قصة الجلاء (1/2)

بقلم الدكتور إحسان هندي

كان يوم السبت في الرابع والعشرين من شهر تموز 1920 يوماً حزيناً في تاريخ سورية, حيث جرت وقائع معركة ميسلون المجيدة, التي انتهت باستشهاد وزير حربيتها الشاب يوسف العظمة, وبانقضاء (مملكة سورية العربية) التي لم تدم إلا ربيعاً واحداً, بين 8 آذار 1920 و24 تموز من العام نفسه.

وفي اليوم التالي (25 تموز) دخل الجيش الفرنسي بقيادة الجنرال غوابيه (وليس الجنرال غورو كما يظن البعض) دمشق, التي كان أبناؤها واجمين وكأن على رؤوسهم الطير.‏‏

وعندما جاء المفوض السامي الفرنسي الجنرال غورو إلى دمشق في الأسبوع الأول من آب 1920 عامل الزعماء الوطنيين الذين دعاهم للاجتماع به بفظاظة حيث فرض على الأحياء الدمشقية غرامات حربية فادحة, وأقال الحكومة الوطنية التي عينها الملك فيصل, ونصب مكانها حكومة (عميلة) أو (متعاونة) على الأقل.‏‏

وسرعان ما تمرد الثوار الوطنيون على أعماله هذه باغتيال رئيس هذه الحكومة المتعاونة وبعض مرافقيه وأركان وزارته في أحداث (خربة غزالة) في آخر شهر آب ,1920 أي قبل مرور شهر واحد على إصدار أوامره الجائرة, وكان حادث (خربة غزالة) هذا بداية للثورة السورية الأولى التي بدأت تندلع في شتى المناطق السورية, وعندما لاحظت المخابرات الفرنسية ترابط هذه الثورات وتعاونها بين بعضها, ونقلت معلوماتها هذه إلى المفوض السامي (1) الجنرال غورو, قرر هذا تجزئة سورية وتقطيع أوصالها, فأصدر قراراته بتقسيم سورية إلى خمس دول: دولة دمشق - دولة حلب - دولة اللاذقية - دولة جبل الدروز - سنجق دير الزور, بالإضافة لذلك فقد تنازل عن لواء الكرك الذي كان جزءاً من الأراضي السورية في زمن الملك فيصل.‏‏

ولكن الحكومة الفرنسية اتفقت مع الحكومة البريطانية على التنازل عن هذا اللواء بمجرد دخول قواتها إلى دمشق وإنهاء حكم فيصل فيها, وهذا ما حدث فعلاً, حيث أنشأت الحكومة البريطانية (إمارة شرقي الأردن) في هذا اللواء وملحقاته.‏‏

هذا من جهة الجنوب, وأما من جهة الغرب فقد أمر الجنرال غورو بسلخ أربعة أقضية من ولاية دمشق وإلحاقها بجبل لبنان لإنشاء (دولة لبنان الكبير).‏‏

ولم يسكت رجالات سورية وثوارها عن هذه السياسية الاستعمارية التقسيمية, فثاروا على القوات الفرنسية وعمت الثورة أغلب المناطق السورية عام ,1921 حيث اندلعت ثورة الشيخ يوسف السعدون في المنطقة الشمالية الغربية, وثورة إبراهيم هنانو في المنطقة الشمالية, وثورة الشيخ صالح العلي في المنطقة الساحلية, وثورة الدنادشة في المنطقة الوسطى, وثورة الأمير فاعور في المنطقة الجنوبية الغربية, وثورة رمضان شلاشي في المنطقة الشرقية, وثورة بياندور في منطقة الجزيرة..‏‏

وقد كلل بعض أبناء دمشق وجبل عامل هذه الثورات بمحاولة القضاء على (رأس الأفعى), حيث تصدوا لسيارة الجنرال غورو أثناء ذهابه برفقة حاكم دمشق حقي بك العظم لزيارة القنيطرة, ولكنهم أصابوا هذا الحاكم إصابة سطحية, وقتلوا الضابط الفرنسي مرافق الجنرال, بينما نجا هذا الأخير من الموت بانبطاحه في قعر السيارة عند سماعه الطلقة الأولى, ولم تمر محاولة اغتيال الجنرال دون أثر, حيث لوحق المخططون والمنفذون لها, وكان منهم الثائر البطل أدهم خنجر, الذي ذهب إلى جبل العرب, وحاول الوصول إلى حمى سلطان باشا الأطرش في (القريا) ولكن القوات الفرنسية قبضت عليه وحاولت اقتياده إلى دمشق, لم يكن سلطان في قريته , وعدما عاد إليها وسمع بالاعتداء على (دخيله) لاحق المفرزة الفرنسية التي قبضت عليه, وهاجمها مع ثلة من فرسانه وقضى على قائدها (الكابيتين نورمان) في موقعة (الكفر), التي كانت باكورة انطلاق (الثورة السورية الكبرى) التي دامت من 1925 وحتى .1928‏‏

وعندما وصلت الأخبار إلى الجنرال ساراي في بيروت, بأن نذر الثورة بدأت تتجلى في كل من دمشق وجبل العرب وحماة, أمر القادة العسكريين في هذه المناطق بسحق هذه الثورات في مهدها,وهكذا جرى قصف مدينتي دمشق وحماة بقنابل المدفعية والطائرات طوال الأسبوع الكائن بين 20 و 26 تشرين الأول .1925‏‏

وقد سبب القصف الوحشي لمدينة دمشق (2) صدمة عنيفة إلى حد جعلت عميد القناصل الأجانب في هذه المدينة يقدم احتجاجاً رسمياً إلى المندوب الفرنسي العام لينقله إلى المفوض السامي, وحاولت الحكومة الفرنسية لفلفة الأمر, فاستدعت الجنرال ساراي على عجل وعينت مكانه السيناتور (هنري ده جوفنيل) مفوضاً سامياً على سورية ولبنان, ومنذ وصول هذا الأخير إلى بيروت في أواخر عام ,1925 حاول أن يقدم وجهاً مختلفاً للانتداب الفرنسي (3), فاستقدم صهر السلطان عبد الحميد, الداماد أحمد نامي, وكلفه تشكيل حكومة سورية جديدة, كما أعلن في جميع لقاءاته مع القادة السوريين أنه مستعد لدراسة كل طلباتهم بشرط إلقاء السلاح والبدء بمفاوضات سلمية, وكان عرضه هذا سبباً من أسباب إنهاء الثورات السورية المسلحة, والبدء بالنضال السياسي في سبيل نيل الاستقلال.‏‏

والظاهر أن ده جوفنيل قد (تساهل) أكثر مما يجب في تلبية المطالب السورية, وهذا لم يرق لدهاقنة السياسة الاستعمارية في كواليس (كي دورسيه) (4), لذا قام هؤلاء بعزله وتعيين دبلوماسي استعماري محنك أكثر منه, وهو المسيو (هنري بونسو) الذي باشر عمله في بيروت أوائل عام .1927‏‏

وافتتح بونسو عهده ببيان دبلوماسي إلى جمهور المواطنين في سورية ولبنان, أعلن فيه أنه لا يعارض استقلال البلدين إذا قرر الشعب فيهما ذلك عن طريق ممثلين منتخبين له, واستناداً لهذا الوعد نشطت الأحزاب السياسية في سورية, وكان أبرزها (حزب الكتلة الوطنية) الذي ضم عدة وجوه سياسية وطنية مثل فوزي الغزي وشكري القوتلي من دمشق,وهاشم الأتاسي من حمص, وإبراهيم هنانو وسعد الله الجابري من حلب, وفي انتخابات (الجمعية التأسيسية) (5) في عام 1928 كان أغلبية الفائزين من أعضاء الكتلة الوطنية.‏‏

اجتمعت الجمعية التأسيسية في النصف الثاني من عام 1928 وقد صاغ أعضاؤها مشروع الدستور السوري العتيد في 115 مادة, وهو يصف سورية بأنها (دولة عربية مستقلة ذات سيادة, تأخذ بالنظام الجمهوري البرلماني).‏‏

ولم يترك هذا المشروع أي دور لسلطات الانتداب ممثلة بالمفوض السامي الذي يقيم في بيروت, وبالمندوب السامي في دمشق.‏‏

واستشاط غضب المفوض السامي بونسو عندما قرأ مشروع الدستور السوري في نسخته الفرنسية, وقال عبارته الشهيرة التي يقولها الفرنسيون في مثل هذه الحالة (C ESTTROP) (6), ثم وضع مسودة المشروع في درج مكتبه وغادر بيروت في إجازة طويلة للتشاور مع حكومة باريس.‏‏

وبعدما عاد إلى بيروت تجاهل المشروع وجمده, حتى تاريخ 22 أيار ,1930 حيث أصدره بعد إضافة مادة تحت رقم 116 له, وهي تربط مزاولة النشاطات السيادية بموافقة المفوض السامي عليها قبل إنفاذها.‏‏

وعموما يمكن القول: إن سورية أصبحت دولة مستقلة, ولكن بسيادة منقوصة منذ 22 آب ,1930 وعلى هذا الأساس جرت انتخابات نيابية فيها, قادت إلى اجتماع برلمان وطني, وقد انتخب أعضاء هذا البرلمان السيد محمد علي العابد كأول رئيس للجمهورية السورية في عام .1932‏‏

وكان هذا بداية لعهد يمكن تسميته (الجمهورية الأولى) في سورية.‏‏

(للبحث تتمة)‏‏

الهوامش:‏‏

1- يجب التفريق بين (المفوض السامي) الذي يحكم دولتي سورية ولبنان, مقره في عاليه صيفاً وبيروت شتاء و (المندوب السامي) الذي يحكم سورية فقط, تحت توجيهات المفوض السامي, ومقره في (قصر المندوبية) بمنطقة العفيف في دمشق, وهو مقر الملك فيصل سابقاً والسفارة الفرنسية لاحقاً.‏‏

2- كان من آثار قصف مدينة دمشق احتراق حي (سيدي عامود) بكامله, الذي أخذ منذ ذلك اليوم اسم (الحريقة).‏‏

3- من الطريف الإشارة إلى أن ده جوفنيل كان متزوجاً من الأديبة الفرنسية الشهيرة (كوليت COLETTE) التي نصحته بعدم قبول منصب المفوض السامي في المشرق.‏‏

4- الكيه دورسيه هو مقر وزارة الخارجية في باريس.‏‏

5- الجمعية التأسيسية هي مجلس تشريعي يسن الدستور ثم يحل, أو ينقلب إلى برلمان عادي.‏‏

6- ومعناها الحرفي (هذا كثير) والمعنى الأعم (هذا أمر لا يحتمل).‏‏