السلام المفقود (الاخيرة)

ـ روس : في ذروة المخاض .. دحلان يسألني: ماذا تريدنا أن نأكل غدا ؟

يقصد أصعب ما عليهم تجرّعه فقلت : القبول بحق الإسرائيليين في نشر قواتهم وصولا لنهر الأردن وإسقاط حق عودة اللاجئين

ودعت الفريقين بعد ظهر يوم الجمعة في 22 ديسمبر (كانون الأول) قائلاً لهم إنّنا استمعنا بانتباه لكلا الطرفين وأن ما سيعرضه الرئيس (كلينتون) سيعكس أفضل ما توصل إليه بشأن ما يحتاج إليه كل طرف، لا ما يريده. وفي وقت متأخّر من ذلك المساء، اتصل بي جمال ليخبرني بأن دحلان يريد أن يراني. سألته، «هل ذلك ضروري فعلاً ؟» فرد جمال بأن دحلان يشعر بأن «عليه أن يجتمع بك». وبعد ذلك قام جمال باصطحابه إلى منزلي قرابة منتصف الليل.
كان محمد دحلان مسؤول قوات الأمن في غزة، وقد تخطى دوره بمرور السنين مجال الأمن، وصار عرفات يستخدمه في كافة مفاوضاته الحسّاسة، وبخاصّة أثناء فترة نتنياهو. وبعد أن شكرني لاستقبالي له، لم يضع وقتاً في المجاملات وطرح عليّ سؤالاً مباشراً: «ماذا تريدنا أن نأكل غداً صباحاً ؟» عرفت أنه يسأل عمّا سيكون من الصعب عليهم تجرّعه.

بعد أن أصبح الرئيس جاهزاً لتقديم أفكاره في أقل من عشر ساعات، لم أرَ أي سبب للإحجام، لا سيّما بشأن ما سيكون صعباً عليهم على الأقل (يشير المؤلف هنا الى الفلسطينيين .. الإيضاح من «الشرق الأوسط»). فقلت «لن أبلغك كافة المقترحات يا محمد (دحلان)، لكنّني سأقول لك ما ستجده صعباً عليك»، فأومأ برأسه. تابعت حديثي قائلاً إنّ عليهم القبول بحق الإسرائيليين في نشر قواتهم وصولاً إلى نهر الأردن في الحالات الطارئة; وعليهم القبول بإسقاط حق عودة اللاجئين إلى إسرائيل، مع أنه سيوفر لهم بعض الغطاء الخطابي; وفي حين أنّكم ستحصلون على السيادة على الحرم، فإنّهم سيحصلون على السيادة على الحائط الغربي والحيّز المرتبط به.

تكدّر وجهه وقال: «ألا يمكن أن تأتي بما هو أفضل لنا؟» هززت رأسي قائلاً: لا سبيل إلى ذلك. ومع أن الأمر قد يبدو صعباً بالنسبة إليك، فأنت تعرف، مما لم أقله لك، أن الأمر سيكون أصعب على باراك، ونظراً إلى المزاج السائد في إسرائيل، لست واثقاً حتى مما إذا كان في وسعه تنفيذ ما نطلبه.

لم يجب دحلان، لكنه لم يدع أمامي مجالاً للشك بأنه لم يكن سعيداً. وفي تلك اللحظة، أردت أن أعرف إذا ما كان ذلك تصنّعاً، وإذا لم يكن كذلك، إعطاؤه وإعطاؤنا طريقاً للخروج من هذا الموقف. قلت له، «ليس هناك مجال لتليين ما نطلبه منكم أكثر من ذلك، لكن لا مصلحة لدينا في عرض أفكار لا يمكنكم قبولها وتكونون مضطرين إلى رفضها. وأنا شخصياً لا رغبة لديّ في فشل آخر عمل كبير لكلينتون في فترة رئاسته. لذلك إذا قلت لي إنّه لا يمكنكم قبول هذه الأفكار، فسوف أطلب من الرئيس عدم عرضها. ليس عليك أن تقرر الآن، لكنّني أحتاج إلى ردّ في الساعة الثامنة صباحاً».

بقي دحلان ساكناً بضع دقائق ثم قال بهدوء:«إمض قدماً واعرض الأفكار». بصرف النظر عن تحفظاته، اختار عدم سلوك الطريق الذي وفرته له للخروج. وكان يعتقد، عن صواب أو خطأً، أن عرفات سيقبل بها.

* قناة المغرب.. وكيف منح أبو عمار السلام أملا جديدا بالرباط

* لم يكن في وسعي الذهاب إلى الرباط لرؤية عرفات من دون أن ألتقي بالملك أولاً. ورث الملك محمد عاهل المغرب العرش عقب وفاة والده في صيف عام 1999، كان صغيراً في أواسط الثلاثينيات من عمره دمث الخلق وحسن المظهر. كان رجلاً ذكياً وعلى استعداد لدعم مهمّتي مع عرفات، معتقداً أننا كنا على وشك خسارة فرصة تاريخية. شعرت بالسعادة لهذه الاستجابة، لكنّني كنت أعرف أيضاً أنه لم يكن يحظَ بالنفوذ الذي يتمتّع به والده. وبعد أن أعلنت أنّني سأترك عملي كمفاوض أميركي في نهاية فترة ولاية كلينتون في يناير (كانون الثاني)، مازحت فريقي بعد مقابلة الملك وقلت: عندما نبحث عن الأسباب العشرة الأولى على طريقة ديفيد لترمان، لمعرفة متي يحين الوقت المناسب لترك عملية السلام، فقد شهدت السبب الأول في اللائحة: عندما تنتقل من كونك أصغر من كل القادة الذين تتعامل معهم لتصبح أكبرهم سناً (لقد بلغت للتو الثانية والخمسين، أي أكبر بعشرين سنة تقريباً من الملك الشاب).

لم ِأكن أكبر سناً من عرفات بالطبع، لكنه لم يكن يظهر سنّه في هذا اللقاء. كنّا في شهر رمضان، فبدأنا لقاءنا بعد تناول وجبة الإفطار عقب غروب الشمس. كان مزاجه رائعاً. وبعد أن أطلعنا صائب على لقاءاته مع جلعاد، وتحدّث عن الموضع الذي يقفان عنده بشأن الأمن والقدس على وجه الخصوص، طلبت مقابلة الرئيس على انفراد.

بدأت لقاءنا الخاص بتذكيره بأنّه كان يقول دائماً إنّه لن يتمكّن من التوصل إلى اتفاق إلا مع الرئيس كلينتون، وإنني أوافقه في تقديره. ولهذا السبب قررت الاستقالة من منصبي مع انتهاء مدة ولاية الإدارة ، فإما أن نصل إلى اتفاق الآن وإما سيحدث انقطاع طويل. ومع أن النزاعات في المحاكم بين بوش وغور لم تكن قد حُلّت بعد، فقد أخبرت عرفات بأنّني أعتقد أنّ بوش سيربح وأنّه من غير المرجح أن تصرف إدارة بوش الكثير من الوقت على السلام في الشرق الاوسط، وبخاصّة إذا فشل الرئيس كلينتون، بعد كافة الجهود التي بذلها، في التوصل إلى اتفاق.

في البداية قال عرفات، «آمل ألاّ تترك منصبك، فنحن بحاجة إليك، بل إن كِلا الطرفين بحاجة إليك». كانت المسافة التي تفصل بيننا في جلستنا لا تزيد عن ثلاثة أقدام. قلت له، «سأترك منصبي لذا دعنا نحاول إنهاء هذا الأمر. لم يتبقّ أمامنا سوى خمسة أسابيع. وليس لدينا وقت نضيعه. لن أقوم بخداعك، وأنت لن تخدعني. دعنا نتصارح معاً. أنت تعرف ما يمكن للإسرائيليين أن يفعلوه في هذه القضايا، وأنت الوحيد الذي يعرف ما يمكنك قبوله في نهاية الأمر. وكلانا يعرف أنك أنت الذي سيقرر. وأودّ أن أعرف، هل التوصل إلى اتفاق أمر ممكن؟».

نظر عرفات إليّ بانتباه وقال، «أجل، الاتفاق ممكن». سألته لماذا؟ فردّ عليّ قائلاً، «إنّني جادّ وهم كذلك».

لم يكن هذا الجواب كافياً بالنسبة إليّ لذلك قلت، «أنت تتحدث عن النيات وأنا أسألك عن الإمكانيات. أريد أن أعرف منك ما إذا كان هناك اتفاق على أساس معرفتك بما يمكن للإسرائيليين فعله. هل الأمر ممكن؟ قال «نعم» ثانية، فسألته ثانية لماذا؟ فكرّر إجابته « لأنّي جادّ وهم كذلك».

قلت له، «لنكن أكثر تحديداً. سأسرد عليك ما أعتقد أن في وسع الإسرائيليين القبول به في نهاية المطاف، وعليك أن تقول لي إن كنت تقبله أيضاً، وبهذه الطريقة فقط يمكننا معرفة إذا ما كنا سنتوصل إلى اتفاق»، فأومأ برأسه. قلت له سأقول لك ما يمكن باراك أن يقبل به وفقاً لما أعتقد. بشأن الأرض، «سيحتاج إلى ضم ما بين 7 و8 في المائة، ويمكنه القبول بمقايضة 2 في المائة. وستحصل على ما بين 94 و95 في المائة من الأرض». وبشأن القدس، يمكنه القبول كحد أقصى بمبدأ أن«ما هو عربي فإنه فلسطيني وما هو يهودي فإنه إسرائيلي»، لكنه يحتاج إلى السيادة على المواقع التاريخية والدينية مثل «المقبرة اليهودية في جبل الزيتون ومدينة داود في قسم من حي سلوان في المدينة القديمة»، وستكون السيادة على أساس مبدأ التقسيم «ما هو عربي فهو لك وما هو يهودي فهو له»، لكن سيكون هناك نظام خاص يحكم الواقع اليومي. وبشأن الحرم، يمكنه «القبول بسيطرتك على السطح طالما كان يملك السيطرة على ما هو دون السطح». توقفت قليلاً ثم قلت، «هذا جوهر ما يمكنك الحصول عليه من الإسرائيليين. والآن، هل يمكنك القبول بذلك؟ هل يمكنك التوقيع على اتفاق استناداً إلى ذلك؟».

أجاب ببساطة، «نعم». نظرت إليه فيما بقيت عيناه تحدّقان بي.

وفيما كنت أودّعه، تساءلت عما حصلت عليه حقيقة. هل هو جادّ بشأن التوقيع على اتفاق كما بدا لي في المناقشة؟ قررت أن أذهب إلى سفارتنا في الرباط وأجري مكالمات سرّية مع مادلين لأخبرها بما جرى في لقائنا، ومع مارتن لكي يطلع باراك.

كان الكلّ متحمساً، وسألوني جميعاً لماذا لم أكن كذلك. أجبت كلاً منهم إنني لست واثقاً بشأن عرفات. خشيت أنه يعتقد أن كلاً من باراك وكلينتون متلهف للتوقيع على اتفاق.

* .. وأخيرا وبالتفاصيل : كيف حرر عرفات شهادة الوفاة لمقترحات كلينتون ؟

* عقب لقاء عرفات بالرئيس التونسي بن علي واتصال وزير الخارجية بن يحيى بالرئيس كلينتون طالباً منه مقابلة عرفات، دعا كلينتون عرفات للقدوم إلى واشنطن وعقد اجتماع في 2 يناير (كانون الثاني). وقبل الاجتماع بالرئيس في البيت الأبيض، ذهب السفير السعودي بندر بن سلطان والسفير المصري نبيل فهمي لمقابلة عرفات في الفندق الذي كان ينزل فيه بواشنطن. واستناداً إلى ما قاله محمد رشيد الذي حضر اللقاء، فقد ضغطا على عرفات بقوّة لحمله على القبول بمقترحات الرئيس، قائلَين له إنّ القرار عائد إليه، لكن عليه أن يدرك بأن ذلك أفضل اتفاق سيحصل عليه وأن إدارة بوش الجديدة ستتملّص على الأرجح من القضية; وأنه سيكون من مصلحته في الحد الأدنى أن ترى الإدارة الجديدة أنه قال نعم. لقد وفى بندر بوعده لي وأشرك المصريين في المباحثات أيضاً.

لم يكن عرفات للأسف أهلاً لصنع السلام. فبعد لقائه بالرئيس كلينتون، بدا واضحاً: أنه ليس مؤهلاً لوضع حدٍ للنزاع، وأنه رفض من الناحية العملية مقترحات الرئيس. فتحفظاته كانت قاتلة للاتفاق، متضمنة رفضه الفعلي لقسم الحائط الغربي من الصيغة المتعلقة بالحرم، ورفضه للعناصر الأكثر أساسية للمتطلبات الأمنية للإسرائيليين، ورفضه صيغتنا الخاصة بحل مشكلة اللاجئين. وكل هذه التحفّظات قاتلة للاتفاق.

بالنسبة إليّ، ما من شك في أن ذلك كان نهاية الطريق. لكن بسبب الانتخابات الإسرائيلية حاولنا القيام بمغامرة أخيرة. فمع إلحاح باراك لكي يسافر الرئيس إلى المنطقة، كان الرئيس مستعداً لآخر رمية لحجر النرد. ظننت أن ذلك ضرب من الجنون، لكن الرئيس لم يكن مستعداً لقول لا لباراك، وكان مستعداً حتى في الأسبوعين الأخيرين المتبقيين من مدة ولايته الرئاسية للسفر إلى إسرائيل والاجتماع بباراك وعرفات. فقد وجد الرئيس كلينتون أن من الصعب عليه قطع الأمل، وخصوصاً أنه كان يعتقد أن الهزيمة المؤكدة لباراك تنذر بتوقّف عملية السلام في الشرق الأوسط لوقت طويل. ولم يكن الرئيس يؤمن بأنّ الوضع سيكون مأموناً في غياب أي أمل في السلام. بل كان يخشى من تدهور الأوضاع بما يُنزل خسائر ثقيلة بالفلسطينيين والإسرائيليين على حدٍ سواء.

كنت أشاطره ذلك التحليل، لكنني شعرت بأن إدارتنا تجاوزت المرحلة التي تمكّنها من إحداث أي تغيير. ومع ذلك ، لم يكن في استطاعتي ثني الرئيس عن الذهاب إلى المنطقة بالمحاجّة ضدها فحسب، لذلك اقترحت القيام باختبار أخير: ينبغي على الرئيس أن يتصل بعرفات ويقول له إنه آت إلى المنطقة لإبرام اتفاق، لكن فقط في حال أعدّ اتفاق تفاهم مع الإسرائيليين حول القضايا الجوهرية المتعلقة بالقدس واللاجئين والأمن والحدود. وسيطلب الرئيس من عرفات الاجتماع بأمنون شاحاك وشيمعون بيريز، وهما أكثر من يثق به من الإسرائيليين، لمدة أربع وعشرين ساعة بدون انقطاع لحل كافة الأمور العالقة أو إيجاد طريقة لمعالجة تلك الأمور في الحد الأدنى. وفي حال اتصل الفريقان بالرئيس معاً بعد انتهاء تلك المدة وأبلغاه بأنهما تمكنا من التغلب على خلافاتهما، فسوف يأتي الرئيس إلى المنطقة ويترأس عملية وضع اللمسات الأخيرة على اتفاقهما.

أُعجب الرئيس كلينتون بالفكرة، فأطلع عليها باراك ـ الذي أعجب بها أيضاً ـ واتصل بعد ذلك بعرفات. تصرّف عرفات كشخص ينوي الذهاب إلى طبيب أسنان. إنه يودّ القيام بذلك، لكنه لن يكون متوفراً لأنه ذاهب للاجتماع بالرئيس التونسي بن علي. كتبت ملاحظة إلى الرئيس قلت له فيها إنك تعرض عليهم فرصة تاريخية، أنت على استعداد للقيام بهذه الخطوة العظيمة، وهو مشغول كثيراً. ما الذي يمكننا استنتاجه من ذلك؟

ألح الرئيس عليه، لكن جلّ ما كان في استطاعة عرفات القيام به كان محاولة جمع المفاوضين مجدداً. «يمكن لصائب أن يلتقي ببيريز»، وسوف ينضم إليهما لاحقاً بعد أن يلتقيا. وكانت هذه كلمة لا أخرى. فلو كان عرفات يبحث عن طريق لإبرام اتفاق فعلاً ـ جزئي أو كامل ـ فهذه كانت فرصته، حتى وإن تزامن ذلك مع انتهاء مدة ولاية كلينتون.

كم مرة قال لنا فيها عرفات لا قبل أن نسمع كلمة «لا»؟ كم مرة يمكن التماس الأعذار له؟ إن أولئك الذين يجادلون بأنّ الوقت داهمنا يتجاهلون الفرص العديدة التي رفضها عرفات. وهم يتجاهلون أنّ كلينتون عندما وضع أفكاره عملياً على الطاولة في نهاية سبتمبر (أيلول)، سمح عرفات ببدء الانتفاضة أو، كما يرى البعض، أعطى أوامره بإشعالها. وهم يتجاهلون رفضه الفعلي لدقائق أفكار كلينتون. وهم يتجاهلون رفضه المستغرب لعرض الرئيس غير العادي للمجيء إلى المنطقة في أيام رئاسته الأخيرة.

بل إنّهم يتجاهلون محاولة النفس الأخير من جانب الإسرائيليين للخروج برسالة مشتركة من باراك وعرفات يمكنها تلخيص أوجه الاتفاق وأسس المفاوضات، إلى الرئيس كلينتون عند مغادرته لمنصبه. فقد قدم جلعاد إلى واشنطن في أوائل يناير للعمل على هذه الرسالة معنا. وكان هو وزملاؤه يدركون الآن بأن الانتخابات قضية خاسرة، فباراك سيخسر الانتخابات، وكانت الرسالة جهداً لتثبيت نقاط الاتفاق بطريقة يمكن أن تكبل يدي شارون بعد أن يصبح رئيساً للوزراء. ولم يكن عرفات مستعدّاً للقيام حتى بذلك لأنّ ذلك يتطلّب منه الاعتراف بتقديم تنازلات من جانبه. بل حتى وضع حدود دنيا جديدة مفيدة للفلسطينيّين لم يكن كافياً لعرفات، الذي لم يكن في النهاية راغباً في الظهور بمظهر المتنازل عن أي شيء.

لقد أظهر ياسر عرفات بشكل حاسم أنّه لا يستطيع إنهاء النزاع. وقد بذلنا كل جهد يمكن تصوّره للقيام بما اضطررنا للقول بأنّه مستحيل مع ياسر عرفات.

ففي الأسبوع الأول على تولّي بوش الرئاسة، توجّه المفاوضون من الجانبين إلى طابا، بمصر. ولم يكن الهدف الحقيقيّ الوصول إلى اتفاق، بل محاولة من الجانب الإسرائيليّ لتقييد ما يمكن أن يفعله شارون، ومحاولة من الجانب الفلسطينيّ لإقناع إدارة بوش بأفكار كلينتون.

لم يكن أي من الهدفين سيتحقّق. هل اقتربنا من الاتفاق؟ نعم. هل كان المفاوضون الفلسطينيّون مستعدّين لقبول الاتفاق المتاح؟ نعم. هل فشلنا في النهاية بسبب الأخطاء التي ارتكبها باراك وارتكبها كلينتون؟ لا، فقد كان كل منهما، بصرف النظر عن الأخطاء التكتيكيّة، مستعدّاً لمواجهة التاريخ والخرافة. وكان قائد واحد فقط غير قادر على مواجهة التاريخ والخرافة أو غير راغب في ذلك: ياسر عرفات.

لقد انتقد أنور نسيبة بشدّة مفتي القدس لأنّه نجح في أن يكون رمزاً وفشل كقائد. ومن المأساويّ للفلسطينيّين والإسرائيليّين على السواء، أنّ هذه الكلمات تعبّر عن جوهر عرفات بعد ذلك بثلاثة وثلاثين عاماً.

* روس لأبي علاء في مأتم مقترحات كامب ديفيد: سيأتيكم شارون فتذهب عاصمتكم من القدس ويسقط حق عودة اللاجئين

* بعد وقت قصير على حديثي مع يوسي (بيلين)، اتصل بي أبو علاء وقال إنّ «الرئيس طلب مني الذهاب لرؤيتك». )الإشارة بكلمة الرئيس لعرفات، الإيضاح من «الشرق الأوسط» ) فقلت له، «أنت صديقي يا أبا علاء، وأنا أرغب دائماً في رؤيتك، لكننا لن نتكلم عندما تأتي لزيارتي عن المقترحات. فالرئيس لن يسمح لي بذلك. يتعين حصولنا على موافقة أولاً قبل أن يمكنني التحدث بشأنها». من الواضح أني خيبتُ أمله بقولي إنه لا جدوى من مجيئه في هذه الظروف. لكن عرفات لم يكن ليستسلم، لعلمه بالعلاقة التي تجمع بيننا بوجه خاص. وفي غضون نصف ساعة عاد أبو علاء إلى الاتصال ثانية وقال، «يرغب أبو عمار مني المجيء مع أنك قلتَ إنك لن تتحدث عن المقترحات». قلت له، حسناً أنت تعلم بأنني أسعد دائماً لرؤيتك.

كان أبو علاء سيزور واشنطن في 29 ديسمبر (كانون الأول)، أي بعد يومين على استحقاق موعد تقديم الردّ (على مقترحات كلينتون). جمع باراك وزارته الأمنية يوم السابع والعشرين في القدس حيث صوّتت على القبول بأفكار كلينتون مع التحفظات. لكن هذه التحفظات كانت ضمن الحدود المرسومة، لا خارجها. لقد قبلت حكومة باراك الآن وبشكل رسمي الأفكار التي ستقسّم من الناحية الفعلية القدس الشرقية، وتنهي وجود الجيش الإسرائيلي في وادي الأردن، وينتج عنها دولة فلسطينية على ما يقرب من 97 في المائة من الضفة الغربية، وعلى 100 في المائة من غزة.

لم يصلنا من الفلسطينيين في السابع والعشرين سوى رسائل مشوشة، بعضها يوحي بأن الأفكار سوف ترفَض، وبعضها كان يقترح الحاجة إلى إجراء مزيد من المباحثات. ناشدنا مبارك أن نمنح عرفات مزيداً من الوقت وألا نعامل عدم الإجابة بمثابة رفض للمقترحات. وافق الرئيس كلينتون على ذلك، مع أنه كان على اتصال يوميّ بالقادة العرب لحثهم على الضغط على عرفات وقبول العرض لئلا يفوّت فرصة تاريخية.

في 29 ديسمبر، وصل أبو علاء وانضم إليّ جمال في اللقاء الذي جمعني به وبمحمد رشيد. كانا يدركان أنّني لن أتحدث عن المقترحات واقتصر الحديث على أن عرفات يتعرض لضغط شديد لكي يقول لا. سألتهم، هل يدركون عواقب ذلك؟ فقالوا نعم. ألم يكن فيهم من يرى أن هذا هو أفضل اتفاق يمكنهم الحصول عليه؟ بلى، لكنهم ليسوا واثقين من النتيجة. وعندها طلبت الجلوس على انفراد مع أبي علاء.

وعندما أصبحنا لوحدنا، قلت له إنّك صديقي وأنا لا أرغب منك في أن ترجع بعد ثلاثة أشهر وتقول، «أنت لم تقل لي أبداً ماذا سيحدث فعلاً إذا قال رئيس السلطة لا». لذلك دعني أقول لك: «أولاً، سأكون قد رحلت. ربما أكون ذلك الشخص الذي يكرهه زملاؤك، لكنني الشخص الوحيد أيضاً الذي يوقظونه في الساعة الثالثة صباحاً عندما يواجهون مشكلة. أنت تعلم أني أفهم مشكلاتكم وحاجاتكم وتطلّعاتكم جيداً. وأنت تعلم أنه غالباً ما يكون شرحي لها أفضل من شرحكم. لن تجدوني بعد الآن، لكن للأسف، سيكون غيابي أقلّ ما يقلقكم. والأهم من ذلك أن الرئيس كلينتون سيرحل، وأنه سوف يستبدَل برئيس جديد خسر التصويت الشعبي. سيصبح جورج دبليو بوش الرئيس بدون أي رصيد سياسي تقريباً. وهو لا يبدي اهتماماً بهذه القضية، والناس من حوله يكرهونها ويعتقدون أنها قضية ميؤوس منها. وبعد أن شاهدوا كلينتون وهو يستثمر موارد الرئاسة فيها ويشعر بالضجر من عرفات، لن يرغبوا في فعل شيء مع عرفات. وهم يعتقدون أننا تساهلنا كثيراً مع عرفات.

«تذكّر هذه الكلمات، سوف يتملصّون من هذه القضية، وسيقومون بذلك في الوقت الذي لا يكون لديكم فيه باراك ولا أمنون ولا شلومو، وذلك عندما يكون لديكم شارون رئيساً للوزراء. سوف يُنتخب بكل تأكيد إذا لم يتم التوصّل إلى اتفاق، وعندها ستصبح نسبة 97 في المائة 40 إلى 45 في المائة، وتذهب عاصمتكم من القدس الشرقية، ويبقى الجيش الإسرائيلي في وادي الأردن، ويسقط حق عودة اللاجئين غير المشروط إلى دولتكم. أنت تعلم بأنّني أصدقك القول يا أبا علاء». نظر إليّ بأسى وبإشارة إلى الرضوخ التام قال، «أخشى أن يتطلب حل القضية خمسين سنة أخرى». انتهى اللقاء ولم أعرف أيّنا كان أكثر شعوراً بالإحباط.