رفاقه يتذكرون: ميشيل عفلق (5)

شهادة بشارة مرهج:
> متى تعرفت على ميشال عفلق، وما كانت ظروف أول لقاء لك به؟
- في بداية الستينات، كنت طالباً في الجامعة الاميركية في بيروت، وكنت أحضر حلقات حزب البعث. وبعدما تسلَّم البعث الحكم في سورية في 8 آذار (مارس) 1963، زرنا الأستاذ عفلق في الشام. كان انطباعي الأول عنه انه مفكر. فقبل ذهابي لزيارته تصورت أن مؤسس حزب البعث يقطن في مكان مهيب وفي موقع حصين، وإذا بي أجده يعيش في منزل عادي يشبه بيوت جميع الناس، وفي صالون صغير بسيط. كان يتكلم ويبدو مشغول البال ومهموماً وليس راضياً تماماً عما يجري.
> هل احتفظت بالانطباع نفسه طيلة انتسابك إلى البعث؟
- بقيت صورة عفلق كما وجدته في أول لقاء معه ماثلة في ذهني. ولم أصدق أبداً انه شغل أي موقع سلطوي كبير. من خلال صلتي به شعرت بأنه ليس رجل سلطة بالمعنى المباشر. فهو رجل فكر وثقافة. لكن ثقافته والتزامه كانا التزاماً أخذه على نفسه. وتحوّل الالتزام إلى مواقف سياسية تركت أثرها في مجريات الأحداث.
> هل يسعنا القول إنه رجل حاضر البديهة وصامد؟ ما مواصفاته الشخصية؟ هل يجمع بين الذكاء الشديد وبين الإلمام بالأمور العملية؟
- كان شديد الذكاء ومحباً للحوار. وكان يتردد في اتخاذ أي قرار قبل التفكير في جميع جوانبه وقبل عرضه على الآخرين. كان يفضل الحلقات الصغيرة لبحث الأمور. وامتلك الاستعداد لقبول الرأي الآخر إذا كان هذا الرأي قوياً ومترابطاً ومقنعاً. لم يكن يصر على اتباع رأيه عند طرحه. كان حوارياً بناء. ورافقته مزاياه هذه طيلة حياته.
> هل لمست في شخصيته جانباً يعشق السلطة ويطمح إلى تحريك الخيوط من وراء الستار؟
- كلا. كان حريصاً على بقاء حزب البعث في مسار الاحداث، وهو يعتبر ان الحزب وجد ليؤثر في الاحداث إيجاباً. لذلك عندما كان يبتعد عن السلطة كان ابتعاده قسرياً. كان عفلق يعبر عن عدم موافقته على كثير من القرارات ويتحمل مسؤوليتها في غيابه. وكان يمارس ضغطاً على الحكام لمراجعة مواقفهم. وكان ابتعاده رسالة إلى الناس ليعرفوا انه لا يوافق السلطة على ما تفعل. وتكرر ابتعاده مراراً حتى بات ظاهرة لازمت حياته السياسية. كان يرفض التقاعد والابتعاد، ولكنه كان يعتزل ليبقى في الحزب.
> شاركت في مؤتمرات حزبية حضرها عفلق، ما هي هذه المؤتمرات وكيف كان يدير الشأن الحزبي؟
- شاركت في مؤتمر قومي ترأسه عفلق في العراق سنة 1970، وكان يتصرف بمنطق الأب الذي يتحمل مسؤولية الحزب بأفكاره وممارساته الصحيحة والخاطئة، وكان يدرك انه لا يستطيع الانفكاك عن الحزب، ولكنه لا يستطيع السكوت عن اخطائه. كان محباً للعراقيين ويعتبرهم قوة كبيرة للعرب. واعتبر ان الظروف التي رافقت ظروف وصول البعث إلى السلطة في العراق تعطيه فرصة للسير في برنامجه القائم على تحقيق الوحدة العربية. ومع ادراكه للنواقص والأخطاء اعتبر وصول البعث إلى السلطة فرصة للانطلاق في العمل القومي. كان حريصاً على عدم اغلاق نفسه بالسلطة ليكون في وسعه النظر في القضايا القومية والتعامل معها بايجابية. وفي الحزب تيارات مختلفة أحدها، وهو يمثل غالبية البعثيين العراقيين، يريد بناء السلطة في العراق. وتيار آخر يريد وضع الحزب في المسار الثوري العربي، ويضع في صلب نصابه القضية الفلسطينية. ففي ذلك الوقت كانت هذه القضية في ذروة توهجها. عرض في خطابه الأخير تلخيصاً لكل التيارات البعثية والاتجاهات. ولم يعتبر ان هذه التيارات متناقضة، بل ولّف في ما بينها، فهو ذهب إلى عدم جواز سجن الحزب في السلطة وعدم جواز إضاعة فرصة وصوله إلى السلطة في العراق.
> هل كان صدام حاضراً يوم قدم عفلق خطابه الاخير؟
- نعم كان حاضراً برتبة السيد النائب. وكذلك كان البكر.

[img]http://www.alhayat.com/special/dialogues/07-2008/Article-20080710-0e130c...
عفلق واحمد حسن البكر.

> هل ظهرت بوادر علاقة خاصة بين صدام حسين وعفلق؟
- تعود العلاقة الخاصة بينهما إلى زمن بعيد وسابق على هذا اللقاء. عندما سقط حكم البعث عام 1963، عيّن عفلق «صدام» في اللجنة القيادية في العراق لإعادة بناء الحزب. وكان صدام برز في مؤتمر سابق كممثل لتيار مختلف عن التيار الذي مثله علي صالح السعدي وحازم جواد. رأى عفلق في صدام الرجل الحزبي الملتزم والهادئ والمنضبط الذي لم يسلك طريق اليسار المتطرف ولم يرض بالنظرة اليمينية التقليدية.
> هل صحيح ان عفلق فوجئ بـ17 تموز (يوليو) 1968، ولم يكن على علم بالانقلاب؟
- اعتقد انه فوجئ، فهو كان في البرازيل. لا استطيع زعم انه فوجئ بشكل كامل. ويسعني تأكيد جهل عفلق بتفاصيل ترتيبات الانقلاب. اذ كان في حال نفسية رافضة لمبدأ الانقلاب العسكري.
> هل حصل نقاش في الحزب على أثر الانقلاب، وهل ظهر تحفظ حزبيين على ما حصل؟
- بالطبع، تحفظت أوساط حزبية عدة، ولم ير العراقيون لتحفظاتنا أي مبرر نظراً إلى عدم اراقة نقطة دم واحدة في 17 تموز و30 منه. واعتبر العراقيون عودتهم إلى السلطة استعادة لها، ولم يعتبروها انقلاباً.
> بعد 1968، عاد عفلق من البرازيل بعدما قصده صلاح عمر العلي وشخص آخر، وأقنعاه بالعودة.
- لا أعتقد انهما أقنعاه بالعودة بل بأهمية متابعة هذا الحدث السياسي والاقتراب منه وممارسة مهماته الحزبية. واقتنع عفلق بالعودة من باب الالتزام القومي. واختار العودة إلى بيروت عوضاً عن بغداد، وفي اختياره لبيروت مغزى كبير. فهو وضع نفسه في موقع المتابع والمراقب ولم يكن في وضعية المشارك والممارس.
> مكث عفلق في بيروت بين 1969 و1975. هل كنت مقرباً منه في هذه الفترة؟
- نعم كنت مقرباً منه، وجمعتنا مودة كبيرة. وكنت احترمه كثيراً. وكانت لكل جلسة معه قيمة كبيرة. كانت جلساتنا تتطرق إلى الشأن السياسي ويسودها الحوار والتحليل. وكانت هذه الجلسات حافزاً على إقدامي على مطالعة كتب في التاريخ والفكر السياسي لتتسنى لي متابعة الحوار ومواكبته. وكانت هذه القراءات والجلسات تعطيني الدافع المعنوي للاستمرار في العمل الحزبي والشعبي والثقافي. فأنا تسلمت مسؤوليات متعددة في الحزب، وكنت عضواً في القيادة القطرية. فتدرجت في المواقع الحزبية إلى ان أصبحت أمين سر.
> من من السياسيين حظي بإعجاب عفلق وباهتمامه؟
- حظيت شخصية الرسول العربي محمد بإعجابه. كان يستعيد افكار الرسول ويستعرضها. وكانت شخصية الرسول ماثلة أمامه ورافقته طيلة حياته. والدليل على ما أقول مقالة كتبها في بداية عهده السياسي في عنوان «ذكرى الرسول العربي» أهم ما ورد فيها الجملة التالية: «كان محمد كل العرب فليكن العرب اليوم كلهم محمداً». واستعملت هذه الجملة للكلام عن عبدالناصر. فهذه الجملة استحوذت على قلوب الناس في سورية ومصر والبلدان العربية. وعلى رغم كل خلافاته مع عبدالناصر وعلى رغم الاساءات التي تعرض لها من أجهزته الأمنية، كان عفلق يُكنَّ محبة كبيرة له.
على رغم كل أفكاره المثالية، كان عفلق واقعياً في حياته الشخصية والعائلية والسياسية. حاول ان يكون ايجابياً ونقدياً في تعامله مع الحوادث والمعطيات. لم يتخل عن روحه النقدية أبداً.
> هل افتتانه بالإسلام يصدر عن شعور الأقليات بعدم توفر حل إلا بالذوبان في الاكثرية؟
- قد يكون لموقعه الديني دور في اكتشاف عظمة الاكثرية. كان يقدر على رؤية صورة هذه الاكثرية من داخلها ومن خارجها.

> هل فوجئت بما أعلن بعد وفاة عفلق عن اعتناقه الإسلام؟
- كلا لم أفاجأ، فنشأة عفلق السياسية كانت في هذا المناخ، ولم يكن يعتبر نفسه خارجاً عن تيار الاسلام. وهو دعا المسيحيين العرب إلى اعتبار الاسلام ثقافة لهم وحضارة. تعرض عفلق لتيارات فكرية متعددة خلال دراسته في فرنسا. وتأثر كثيراً بالفكر التقدمي الانساني لا بالفكر التقدمي المادي. وافترق عن التفكير الشيوعي المادي وعن الفكر الديموقراطي الغربي. ويقال إنه مر في فترة شك كبير. وعندما رسخ ايمانه أعطى اولية للروح على المادة، وأولى المسألة الروحية الارجحية في التحليل وفي رؤية الامور. وقال انه اذا خُيّر بين أمة متوحدة ومتقدمة لا روح لها وبين امة منقسمة تعصف بها روح النهضة لفضَّل الثانية على الاولى. وأوصلته هذه البيئة الروحية التي أعاد اكتشافها في نفسه إلى اكتشاف المعين الروحي الهائل في الاسلام. وهو نشأ في دمشق في حي الميدان وكان الاسلام قريباً منه كبيئة وحضور.
> في عام 1970، جاء صدام إلى بيروت. هل كنت تحضر الجلسات التي كان يعقدها؟
- كنا في التيار الذي يدعو إلى احتضان الثورة الفلسطينية، وإلى الدفاع عنها بكل ما نملك. وكانت لنا انتقادات كبيرة على مواقف الحزب في العراق. وكنا في موقع قيادي كبير. وكانت غالبية أعضاء القيادة في لبنان تشاركنا اتجاهنا. حصلت أزمة كبيرة داخل الحزب من جراء هذا الموقف المحتضن للثورة الفلسطينية. ولم أحضر هذه الاجتماعات. ذلك لأننا كنا المشكلة التي سعت الاجتماعات إلى حلها.
> رافقت عفلق فترة طويلة، كيف كانت نظرته إلى ياسر عرفات؟
- كان عفلق يدعو إلى التضامن المطلق مع عرفات. وكان يتغاضى كثيراً على المآخذ التي كانت تسجلها أوساط سورية وعراقية. وكان يرى ان عرفات هو أبو الشعب الفلسطيني، وان تصحيح ما تشير اليه المآخذ يكون في مزيد من الاحتضان وليس بالهجوم عليه من الخارج.
> هل كان عفلق على صلة بكمال جنبلاط؟
- نعم كان على معرفة به. ولكن لم تكن صلة قوية. لم يكن عفلق مبادراً في علاقاته. كان يدرك محورية دور كمال جنبلاط في السياسة ويحضنا على الاتصال به. لم يكن ناشطاً سياسياً في لبنان بالمعنى المتعارف عليه، فهو كان على خلاف مع الحكم في سورية.
> هل كان يخشى مما قد يترتب على هذا الخلاف؟ وهل تعرّض لمحاولة اغتيال؟
- كان يعيش في قلق دائم. ولكنه لم يتعرض لمحاولة اغتيال.
> هل جرت محاولات لاصلاح الوضع بينه وبين الرئيس حافظ الأسد؟
- اخبرني ذات مرة ان الرئيس الأسد هو الذي ساهم في افلاته من السجن وفي افساح المجال أمامه للمجيء إلى لبنان. كان متخفياً قبل 1966. ولولا الرئيس الأسد لاعتقل. وكان عفلق يقدّر الرئيس الأسد. في العام 1973 شعر عفلق بودّ كبير تجاه الرئيس الأسد لاتخاذه القرار التاريخي في حرب أكتوبر.
> مَن مِن القادة البعثيين أحب عفلق؟
- لا أقدر أن أغوص في تفاصيل لم أكن حاضراً فيها. ولكنه كان يكنّ مودة لكمال ناصر وخالد يشمطي. لن أعدد الأسماء لأن ذكرها قد يسبب مشكلات لأصحابها الأحياء.
> متى كانت المرة الأخيرة التي قابلت فيها عفلق؟
- انقطعت عنه بين 1969 و1979، وقابلته مرة واحدة عام 1979 أثناء تلبيتي دعوته إلى بغداد للبحث في ميثاق العمل القومي بين سورية والعراق. لكن وصولنا إلى بغداد لم يلق ترحيباً في اوساط البعثيين. فمنذ حصول الأزمة الكبرى عام 1970، جرّدت من مسؤولياتي في الحزب. واعتبرت اعادة انتخابي في الحزب في أواخر العام 1971 تحدياً للبعثيين العراقيين. قابلت في ذلك اليوم عفلق وفهمت أموراً عدة منها بدء التوتر بين ايران والعراق. وكان عفلق يعتبر الثورة الإيرانية ثورة عظيمة للإسلام والعرب وفلسطين. وأكد رأيه هذا في خطابه لمناسبة 7 نيسان (ابريل)، وجاهر في حينه برأيه المخالف لرأي غيره في الحزب. فتجدد التواصل الفكري والسياسي بيننا. كان عفلق متحمساً جداً للتفاهم مع سورية على كل المستويات، ولم ير أي مبرر لوقف الوحدة التي يسعى إليها ميثاق العمل القومي. كانت الوحدة بالنسبة الى عفلق هي الأولوية. فالوحدة اهم من الحزب، والحزب موجود بمقدار خدمته للوحدة. وكان يدعو للوصول إلى هذه الوحدة عبر التجرد من المصالح الفئوية والشخصية والذاتية.
بعد الثمانينات قابلت عفلق في باريس، وكان ضد الحرب العراقية - الإيرانية. لكن عند وقوع الحرب، اضطر إلى السكوت ورفض تأييدها. عام 1973 في ذروة الشعور بالزهو والاعتزاز بالانتصارات العربية التي حققتها الجيوش المصرية والسورية كتب عفلق رسائل إلى العراق للزج بقواته إلى جانب سورية، وبرقية إلى السادات والأسد. وقال في الرسائل إن إسرائيل في حال انكسار وتراجع وعليكم ان تحذروا لأن اسرائيل تريد الانتقام من العرب. وسألته عام 1975 عما إذا كانت الحرب اللبنانية جزءاً من الرد الإسرائيلي على حرب تشرين، فابتسم.
> هل كان له رأي في الحرب اللبنانية؟
- كان منفعلاً جداً وأوصانا بعدم المساهمة في هذه الحرب. وطلب منا تقديم كل التنازلات داخل الحركة الوطنية لدرء الحرب الأهلية. وأذكر قوله «مهما كان الثمن الذي ستدفعونه، عليكم تفادي الحرب الأهلية والوقوع فيها. يجب عليكم المشاركة في حصول الانفراج بين الأطراف المتنازعة، وعليكم الاتصال بجميع الأطراف (...) لا يجوز أن تقع الحرب الأهلية». وكان متخوفاً من نتائج هذه الحرب. بعد بدء الحرب وتداعياتها، قررنا السفر لأن الوضع لم يعد آمناً. وهو ترك بيروت على مضض ورغماً عنه.

> ما كان رأي عفلق في تصفيات صدام للكوادر الحزبية عام 1979؟
- كان عفلق يتطير من التصفيات الداخلية، ويستاء من حصولها كما حصل عند اعتقال عبدالخالق السامرائي. كان معارضاً لسياسة حكام العراق التي تلحق الضرر بسمعة الحزب. كان ينفر من أي اجراء غير ديموقراطي ومن لعبة التصفيات والدم. وكانت له ملاحظات سلبية على سياسات صدام وممارساته، وكان معارضاً لعبادة الفرد. وأنا استغرب تحمله كثيراً من السياسات التي كانت قائمة في العراق. انتقد عفلق في السبعينات كثيراً من سياسات الحزب في العراق. لكن الحزب كان حزبه، أي كان في موقع والد غير راض عن سلوكيات أولاده. وعندما نوقش ميثاق العمل القومي اختلف مع العراقيين لعدم تبنيهم هذا الميثاق، وخالف العراق برفضه الحرب الايرانية - العراقية، وأيد الانفتاح الكامل على الثورة الايرانية والتفاهم معها لتغيير الوضع في المنطقة كلها.
> في زيارة له لفرنسا، قابل صلاح عمر العلي عفلق الذي أفضى إليه بالقول التالي: «وضعي صعب (...) وصدام متعطش إلى المديح». هل كانت لعفلق شكوى من سلوك صدام الشخصي؟ وهل كان يعارض عبادة الفرد؟
- انتقد عفلق صدام قبل ذهابه إلى العراق. ولم تكن اقامته في العراق متصلة بل كانت متقطعة. وفي وسع الراغب في معرفة حال العلاقة بين صدام وعفلق ملاحظة عدد المرات التي غادر فيها بغداد. لم يكن يحبذ طريقة صدام بالحكم وبنشر تماثيله. واعتقد ان عفلق لم يكن راضياً عن اقامة تمثال له.
> ماذا عن قوله: «صدام هبة السماء للبعث والأمة»؟
- نعم قال هذه العبارة في خطاب له. أنا لا أسعى إلى تبرير أقوال عفلق. ولكن يجب أن نأخذ في الاعتبار ظروف قول العبارة. فالعراق كان في محنة وفي حرب ساحقة مع ايران. وبالتالي قد يكون عفلق قال هذه العبارة تحت وطأة الظروف لتوفير دعم سياسي للحكم. ولكنني لا أظن ان هذا الكلام نابع من قناعة حقيقية بل من موقف سياسي عابر.
> هل قابلت صدام؟ هل كان شخصية استثنائية؟
- نعم قابلته يوم كان نائباً للرئيس. كان شخصية شابة جذابة ويبحث الأمور بجدية وبواقعية. وكان عملياً وديناميكياً ويحب الانجازات. وكان يرى ان الأولوية يجب ان تكون لبناء العراق وليس لتطوير الحزب. وكانت هذه نقطة خلافنا الرئيسية معه. كنا مؤمنين بأفكار حزب البعث التي تنص على بناء الوحدة ديموقراطياً، وتؤمن بالفصل بين السلطات. ولا يقبل هذا الدستور نظام الحزب الواحد. لم نقبل ابداً تفرد الحزب بالسلطة ما سبب مشكلات بين الحزب في لبنان والحزب في العراق. وكانت لنا مشكلات قومية مع البعثيين العراقيين كالعلاقة مع الثورة الفلسطينية، والعلاقة مع سورية التي كنا نرفض ان نكون على عداوة معها.
> عام 1966، قصد عفلق بيروت ماراً بطرطوس وطرابلس. هل كان لك أي دور في تهريبه؟
- كلا لم يكن لي أي دور. لكنني استقبلت كمال ناصر في الجبل وراعيت وضعه بعد هروبه من سورية. وكما حصل مع عفلق، كان هروب ناصر بمعرفة الأسد. في باريس مرّ عفلق بفترة شك وصل بعدها إلى الإيمان بالله لكن بعذاب كبير. في هذه الفترة تملكته الفكرة الانسانية والإيمانية. وكان يرى في الحياة الخالية من الايمان حياة فارغة. وكان يعتبر القومية مرحلة انتقالية للوصول إلى الانسانية.
> ماذا شعرت يوم توفي عفلق؟ وهل اعتبرت رحيله خسارة كبيرة؟
- بالطبع، فكرت بأنه مات بعيداً عن بلده وحيّه ومنزله. وتوفي من دون أن يتحقق شيء من أحلامه السياسية أو الشخصية. كان يريد أن ينجح ميثاق العمل القومي ولم يكن يطالب بحرق المراحل. كان يدعو إلى تطبيع العلاقات بين سورية والعراق. واعتقد ان موته بعيداً من الشام حرقة في قلبه.
> هل شعر بالمرارة لحل الحزب أيام الوحدة؟
- كلا، لأنه اعتبر الوحدة اهم شيء، ولم يعتبر أنه أخطأ عندما حل الحزب لأن الاجهزة هي المسؤولة عن الخطأ. فهذه الاجهزة لم تفهم التضحية الكبرى، أي حل الحزب.
> هل استفاد عفلق مادياً من كون صدام حاكماً في العراق؟
- كلا، واعتقد ان عائلته تعاني حالياً معاناة حقيقية. عام 1970، استطعنا في لبنان بمساعدة مئات الشباب جمع مبلغ بسيط لنشتري له شقة. وعندما أردنا تسجيل الشقة باسمه أو باسم عائلته رفض رفضاً قاطعاً. ولم يكن يرضى بتقاضي أي مبلغ من المال. بعد عام 1975، لم أعد مطلعاً على تفاصيل أوضاعه. وكان موقفه من الحصول على المال من الحزب موقفاً حاسماً.

-----------------------------

شهادة معن بشور:
> متى كانت المرة الأولى التي قابلت فيها ميشال عفلق، وما كانت المناسبة؟
- كنت في الرابعة عشرة عندما التقيت المرحوم ميشال عفلق للمرة الاولى في سوق الغرب حيث كان يصطاف بعد زواجه من الدكتورة أمل بشور. أنا وزوجته ننتمي الى العائلة نفسها. وكان والدي خليل بشور نائباً مقرباً من البعثيين في البرلمان السوري، وكانت تربطه علاقات مع القادة التاريخيين لحزب البعث: أكرم الحوراني وصلاح البيطار وميشال عفلق. صادفته في عشاء أقيم في أشهر فندق في سوق الغرب في ذلك الحين. كنت في بداية وعيي السياسي، فتحول العشاء نقاشاً بيني وبينه وانتهى بذهابه إلى غرفته واحضاره كتاب «معركة المصير الواحد» وكتب عليه اهداء «إلى الشاب القومي النابغ معن بشور». كنت في بداية علاقتي مع حركة القوميين العرب. ولم أكن منتسباً إلى أي حزب سياسي بعد. وبدأت الانصراف إلى تمييز الاختلافات بين القوميين العرب والبعثيين. التقيته مراراً في بيروت حيث كان يقيم في زمن الوحدة. ووجهت اليه بعض الاسئلة التي كان يجيبني عليها بحرص. في لقائي معه عام 1961، حسمت انتسابي إلى حزب البعث بعد الانفصال. اختبأ في منزل في الاشرفية في بيروت في الايام الأخيرة للوحدة بسبب معلومات عن مطاردة جهاز استخبارات حكومة الوحدة له. عندما وقع الانفصال بدأ باستقبال الزوار، فقصدته مع والدي لمعرفة رأيه في الانفصال وكنت أنتظر جوابه لأحسم انتسابي إلى حزب البعث. في هذه الجلسة في 30 أيلول (سبتمبر) 1961، اليوم السادس للانفصال، قال لي ان «الانفصال مؤامرة استعمارية رجعية استغلت بعض الاخطاء في نظام الوحدة». سألته إذا كان يتوجب علينا كبعثيين المشاركة في التظاهرات المعادية للانفصال في بيروت، فأجابني: «عليكم أن تقودوا هذه التظاهرات». اطمأننت إلى وحدوية عفلق والبعث خصوصاً أن بعض القادة التاريخيين من أمثال الحوراني والبيطار وقع في سورية وثيقة الانفصال. لكن البيطار ما لبث أن عاد عن موقفه وأصدر بياناً اعترف فيه بخطأه. كنت في حينها في السابعة عشرة من العمر، وبدأت أتابع حلقات الانصار في حزب البعث، وكانت لي ثلاث ملاحظات على الفكر القومي العربي: غياب الاشتراكية عنه، وعدم التمييز بين اليهودية والصهيونية، وقيام بناء البعث الداخلي على الانتخابات الديموقراطية من القاعدة إلى القمة فيما كان بناء القوميين العرب يقوم على التعيين. وحضني على الانتساب إلى البعث، إلى جانب تفضيلي انتخابات البعث الديموقراطية، اهتمام عفلق الذي كان في سن والدي تقريباً بمناقشتي والاجابة عن أسئلتي. بعد الانفصال ترددت إلى منزل عفلق في دمشق مع والدي، وكنت أتدرج في الحزب لأصل إلى قسم اليمين عام 1962 أمام علي الخليل الذي كان أمين سر القيادة القطرية، وجهاد كرم الذي عينه العراق سفيراً في البرازيل عام 1970، والمهندس مروان فرقبيل. وعندما أصبحت حزبياً صرت أزوره مع حزبيين وليس مع والدي. عام 1964، نشرت مجلة «الاحد» الاسبوعية التي كان يصدرها النقيب رياض طه، مقالات باسم بعثي قديم حاول عرض تاريخ البعث في شكل لم يرض عفلق الذي أراد أن يرد شاب من الحزب في لبنان على هذه المقالات. ووقع الاختيار علي لتسجيل ملاحظات الاستاذ عفلق، الذي يرتاح لي، على تلك المقالات. وفي نيسان (أبريل) 1965، أي بعد المؤتمر القومي الثامن الذي عقد في سورية، ترددت إلى منزله وتعرفت على المشكلات الداخلية السورية من خلال الجلسات المخصصة للرد على مقالات البعثي القديم. وأسفر المؤتمر عن انتخاب منيف الرزاز الآتي من الاردن أميناً عاماً للحزب، وتسمية ميشال عفلق «القائد المؤسس للبعث».
> من اقترح صفة القائد المؤسس على ميشال عفلق؟
- اعتقد أن منيف الرزاز الذي كان مقرباً من عفلق كان صاحب الاقتراح للمحافظة على المكانة المعنوية للرجل، لكنه كان يعتقد أن اسلوب معاملة العسكريين والاجنحة الاخرى يحتاج إلى قائد أكثر دينامية وحيوية ومرونة. كنت في عامي العشرين أصغر عضو بعثي في ذلك المؤتمر. وتعرفت في المؤتمر على الرئيس حافظ الاسد وأعجبت بهدوئه واتزانه خلافاً لغيره من الضباط الحاضرين. ذهبت مع عدد من الرفاق إلى عفلق وسألته عن رأيه في نيتنا انتخاب حافظ الاسد في القيادة القومية، فأجاب أن الأسد أكثر الضباط تميزاً ورفعة، ولم يعترض على انتخابه عام 1966 عضواً في القيادة القومية خلفاً لصلاح جديد ومحمد عمران. وكانت أول إطلالة لحافظ الاسد على الحزب على المستوى القومي. وكانت مجموعة من البعثيين المحسوبين على التيار القومي وخط عفلق تعتقد أن الاسد مميز بين العسكريين الآخرين. ويقال أن الاسد هو الذي حال دون اعتقال عفلق صبيحة 23 شباط (فبراير) 1966، وسهل خروجه من سورية عبر طرطوس بحراً إلى طرابلس حيث أقام في منزل البعثي نعيم فهمي الذي سبق له أن ذهب مع صلاح عمر العلي إلى البرازيل. ويوم استلم الرئيس الاسد السلطة عام 1970، كان عفلق وأكرم الحوراني في بيروت وأظهرا ارتياحاً شديداً للحركة الحاصلة في سورية. وكتب عفلق مقالة شهيرة في جريدة «الأحرار» في عنوان «زال تزييفك» اعتبر فيها أن الحكم الذي سبق حكم الاسد هو تزييف. وكانت هناك وساطات وحملة رسائل بين عفلق والاسد يوم كان وزيراً للدفاع، ومن بين حملة الرسائل الشهيد كمال ناصر البعثي الكبير المقرب من عفلق وصديق الرئيس الاسد. وبعد الحركة التصحيحية، أعاد الأسد فتح باب الحزب أمام كثيرين من المحسوبين على القيادة القومية ومن الذين دخلوا السجون بعد انقلاب 23 شباط. وتسنى لعدد من الذين شرع باب الحزب لهم تولي مناصب قيادية في الحزب والدولة. وبعد المؤتمر القومي الثامن لم يكن عفلق أميناً عاماً للحزب. زرته مرات عدة، وقضيت برفقته ساعات طويلة، واستمعت الى سرده حكايات من التاريخ التي كان حريصاً على تسجيلها. ففهمت المشكلات الداخلية السورية، والصراع المحتدم الذي ما لبث أن انفجر في 23 شباط وأطاح القيادة القومية: عفلق والبيطار وأمين الحافظ، وأتى بتحالف الرئيس الاسد وصلاح جديد وسليم حاطوم. وبعد ذلك جرت تصفيات الى أن استقر الوضع مع الرئيس الاسد. كنت مقرباً جداً من عفلق في الفترة التي قضاها في بيروت بين 1968 وحتى مغادرته الى بغداد بعد اندلاع الحرب الأهلية في لبنان منتصف السبعينات. وكان عفلق زار العراق في أيار (مايو) 1969 بعد تسلم البعثيين السلطة، وبعد عودته من البرازيل حيث خاض مفاوضات طويلة أدت الى قرار ابقاء الحزب القومي مستقلاً عن السلطة بسبب رغبته في تفادي تكرار تجارب الحزب في السلطة عبر الانقلابات العسكرية. وتقرر في هذه المفاوضات أن يكون مركز الأمانة العامة التي تدير شؤون الحزب القومية في بيروت ومركز السلطة في بغداد على أن يتبادل المركزان الآراء والزيارات. فعفلق لم يرد تبني تجربة الوصول الى السلطة بالانقلابات العسكرية تماماً، ولم يرد تبديد فرصة رفاقه بالوصول إلى السلطة. وتفسر ارادة عفلق هذه تحفظ الحزب إزاء انقلاب 17 تموز (يوليو) في العراق. وكانت مجموعة من البعثيين العراقيين شاركت في مؤتمر الحزب التاسع في شباط (فبراير) 1968 الذي عقد في بيروت بغياب عفلق، ونصت مقررات المؤتمر على عدم الوصول الى السلطة عن طريق الانقلاب العسكري، وضرورة قيام جبهة قومية تقدمية، واعتماد الكفاح الشعبي المسلح في تحرير فلسطين. كنت آنذاك أعمل في مجلة «الحوادث»، وأرسلني رئيس التحرير الى بغداد لتغطية خبر الانقلاب. وكنت أول بعثي غير عراقي يصل الى العراق بعد الانقلاب والتقيت بكل القيادات الحزبية ما عدا البكر وصدام. فصدام كان منزعجاً من الحزبيين في لبنان لأنه لم ينتخب في القيادة القومية أثناء المؤتمر الذي سبق ذكره، والذي انتخب خمسة أعضاء عراقيين. واعتبر صدام أن عدم انتخابه يعود الى مؤامرة نفذها البعثيون في لبنان. وأثارت المقالة بعنوان «في بغداد انقلاب لا ثورة» حفيظة رفاقنا في بغداد، وبدأت الازمة فغادر عفلق الى باريس. وبعد ذهاب صلاح العلي الى عفلق انتهت الازمة بالصيغة الآنفة الذكر. وفي أيار (مايو) 1969 زار عفلق بغداد حيث أمضى أسبوعاً، ثم عاد الى فرنسا ومنها الى بيروت. وكان ترك ولديه اياد ورزان في بيروت عندما اضطر الى المغادرة الى باريس. وفي أيلول الأسود 1970 كان موقف ميشال عفلق قوياً جداً وانزعج من عدم تدخل الجيش العراقي واصدر نداء دعا فيه البعثيين الى التوجه الى الاردن للدفاع عن المقاومة الفلسطينية. واعتبر هذا النداء تمييزاً بين موقف السلطة في العراق وموقف الحزب. فالحزب يريد المقاومة، لكن السلطة لا تريد ذلك. وأدى هذا الاختلاف في المواقف الى اهتزاز كبير داخل الحزب فاضطر نائب الرئيس صدام حسين للمجيء الى بيروت للقاء بالأستاذ ميشال. وحاول صدام تهدئة خواطر عفلق مخافة اقدامه على اعلان براءته من التجربة في العراق.
> متى بدأت العلاقة بين صدام وعفلق وكيف انتهت؟
- بدأت علاقة عفلق بصدام في المؤتمر القومي السادس الذي عقد في دمشق يوم كان الحزب يحكم سورية والعراق عام 1963، وفي هذا المؤتمر كان البعثيون العراقيون منقسمين أشد انقسام: قسم من القيادة يميل الى حازم جواد وطالب الشبيب، وقسم آخر الى علي صالح السعدي. ومثل صدام العراق في هذا المؤتمر كعضو شعبة منتخب لتمثيل الحزب. وكان فريقا القيادة العراقية متخاصمين، لكنهما توافقا على عدم طرح مشكلة الخلاف بينهما على المؤتمر القومي. فحازم جواد لم يرد ان تكون الكلمة لأنصار علي السعدي من الذين حضروا الاجتماع. وكانت القيادة القطرية السورية برئاسة حمود الشوفي مناصرة للسعدي. وكان هذا الاخير متردداً في طرح الخلاف على المؤتمر لأن عفلق كان متعاطفاً مع حازم جواد. وفي المؤتمر وقف صدام حسين وقال ان الكلام عن أن أوضاعنا جيدة في العراق غير صحيح. فالحزب يعاني عزلة شعبية كبيرة. واستدل على تضاؤل شعبية الحزب بحاجتهم إلى حشد الحافلات ليتظاهر الناس، فيما كان الآلاف يلبّون دعوة الحزب إلى التظاهر قبل تسلمه السلطة، وشدد على أن وضع الحزب في العراق خطير ويستدعي المعالجة. أراد الفريقان المتخاصمان إسكات صدام، لكن عفلق لاحظ شجاعته. وفي 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963، سقط حكم البعث في العراق وكانت مواقف علي صالح السعدي معادية لعفلق. وكان حازم جواد وطالب الشبيب في نظر القاعدة الحزبية وراء دخول الضباط إلى المؤتمر القطري واستخدام القوة. فكان من الصعب إعادة تأسيس الحزب بالاعتماد عليهما. وكان على عفلق الاختيار بين أحمد حسن البكر أمين سر الحزب، لتمتعه بهالة سياسية كبيرة، وصدام حسين كنائب لأمين سر القطر وللإشراف على التنظيم. وعلى أثر سقوط حكم البعث في العراق، عقد مؤتمر قومي سابع استثنائي في دمشق في شباط (فبراير) 1964، وانكسر الحزب بخروج السعدي ومجموعته. وكلّفت القيادة القومية التي انتخبها المؤتمر القومي السابع مجموعة من الحزبيين برئاسة البكر وصدام حسين إعادة تنظيم الحزب في العراق، وعملياً كان صدام المسؤول عن اعادة التنظيم.
كانت قواعد الحزب تميل الى السعدي، أي يسارية الاتجاه. وقام صدام بخطوات جريئة على غرار دهم مقر للحزب كان بيد جماعة السعدي ومصادرة آلات الطباعة منه. واكتسب صدام هالة بشجاعته ومشاركته في اغتيال عبد الكريم قاسم ونزع الرصاصة من رجله، وتدخله لفض خلاف بين البعثيين وآخرين يوم كان منفياً في القاهرة. واعتبر عبدالسلام عارف أن هناك محاولة يقوم بها البعثيون للعودة الى السلطة في 5 أيلول (سبتمبر) 1966، وبعد هذه المحاولة اعتقل صدام والبكر وعدد كبير من قيادات الحزب وعشرات الألوف من البعثيين. في فترة السجن، قيل إن صدام حسين صمد، وانه لم يعذب لاعتبارات عشائرية إذ ان معظم الضباط المسؤولين عنه كانوا من تكريت. ومنحته فترة السجن هالة نضالية. حين وقع انقلاب 23 شباط 1966 في سورية ضد القيادة القومية، لم تقف قيادة الحزب في العراق التي كان على رأسها صدام والبكر فوراً مع هذه القيادة كما فعلت قيادة الحزب في لبنان وغيره. وكان يمثل الحزب في لبنان الدكتور عبدالمجيد الرافعي والدكتور علي الخليل وجبران مجدلاني الذي كان في السجن في سورية لكونه عضواً في القيادة القومية ونائباً في دمشق. وبقي مجدلاني في السجن حتى 5 حزيران (يونيو) 1967، وبقيت قيادة الحزب في العراق على اتصال بالقيادة التي تولت السلطة في سورية. واعتبر موقفها هذا غير سليم حزبياً. وكان تحليل الحزب في العراق الذي يتهيأ للوصول الى السلطة أنه لا يريد خسارة العلاقة مع النظام في سورية الذي يحتاجون الى دعمه. وحين دعت القيادة في سورية، وعلى رأسها المرحوم نورالدين الاتاسي وصلاح جديد بالتحالف مع الرئيس حافظ الاسد، الى عقد مؤتمر قومي في أيلول 1966، شاركت مجموعة من بعثيي العراق في المؤتمر. وحاول المشاركون في المؤتمر لم شمل الحزب فلم ينجحوا. ولم تكن القيادة السورية مرتاحة الى هذه المجموعة، وكانت على صلة بمجموعة أخرى يرأسها عبدالكريم مصطفى نصر، الضابط البعثي المعروف. وفي خريف 1966، نشأت ازمة خط أنابيب النفط «آي بي سي» حين طالبت سورية بزيادة عائداتها، ووقف الرأي العام العربي مع سورية في معركتها مع شركة النفط. اعتقدت القيادة في سورية أن الظرف مناسب للتخلص من قيادة البكر وصدام للبعث العراقي، فأعلنت عبر الاذاعة فصل هذه القيادة من الحزب، وشكلت قيادة أخرى مرتبطة بسورية. وفي بيروت، دعا عضو القيادة القطرية الدكتور عزت مصطفى الى تشكيل لجنة تحضيرية تدعو الى مؤتمر قومي آخر مختلف عن المؤتمر الذي دعت اليه القيادة في دمشق. وفي هذه الفترة كان عفلق في البرازيل، وكان الحزب في لبنان وبعض القياديين الذين تمكنوا من الخروج من سورية كالياس فرح والأخ السوداني محمد سليمان خليفة والدكتور مسعود الشابي التونسي وشبلي العيسمي. وحين عقد المؤتمر القومي التاسع في بيروت المناهض لحركة 23 شباط، جاء وفد عراقي وانتخبت قيادة قومية: البكر وصالح مهدي عماش وعبدالخالق السامرائي وعبدالكريم الشيخلي وشفيق الكمالي. ولم يكن هذا الاخير عضواً في القيادة القطرية في العراق ما أغضب صدام حسين كثيراً. اذ ان السامرائي كان يريد اضعاف صدام، فعقد صفقة في بيروت من اجل ابعاده عن القيادة. وحمّل صدام ميشال عفلق مسؤولية ابعاده عن القيادة القومية، وبقيت العلاقة بينهما متوترة. لكن ذلك لم يؤثر في احترام عفلق لصدام وشجاعته وأهميته في الحزب، وفي احترام صدام لمكانة عفلق التاريخية والادبية والفكرية.

[img]http://www.alhayat.com/special/dialogues/07-2008/Article-20080711-134c41...
ميشال عفلق في مكتبه في باريس.

> هل كان أول لقاء لعفلق بصدام عند هربه الى الشام عام 1959؟
- لا أستطيع الجزم في صحة ذلك. فأنا اعتقد بأن عفلق لم يكن في ذلك الحين في دمشق بل في بيروت. وبقي هاجس عفلق مخيفاً في بغداد، وذلك لقدرته على اصدار بيان ينفي فيه أي علاقة له بالحكم في العراق. وبقي الضغط مستمراً، فالصراع الحزبي بين 1959 و1975، والذي كنا في لبنان طرفاً أساسياً فيه، دار حول مسألة استقلالية الحزب. كان عفلق يرى أن هذه الاستقلالية ضمانة لعدم تحمل أخطاء الحزب الحاكم. وكان الإخوة في العراق يرون في الاستقلالية خطوة لتبرؤ عفلق منهم في وقت لاحق. وهذا الاختلاف في فهم الاستقلالية رفد الصراع والأزمات. وحين وافق عبدالناصر على مشروع روجرز، شن عليه العراقيون حملة عنيفة. فيما كان لنا في لبنان رأي آخر يفيد بعدم جواز انتقاد عبدالناصر لأنه ربما يتبع تكتيكاً معيناً. لذلك اصدرنا بياناً، نحن قيادة حزب البعث في لبنان وقيادة جبهة التحرير العربية باسم الشباب الناصري في جبهة التحرير العربية، وجوهر هذا البيان الذي اطلع عليه عفلق وكتبه رغيد الصلح وأنا، ووافق عليه بشارة مرهج كأمين سر القيادة القطرية، عدم جواز الايقاع بين عبدالناصر والجماهير الفلسطينية. استدعيت ورغيد الصلح وبشارة مرهج الى بغداد، ومنعنا تقريباً من السفر في آب (اغسطس) 1969، واتخذت عقوبات حزبية في حقنا. وطالب البكر بأكثر من هذه العقوبات، أي بإعدامنا بصفتنا جواسيس للاستخبارات المصرية ولعبدالناصر. لكن القيادة القومية اكتفت بإبعادي ورغيد الصلح عن القيادة وابعاد بشارة مرهج عن موقعه كأمين سر. وفي أيلول 1970 حدثت أزمة أخرى. اتفق الجميع على شق الحزب. لكن توجب على الرأي العام معرفة أن الحزب ليس مسؤولاً. وأظن أن صدام حاول أن يلقي مسؤولية موقف الحزب من أزمة أيلول على حردان التكريتي. وبعد ذلك فهمنا أن صدام أبلغ عفلق قرار ازاحة التكريتي. في 28 أيلول 1970 توفي جمال عبدالناصر، فذهبت الى عفلق في سوق الغرب حيث كان يصطاف، ووجدته في حال فظيعة، وقال ان وفاة عبد الناصر ستترك فراغاً كبيراً في الامة العربية. وكتبت في مجلة الحزب افتتاحية مع بعض الاخوة بعنوان «الفراغ الكبير» أثارت العراقيين واعتبروها تعريضاً بمكانة الحزب وأهمية دوره في الامة العربية. ولم يصدر عن صدام كلام ضد عبدالناصر. وفيما بعد أصبح يعلن محبته له كثيراً. وأعتقد ان صدام لم يفصح عن رأيه بعبد الناصر يوم كان نائباً للرئيس لكي لا يستفز البكر. فهو كان يلزم الصمت في حال لم توافق آراؤه آراء البكر. وفي هذه الفترة، كان التغيير في سورية حصل على يد حافظ الاسد. وبدأنا نشعر أن القاهرة تبتعد عن خط عبدالناصر، وبالحاجة الى من يملأ الفراغ الذي تركه عبدالناصر. وأول فكرة أساسية طرقت تفكيرنا هي وحدة سورية والعراق. وكتب عفلق مقالة في 13 آذار (مارس) 1971 بعنوان «نداء المسؤولية التاريخية» في مجلة «الاحرار» الناطقة باسم حزب البعث في لبنان متسائلاً عن كيفية قيام نظامين متصلين يدعيان الانتماء الى حركة واحدة من دون أن تجمع بينهما وحدة. وبعد دعوته الى الوحدة بين العراق وسورية، طالب بسقوط ما يسمى بالحزبية والشرعية أمام الشرعية الشعبية والثورية. وعنى بما ذهب اليه نسيان 23 شباط وفتح صفحة جديدة. واستقبلت هذه المقالة بسلبية عنيفة وتم اغلاق الجريدة بقرار من القيادة القومية بسبب نشرها مقالة الامين العام للقيادة القومية. وكان مركز القيادة العامة في بغداد وكان الأمين العام المساعد الاستاذ شبلي العيسمي وغيره من أعضاء القيادة القومية. واراد عفلق أن يكون مركز القيادة في بيروت، لكن العراقيين رفضوا فبقي المركز في بغداد.
بعد المؤتمر الثامن الذي انتخب فيه منيف الرزاز أميناً عاماً، أعيد انتخاب عفلق أميناً عاماً في المؤتمر التاسع. وبدأت مساعي ترطيب الأجواء بعد إغلاق الصحيفة بسبب مقالة عفلق. وفي الأول من حزيران (يونيو) 1972، أمم العراق النفط. وفتحت هذه الخطوة صفحة جديدة من العلاقات بين عفلق والعراق. وتحمس البعثيون خارج العراق وداخله لهذا القرار الذي اعتبر تحولاً تاريخياً ومعركة كبرى تستحق نسيان كل الخلافات. وبدأت مرحلة الانفراج الجدي بين عفلق والعراقيين. فأخذ بتحضير نفسه للسفر الى بغداد. وفي ذلك الوقت، أصبح بطيء الحركة بسبب كبر سنه (78 عاماً). وفي حزيران 1973، حصلت مؤامرة ناظم كزار التي لم تثر في البداية أي اعتراضات لأنه لم يكن محبوباً بسبب كونه رجل أمن قتل وزير الدفاع الفريق محمد شهاب. وبعد ايام من هذه المؤامرة، اعتقل عبدالخالق السامرائي صاحب السمعة الممتازة. وعاد التوتر الى العلاقات بين عفلق المؤيد للسامرائي وعدد كبير من أعضاء الحزب في لبنان وبين الحكم العراقي. ودعينا الى اجتماع حضره ستة أعضاء من القيادة القومية: عفلق والياس فرح وعبدالمجيد الرافعي وزيد حيدر وعبدالقادر كيالي. استنكر المجتمعون ما جرى خاصة أن جريدة «النهار» نشرت خبراً مسرباً من بغداد يقول ان السامرائي اعتقل في مطار بغداد فيما كان يهرّب وثائق سرية. اذ لم يكتف نظام الحكم باعتقاله بل عمد الى تشويه سمعته بتصويره عميلاً لشاه ايران والامبريالية. كتبت مقالة للدفاع عن السامرائي ولم نكن قد تبلغنا رسمياً باعتقاله. وسمعنا كذلك أنه سيحكم عليه بالاعدام. فكلف عفلق عدداً من أعضاء القيادة القومية اقناع العراقيين بالعدول عن ذلك. نجحت المساعي فلم يعدم السامرائي عام 1973 بل عام 1979، واثار البيان الذي كتبته برفض التعرض لعبدالخالق من دون انتقاد ما يجري في بغداد ضجة كبيرة، وترتبت عليه معاقبتي وبشارة مرهج حزبياً. اعتبر هذا الكلام دفاعاً عن شخص متآمر. وطلب مني مغادرة لبنان لأنني عنصر تحريض. وبعدما عرض علي صدام متابعة دراستي في لندن أو أميركا، قلت له سآتي إلى بغداد. دعاني الى سهرة ليلة رأس السنة فكنت صريحاً معه، وسألته عن الموقف الذي كنا لنتخذه لو كان هو المعتقل بدلاً من عبدالخالق. على رغم كوني حزبياً معاقباً دعاني الى بغداد! وفي تلك الجلسة تعرفت أكثر على صدام، وفي زيارتي الثانية أعطاني مكتباً في المجلس الوطني جنباً الى جنب مع كبار المعارضين من أمثال عدنان حسين وغانم عبدالجليل وشفيق الكيالي وطارق عزيز. وبدأت حضور اجتماعات مجلس التخطيط. لم يزر عفلق بغداد بعد أيار 1969 إلا في حزيران 1974، وأمضى اسبوعاً التقى خلاله البكر وصدام. وعلى خلاف الانطباع السائد حول مكوثه الدائم في بغداد، انقطع عفلق، الأمين العام للحزب الذي يحكم هذا القطر، خمس سنوات. ترك عفلق بيروت في تشرين الأول (أكتوبر) 1975 عقب اندلاع الحرب الأهلية. وعلى رغم تأييده التفاهم السوري - العراقي، بدأ التوتر مع الاخوة السوريين وشعر عفلق أن لا ضمانة سياسية أو أمنية لوجوده في بيروت فذهب الى بغداد واقام فيها. لدى وصوله الى العراق انفجرت الازمة الحزبية في لبنان، فحلت القيادة القطرية لشمولها أعضاء محسوبين على الخط الذي كنت أتبعه، والذي تسبب بفصلي من الحزب لتأييدي عبدالخالق. فصلت مجموعة من القيادة القطرية للحزب في لبنان: بشارة مرهج وخليل بركات من الجنوب، واحمد الصوفي وحبيب زغيب من طرابلس، وحسين عثمان من بعلبك. وكذلك فصل أعضاء قيادة شعب بيروت والشمال والجنوب والبقاع والمكتب الطلابي والمكتب العمالي والمكتب الفلاحي. وبلغ عدد المفصولين 70 كادراً حزبياً. رفضنا اعلان انشقاقنا عن الحزب، ورفضنا اعتبار انفسنا ممثلي القطب الشرعي للحزب. واخترنا طريق العمل الشعبي والعمل الجماعي. واقام عفلق بين فرنسا وبغداد، ولم يتعاط في الشؤون الداخلية العراقية، ودرج على إلقاء خطاب واحد سنوياً في السابع من نيسان (أبريل)، أي في ذكرى تأسيس البعث. وقبل سنوات قليلة من وفاته، بدأ بـ «العمل المستقبلي»، وهو الاجتماع بعدد من المفكرين العرب من غير البعثيين والبعثيين من أجل فتح آفاق المستقبل. وكان من المجتمعين به محمد الجابري ولطفي الخولي وغيرهما. في عام 1979، حدث وفاق العمل القومي بين سورية والعراق. وأسعدنا هذا الوفاق الذي يلائم ما واظبنا على الدعوة اليه بعد خروجنا من الحزب. وفي ذكرى 7 نيسان دعيت وبشارة مرهج الى بغداد. اكتشفنا أن جهة في الحزب عارضت توجيه الدعوة إلينا.
> ما كان رأي صدام؟
- لست أدري، فأنا لم ألتق به في الفترة الممتدة بين 1974 و2003
> ما كان رأي عفلق بالحرب الايرانية - العراقية بعد اندلاعها؟
- كان ضد اندلاع هذه الحرب. لكن لم يكن في وسعه الاعلان عن رأيه نظراً لكون جيش بلد عربي (العراق) يخوض قتالاً وحرباً.
> قيل ان عفلق قال عن صدام إنه قائد هزم السادات؟
- قال صدام ذلك في خطاب علني. بعد تركي الحزب، التقيت بعفلق مرتين احداهما في أوروبا والثانية في بغداد. كنت ألاحظ أنه يعتبر أن صدام حسين يمتلك مؤهلات قيادية مميزة لا يمتلكها غيره، ولذلك يتوجب علينا دعمه وتشجيعه. ولا يعني الدعم والتشجيع تأييده معظم ما حصل في العراق. كان عفلق ضد الصراع بين العراق والثورة الفلسطينية، وضد العنف. وفي وقت لاحق تحول موقف صدام المعادي لحركة «فتح» و«ابو عمار» الى موقف ايجابي. كان عفلق يطمح الى مصالحة بين البعث والناصريين.
> هل كان عفلق يرى في صدام مشروع عبدالناصر جديداً؟
- كان يرى في صدام ميزات قيادية هائلة. وكان يتحدث عنه ايجاباً، لكنه لم يتبن كثيراً من ممارسات صدام. توفي عفلق محافظاً على موقفه النقدي مما يجري في العراق. كان ينتقد اسلوب الحكم في العراق، لكن نقده كان من موقع التبني وليس من خارج التبني. سألت عفلق ذات مرة: هل الحكم في العراق خال من العيوب التي عبتها على الحكم في سورية؟ فضحك وقال: «أنا مثل أب له ولدان. اذا تضرر من الاول يقبل الناس الامر، وإذا عاد فتضرر من الثاني يقول الناس الحق على الاب مش على الاولاد». كما قال ان الحزب في العراق يمثل روح البعث أكثر من غيره، وكان منحازاً الى العراق. وربما نبع تعاطفه هذا من كونه شخصاً غير عراقي لا يدخل في تفاصيل الحكم العراقي، لكنه في سورية كان معنياً ويتدخل في التفاصيل ويصطدم برفاقه وحزبه.
> هل كان صدام معجباً بعفلق؟
- كان صدام يحترم عفلق ويحتمله ويعتقد أنه ضروري لمشروعه السياسي. لذلك تحمّل صدام من عفلق ما لم يتحمله من غيره. كان صابراً على عفلق وعلى البكر، الاول لاعتبارات بعثية والثاني لاعتبارات قيادية. اعتقد ان صدام اكتشف لاحقاً أن عفلق ليس فقط قيمة تاريخية بل هو كذلك عقل راجح من الممكن الاستفادة منه كثيراً. واكتشف بأن عفلق يفهم السياسة العربية جيداً. لم يجد صدام شخصاً كعفلق ليعينه في فهم السياسة العربية. مع صدام تطورت القيادة التي كانت تعتبر الصلة بعبدالناصر جريمة وتعتقل الناصريين في العراق وتودعهم السجون وتعتبر البعثيين الذين قابلوا عبدالناصر جواسيس للمخابرات المصرية، الى قيادة تسمي أكبر فرع للبعث في بغداد «فرع عبدالناصر». لا شك أن عقل عفلق المنفتح ساهم في حصول هذا التطور.
> بإيجاز ما أهم سمات شخصية عفلق؟
- كانت ثقافة عفلق رفيعة، وكان يتمتع بذكاء حاد جداً، وقدرة على استشراف المستقبل. ولو كان عفلق في غرفة مغلقة كان يحس بنبض ابن الشارع العربي في أقاصي المناطق العربية. واعتقد أن ذلك سببه ثقافته الغربية الواسعة. كان عصرياً ومستوعباً لأهمية الاسلام في الحياة العربية. وكان يعتبر أن من الصعب أن تكون بعثياً من دون استيعاب الاسلام استيعاباً حقيقياً، ومحبته محبة حقيقية. فالبعثي إذا لم يكن مسلماً بالديانة عليه أن يكون مسلماً بالثقافة والحضارة والتراث والعاطفة. وبهذا المعنى كان نبض عفلق نبض المواطن العادي. وليس الحديث عن تأخره في اعتناق الاسلام دقيقاً. كان عفلق يعتبر نفسه مسلماً ولكنه لم يكن يحب اعلان ذلك كي لا يدخل ذلك في المزاد السياسي. وهذا لا يعني أن عفلق أنكر مسيحيته بدليل أنه لم يفرض قناعته على عائلته، كان يعترف أن موقفه ايماني.
> هل استفاد عفلق من البعث العراقي مالياً؟
- لم يكن يهتم بالاشياء المالية الى درجة تجعله عاجزاً عن فهم ما يدور في العالم. أذكر يوم زار صدام بيروت عام 1970، ودخل الى صالون منزل عفلق، فوجد أثاثاً قديماً وبسيطاً ومتواضعاً من دون سجادة في الارض. استنكر صدام ذلك، وقرّع عبدالفتاح اسماعيل السفير العراقي في لبنان قائلاً: كيف تقبل أن يسكن عفلق في هذا البيت؟ فكان جواب اسماعيل: أتريد أن أتعرض للإهانة من الاستاذ عفلق، فمجرد التطرق الى حديث في هذا الموضوع سيواجه قسوة شديدة. وحين حاول صدام ممازحة عفلق في الامر، ضحك عفلق وطلب منه عدم الكلام في هذا الموضوع. كان يعيش حياة متواضعة وبسيطة الى حد كبير.
> هل كان ميشال عفلق جريئاً؟
- في المواقف الاساسية كان جريئاً جداً. لكنه كان بطيئاً في اتخاذ المواقف. كان عاقلاً ويتمسك بمواقفه إذا اقتنع بها.
> ماذا عن سكوته عن كل الاعدامات التي طالت الحزبيين وغيرهم في العراق؟
- لا يستطيع أحد تبرير هذا السكوت. ربما كان يختار سياسة تخفيف الخسائر. بالتأكيد، لم يوافق عفلق على هذه الاعدامات، وكان منزعجاً من حصولها، ولم يجد لها تبريراً. لكن، ربما كان عليه الاختيار بين رفض الاعدامات الذي سيؤدي الى انهيار التجربة بشكل عام، وبين السكوت على أمل معالجة هذه الامور في ما بعد.