حركة 23 شباط 1966 ( 5 )

أخذ الفريق أمين الحافظ يستقوي بالقيادة القومية ،والتقى موقفه مصلحيا مع موقف الأستاذ ميشيل عفلق الذي يريد إعادة الحزب إلى (بيت الطاعة الشخصية ) ،بينما كان الرفيق الحافظ وتكتله العسكري يطمحون إلى إخضاع السلطة إلى (بيت الطاعة الفردية )(8) ،وكانت القيادة القطرية ترى أن من واجب أمينها القطري الالتزام برأي الأكثرية في القيادة، وذلك تمتينا للقيادة الجماعية ودعما لها ولصلاحياتها ،لا أن يتفرد ويؤلب عليها القيادة القومية ، ،كما أن الفريق أمين الحافظ كان يجري مفاوضات سرية مع الأستاذ صلاح البيطار ،الذي كان بدوره ،قد أجرى مفاوضات في صيف هذا العام1965 وبمعرفة الأستاذ ميشيل عفلق مع اللواء محمد عمران ،الذي كان قد أوحى إلى فئة من الضباط من أنصاره بأن يزينوا للأستاذ البيطار بأن الجيش كله مع القيادة القومية .
أما الأمين العام منيف الرزاز ،فقد تحول تحت الضغوط التي مارسها عليه كل من الأستاذين ميشيل وصلاح ،من مادح للقيادة القطرية ولنشاطاتها ،ومن معجب بما فيها من حيوية ،وبما حققته خلال فترة قصيرة ،تحول إلى ذام وقادح (9)،وأصبح أعضاء القيادة القطرية، في نظره ، منحرفين .
إن الأمين العام ، الذي كان يتهمه الأستاذ ميشيل بأنه (يحب السلطة والظهور والمراوغة والتهرب ) ، قد أعطى لنفسه دورا أكبر من حقيقتة بكثير ،كما أنه تصور نفسه منقذا ،وأنه بعصى سحرية سيتغلب على العقبات ،ولكن الأزمة أثبتت سرعة تقلبه ،وعدم ثبات مواقفه ،وانغمس في السياسة الرامية إلى تصعيد الخلاف والتأزم ،تلك السياسة التي كان يحرض عليها الأستاذ صلاح ،رغم تأكيدات الدكتور الرزاز بأن قواعد الحزب لا تريد هذا التأزم ولا تؤيده ،لا داخل القطر السوري ولا خارجه ،ويقول : (وطلب الأستاذان من القيادة القومية أن تعلن وقف النظام الداخلي ،وأن تعين قيادة قطرية جديدة على مسؤوليتها ،فيها الأستاذ صلاح ،ولكننا رفضنا تحمل هذه المسؤولية ،مسؤولية مخالفة صريحة واضحة لتقاليد النظام . ) ويعود إلى القول : (وهكذا بعد أن كنا نضع آمالا كبارا على تحقيق هذه الخطوة في سبيل التصحيح ،انقلبت هذه الخطوة علينا ،وإذ بنا ننتكس من جديد ،بسبب الموقف المتعنت الذي وقفه الأستاذ صلاح ولم أخف رأيي هذا عن الأستاذين في ذلك الوقت ولا بعده ،وحملتهما مسؤولية هذه النكسة .)
بعد عودة القائد المؤسس ميشيل عفلق ،من رحلة الحرد الثانية إلى برلين ،قال : (لم أصمم على العودة من برلين إلا بعد أن كتب لي الرفاق ثم ذهب الرفيق شبلي ليؤكد لي بأن القيادة القومية قد اقتنعت بوجهة نظري ) (10) وعلى أثر ، عودته، قررت القيادة القومية بدءا من 8/12/1965 فتح دورة من الاجتماعات ،لا تتوقف إلا بالوصول إلى حل ما ،وعقد في بداية الدورة اجتماع مشترك بين القيادتين ،وتحدث أعضاء القيادة القطرية ،جميعا ،وأكدت الأكثرية تضامنها واجماعها على أن ما تنوي القيادة القومية القيام به بالتعاون مع الأستاذ صلاح واللواء عمران ،وهما ليسا عضوين في القيادة ،سيخلق أزمة حادة تضاف إلى الأزمات المتراكمة ،واستمرت القيادة القومية في اجتماعاتها اليومية ،(وكان النقاش يطول بشكل مزعج ومثير للأعصاب ،ويهبط إلى مستوى لا يصدق ،ولاسيما حين يحتدم النقاش بين الفريق أمين واللواء حافظ أسد ،ويتبادلان التهم والتهديدات )،(وكان التعقيد بعد ذلك في الوصول إلى الحلول السياسية ،فقد كانت هناك حركة ضاغطة قوية لحل القيادة القطرية ،وتعيين قيادة قطرية جديدة بعد أن سلكت هذه القيادة سلوكا أبعدها عن أن تكون مؤسسة قيادية حزبية ،وجعلها آلة طيعة في يد شخص واحد هو اللواء صلاح جديد ،وكان الأستاذان ميشيل وصلاح وكل أصحاب الاتجاه القومي المستبعدون يضغطون ضغطا شديدا لحل القيادة.) وكان الفريق أمين الحافظ والأستاذ شبلي العيسمي وعلى غنام يضغطون ضغطا مماثلا داخل القيادة ) ( أما نحن أكثرية القيادة القومية ومنها منصور الأطرش وجبران مجدلاني والدكتور على الخليل وأنا(11) ،فقد كنا نريد أن نرمي بأبصارنا إلى ما بعد الحل ،أين هي قوانا الحزبية التي نطمئن إليها ؟ هل نطمئن إلى الفريق تمام الاطمئنان ،وهو يقف الآن مع القيادة القومية ،وقد كان قبل خلافه مع جديد ،رأس اللجنة العسكرية ،وكان معروفا بنزقه وتفرده ...؟، أم هل نطمئن إلى عمران الذي كان يعرفه الجميع بالقدرة على التلون والتبدل والعمل وراء الكواليس ؟ أما الاستاذ صلاح فقد كنا نعلم كفاءته وقدرته في الحكم ،ولكننا كنا نعلم أيضا أن قواعد الحزب والجيش قد عبئت ضده تعبئة عظيمة سواء عن حق أو عن غير حق ) .
انفجار الأزمة
أجرت قيادة الجيش ، وضمن صلاحياتها الممنوحة لها في القانون ومن الحزب ،تنقلات بين العسكريين ،ولكن آمر اللواء المرابط في حمص امتنع عن تسيير العناصر المشمولة بالنقل في لوائه ، وهم ثلاثة عناصر ، وأهمل أوامر وزير الدفاع ،بتحريض ودعم من الفريق أمين الحافظ ،الذي اعتبر أن تنفيذ هذا الأمر لعب بالجيش لا يمكن أن يوافق عليه ، وأعطت القيادة القطرية ، بعد أن عرض الموضوع عليها ، توجيها لوزير الدفاع باتخاذ الاجراءات اللازمة لتنفيذ الأوامر الصادرة عن قيادة الجيش ، وأصدر الوزير أوامره بفرض عقوبة انضباطية بسجن آمر اللواء " العقيد صلاح نمور " ، وبأمر من وزير الدفاع ، وبموافقة القيادة القطرية ،قام عضو القيادة القطرية المقدم مصطفى طلاس ،رئيس أركان اللواء ، يوم 19/12 باعتقال آمر اللواء المتمرد وأربعة آخرين بينهم ضابط برتبة نقيب ، وإرسالهم مخفورين إلى دمشق ،وبدلا من أن يؤكد أمين عام الحزب والقيادة القومية على تعزيز سلطة قيادة الجيش والقيادة القطرية ،اعتبرا أن هذا الأمر خطير جدا ، واتخذت القيادة القومية، منه ،وهو موضوع عادي ونظامي ،القشة التي قصمت ظهر البعير ،والذريعة التي هبطت عليها من "السماء الأرفع " وأقدمت بتاريخ 21 كانون الأول 1965 ، على نشر نتائج اجتماعاتها ، ومما قررته بالنسبة للقطر السوري ، وأذاعته على التنظيم الحزبي في نشرتها رقم 6/8 تاريخ 22/12/1965 :
- تشكيل قيادة موسعة تشرف على شؤون الحزب والحكم والجيش في القطر على أن تضم هذه القيادة جميع أعضاء القيادة القومية يضاف إليهم عدد من الرفاق من القطر السوري شرط أن لا يزيد عددهم عن عدد أعضاء القيادة القومية ، وهذا يعني حل القيادة القطرية .
- تعلق مواد النظام الداخلي التي تتعارض مع هذه القرارات .
- تستمر القيادة القومية في ممارسة كافة السلطات العسكرية والمدنية والحزبية- التي قررت تسلمها بعد حادث حمص - حتى يتم تشكيل القيادة الحزبية .
ولما تحقق للمطالبين بحل القيادة ذلك الأمر ،رجع القائد المؤسس ،للاشتراك في اجتماعات القيادة القومية ،بعد أن كان قد قاطعها مدة من الزمن ،كما أن القيادة القومية ،قبل اتخاذ قرار الحل ،أقدمت على استنفار كافة القطعات العسكرية ،وربط الأمين العام ،بشخصه تحركات الضباط وإجازاتهم.
اتخذت القيادة القومية هذه القرارات ، رغم نصيحة الكثير من النشطاء الحزبيين وتحذيرهم لها ، وخاصة من زار منهم الأمين العام ، من المخاطر التي ستعقب حل القيادة القطرية فيما إذا كان هناك تفكير باتخاذ إجراء كهذا .
ناقشت القيادة القطرية في اجتماع مطول لها بتاريخ 23/12/1965 ، لم يحضره الأمين القطري الفريق أمين الحافظ ، قرار القيادة القومية ،وأجمع أعضاؤها على:
ـ أن قرار القيادة القومية ،هو انقلاب حقيقي على الحزب والحكم .
ـ أن القيادة القومية قد تخطت الشرعية الحزبية ،وخالفت توصيات المؤتمر القومي الثامن ،وأحكام النظام الداخلي .
ـ أن القيادة القطرية ،ستلتزم بقرار الحل ، بسبب أن وحدة القيادة الواجب توفرها ،قد فقدت ،وبالتالي لم يعد باستطاعتها ممارسة مهامها بشكل فعال .
ـ أن الرفاق أعضاء القيادة القطرية سيعملون على حماية التيار الحزبي الذي يؤيد القيادة القطرية من التصفية ،وعدم السماح بالمساس بالمؤسسات الحزبية ،قبل انعقاد المؤتمر القطري أو المؤتمر القومي ، بدورة استثنائية لمناقشة أسباب قرار القيادة القومية ،واتخاذ التوصيات بشأنه .
ـ الطلب إلى القيادة القومية ،دعوة المؤتمر القطري ،أو المؤتمر القومي إلى عقد دورة استثنائية لبحث الأزمة الجديدة ،وإقرار ما يراه مناسبا .
كما اتفق أعضاء القيادة القطرية على ضرورة الالتقاء بشكل دائم ،لمراقبة التطورات اللاحقة .
لم تستجب القيادة القومية إلى طلب القيادة القطرية ،عقد دورة استثنائية لأي من المؤتمرين القطري أو القومي ،وقررت تعيين قيادة مركزية سمتها القيادة الحزبية العليا ،تتكون من أعضاء القيادة القومية ويضاف إليهم عشرة أعضاء يعينون من التنظيم الحزبي ،سمت منهم خمسة ،وهم:صلاح البيطار ،سليمان العلي ،إلياس فرح ، زيد حيدر ،عبد القادر نيال ،أما الخمسة الباقون فقد حاولت القيادة القومية أن تعين بعض أعضاء القيادة التي صدر قرار بحلها ،فاعتذر من اقترحت أسماؤهم ،وبالتالي لم تستكمل القيادة .
بدأ انقلاب القيادة القومية يأخذ أبعاده ،فكانت باكورة أعمالها ،إقالة أعضاء القيادة القطرية في مجلس الرئاسة، واقالة وزارة الدكتور يوسف زعين وتعيين وزارة جديدة برئاسة الأستاذ صلاح البيطار الذي لم يكن يثق بالقيادة الحزبية العليا ،واشترط حين قبوله تكليف تشكيل الوزارة ،أن لا تسقط وزارته إلا بموافقة ثلثي أعضاء القيادة ،كما اشترط أيضا نقل العديد من الضباط الحزبيين من مواقعهم .
كما أن القيادة الحزبية العليا ، رغم أنها قد زادت عدد أعضاء المجلس الوطني بالمرسوم التشريعي 22/8/1965 واصبح 134 عضوا، فإنها عمدت إلى إنهاء عضوية أعضاء القيادة القطرية - التي صدر قرار بحلها - من المجلس الوطني ،الذي كان قد تم تشكيله في الأسبوع الأخير من شهر آب 1965 ،وعقد أولى جلساته في أيلول 1965،وكان قد تكون من : الأعضاء السوريين في القيادة القومية + أعضاء القيادة القطرية +أعضاء مجلس قيادة الثورة + العسكريين الذين كانوا في اللجنة العسكرية المنحلة + قيادات المنظمات الشعبية ورؤساء النقابات المهنية +ممثلين عن القوى السياسية (الشيوعيين ،الناصريين) +ممثلين عن الفعاليات الاقتصادية +ممثلين عن المستقلين .
شكلت القيادة الموسعة ،لجانا لزيارة فروع الحزب في المحافظات ،وشرح ما أقدمت عليه القيادة القومية ،وواجهت اللجان المذكورة ،في أغلب الفروع التي زارتها ،معارضة شديدة للإجراءات المتخذة لعدم شرعيتها ولمخالفتها الصريحة للنظام الداخلي للحزب ،ونتيجة لتلك المعارضة ، أصدرت القيادة القومية بتاريخ 10/1/1966 نشرة عللت فيها ، ثانية ، سبب قرارها ، ومما ورد فيها ، أن القيادة القطرية :
- قلصت واستبدلت المفهوم القومي للحزب بمفهوم قطري وأنها قد تسلطت وألغت حقيقة الحزب القومية وحولته إلى جهاز إداري يخدم السلطة .
- لم تستجب في المؤتمر القطري الاستثنائي ( مؤتمر آب 1965 ) إلى اقتراح القيادة القومية بتعليق النظام الداخلي وجمع الصلاحيات في يد القيادة القومية تمسكا منها ( أي القيادة القطرية ) بالأشكال النظامية ، وحرصها على شكليات النظام الداخلي .
وورد فيها، أيضا ، أن :
- الخلاف مع القيادة القطرية لم يكن مجرد صلاحيات بل هي أزمة تتعلق بالمفهوم القومي للحزب .
- الأزمة قد وصلت إلى حد أصبح معه الصراع على السلطة بين العسكريين يهدد بالصدام العام وتدمير الثورة وتبين أن الأزمة تستعصي على المعالجة إلا بحل القيادة القطرية .
- القيادة القومية لم تقم تكتلا جديدا عندما لجأت إلى تعيين القيادة الحزبية الجديدة .
وفي الرد على رسالة من قيادة فرع حماه بتاريخ 28/12/65 تستفسر فيها عن الأسباب الحقيقية لحل القيادة < لعدم اقتناعها بالمبررات التي وردت في النشرات > ، حدد الأمين العام في اإجابته ، نقاطا ثلاث اعتبرها قاسما مشتركا بين جميع القيادات القطرية التي تولت المسؤولية منذ الثامن من آذار ، وهي :
1 - التسلط العسكري فيها وعليها .
2 - إهمال القيادة القومية وتركيز السلطة القطرية .
3 - عدم وقوفها أمام بعض الانحرافات الفكرية وتشجيعها أحيانا لها .
بدأت القيادة الموسعة الجديدة إعداد قوائم بقصد تصفية الموالين للقيادة القطرية ،وكذلك كان الفريق أمين الحافظ يطرح بالحاح ضرورة تطهير الجيش من جميع الضباط الذين لا يوالون القيادة الجديدة ،كما اقترح لجوء القيادة الجديدة إلى أحد المعسكرات الموالية ،ومنه تشن هجوما على أنصار القيادة القطرية إذا لم ينصاعوا لما سيتخذ بحقهم من إجراءات ،ولكن بعض أعضاء القيادة الحزبية العليا كانت على خلاف مع الفريق وتخشى من تسلطه ومن الحلول العسكرية التي يطرحها لإنهاء التخبطات التي تتخبط بها القيادة ،كما كان هو يتهم القيادة بالتآمر عليه ، وفي نفس الوقت كان بعض أعضاء هذه القيادة في خشية من ألاعيب اللواء محمد عمران ، وكانت مناوراته واضحة جدا ،(فوسطاء الخير الذين اصلحوا ما بينه وبين الأستاذ صلاح في الصيف عند قدومه من اسبانيا في إجازة ،وأقنعوا الأستاذ صلاح والأستاذ ميشيل ،ثم الفريق أمين الحافظ ،دون علمنا ، فإن اللواء عمران متفق معهم في الرأي ،وأنه لا يرى حلا لأزمة الحزب إلا بحل القيادة القطرية. ) (12) وحسب تصور القيادة القومية ،فإن مهمة اللواء محمد عمران تتلخص في :
1ـ إعادة الانضباط إلى الجيش الذي فقد كل معنى من معاني الانضباط العسكري أو الحزبي .
2ـ إبعاد الضباط المتسلطين وبخاصة المقدم عزت جديد والرائد سليم حاطوم .
وشعرت القيادة الحزبية العليا أن اللواء عمران ،بدأ يبني قواعده الخاصة في الجيش ،ويأخذ خطا مناهضا للفريق ،وكان ،كما يقول الدكتور منيف الرزاز :(يؤخر كل إجراء لنقل أي ضابط من الذين يهم القيادة نقلهم حتى ينتهي الشهر الذي حددته القيادة وحصرت حق نقل الضباط فيها)وبعدها تعود إليه السلطة في إجراء ما شاء من التنقلات ،(وكلما أردنا أن نتخذ قرارا بنقل الضباط الذين اتفقنا على نقلهم ،أخبرنا بأن نقل هؤلاء يحتاج أولا إلى تغييرات في موازين القوى لنضمن تنفيذ أوامر النقل وإلا تعرضنا لعصيانهم وانقلابهم على الحكم ،وقدم لنا قوائم بنقل ضباط آخرين من مراكز عملهم تستهدف أول ما تستهدف أنصار القيادة القومية وأنصار الفريق) . (13)
كان اللواء محمد عمران ،في نفس الوقت ،يتفاوض مع الأستاذ صلاح البيطار ومع بعض أشخاص من الوحدويين الاشتراكيين ،للقيام بانقلاب يهدف إلى :
1ـ إبعاد كل أعضاء اللجنة العسكرية ،بما فيهم (هو ) إذا اقتضى الأمر ، شريطة أن يعود بعد فترة .
2ـ استلام الرفيق صلاح البيطار منصب رئيس الدولة .(14)
وفي مجال التنظيم الحزبي في القطر السوري كانت القيادة الحزبية ،قد قررت إعادة النظر في تركيب الحزب وفي إعادة تنظيمه مجددا ،وتوجيهه وفق توجهات القيادة الجديدة .
وفي مجال الحكم ،فقد عجزت الحكومة عن تنفيذ أية خطوة إيجابية ،مدة الثلاثة والخمسين يوما التي قضتها في السلطة ،ولقد دخلت الحكومة وخرجت ولم تنتج شيئا (كنا نسمع جعجعة ونريد أن نرى الطحن ) كما يقول الدكتور الرزاز ،وأكمل (إذا كان في القيادة من التناقضات ما يمنعها ويعطلها ،فمجلس الوزراء لم يكن فيه تناقض إطلاقا) . (14)
وعلى الصعيد الشعبي ،بدأت الأجهزة المختصة الإيعاز لتشكيل وفود من أحياء مدينة دمشق ومن المدن الأخرى ، لتقديم التهنئة إلى الفريق أمين الحافظ ،رئيس مجلس الرئاسة ،وإلى الأستاذ صلاح البيطار رئيس الوزارة ،على خطوة حل القيادة و (بعض البسطاء من بين أعضاء الوفود ،حسبوا أن ما تم في سورية هو نفس ما حصل في العراق ،في الردة التشرينية ،حتى بعض أعضاء الوفود التي أمت قصر الضيافة ،يوم الأربعاء 5كانون الثاني 1966 قالوا:"الحمد لله ياسيادة الرئيس اللي خلصتنا من حزب البعث ) ،كما أن الصحف كان تكتب وعلى امتداد عدة أيام عن استمرار تدفق الوفود إلى قصر الضيافة ودار الحكومة لإعلان التأييد الكامل لإجراءات القيادة القومية .
في هذه الأجواء المشحونة ،والتي تنذر بالخطر على مصير الحزب والثورة ،طلبت الكثير من القيادات الحزبية من القيادة القطرية ،ضرورة تحمل مسؤوليتها في قيادة التنظيم الحزبي ،وتوجيهه ،وفي لقاء لأعضاء القيادة التي صدر قرار بحلها ،تمت الموافقة على الاجتماع ، باستمرار، كمؤسسة حزبية قيادية ،لحماية الحزب وصيانة حكمه ،وطلبت من بعض الرفاق النشطاء ،أعضاء المؤتمر القطري ،التوجه بكتاب إلى القيادة القومية موقع من ثلث أعضاء المؤتمر ،لعقد دورة استثنائية له ،عملا بأحكام المادة 61 فقرة -8-،والمادة 87 فقرة -2- من النظام الداخلي لعام 1965 والتي تنص ( تعقد المؤتمرات الحزبية دورات استثنائية بناء على دعوة من القيادة المختصة أو بناء على طلب ثلث الأعضاء الأصلاء للمؤتمر وعلى أمين القيادة توجيه الدعوة لعقد المؤتمر خلال مدة أقصاها الشهر ،وفي حال عدم دعوة المؤتمر من قبل القيادة المختصة بحق للأعضاء الذين تقدموا بالطلب تشكيل لجنة تنظيمية لها الحق في الدعوة والتهيئة لعقد مؤتمر استثنائي وإذا توفر النصاب القانوني تصبح قراراته ضمن صلاحياته قرارات ملزمة ) ولقد تم تقديم هذا الطلب إلى القيادة القومية بتاريخ 25/1/1965 ،وقررت القيادة القطرية ،أيضا:
ـ عدم دعوة الفريق أمين الحافظ وحسام حيزة إلى اجتماعاتها ،للموقف المعادي الواضح للقيادة بالنسبة للأول ، ولتعاطف الثاني معه.
ـ توسيع القيادة بإضافة بعض أعضاء اللجنة العسكرية إليها ،وتم إضافة كل من العقيد أحمد المير محمود ، العقيد أحمد سويداني ، الرائد مصطفى الحاج علي .
ـ الاتصال الدائم بشكل فردي ، مع الأمين العام الدكتورمنيف الرزاز ،لحثه على ضرورة دعوة المؤتمر القطري أو المؤتمر القومي لدورة استثنائية ،وكذلك تم تكليف بعض الرفاق المدنيين والعسكريين من غير أعضاء القيادة ،للقيام بنفس الغرض.
ـ تشكيل لجنة يحضرها أي من أعضاء القيادة التي سمت نفسها القيادة القطرية المؤقتة ،مهمتها إعداد التقارير التي ستوضح وجهة نظر القيادة في الأزمة ،وفي الوضع السياسي ،على أن تنجز قبل الموعد المحدد لعقد أحد المؤتمرين بدورة استثنائية ،ليطلع عليها المؤتمرون .
كان توجه القيادة القطرية المؤقتة ،حل الأزمة ،عن طريق المؤسسات الحزبية ذات الاختصاص واستبعاد أي عمل عسكري ، وفعلا قام أكثر أعضاء القيادة المؤقتة والنشطاء الحزبيون ،بلقاء الأمين العام ،وألحوا عليه ضرورة أن تأخذ مؤسسات الحزب دورها لحل هذه الأزمة وطرحت عليه اقتراحات بديلة في حال عدم الموافقة على دعوة المؤتمرات لدورة استثنائية ،ومن هذه الاقتراحات ،إجراء انتخابات حزبية لعقد مؤتمر قطري جديد ولكن الأمين العام ،ومعه بعض أعضاء القيادة القومية ،كانوا يواصلون التأزيم إلى نهاية الشوط وكانت إجابته إلى كل الذين حاوروه تتلخص في :
ـ عدم دعوة أي مؤتمر لدورة استثنائية .
ـ عدم إجراء انتخابات إلا بعد تخليص الحزب من (المنحرفين ).
ـ إعادة الحزبيين الموالين للأستاذين ميشيل عفلق ،وصلاح البيطار إلى التنظيم ،(علما أن هؤلاء لم يتقدموا بطلبات عودة إلى الحزب ،لا في فترة الانفصال ولا بعد الثامن من آذار ) .
الهوامش :
(8) التجربة المرة للدكتور الرزاز.
(9) كنت قد رافقت أنا ومصطفى رستم الأمين العام منيف الرزاز ،للقيام بجولة حزبية إلى فرعي حلب وإدلب في 7 تشرين الثاني 1965 ،وفي اجتماع حزبي مع القواعد الحزبية بفرع حلب ،تحدث بما يخالف الواقع ،ورد عليه الرفيق مصطفى رستم ،مما اضطره إلى سحب أقواله ،أما في إدلب فإنه امتدح التجاوزات غير القانونية التي كان أعضاء قيادة الفرع قد ارتكبوها تجاه المواطنين ،ووصف تلك التجاوزات بأنها ثورة حقيقية ضد الإقطاع ,ووجدت نفسي أرد عليه قائلا له : يارفيق ،إن حكم الحزب سن التشريعات اللازمة وعلى المؤسسات الحزبية أن تراقب تنفيذها لا أن تتصرف وفق أهوائها . ومن يومها ،أصبح الود مفقودا بيننا ،وبعد استفحال الأزمة ، ، وفي تقرير قدمه للقيادة القومية ، وصف حزبيي ادلب بالمتسلطين على الشعب .
(10)التجربة المرة للدكتور الرزاز.
(11)كانت القيادة القومية تضم : ميشيل عفلق ، منيف الرزاز ، أمين الحافظ ، أحمد حسن البكر ، شبلي العيسمي ، منصور الأطرش ، جبران مجدلاني ، حافظ الأسد ، علي الخليل ، ابراهيم ماخوس ، صدام التكريتي ، كريم شنتاف ، علي غنام مع التنويه بأن اسمي البكر والتكريتي لم يطرحا على المؤتمر بل تم الاكتفاء بالطلب إلى المؤتمر الموافقة على إضافة اثنين من القطر العراقي دون ذكر أسمائهما < لظروف العمل السري > ، وحسب اعتقادي ، أن المؤتمرين لو عرفوا أن أحدهما هو صدام ، ما كانوا ليوافقوا عليه ، لأن القناعة عند أكثريتهم أنه يوم انقلاب عارف وطاهر يحيى على الحزب ، ذهب الى الإذاعة وساهم في إذاعة برقيات التأييد للانقلاب . وأيضا ،لم يحضر البكر والتكريتي دورة جلسات القيادة القومية لعدم تواجدهما في دمشق .
(12)التقرير الوثائقي عن تسجيل جلسات القيادة القومية .
(13) التجربة المرة للدكتور الرزاز .
(14) في ساعة متأخرة من ليلة أحد أيام الأسبوع الثاني من شهر شباط ، استدعى وزير الدفاع اللواء محمد عمران ، وزير الاصلاح الزراعي السيد جميل حداد ، وطلب منه إحضار عضو القيادة القومية اللواء حافظ الأسد الى منزله ، وبعد زيارة السيد حداد للواء حافظ في آمرية الطيران بشارع مرشد خاطر ، عادا معا إلى منزل اللواء عمران ، الذي تباحث معه حول القيام معا بانقلاب يكون من أهدافه إبعاد الآخرين من أعضاء اللجنة العسكرية ،ولكنهما لم يتفقا على ذلك ، إذ أن اللواء حافظ رأى أن يبعد أمين الحافظ فقط .
وفي ليل 16شباط طلب الأستاذ صلاح من السيد محمود جيوش أن يتقصى عن سبب عدم حضور قادة الوحدويين الاشتراكيين ، الجلسة الأولى للمجلس الوطني الموسع ، - وكان الأستاذ صلاح قد بذل جهدا كبيرا من أجل الموافقة على عضويتهم - ، وبعد أن اتصل السيد جيوش بمصطفى الحلاج ، ذهب إليه في منزله ووجد هناك اللواء محمد عمران ، وسامي صوفان ، وأبو النور طيارة ، وفايز اسماعيل ، وطلبوا من اللواء عمران أن ينقل إلى السيد جيوش ما تباحثوا به ، وأبلغه اللواء عمران بأن اللواء صلاح جديد ومجموعته سينفذون انقلابا ، وباستطاعته إحباط ذلك والقيام بانقلاب لمصلحته ، شريطة موافقة الأستاذ صلاح على استلام رئاسة الدولة ورئاسة الوزارة ، وفي يوم 17شباط تم الاتصال مع الأستاذ صلاح في مكتبه برئاسة مجلس الوزراء واجتمع عدد منهم معه ، ولكنه رفض الفكرة مبدئيا ، وكثفوا اتصالهم معه لإقناعه بالقبول ، واجتمعوا معه في اليوم التالي بمنزله ، وانضم إليهم كل من جميل حداد ، سليمان العلي و فهمي العاشوري ، وتشكلت من بينهم لجنة لدراسة موضوع القيام بانقلاب ، وأبلغت اللجنة المنتظرين بأن الأستاذ صلاح سيلتقي ببعض الضباط المؤيدين للواء عمران للتعرف على وجهة نظرهم ، قبل اتخاذه قرارا بهذا الأمر .