ملوك وأرباب (ما قبل التاريخ)

تماهت أرباب ديلمون، مع ملوكها، فكان فيها الرب ملكا في حين، وكان فيها الملك كاهنا في حين آخر، وصار فيها الملك خادما للرب، يحكم بسلطته العلوية، إضافة إلى سلطة الملك الدينوية... فارتبط اسمه خلال حقبة ما قبل الميلاد، بأسماء عديدة ، بعضها حكم ديلمون، وبعضها مر أو سكن فيها، مثل الملك جلجامش، البطل الأسطوري الشهير الذي وصل إليها باحثا عن سر الخلود، إبان بداية عصر الأسر الحاكمة في بلاد ما بين النهرين.

ومع أن الأسطورة تفيد بان جلجامش كان حاكما لمدينة (أوروك) إلا انه عندما وصل إلى ديلمون، سكنها فترد من الزمن، حوالي العام 3200 قبل الميلاد. وبالتالي فقد مارس جلجامش سلطته الملكية في ديلمون لفترة ليست طويلة. والحقيقة أن ديلمون - المملكة، مرت خلال هذه الحقب ( من 3200-300 قبل الميلاد)، بأطوار ثلاثة، كما يقسمها المؤرخون، فمن ديلمون الأول إلى ديلمون الثانية، فالثالثة. وعلى هذا فالملك جلجامش، هو من أوائل الملوك الذين مارسوا سلطة دنيوية ودينية معا، في ديلمون - المملكة، وهو بذلك أول، أو ابرز ملوك الطور الأول أو ديلمون الأولى. ومن ملوك هذا الطور أيضا، الملك "ملوكخا" الذي أن احد أسماء ديلمون اخذ نسبة إلى هذا الملك. هناك أيضا الملك "جانبي لغيم" والذي ورد اسمه في حجر طيني شهير، عثر عليه بالقرب من سور مدينة ديلمون حوالي سنة 300 قبل الميلاد.

ومن ملوك هذه المرحلة الملك (جيسي تامبو) ابن الملك "جانبي لغيم" وقد تسلم السلطة بعد والده مباشرة حسب ما تؤكد النصوص مع أن إشارات أخرى تدل على انه كان بين هذين الملكين ملك آخر هو الملك "ايلاميلكوم" الذي ورد اسمه في ذات النقش الطيني السالف الذكر. في الطور الثاني أو ديلمون الثانية، ظهر أسماء ملوك أخرى منهم الملك أيا نصر الذي تشير الحفريات إلى انه كان مشهور بالتجارية بين مملكة ديلمون، والممالك السومرية والأكادية جنوب الرافدين. .

ومن ملوك هذا الطور الملك ريموم الذي ورد اسمه منقوشا على "حجر ديوراند" التاريخي وقد جاء اسم هذا الملك مقرونا بالإله "انزاك" سيد الآلهة في ديلمون الثانية. وكان هذا الملك واسع الثراء أشاد القصور لنفسه وبنى المعابد للإله "انزاك" حارس ديلمون. ثم جاء بعده الملك اجاروم والملك "أوسيا نانورا" والملك "ايلي ايباسرا" وجميع هؤلاء الملوك حكموا ديلمون الثانية في الفترة بين 1600 إلى 1200 قبل الميلاد مع أن بعض الإشارات التاريخية المكتشفة دلت علي أن من هؤلاء الملوك كانوا نوابا لملوك عظام في بلاد الرافدين، وهذا يشير إلى أن ديلمون - المملكة مرت في حقبة من التبعية للإمبراطوريات التي قامت في بلاد الرافدين

في الطور الثالث برزت أسماء لملوك من مثل الملك "هوندراو" الذي تزامنت دولته مع اشتداد عنفوان وهيمنة الإمبراطورية الآشورية رغم ذلك فقد حافظت مملكة ديلمون في عهده على استقلالها الكامل وارتبطت مع الإمبراطورية الآشورية بعلاقات ودية كما ارتبط هذا الملك مع ملك آشور العظيم "آشور بانبال" بعلاقات صداقة حميمة تماما مثل أسلافه الملوك الذين سبقوه. ومن هؤلاء الملك "اوبيري" ملك آشور والملك "قانا" الذي عاصر الملك الآشوري "سنحاريب" أي حوالي 700 قبل الميلاد.

لقد تمتعت مملكة ديلمون في عهود هؤلاء الملوك وغيرهم من الملوك الذين لم ترد أسماؤهم في الحفريات والمكتشفات التاريخية تمتعت هذه المملكة الشهيرة بنهضة حضارية مميزة وبمكانة دولية متقدمة وتبادلت الكثير من ثقافاتها ومفردات حضارتها مع الحضارات العظيمة المجاورة.

ومع أن غالبية هؤلاء الملوك تميزوا بالقوة والنفوذ والثراء الملوكي وحافظوا علي استقلال المملكة وترسيخ مكانتها وقيمتها إلا أن بعضهم خضع لهيمنة إمبراطوريات بلاد الرافدين، ودفع الجزية لهذه الإمبراطوريات تلافيا لشرورها غير أن الثابت أن ديلمون المملكة عاشت فترات طويلة من الازدهار الحضاري خلال هذه الحقبة التاريخية القديمة، وساهمت في تطور ركب البشرية وإنهاض الحضارة الإنسانية ولعبت دور الوسيط التجاري بين عدد من الممالك العظيمة والإمبراطوريات الضخمة في تلك الحقبة الكبيرة من الزمن وتشير الحفريات والمكتشفات التاريخية التي وصلت إلينا عن هذه الحقبة إلى كثير من المعارف والمكتشفات ديلمون للحضارات الأخرى مثل صناعة الأختام الدائرية وصناعة الفخار والبناء والسفن واستخراج اللؤلؤ وصناعة النحاس واستخراجه وبناء شبكات الري في قنوات مخفية تحت الأرض هذا إضافة إلي ما ساهمت به حضارة ديلمون المملكة في اغناء الفكر الإنساني والاجتماعي من أفكار ومعارف متعلقة بعلوم الاجتماع والديانات والحياة بعد الموت والتعليم.

ومن بين الرسائل الطريفة التي اكتشفت عن مدينة نفر بوادي الرافدين وجدت رقم طينية تدل بوضوح علي ما كانت تتمتع به مملكة ديلمون، من مكانة وسلام اجتماعي ومركز حضاري ففي إحدى هذه الرقم الطينية رسالة من ملك ديلمون "ايلي ايباسرا" إلى الملك (إيليا) في بلاد الرافدين تظهر الحقبة القديمة من دور طليعي في بث السلام بين الدول والممالك..

وتقول الرسالة إلى إيليا ملك نفر : هذا ما قاله أخوك ايلي ايباسرا ملك ديلمون فتمنحك الآلهة الصحة والعافية. ولحرسك انزاك وميسكيلاك إلهة ديلمون أن بدو اهلامو لا يتحدثون إلا بمنطق العنف والسلب والنهب وعن الوفاق لا يتكلمون وقر فرض الإله علي أن ادعوهم إلى الوفاق ولكنهم لم يستجيبوا لذلك.