العرب والكلاب

" خطيب بدلة "

الكلب، ببساطة، كلب. ولكن الإنسان- كما ذهب أستاذنا الراحل عبد الرحمن منيف في مقدمة روايته (شرق المتوسط)- هو الذي يتخلق بالصفات اللاإنسانية.

هذا الإنسان يحول الكلب إلى موضوع للسباب والمهاترة.. وأحياناً يتخذ منه وسيـلة للهزء من الحكام وحواشيهم، وذلك بقوله: كلب المستشار مستشار!

وقد رأى عزيز نسين أن الكلب- بالمعنى المجازي- يسخِّر السلطة لأغراضه. وعَبَّرَ عن ذلك بقوله: الكلب يمشي في ظل العربة فيظن ظلَّ العربة ظلَّه.

وأما المستعمرون فمن شدة لؤمهم اتخذوا من الكلب كناية عن الشعوب المُستَعمَرَة. فقال الإنكليز: جوِّع كلبك يتبعك. وقال الفرنسيون: أشبع كلبك يتبعك. ومن بعدُ خرج الأمريكان بشعار أشد فظـاعة وهو: اقتل البشر والكلاب والغنم والأشجار والحجارة يأتِ إليك الباقون على قيد الحياة صاغرين!

وأما الكلاب الكوميدية فبرأينا أنها أرقى أنواع الكلاب، فهي على الأقل تثير الضحك، والضحك نافع طبياً كما هو معروف.

وأشهر الكلاب على الإطلاق هي تلك التي كان يربيها ويتجر بها الجندي يوسيف شفيك في سياق الرواية التي كتبها العبقري ياروسلاف هاشيك، ليدين من خلالها الحروب والدكتاتوريات في مطلع القرن العشرين.. ثم جاء من بعده برتولد بريخت واقتبس من الرواية مسرحية تدور لعبتها الأساسية حول الكلاب، وهي لعبة كوميدية للغاية.

وأما الأديب والصحفي الراحل نجاة قصاب حسن فقد تحدث في كتابه المهم (حديث دمشقي) عن مهندس ذكي جداً يدعى (أنور كامل) يعود إليه الفضل في اكتشاف مصادر المياه في دمشق، وتزيين ساحاتها العامة. وكان أنور يتقن إنشاء الدعابة، وسيرته الشخصية تضاهي بمبالغاتها الكاريكاتورية كتابات أكبر الأدباء الهزليين في العالم.

ومنها قصته مع كلب أزعجه وقطع عليه الطريق في ضاحية جوبر، فتَحَمَّضَ له أنور (أي نوى له شراً) وكمن له عند طرف الساقية، حتى إذا جاء الكلب ساهياً يمشي الهوينى، شب عليه أنور وهو يعوي ويعضه- على حد زعمه - فالتَوَقَ حنك الكلب من الخوف، وهرب وهو يصرخ بالمقلوب!

وكنت قد التقيت بالمرحوم نجاة قصاب حسن لأول مرة في أحد مصايف جبل الأربعين، وفي أثناء السهـرة ذكَّرته بالطرفة التي رواها عن المهندس أنور كامل، ورويت له نكتة أخرى محورها الكلب، طرب لها جداً .. حتى إنه أخرج ورقة وقلماً ودونها من أجل أن يضمنها كتابه اللاحق (جيل الشجاعة).

تقول النكتة إن صياداً اشترى كلباً، تبين له، في أول رحلة صيد، أنه جبان رعديد، ويخاف من صوت إطلاق النار، فحالما يطلق الصياد عياراً على طائر يهرع الكلب نحوه ليختبىء بين ساقيه وهو: (يقضقضُ عُصْلاً في أسرَّتها الردى كقضقضةِ المقرورِ أرعدَهُ البردُ) كما يقول البحتري!

حار الصياد في أمر هذا الكلب: هل يبيعه فيغش به الآخرين؟ أم يتركه عنده يطعمه ويسقيه من دون فائدة يجنيها منه؟ أم يطلق عليه رصاصة الرحمة، ذلك أن موت الجبان أحسن من بقائه على قيد الحياة؟

ولكن لا. لقد أشفق الصياد على كلبه الرعديد، وأحبه، وعاد لا يرغب في التفريط به.. وكأنه الكلب الذي يمشي بين ساقي الرجل المريض في رواية دوستويفسكي (مذلّون مهانون).

وذات يوم بث الصياد مشاعره إلى أحد أصدقائه، فقال له الصديق ناصحاً:

- عَوِّدْه على سماع صوت الرصاص فلا يعبأ به من بعد.

قال: كيف؟

قال: خذه معك إلى الأعراس، فالحمد لله أن الناس عندنا يطلقون الرصاص في الأعراس أكثر مما يطلقونه على الأعداء في جبهات القتال.. وكلها عرسان أو ثلاثة وينتهي الإشكال.

طبق الصياد النصيحة بحذافيرها. وبالفعل فقد أصبح كلبه لا يكترث لصوت إطلاق الرصاص سواء في الأعراس أو في خارجها.

وفي أول رحلة إلى الصيد أطلق الصياد النار على حجلة سمينة فأرداها قتيلة. ووقتها اتكأ الكلب على مؤخرته ورفع قائمته الأمامية اليمنى إلى الأعلى، ظلل بها فمه، وشرع يزغرد!