مغامراتي في المشفى (2)

اليوم الأول: الإختطاف و الوصول لقسم الإسعاف.

وصلت سيارة الإسعاف كالمتوقع بعد مغادرة الطبيبة بحوالي نصف ساعة. غادرت شقتي سيرا على الأقدام -لحسن الحظ- لكن حين وصلت لسيارة الإسعاف قيل لي أنني يجب أن أستلقي على النقالة...

لحسن الحظ لم يرني أي من جيراني و إلا فهو العار المؤكد و المؤبد! يعني تخيل أن زينة شباب الحارة يذهب للمشفى محمولا على النقالة

وصلت للمشفى و هنا تم نقلي من نقالة لأخرى: ممنوع أن أتحرك على أقدامي... و للحقيقة، بقيت متمددا على تلك النقالة لمدة ست و عشرين ساعة متواصلة!

قامت سيارة الإسعاف بتسليمي لقسم الإسعاف في المشفى، المشفى الذي لم أعلم اسمه! ذلك أن أحدا لم يكلف خاطره أن يخبرني أين أوجد...

بعد دقائق من وصولي قامت إحدى الممرضات بأخذ ضغطي -يا سلام! لقد تم إنقاذي من الموت المحقق! ثم تمت إعادتي لحجرة الإنتظار و أخبرتني الممرضة أنني سأنتظر لفترة قصيرة.

فترة قصيرة مقدارها أربع ساعات، لعن الله الثلاثة

أرجوا أن تتأملوا معي: مريض يشك بكونه مصاب باحتشاء في القلب ينتظر أربع ساعات في قسم الإسعاف... و حكومة اليمين الفرنسية تخفض الضرائب، لا بل و تفاخر بذلك!

أنا أقول لهذا الحمار جاك شيراك أنني أفضل أن أدفع المزيد من الضرائب و أن تستخدم تلك الضرائب لتحسين مستوى الخدمة في المشافي! ألا لعنة الله -و هو كائن خرافي- على الحمير!

خلال تلك الساعات الأربع قضيت وقتي متأملا زوار قسم الإسعاف...

- طبعا كان هناك العجزة: نساء و رجال تجاوزوا الثمانين، التسعين من العمر... يعني أشخاص لا تفسير لبقائهم على قيد الحياة إلا لكون عزرائيل ذهب في رحلة سياحية للبرازيل منذ عشر سنوات و لم يعد... و تجدهم يأتون لقسم الإسعاف متمسكين بحياة أعجز عن فهم هدفها...
ما معنى، ما مغزى و ما مازية الحياة حين يكون الواحد عاجزا حتى عن التلفظ باسمه؟

- المجانين: كان هناك مجنون، أعتقد أنه مجنون نتيجة المخدرات، تم ربطه على سريره و كان لا يفتأ يشتم. لو أنني كسبت يورو واحد كلما قال كلمة Putain (*) لكنت اليوم مليونيرا! كان هناك مجنونة، تبقى مستلقية على نقالتها لساعة أو ما يقارب ثم ترفع جذعها لتصرخ ببعض الأسماء... ثم تعود للإستلقاء... كان هناك شخص يرغب أن يكون محبوبا من قبل الجميع و لا ينفك يتحرش بهم كي يستنتج سريعا أنهم "لطيفون"...

- المجرمون: يأتي بهم الشرطة إما لأنهم حاولوا الإنتحار أو لأن محاميهم يدعي أنهم مجانين.

- المتشردون: تأتي بهم الإطفائية بعد أن تلتقطهم من الشوارع و هم على وشك الموت...

باختصار، من أصل حوالي أربعين شخصا تقريبا تواجدوا و إياي في قسم الإسعاف، كان الأشخاص الوحيدون الذين هم "خلقة ربنا" هم شابة تعاني من آثار حادث سيارة و... أنا!
فقط لا غير!

بعد حوالي أربع ساعات استقبلني الطبيب. و نظرا لأنه يـُشـَـك بأني مصاب باحتشاء في القلب، و تشخيصه يتم عبر تحليل معين للدم و رسم للمخطط الكهربائي للقلب، فقد تم ذلك... و اتضح أنني لا أعاني من احتشاء في القلب و لا خرا...

فقلت لنفسي: ممتاز! الآن سيعطوني مسكنا للألم و سيطردوني طرد غرائب الإبل، و هو كل ما أرغب به...

لكن لع! لع و ألف لع! دخول الحمام مش مثل الخروج منه!

لقد قرروا أن يجروا لي فحصا عاما... فسحبوا مني بضعة عشر أنبوب اختبار من الدم كي يجروا كافة الإختبارات... و كما قلت سابقا، أعتقد أنهم مع كل هذه الإختبارات أصبحوا قادرين على معرفة حتى طول البتاع

تمت إعادتي لصالة الإنتظار و لمدة ساعتين... بعدها استقبلني الطبيب.

أعلمني أني مصاب بمرض السكري. الدليل؟ مقدار السكر في دمي هو 13 ميلليمول (2.6 غرام(**)) بالليتر، اي أكثر بمرتين و نصف من الطبيعي. و أضاف أن هذا المرض هو ما يفسر ألام بطني!

حاولت عبثا أن أقنعه أني سكرت سكرة صميدعية ظهر هذا اليوم و أن هذه السكرة تفسر هذا الإرتفاع بمستوى السكر، يعني أنا لست مصابا بالسكري... لكنه سخر مني.
حاولت أن أقنعه أن كل ما أرغب به هو مسكن لآلام البطن، حاولت أن أقنعه أنني أرغب بمغادرة المشفى و أنني على استعداد لمراجعة طبيب اختصاصي لاحقا لأجل قضية السكري هذه... لكن: لع و ألف لع!

لقد قال لي، و أصر إلحاحا، أنني يجب أن أبقى في المشفى لبضعة ايام كي يتم دراسة هذه الحالة...

هنا بدأت أشعر بالغضب: يعني أنا كنت أرغب فقط بمسكن لآلام البطن، و لكني قبلت أن آتي للمشفى لأني اتهمت -زورا و بهتانا- أنني مريض بالقلب. و الآن و قد اتضح أنني لا مريض بالقلب و لا خرا، يخترعون لي تهمة جديدة هي السكري كي يبقوني في المشفى؟

لكني كظمت غيظي ذلك أني كنت ما أزال أطمع أن يعطوني مهدئا لوجع البطن...

جاءت الممرضات و وضعن لي إبرة المصل في ذراعي. و لوصف ذلك، أنا أقول بالفرنسية: Ils m'ont entubé، لكن أصدقائي الفرنسيين يعترضون مدعين أن التعبير الصحيح هو: Ils m'ont intubé
لكني ألح إصرارا على وجهة نظري، و أترك لكم أن تختاروا التعبير الذي يلائمكم(***)...

وضعوا لي المصل الذي يحتوي على سكر العنب بتركيز 5% إضافة لأنبوب آخر يحتوي الأنسولين -بمعدل وحدتي أنسولين كل ساعة (****). و كما شرح لي الطبيب فالهدف من الأنسولين هو خفض سكر العنب في دمي، و الهدف من سكر العنب هو ضمان ألا ينخفض مستواه لحد خطر... و ياي الأدب العربي شو عويص.

عندها قلت له أنه و قد حقق كل أهدافه في الوحدة و الحرية و الإشتراكية و إبقائي في المشفى، فإنني أرغب بمسكن لآلام بطني...

وعدني خيرا...

بعد ربع ساعة عاد لنفس الغرفة فذكرته بطلبي...

فوعدني خيرا...

بعد ربع ساعة أخرى عاد، فأعدت، فطالب الممرضة بإعطائي حقنة، ففعلـَت، فتفاءلْت.

لكن، صدقوني، تلك الحقنة لم يكن لها أي أثر! ربما كانت حقنة ماء! أنا لا أعلم! ما أعلمه هو أنها لم يكن لها أي أثر...

بعدها قاموا بأخذ صور شعاعية لي ثم وضعوني في إحدى غرف المشفى كي أقضي أقذر ليلة في حياتي... و هو ما سوف سأرويه لكم في الحلقة المقبلة...

اليوم الثاني: حوار مع شرموطة، و مع شاب رقيق المشاعر، و عودتي لقواعدي سالمين.

إذن وضعوني في غرفتي للنوم. كان هناك أنبوبان موصولان بيدي: أحدهما ينقل السكر و الآخر ينقل الأنسولين. سألت الممرضة كيف أفعل بهما حين أرغب أن أذهب للمرحاض -كانت لدي رغبة قوية بالتبول بعد ست أو سبع ساعات بدون ذهاب للمرحاض.

فأخبرتني أنني لا أتحرك و أنهم سيأتون بـ"مبولة" (و هي صيغة متطورة من "النونية") يضعونها بجانب فراشي كي أتبول فيها...

فواذلاه! يا لتغلب!
و يا شماتة الأعداء فيك يا عمرو يا خيّر! أنو سوف ستتبول في المبولة!

طبعا لا! أنا إما أن أتبول في المرحاض كما يليق بي أو لا! بحبسها و ستين عمرها ما تطلع... و هذا ما فعلته!

لم أتمكن من النوم تلك الليلة: الألم في أمعائي، الرغبة القاتلة بالتبول، السرير غير المريح، عداك عن هذه الأنابيب المغروسة في ذراعي...

بصراحة، كلما أعدت التفكير بتلك الليلة أشعر بالإحترام لنفسي أنني صبرت طوال هذه الساعات مراقبا السقف من دون أن أصاب بالجنون.

عند الفجر جاءت ممرضة كي تطمئن علي فسألتها عن الطريقة النظامية للخروج من المشفى. أجابتني: "من يدخل لا يخرج!"
تحاملت على وجع بطني و على قرفي و قلت لها: "أعبر عن إعجابي بالجواب الساخر و لكن سؤالي كان جديا: كيف أخرج؟"
قالت لي أن علي أن أوقع "الكارت" و بعد ذلك يوقع لي الطبيب على إذن المغادرة. طالبتها أن تأتيني حالا بهذا الشوإسمو كي أوقعه فورا فنظرت إلي باستغراب، يعني أنا حمار، و قالت لي أن الطبيب هو الوحيد الذي يمكن له أن يسمح لي بالتوقيع عليه...

ليك إي طيب يا بقرة من الأصل قولي أنه يجب انتظار الطبيب!

سألتها متى سأرى الطبيب فأجابتني أنه يمر لعيادة المرضى كل صباح...

طيب. يعني صبرا آل عمرو إن موعدكم الجنة، أو على الأقل الخروج من هذا المشفى النجس...

صباح اليوم التالي جاءت ممرضة و عرضت علي أن تحممني، فقلت لها لا. عرضت أن تسوي فراشي، فقلت لها لا. عرضت الإفطار، فقلت لا. فسألتني إن كنت أرغب أن تحل عن خلقتي فقلت لها: "نعم لو سمحت".

عند حوالي العاشرة و النصف صباحا -و كانت قد تشكلت لدي كمية من البول تكفي لإغراق جزيرة قبرص- وصل الطبيب -أخيرا.

الطبيب كان طبيبة. بدأت باستعراض حالتي فقاطعتها مباشرة قائلا أنني أريد مغادرة المشفى.
نظرت إلي بارتياع و كأنها ترى أبا الهول مكشرا عن أنيابه و سألتني عن السبب، فأخبرتها أن لدي أسبابي.
حاولت أن تناقشني و توضح لي مدى خطورة حالتي و مدى خطورة مرض السكر فأوضحت لها أن آرائها لا تعنيني و أنني أريد شيئا واحدا: العودة لمنزلي.
قالت لي أن خطورة مرض السكر هي أنني قد أصاب بأزمة قلبية ثم أموت من دون أن أحس بها! فقلت لها أن ذلك شيء رائع!
نظرت إلي باستغراب و سألتني: "الموت شيء رائع؟"

بقرة... و حق الرب بقرة!

أوضحت لها: "الموت بدون أن يحس به الإنسان هو الشيء الرائع! لنفترض جدلا أن الإنسان فان، أيهما أفضل: أن يموت بدون أن يحس بذلك أم أن يموت بعد احتضار مؤلم و طويل؟"

لكن الأطباء لا يفقهون.

عندها انتقلت هذه الطبيبة للغة التأنيب و أخبرتني أن هناك العشرات ممن قضوا الليل في غرفة الإنتظار لعدم توفر أسرة لهم و أنني أبطر بالنعمة، فقلت لها أن العكس هو الصحيح و أنني أتخلى طواعية عن سريري لهؤلاء المحتاجين!

بذلك انتهت حججها فعادت تسائلني لم أرغب بترك المشفى... فقلت لها:
"أرغب بترك هذا المشفى لأنني لا أثق بكم!
"أنتم عاجزون حتى عن علاج وجع البطن و تدعون القدرة على علاج السكري؟ كفى سخرية من البشر!
"أنا في مشفاكم هذا منذ ست عشرة ساعة و مع كل الطب الغربي العظيم بتاعكم لما تتمكنوا من تخفيف ألم بطني، في حين أن أمي، و أكبر شهادة كانت تحملها هي شهادة السرتفيكا، كانت قادرة على علاج وجع البطن خلال ساعات معدودة!
"أنا أرغب بترك مشفاكم لأنكم تريدون لي أن أتبول في "المبولة"، و هذا ما لن أفعله: فإما أن أذهب للمرحاض أو أن أحتفظ بها!
"أنا أرغب بترك مشفاكم لأني أرغب بتركه، و السلام!"

عندها قالت لي أنها ستقوم بإعطاء التعليمات للممرضات كي، أولا، فصل أحد الأنبوبين مما يمكنني من الذهاب للمرحاض بمرافقة الآخر و من ثم إعادة وصل الأول عند خروجي من المرحاض، و ثانيا إعطائي مسكن ألم فعال، و ثالثا إجراء إيكوغرافي و بعدها ستتخذ قرارها.

لم أعارض هذه الخطة و فيها فوائد جمة، خصوصا و أنني كنت مصمما على الخروج ذلك اليوم، فلا بأس بساعة تأخير أو ساعتين...

و ذهبت للمرحاض، و تبولت... و يااااي عيني الرب شو انبسطت...
لاك يعني عن جد! كان صار لي حوالي عشرين ساعة ما فعلتها!

جائت إحدى الممرضات و قدمت لي حبة بنفسجية اللون طالبة مني أن ألتهمها مع قليل من الماء، و هذا ما فعلته. ثم تم أخذي لصالة الإيكو.

أنا أتذكر بالتفاصيل المملة عملية التصوير بالإيكو، حتى انتهائها و قول الطبيبة: "كل شيء تمام باستثناء تضخم بسيط في الكبد"... ثم استيقاظي في غرفتي و الساعة تقارب الرابعة بعد الظهر...
طبعا لم أستغرب ذلك: أنا لم أنم الليلة الماضية، فلا غرابة أن أسقط في النوم... لكني استغربت قليلا أنني لا أذكر كيف نمت و أين؟؟؟

غريب!!!!

و لكن بعد لحيظات اتضح السر. جائتني ممرضة تحمل الحبة البنفسجية إياها، و كنت أفترض أنها حبة مضادة للألم، و طلبت مني أن ألتهمها.

هنا أرغب أن أوضح أن ألم بطني كان قد اختفى تماما: يعني منذ أربع و عشرين ساعة لم يدخل معدتي أي شيء باستثناء بعض الماء... يعني أفضل حمية في العالم!
عندها قلت للممرضة: "لا، لست بحاجة، لم أعد أشعر بالألم!"
فأجابتني: "يجب أن تأخذ حبة الفاليوم!"

أنو لاه يا ولاد ستين ألف شرموطاااااااااااااااااا! عم تعطوني فاليوم؟

نظرت للممرضة و سألتها بهدف التحقق:
"هذه الحبة هي حبة فاليوم؟" فأكدت لي ذلك.
فقلت لها:
"سأخبرك بشيئين اثنين: أولهما، أنا لن أتعاطى مخدراتكم هذه، و ثانيهما، أريد رؤية الطبيب حالا!"
قالت أن الطبيب أمر أن آخذ حبة فاليوم كل أربع ساعات...
قلت لها: "لن آخذ مخدراتكم الشرموطة هذه، و سترسلين لي الطبيب حالا!"
ترددت قليلا ثم قالت لي أنها سترسل لي الطبيب و لكن يجب أن "أبقى هادئا"...

عندها كدت أنفجر بالصراخ ضد هذه الجحشنة!

أن تلك الطبيبة الشرموطة بتاعة الصباح، و حين عجزت عن الرد على حججي، قامت بتخديري سرا، لا بل و فوق ذلك أوحت للممرضات أنني شخص خطير و عنيف! أما شرموطة بنت شراميط عن جد!

لكني كظمت غيظي: أنا محاط بجماعة من الحمير فلا أتركن لهم حجة علي. أنا أريد العودة لمنزلي، و كس أمهم من قبل و من بعد!

بعد دقائق جاء الطبيب، و هو شاب، فسألني عما أرغب به. أخبرته أنني أرغب أن أترك المشفى. سألني لمه؟ قلت له أنني أوضحت أسبابي لزميلته صباح هذا اليوم و لو أنها أدت واجبها بشكل جيد لنقلتها إليه، و أنني أضيف سببا آخر: لأنهم يعطونني المخدرات من دون علمي.

حاول أن يدافع عما فعلته زميلته -يعني هي فعلت ذلك لمصلحتي-، حاول أن يوضح لي خطورة وضعي و إلخ... يعني تكرر حوار الصباح بتفاصيله المملة.

ثم إني أضفت:
"لنفترض أنني في حالة خروجي من هذا المشفى فإنني سأسير خطوتين ثم أموت، فهذا هو ما أرغب به! أنا أرغب أن أخرج من هذا المشفى، أن أسير خطوتين ثم أموت!
"و إن تركتني أخرج كان بها، و إلا فإنني سأسحب هذه الأنابيب من ذراعي -أيا كانت النتائج- و سأخرج.
"و أؤكد لك أنكم لن تتمكنوا من تخديري مجددا!"

طبعا هنا أنبه أن عملية سحب أنبوب الأنسولين هكذا هي مكافئة لانتحار مؤكد، لكني كنت على استعداد لفعلها إن رفض إخراجي. و أوضحت له تصميمي بما لا يدع مجالا للشك، ثم أضفت:
"بالمقابل، إن كنت ترغب بمصلحتي و تريد صحتي، فأنا على استعداد للإصغاء إليك:
"إن كانت لديك نصائح معينة تقدمها لي، فسأستمع و سأفهم و سألتزم!
"إن نصحتني بطبيب مختص بمرض السكري، فسآخذ موعدا عنده بدون شك.
"حتى إن كان في هذا المشفى نفسه، سأعود لاحقا و لا مشكلة،
"لكن الأمر المؤكد أنني سأنام في فراشي هذه الليلة!"

عندها تفكر قليلا، و اتخذ قراره.

تخفيض تدفق الأنسولين للنصف خلال ساعتين، بحيث يقل اعتماد جسدي على الأنسولين الخارجي، ثم إعطائي حقنة أنسولين بطيئة تساهم في تحسين التدرج، و من ثم السماح لي بالخروج...
بالمقابل اشترط عليّ أن أعود في اليوم التالي، يعني الأحد، للمشفى نفسه كي يتم فحص السكر لدي مجددا.

أعطيته وعدي أن أفعل. فأصدر أوامره للممرضات بتنفيذ اتفاقنا...

قبيل خروجي من المشفى جاء مجددا لرؤيتي ليقترح علي أن آكل وجبة طعام... ليس الإقتراح بحد ذاته، و لكن تعابير وجهه و نبرة صوته، أحسست أن هذا الإنسان قلق حقا لشأني: هو كان يخاف علي بشكل جدي.

أخبرته أن لا رغبة لدي بالطعام. فأكد مجددا على ضرورة عودتي يوم الغد، و قلت له أنني قلت أني سأعود، فإني سأعود.

سحبت الأنابيب من ذراعي. ذهبت لمكتب الإستقبال حيث اتصلت الموظفة لتطلب لي سيارة تاكسي. جاء السائق حتى مكتب الإستقبال ليدعوني لمرافقته للسيارة...

توجهت عندها للموظفة و سألتها:
"هل يمكنك أن تخبريني ما اسم هذا المشفى؟"
أجابتني:
"مشفى أنطوان بيكلير في كلامار"...

يتبع...

-----------------------
(*) حرفيا، الكلمة تعني "داعرة"، و تستخدم عموما للتعبير عن الغضب أو الإنزعاج، يعني مثل كلمة "العمى" لدى بعض السوريين أو كلمة "قرد" لدينا نحن العلويين.

(**) أعتمد هنا تحويلا مبسطا: 1 غرام = 5 ميلليمول، القيمة الدقيقة هي: 1 غرام = 5.555 ميلليمول.

(***) الفعل intuber هو الصحيح، فهو يعني وضع أنبوب المصل في الذراع... لكن الفعل entuber يعني "خدع"... و منه لكم الخيار: فإما أنهم وضعوا لي المصل... أو أنهم خدعوني!

(****) العلاج بالأنسولين، مثلا عن طريق الحقن، يقوم على إعطاء المريض 10، 20 أو 40 وحدة أنسولين في اليوم. يعني أن معدل ما حقنوني به في المشفى يتجاوز الحد الأقصى في حالة معالجة طويلة الأمد. تلك كانت معالجة إسعافية.