حركة 23 شباط 1966 ( 1 )

المقدمة
بدأ الحزب فكرة لخصت السياق التاريخي للتجربة العربية المعاصرة في شعارات (الوحدة والحرية والاشتراكية )وطرحت هذه الفكرة نفسها على أنها الخط المعبر عن (الأيديولوجية العربية الثورية )التي تشكل دليلا للعمل العربي ،وأساسا لتغيير صورة الواقع العربي المجزأ،المستعبد ،المستغل والمتخلف ،ولقد ولدت حركة االبعث من هذه الفكرة ،أي من السياق التاريخي للثورة العربية المعاصرة ،وفي اليوم السابع من نيسان (أبريل )1947 ،تأسس حزب البعث العربي الاشتراكي .
لقد ولد الحزب وسيطرت العفوية والتأثر الانفعالي على أفكاره وتنظيمه ،كما حاول قادته ربط الأعضاء بهم شخصيا بدل ارتباطهم بمنظمات ومؤسسات الحزب ، ودون إدراك بأن يكون المرء متعصبا لشخص ما ، يعني تكريس شكل من أشكال الاغتراب الذاتي ،وحتى لو استطاع المرء أن يستبدل هذا الشكل الوجودي بشكل آخر أكثر وعيا ،فسيبقى يحمل في أعماقه بعض البقايا الثقيلة من ذكرى ذلك الشخص الذي كان ((معبودا ))في يوم مضى من الأيام ، وأدى هذا الأمر إلى أزمة ثقة مزمنة في الحزب ،عرفت بأزمة ((القيادة التاريخية)).
إذا كانت بدايات حركة البعث من 1940-1941 حتى المؤتمر ا لتأسيسي ،أساتذة وتلامذة ،أو زعماء وأنصارا ،فإن الأساتذة والزعماء لم يقروا بأن هذا الأمر يجب أن يكون قد انتهى بدءا من السابع من نيسان 1947،وأن التلامذة والأنصار قد تحرروا من هذه العلاقة في العمل الحزبي ،لأن المؤتمر التأسيسي أقر دستورا للحزب يوضح مبادءه وأهدافه ، كما وضع لائحة تنظيمية تحدد السلطة المسؤولة عن كل تطور فكري ونضالي ،لا الأفراد مهما كان مستوى وعيهم ،أو موقعهم ،أو دورهم في نشأة الحزب وتأسيسه ، وهذا يجب أن يقود إلى الإقرار بأن المؤسس الحقيقي للحزب هو الأجيال الثورية المتعاقبة التي حملت المبادئ في ضمائرها وأصبحت هذه المبادئ محور كل فعالياتها ونشاطاتها لنشر أهداف البعث ووضعها موضع التطبيق ، تلك الأجيال البعثية التي تمرست بالنضال ونهلت من الثقافة واستوحت من واقع الشعب ، وحفزها إخلاصها العميق إلى التضحية والعطاء ، ولكن العلاقات فيما بين القيادة وأعضاء الحزب بقيت علاقات شخصية غير موضوعية وعلى أساس تلك العلاقات ، كانت قيادات الحزب تنشئ قيادات الأقطار والفروع والشعب ، لتظل ضامنة لنفسها السيطرة على القيادة والزعامة ، وحتى مؤتمرات الحزب ، فقد كانت مؤتمرات قليلة ومعطلة الفعالية وغير قادرة على السير بالحزب إلى الأمام ،لأنها كانت كيفية وغير قائمة على مبدأ انتخابي ، وإذا قامت على شيء من ذلك ، فإن أسس الانتخابات ، إنما ،توضع قبيل انعقاد المؤتمرات بأيام معدودات ليصار إلى تهيئة الأشخاص المناسبين لعضوية تلك المؤتمرات ، كما كانت قيادة الحزب (التاريخية ) تحل قيادة حزبية في هذا القطر أو ذاك ، وتقيم مقامها قيادة أخرى بحجة ضرورات العمل السري ، أو بدون حجة ، وظلت تسهل الطريق أمام من تنحيهم عن القيادات للخروج من الحزب والإنتفاض عليه وتشكيل جماعات وتكتلات مناوئة له ، وبهذا الأسلوب ، بدا ، وكأن القيادة (التاريخية )تعمل على وأد الحزب ، بدل أن تكرس قيادة من له تجربة نضالية في الحياة داخل الحزب ، كما أن ذلك خلق نزيفا دائما للطاقات النضالية التي هدرت ودفعت إلى الضياع ، لكي يبقى الحزب في حجم معين وتحت سقف محدود وغير قادر على أن يأخذ دوره ويضع بين أيدي الجماهير ، أهدافه بوضوح ، وأن ينظم تلك الجماهير في معركة للوصول إلى ما تبغيه ، وأن يقودها بوعي وكفاءة ، بسبب عدم وجود دليل نظري واضح ومتنام مع الأيام ، مما نجم عنه بقاء القيادات الحزبية ، قيادات لاهثة ،إلى حد ما ، وراء الأحداث ، وبقاء الحزب غير قادر على أن يحل محل كل التكتلات السياسية الإقليمية(الثورية منها والوطنية) التي كانت منتشرة في الأقطار العربية ، وأن الذين انتسبوا إلى حزب البعث ، في أيام نضاله السلبي ، كان واضحا قي أذهانهم ،أنه ستقع على هذا الحزب مسؤولية قيادة الشعب وتفجير الثورة العربية .
بدأ نشاط الحزب بين عامي 1940-1941 على هدي مبادئه الموجزة التي تضمنت كل ما بني عليه دستوره فيما بعد ، وخاصة أهدافه في الوحدة والحرية والاشتراكية ، وكان هذا النشاط يتركز في القطر السوري لعدم وجود منظمات حزبية في بقية الأقطار ، باستثناء أفراد في قطري الأردن ولبنان ، إضافة إلى الطلبة الذين كانوا يدرسون في الجامعة السورية ، من العراق والأردن ولبنان ، وكان لهؤلاء دورهم في تأسيس منظمات للحزب في أقطارهم ،لاحقا ، وبقيت قواعد الحزب ، حتى عام 1954، تناضل وتقاد من قبل قيادة منظمة الحزب في سورية التي كانت قيادة للحزب كله ، وكانت منظمات الحزب في أقطار الأردن ولبنان والعراق ، التي تأسست بين 1947-1950،بمثابة ( الفروع )التابعة للقيادة الحزبية السورية ، حيث مركز ثقل التنظيم الحزبي، رغم حضور بعض القياديين الحزبيين من تلك الأقطار مجالس الحزب في القطر السوري للتشاور في القضايا السياسية والتنظيمية المطروحة ، ولتلمس ما يجب عمله في المستقبل ، ولكن ذلك لم يتخذ شكلا تنظيميا وعلاقات موضوعية ، بل كان يتم بشكل (أبوي) ، كما أن تلك المجالس أو اللقاءات كانت شكلية وعديمة الجدوى وتستخدم من قبل القيادة (التاريخية )لاستمرار سيطرتها على الحزب .
لاشك أن تنظيم حزب البعث ، كان منذ بدايته تنظيميا قوميا ، رغم عدم وجود قيادة قومية ، ولقد نشأت فكرة وجود قيادة قومية منفصلة عن مؤسسة قيادة قطر سورية ، في عام 1953، في بيروت ، أثناء لجوء قادة الحزب إلى لبنان ، وأن الاجتماع الحزبي الذي انعقد في حمص في تشرين الأول 1953بحضور مندوبين عن منظمات الحزب في سورية والعراق ولبنان والأردن ، قرر الدعوة إلى عقد مؤتمر قومي كبير ، في شهر حزيران 1954،اعتبره الحزب مؤتمره القومي الثاني ،وتم فيه الاتفاق بالتراضي على تسمية قيادة قومية ، من سبعة أعضاء ، بقيت على رأس عملها في قيادة الحزب إلى أن تم ولأول مرة ، انتخاب قيادة قومية في المؤتمر القومي الثالث 1959.
في قطر سورية ،وبعد سقوط حكم الشيشكلي في 25شباط 1954 ،وبعد المؤتمر القومي الثاني ، تم انتخاب مجلس للحزب (مؤتمر )،وتشكلت قيادة قطرية من سبعة أعضاء ، خمسة منهم منتخبون واثنان منهم معينون ، وفي تموز 1957 انتخب مجلس الحزب في سورية قيادة جديدة من تسعة أعضاء ، ولم يرشح أحد من الأساتذة الثلاثة لعضويتها ، وكان من المفروض أن يتجدد انتخاب أعضاء هذا المجلس كل عامين وكذلك انتخاب قيادة وأعضاء للمؤتمر القومي ،غير أن القيادة (التاريخية )قد ألغته من الوجود ، ولم تدعه إلا مرة واحدة عقب انتخابه ، كما ، أنها لم تحدد الدعوة لانتخابات جديدة حتى قامت الوحدة بين مصر وسورية ، وعندما كان المجلس الحزبي في سورية معلق الوجود كانت القيادة القومية تقيم أنواعا مختلفة من المجالس الكيفية المصغرة ومن القيادات الكيفية الموسعة ،أيضا ، كلما طرأ لها طارئ واحتاجت إلى موافقة على ما عملته أو على ما تنوي القيام به ، وبقيت تلك القيادة القومية تمارس دورها كقيادة لقطر سورية ، رغم انتخاب قيادة قطرية ، كما أنها في الفترة ،مابين انتخاب هذا المجلس وقيام الوحدة ، جرت محاولات وعقدت عدة اجتماعات لهذه القواعد في دمشق وحلب واللاذقية ،و كانت كل تلك المحاولات عبثا ، واستمرت القيادة في سيطرتها على الحزب ، دونما رجوع إلى أحد فيه ، غير من تنتقيهم لتبرير أعمالها ، كما أن مجلس الحزب في سورية ، كان قد تقدم بمشروع نظام داخلي ، تم عرضه على المؤتمر القومي الثاني ، وأوصى هذا المؤتمر ، قيادة الحزب ، بإعادة النظر فيه ، وبما يضمن وحدة الحزب ، ويؤسس لعلاقات موضوعية بين مؤسساته وأعضائه ، على أن يعاد عرضه عليه في دورة استثنائية تخصص لذلك ،غير أن القيادة أهملت ما اقترحه المؤتمر المذكور ،وظلت تعمل بالوائح والتعليمات التنظيمية حتى المؤتمر القومي الثالث .
عندما كان مجلس الحزب في قطر سورية معلق الوجود وقررت القيادة (التاريخية )حل الحزب في الجمهورية العربية المتحدة ،وبسبب هذا الحل فقد أعضاء القيادة القومية السوريون < صلاح البيطار - أكرم الحوراني > صفتهما الحزبية ، كما فقد كل من (عبد الله الريماوي وفؤاد الركابي ) عضويتهما في القيادة القومية وفصلا من الحزب لمواقفهما المتباينة عن سياسة الحزب ، ونتيجة ذلك ، فقد النصاب في القيادة القومية ، وانفرد الأمين العام (ميشيل عفلق ) بتوجيه الدعوة لعقد مؤتمر قومي للحزب ، وهو المؤتمر القومي الثالث (1) الذي انعقد في بيروت في أواخر شهر آب 1959.
كان قد تقرر في المؤتمر القومي الثاني .إنشاء مكتب للأمانة العامة للقيادة القومية ، ولجنة للإشراف على التوجيه الثقافي والإنتاج الفكري ، مركزها في دمشق ،إضافة إلى إعداد مشروع النظام الداخلي ، كما مر ذكره ، وهو المشروع الذي أقره المؤتمر القومي الثالث ،وبقي معمولا به حتى تم تعديله في المؤتمرين القوميين السادس 1963 والثامن 1965، وبما يتلاءم مع التطورات الفكرية والتنظيمية للحزب التي استوجبتها تسلمه السلطة في قطري العراق وسورية .
منذ المؤتمر القومي الثالث ، طرحت أزمة الحزب نفسها ، وبدأ يتضح الشعور بضرورة ارتفاع الحزب إلى المستوى النضالي الذي أصبح يتطلبه الوضع العربي ، وكان الحزب يعاني نقصا في نموه الفكري وخططه النضالية ، كما كان يعاني نقصا خطيرا في تنظيمه الداخلي ، وفي ضعف قيادته القومية( 2)
وتحددت معالم أزمة الحزب على المستويات الثلاثة :
1-المستوى العقائدي ، والحاجة إلى توسيع المفاهيم التي ينطلق منها الحزب ، وإلى تفصيل الفكرة وتحديد المفاهيم .
2-المستوى التنظيمي ، والحاجة إلى معالجة الوضع المتردي للتنظيم الحزبي.
3-المستوى السياسي ، ويتمثل في عدم تحديد استراتيجية للنضال السياسي واستراتيجية للنضال الشعبي .
ولقد أكد المؤتمر القومي الرابع (آب 1960) ،على أن أزمة الحزب تكمن في ضعف استراتيجية العمل وغموض الأسلوب في العمل الحزبي والنضال السياسي.
إن استمرار الأزمة الحزبية التي كانت تفرض نفسها على المؤتمرات القومية اللاحقة، وغياب الاستراتيجية تركت الحزب عرضة للمبادرات ولردود الفعل العفوية والارتجال والاستمرار في تجربة المحاولة " الصواب والخطأ "، مما كان له انعكاساته على بنية الحزب التي يجب أن تكون تجسيدا لفكرته ، وعلى العلاقة بين فكرته وبين مواقفه من جهة ،وعلى مردود العمل الحزبي من جهة أخرى ، وكان من أخطر النتائج السلبية لهذا الغياب للاستراتيجية هو إفساح المجال أمام لعب الأدوار الشخصية داخل قيادة الحزب ، فكان الأستاذ ميشيل عفلق يرى أن مفهوم القيادة السياسية للحزب التي يمثلها الأستاذ أكرم الحوراني ثم الأستاذ صلاح البيطار ، فيما بعد ، يتعارض مع المفهوم الثوري العميق للحزب ، وكانا يعتمدان على الأساليب ذات المظهر الثوري والمضمون البعيد عن الثورة ، أي ما كان يسميه (عقلية النجاح السريع )، وكان الأستاذ ميشيل يردد ، دوما ، أن عقلية الحوراني عقلية محلية لا ترقى إلى مستوى استيعاب القطر وعاجزة عن تمثيل المنطق القومي للحزب ، كما أن أساليبه عشائرية قائمة على فكرة الزعامة الفردية والمراوغة السياسية والتطلع النهم السريع إلى السلطة والسلوك الانتهازي الذي لا يتقيد بالمقاييس الثورية وبالقيم الخلقية الثابتة ، وأصبح الأستاذ عفلق ، يرى أن دمج الحزبين " البعث العربي ،والاشتراكي العربي " ، - والذي تم بمنأى عن استفتاء قواعد الحزب - أضاف إلى حزب البعث نقاط ضعف وانحرافات لم يكن يعرفها من قبل ، وهذا الأمر أضاف إلى أزمة الحزب أزمة في الثقة بقيادته التي أقرت الدمج رغم علمها بأن الأستاذ أكرم الحوراني كان يؤمن بالزعامة الفردية وينظر إلى الشعب مادة للعمل السياسي وقاعدة لنشوء زعامات جديدة تقضي على الزعامات التقليدية لتحل محلها ، بدلا من إيمان حزب البعث بطليعة تملك الوعي والكفاءة والقدرة على العمل الشعبي المنظم ، وأن للشعب ، في عصر الجماهير ، دورا تاريخيا ، ،ويجب النظر إليه من مفهوم ثوري ، وهو مفهوم الشعب المنظم ،لا من خلال مفهوم العدد التائه والقطيع التابع والكم المهمل ، ولهذا فإن الدمج ساهم في تعطيل النمو الطبيعي لحزب البعث وفجر في داخله أزمات جديدة وأدخله في متاهات لم يخرج منها إلا بعد أن كاد يفقد ملامحه ، كما أن الدمج عمق أزمة الحزب في خلق التناقض بين حقيقة البعث وبين واقعه ، من هذا العرض ، يمكن تلخيص عوامل أزمة الحزب ،قبل استلامه السلطة في:
أولا :الخلاف حول (مفهوم الحزب ،ومفهوم الاشتراكية )،الذي ظهر في المؤتمر التأسيسي الذي أقر دسنور الحزب ، وكانت هناك وجهتا نظر متباعدتين لهذين المفهومين .
ثانيا :عدم وجود مستوى تنظيمي يوازي فكرة الحزب الثورية .
ثالثا :غياب المنهج التحليلي لفكرة الحزب الذي يحدد العلاقة الجدلية بين الإطار القومي والمحتوى الاجتماعي ،ويحقق الربط العضوي بين أهداف الحزب الثلاثة (الوحدة ،الحرية ،الاشتراكية )ويساعد على ترجمة هذه الأهداف إلى استراتيجية ترسم المراحل العملية لتحقيق تلك الأهداف .
رابعا :محاولة واضعي فكرة البعث "تقديس أنفسهم "وطمس الأخطاء التي يرتكبونها ، أو تبريرها رغم خطورتها ، بدلا من اعتبارها نقاط ضعف لا تخلو منها الطبيعة البشرية ، وأن سببها قد يكون مرده إلى عدم وجود من يعوض هذا الضعف إلى جانبهم ، ونجم عن ذلك ، نظرتهم إلى كل نقد ، بأنه افتراء وتجن وتشهير بحقهم وضياع بهيبتهم ، وهذا قادهم إلى اعتبار أن (النقد قد أصبح داء مزمنا يعمل فتكا وإضعافا في جسم الحزب ، بدلا من الإخلاص للقادة وعدم توجيه أي نقد إلى ذواتهم"القدسية ".)
الحزب في السلطة
إن المحك الأساسي بالنسبة لأية حركة سياسية هو الحكم ، وباستلام الحزب للسلطة في قطري العراق وسورية بعد انقلابي الثامن من شباط والثامن من آذار 1963 وضع الحزب أمام هذا المحك الخطير لأول مرة ، وغدت قيادات الحزب وقواعده في مواقع المسؤولية ،وأصبحت الضرورة ملحة لرسم ملامح المستقبل الذي يجب على الحزب بناء تجربته الخاصة وفقها ، وطرحت معالم الطريق في تقرير عقائدي وآخر تنظيمي ،على المؤتمر القومي السادس تشرين الأول 1963، ومع طرح هذا التقرير الذي كانت قد أعدته لجنة حزبية بإشراف القيادة القومية ، ظهرت الأزمة مجددا وبكل حدتها ، وهي الأزمة القديمة التي حملت معها بذور التناقضات الجديدة ، بدءا من المؤتمر التأسيسي إلى المجلس (المؤتمر القومي الثاني )إلى المؤتمر القومي الثالث ،إلى المؤتمر القومي الرابع ،مرورا بالمؤتمر القومي الخامس فالمؤتمر القومي السادس ،واستمرت فيما بعد إلى المؤتمر القومي السابع شباط 1964،ومن ثم المؤتمر القومي الثامن نيسان 1965.
لقد وضع المؤتمر القومي السادس ،الصيغ العقائدية(بعض المنطلقات النظرية)والتنظيمية (تعديل النظام الداخلي )بحيث وجوب تجسيد فكرة الحزب الثورية في بنيته التنظيمية ،ولقد مثلت مقررات المؤتمر القومي السادس خطوات أساسية في تطوير فكر الحزب وكانت قفزة في طريق الثورية والعلمية والاشتراكية وفي طرح قضايا النضال العربي طرحا طبقيا ، كما بين هذا المؤتمر الأخطار التي تنجم عن التداخل والتماهي بين الحزب والسلطة ، والى محاذير انغماس قيادات الحزب وقواعده في أعمال الحكم اليومية ومخاطر الابتعاد عن جماهير الشعب ، كما أكدت تلك المقررات على ضرورة ارتقاء التنظيم الحزبي ليصبح قادرا على قيادة الأغلبية الساحقة للجماهير ، وعلى ممارسة الديمقراطية -المركزية في منظماته ،وأوصى هذا المؤتمر القيادة القومية التي ستنتخب منه ، الطلب إلى القيادة القطرية في كل من سورية والعراق ، للمباشرة الفورية ببناء الجيش على أساس عقائدي، وهذا يعني تحويل الجيش إلى أداة ثورية .
فقد الأستاذ ميشيل عفلق ومؤيدو وجهة نظره ،في هذا المؤتمر زمام المبادرة ،وكثيرا هي المرات التي غادر فيها قاعة الاجتماع كوسيلة احتجاج على توجهات المناقشة فيه ، كما أنه بذل ضغوطا كبيرة للحيلولة دون إقرار التقرير العقائدي ، ولكن تلك الضغوط لم تلق تأييدا إلا عند عدد قليل جدا من المؤتمرين ، وفي الوقت ذاته ، أصيب الأستاذ صلاح البيطار بفشل كبير لعدم انتخابه في عضوية القيادة القومية .
إن المؤتمر القومي السادس كان مؤتمرا نوعيا ومتميزا للحزب ،لسببين ،أولهما ،أن التقارير المطروحة على المؤتمر مثلث دليلا للنهج الذي سينشئ حكم الحزب تجربته وفقها ،وثانيهما ،أن جل أعضائه ،وخاصة مندوبي سورية والعراق ولبنان ،كانوا منتخبين من القواعد الحزبية في أقطارهم ،بعد أن كانت الممارسة الحقيقية للديمقراطية في الحزب ، معدومة في كل المستويات ، وكان التنظيم خلالها رهن إرادة مؤسسية ، يتكيفون به حسب مشيئتهم .
إن ما عرف ب(القيادة التاريخية ) كانت تقف بشكل دائم في وجه الإرادة الحزبية التي تتمثل في الأغلبية الكبيرة من القواعد الحزبية ، تلك الإرادة التي تخلص لمنطق التطور التاريخي وتتمسك بمقررات مؤتمرات الحزب ، كما أن محاولات القيادة التاريخية - التي كانت تتكرر- لإحداث ردة على مقررات مؤتمرات الحزب ومواقفه العقائدية كلما كانت لا تتوافق مع أفكارها ، وتجلى ذلك بشكل واضح في الموقف من مقررات المؤتمر القومي السادس ،وخاصة موقف الأمين العام الأستاذ ميشيل عفلق من التقرير العقائدي (الذي كان يرى أن ما ورد فيه هو تضحية بالمستقبل من أجل تبرير الحاضر ) لذلك لم يكن قادرا لا فكريا ولا نفسيا على تبنية أو اعتناقه ولذلك كان مصيره الإهمال ، وتمييع أمر توزيعه على منظمات الحزب بذريعة عدم إنجاز كتابة مقدمة ذلك التقرير التي كلف الأمين العم بكتابتها ، كما أن القيادة التي استمرت طويلا في السيطرة على الحزب لم تكن قادرة ثقافيا ،على الانسجام مع الطرح الطبقي للقضايا النضالية العربية ، الذي أقره التقرير.
إن المؤتمر القومي السادس ،قد تعرض إلى نقد بعض الأفكار والآراء التي خلفها قصور الحزب الفكري ،وأتاح بالتالي ،تطوير عقيدة الحزب الفكرية ووضوحه الأيديولوجي وتماسكه التنظيمي ،وكفل مواجهة علمية ثورية لقضايا النضال العربي،كل ذلك ضمن إطار قومي أتاح تطويرا عميقا يستشرف المستقبل بوضوح دون انقطاع عن ماضي الحزب وتراثه ،ولتأكيد ذلك قرر المؤتمر حذف مقدمة التقرير العقائدي وترك أمر صياغتها من جديد للرفيق الأمين العام على أن توافق عليها القيادة القومية ،ولم تنجز كتابتها إلا بعد تأكيد المؤتمر القومي السابع شباط 1964 على ضرورة صياغتها وإقرارها ،وإصدار التقرير العقائدي وتعميمه على المنظمات الحزبية .
الهوامش
(1) لم يحضر مندوبون عن قطر سورية هذا المؤتمر بسبب حل الحزب
(2) ورد ذلك في نشرة للقيادة القومية صدرت في كانون الثاني 1960 .

إن الخلافات التقليدية في الحزب ،أصبحت بعد هذا المؤتمر ، تطرح - قدر الإمكان - طرحا مبدئيا ، يتناول الفكر ،والتطبيق ،والتنظيم ،بعد أن كان الطرح في الماضي منصبا على النواحي التنظيمية

،كما أن هذا المؤتمر قد حدد علاقة الحزب بالحكم ،كما حدد صلاحيات المؤسسات الحزبية ،كالتالي :
ـ المؤتمر القومي ،كأعلى سلطة في الحزب ،يضع الأسس العامة للبرنامج المرحلي الذي تحوله القيادة القومية إلى برامج مرحلية عملية تشمل جميع الأقطار ،ولها الرأي الأول على مستوى التخطيط العام وعلى مستوى التشريع والسياسة العليا ،أما في الأمور الأخرى فلا يجوز ذلك ،حتى لا تصبح القيادة القومية هي قيادة القطر .
-القيادة القطرية ، طالما الحزب حاكم في قطر من الأقطار ،هي التي تضع الخطط التفصيلية لتنفيذ البرامج التي تقرها القيادة القومية على مستوى قطرها ،وتكون هي مراقبة لتصرفات الحكم ،أي أن الحكم مسؤول أمامها .
وفي (توصيات سياسية متفرقة )،أقر المؤتمر ما يلي:
(أن تقبل قواعد الوحدويين الاشتراكيين والقطريين الذين كانوا حزبيين سابقين ولم يسيئوا للحزب ،على أن يبقوا تحت التجربة والمراقبة لفترة سنة على الأقل وبصورة إفرادية ،أما بالنسبة للوحدويين الاشتراكيين والقطريين كتنظيم فيجب محاربتهم بشدة ،لأنهم يعادون الحزب بشراسة ).
18 تشرين الثاني 1963
وسقوط حكم الحزب في العراق
كانت بعض قواعد الحزب وقياداته تتهم الأمين العام بالعمل الحثيث للتخلص من الاتجاه اليساري الذي ظهرت ملامحه في المؤتمر القومي السادس ،وأن الأحداث التي جرت في العراق ما بين 11 - 18 تشرين الثاني 1963 كانت انفجارا حتميا للتناقضات الموجودة في الحزب وفي الحكم ، وأن < بعض المنطلقات النظرية > التي أقرها المؤتمر القومي السادس كانت الخطوة الأولى نحو تجاوز وتصفية ما سموه ب < العفلقية > ، ولقد دعت القيادة القطرية العراقية مؤتمرها القطري الخامس للانعقاد في 11 تشرين الثاني 1963 لانتخاب الأعضاء الاحتياطيين في قيادة القطر وفقا للتعديلات التي طرأت على النظام الداخلي ، وبعد مضي نصف ساعة من انعقاد المؤتمر فوجئ المؤتمرون بدخول عدد من <اليمينيين >العسكريين قاعة المؤتمر ليفرضوا أنفسهم أعضاء في المؤتمر ، متذرعين بعدم تمثيل التنظيم العسكري تمثيلا سليما ، واعترضوا على من يمثلهم ، كما طعنوا في انتخابات التنظيم المدني ، وتكلم أحدهم وهو العقيد محمد حسين المهداوي < عين ملحقا عسكريا في سورية بعد 8 شباط ثم عاد إلى العراق بعد المؤتمر القومي السادس > قائلا : إن الرفيق ميشيل عفلق فيلسوف الحزب ، قد أخبرني بأن هناك عصابة متسلطة على رأس الحزب في العراق ، وهناك عصابة مماثلة لها في سورية ، وقد التقت هاتان العصابتان وسيطرتا على المؤتمر القومي السادس ، لذا يجب ازالتهما ، وأن ما يحدث هنا سيحدث مثيله قريبا في سورية ... ثم طالب باعتبار جميع الحاضرين أعضاء في المؤتمر ، وتم انتخاب قيادة قطرية جديدة ، قامت على الفور بنفي < حمدي عبد المجيد ، علي صالح السعدي ، محسن الشيخ راضي ، هاني الفكيكي ، أبو طالب الهاشمي > إلى مدريد ، ولم يزودوا بجوازات سفر حتى لا يستطيعون مغادرتها .
وصل الأمين العام يوم 13/ 11 إلى بغداد ، على رأس وفد من أعضاء القيادة القومية ضم في عضويته الفريق أمين الحافظ ، اللواء صلاح جديد ، والوزير يوسف زعين وآخرون ، وبعد الاطلاع على مجريات الأمور ، صدر يوم 13 / 11 بيان باسم القيادة القومية ، ومما ورد فيه : < إن ما وقع في المؤتمر القطري العراقي المنعقد بتاريخ 11/11/1963 من استغلال لطيبة رفاقنا الضباط الذين لم يفسح لهم المجال في السابق لإبداء آرائهم بأسلوب صحيح ومن ممارسة لطرق غير حزبية في المؤتمر تجعل القيادة القطرية التي انتخبت لا تعبر عن إرادة الحزب .> واتخذ الحاضرون من أعضاء القيادة القومية مقررات ، منها :
1- اعتبار المؤتمر القطري المنعقد في بغداد بتاريخ 11/11 مؤتمرا غير شرعي ، وحل القيادة القطرية المنبثقة عنه .
2- حل القيادة القطرية التي كانت تمارس مهامها عند انعقاد المؤتمر المذكور .
3- تولي القيادة القومية مسؤولية القيادة القطرية في العراق .
ونتيجة ذلك تولى الأمين العام ، مع عضوي القيادة القومية أحمد حسن البكر وصالح مهدي عماش ، وأعضاء القيادة القومية الذين كانوا في عضوية الوفد ، توجيه دفة الأمور ، وحسب وجهة نظر المنفيين وجناحهم في الحزب ، أن دور الأمين العام والبكر وعماش كان يهدف إلى تثبيط عزيمة الحزبيين وتمييع المواقف، وعدم الأخذ أو الاستماع للرأي الآخر في الحزب ، كما رفضوا إدانة ما حدث يوم 11 /11 ، ورفضوا عودة القيادة الشرعية للحزب ، ورفضوا ، أيضا ، طلب الحزبيين بإخراج عبد السلام عارف من العراق ، رغم وضعهم أمام هؤلاء الأعضاء جميع المعلومات المتوفرة عن تحركاته واجتماعاته ، وتأكيدهم للأمين العام بأن عبد السلام عارف يعد لانقلاب بالاشتراك مع العناصر التي دخلت عنوة إلى المؤتمر ، ورغم كل ذلك أقدم الأمين العام بعد تحرك الحرس القومي لحماية الثورة يوم 13 /11 ، على تشكيل مكتب عسكري للتنظيم الحزبي في الجيش ضم في عضويته < طاهر يحيى ، حردان التكريتي ، رشيد مصلح ، سعيد صليبي ، صلاح الطبقجلي > ، وأصدر هذا المكتب ، بموافقة الأمين العام ، تعليمات طلب فيها من الحزبيين العسكريين اعتبار تعليمات طاهر يحيى وأوامره تعليمات من الحزب ، وقد استخدم طاهر يحيى هذه الصلاحيات لينفذ ، بالتعاون مع عارف ، انقلاب 18 تشرين الثاني بمنتهى السهولة ،وخاصة ، بعد أن أصدرت اللجنة التي يترأسها الأمين العام الأوامر للحرس القومي بالانسحاب من مراكزه الاستراتيجية في مدينة بغداد ، على أساس أن المشكلة قد تم تسويتها .
خان طاهر يحيى ، الذي تسلم رئاسة الوزارة ، الأمانة ، وقام باعتقال مئات البعثيين ، وحين بادرت الإذاعة السورية إلى مهاجمة الانقلاب فور حصوله ، هاتف حازم جواد < عضو في القيادة القطرية الجديدة، التي تم حلها ، وتقرر إبعاده، أيضا، الى لبنان>، من بيروت اللواء محمد عمران نائب رئيس مجلس الوزراء ، وطلب الكف عن مهاجمة عبد السلام عارف ، بل وتأييده ، لأن الضباط الذين قاموا بالانقلاب هم ضباط بعثيون ، وأن هذا الانقلاب قد تم بالاتفاق مع الأستاذ صلاح البيطار وبعلم الأمين العام الأستاذ ميشيل عفلق(3).
إذن ، وحسب وجهة نظر بعض القواعد الحزبية في منظمات الحزب ، أن الأمين العام قد هيأ الشروط الضرورية لتنفيذ الانقلاب على حكم الحزب في العراق ، حتى أن البعض يذهب في الاتهام ، بأن الأمين العام قد اشترك في الإعداد له.
بعد سقوط حكم الحزب في العراق
طلبت القيادة القومية ، من قيادة قطر سورية ، دعوة المؤتمر القطري الأول لدورة استثنائية له، عقدت مابين 1-5 شباط 1964 و ناقش المؤتمر ما حدث في العراق ، وحاول بعض المؤتمرين تحميل الأمين العام مسؤولية سقوط حكم الحزب هناك ، وفي الجلسة الختامية ، سحب المؤتمر ثقته من القيادة القطرية التي كانت قد انتخبت في أيلول 1963وتضم كلا من ( حمود الشوفي - نور الدين الأتاسي - خالد الحكيم - محمود نوفل - أحمد أبو صالح - المقدم حمد عبيد - الرائد حافظ الأسد - النقيب محمد رباح الطويل ) وانتخب قيادة جديدة بعد اتخاذ قرار بأن يكون عدد أعضائها 15 عضوا بدلا من ثمانية ، وهم ( أمين الحافظ ـ محمد عمران ـ صلاح جديد ـ عبد الكريم الجندي ـ حمد عبيد ـ حافظ الأسد ـ محمد رباح الطويل ـ نور الدين الأتاسي ـ سامي الجندي ـ الوليد طالب -يوسف زعين ـ محمد الزعبي ـ جميل شيا ـ سليمان العلي ـ فهمي العاشوري ) .
بعد ذلك ، دعا الأمين العام بدون قرار من القيادة القومية ، بذريعة عدم وجود نصاب لاجتماع القيادة ، إلى عقد مؤتمر قومي موسع ، يحضره كل أعضاء المؤتمرات القطرية في الأقطار التي يكون التنظيم فيها على هذا المستوى ، وجميع أعضاء قيادات المنظمات التي هي دون مستوى الأقطار- أي التي هي بمستوى فرع أو شعبة أو فرقة - وهذه الصيغة التي قررها الأمين العام ،غير متوافقة مع أحكام تشكيل المؤتمرات المحددة في النظام الداخلي ، مما دفع ببعض الأعضاء ، ومنهم أعضاء في القيادة القومية إلى الاعتراض على تلك الصيغة وطالبوا أن يعقد المؤتمر القومي السادس دورة ا ستثنائية له لأنه صاحب الاختصاص ولم تنته ولايته بعد ، ولكن الأمين العام رفض هذا الطلب ، وأصر على الصيغة التي قررها - وليست هي المرة الأولى التي يدعى فيها مؤتمر قومي بقرارمن قبل الأمين العام ، ففي عام 1959 دعا إلى المؤتمر القومي الثالث في بيروت بمفرده بذريعة أن القيادة القومية في ذلك الحين غير موجودة عمليا واحتج عبد الله الريماوي ومجموعته، في ذلك الحين ،على عدم شرعية الدعوة - .
إن الصيغة التي دعا الأمين العام بموجبها إلى عقد المؤتمر الذي عرف باسم المؤتمر القومي السابع دفعت ببعض المندوبين إلى مقاطعة جلسات المؤتمر ومن التبريرات التي تذرع بها الذين قاطعوا المؤتمر :
1ـ أنه جاء بناء على دعوة من الأمين العام للحزب بينما ينص النظام الداخلي أن الدعوة للمؤتمرات القومية هي من صلاحية القيادة القومية .
2ـ أن تكوين المؤتمر مخالف للنظام الداخلي الذي لم يأت على ذكر المؤتمرات الموسعة .
وفعلا فإن الأمين العام استبعد من عضوية القيادة القومية ثلاثة من أعضائها ،هم ، حمدي عبد المجيد ، محسن الشيخ راضي ،على صالح السعدي ، بحجة أن حضورهم اجتماع القيادة القومية ،سيضفي الشرعية على اتصالاتهم الجانبية المخالفة للشرعية ولأحكام النظام الداخلي ، فهم يحاولون تسيير الحزب في سورية بنفس الأسلوب ويعملون على جره لارتكاب نفس الأخطاء التي سببت النكسة في العراق ، سواء في إيجاد وتعميق التناقضات داخل الحزب بين ما يسمونه اليمين واليسار ، أو توسيع التناقضات بين الحزب والحكم الذي هو حكم الحزب أو بين الحزب والجيش الذي هو جيش الحزب والبلاد ، ومن وجهة نظر الأمين العام أن التحجج بأن العسكريين يسيطرون على المؤتمر القطري السوري هو منطق خطير يخفي خلفه سياسة تخريبية ،لأن التنظيم العسكري في الحزب ليس حزبا ضمن الحزب ولا كتلة مستقلة ضمن التنظيم ،وأن ظروف العسكريين تفرض شكلا معينا من التنظيم يتسم بالدقة والسرية ،وأن هذا الشكل الذي تفرضه الظروف الموضوعية لا يعطي الرفاق العسكريين أي امتياز أو أي حقوق خاصة، فحقوق الرفيق العسكري هي نفسها حقوق الرفيق المدني وواجباته هي نفس واجبات الرفيق المدني ،وكل تفريق بين القطاعين العسكري والمدني هو في الحقيقة تخريب للحزب وبالتالي للثورة ،والقول بتسلط العسكريين بالاضافة إلى كونه تخريبا لا مسؤول ،هو أيضا قريب إلى الخيال أكثر منه إلى الواقع .
عقد المؤتمر جلساته من 12 الى 18 شباط ، وبعد أن قاطعه عدد من المندوبين ، وجلهم من القطر العراقي ، بذريعة عدم شرعيته ، صوت الباقون ، وهم الأكثرية المطلقة ، على أن المؤتمر شرعي ، كما أن المؤتمر ، رغم عدم رضى الأمين العام ، اتخذ قرارا بعدم السماح للباقين من مندوبي العراق حضور المؤتمر ، حرصا على حضور الجميع ليكون المؤتمر على بينة بوجهات النظر المختلفة .
لقد ركز الأستاذ ميشيل عفلق في هذا لمؤتمر على انتزاع قرارات تدين ما عرف بمجموعة (السعدي ) وتحميلهم مسؤولية نكسة الحزب في العراق ،ولكن جهوده ، تلك ، لاقت الفشل ، واتخذ المؤتمر قرارات منها:
ـ تكليف القيادة القومية الجديدة بوضع تقييم لنكسة الحزب في العراق وعرضه على مؤتمر قومي لاحق .
ـ بذل الجهود لإعادة البعثيين القدامى إلى صفوف الحزب ، تنفيذا لمقررات المؤتمر القومي السادس بهذا الخصوص .
- انتخاب قيادة قومية جديدة .
وأصدرت القيادة القومية الجديدة بتاريخ 22/4/1964 نشرة داخلية عن أعمال المؤتمر ، ومما جاء فيها < لا الحزب يستطيع أن يحمي ثورته بدون مساعدة العسكريين الثوريين ، ولا الجيش يستطيع أن يحكم بلدا لأن الدكتاتورية حلقة مفرغة يصفي فيها الضباط بعضهم البعض على حساب الثورة وعلى حساب تطور البلاد وتنميتها > .
أما بالنسبة لقرار < إعادة البعثيين القدامى > فقد تم تكليف الفريق أمين الحافظ بمحاروة الاشتراكيين العرب ، واللواء محمد عمران بمحاورة الوحدويين الاشتراكيين ، واللواء صلاح جديد بمحاورة القطريين ، ولم يصل المحاوران الأولان إلى نتيجة مع محاوريهم في الوقت الذي نجح فيه المحاور الثالث وتقدم أغلب أعضاء التنظيم القطري ، بشكل افرادي ، بطلبات عودة إلى الحزب ، ووافقت القيادة على إعادتهم.
الهوامش:
(3) تلقى اللواء عمران هذه المكالمة في مكتبي بمبنى البرلمان الذي اتخذنا ، يوم 11/تشرين الثاني 1965 ، من بعض غرفه مقرا مؤقتا للقيادة .

مروان حبش