنة الموحشة والبعيدة عن الإنسان ويختار من الأمكنة أعلاها وأوعرها واسحقها مثل الجروف ونتوءات الصخور والشقوق لكي يضع بيوضه فيها ومن مزايا الأنثى أنها تخلص للذكر فلا تمكن غير ذكرها منها إلا بعد موته ويتغذى الطائرعلى الحشرات والديدان وبعض الزواحف والرابطة الأسرية عنده قوية جدا فهو يهاجر في مجموعات ويحب بعضه بعضا والذكر يحضن البيضة كما تحضنها الأنثى وهو من الطيور الذكية التي تعرف مسار هجرتها وعودتها وتقوم باستطلاع كل منطقة تمر بها أو تعشش وتبيض فيها وهو من أوائل الطيور المهاجرة وأوائل الطيور العائدة وظهوره دليل عند الصيادين على بدء موسم هجرة الطيور.

كما انه يتحاشى مواضع الصيادين ولا يقترب من المواضع التي يتوقع منها الخوف ويقال انه يعرف جعبة السهام وأدوات الصيد وما زال العرب في بواديهم يعرفون هذا الطائر ويصفونه بأبرق الجنحان ودقة الأرجل.