حركة 23 شباط 1966 (الأخيرة)

مروان حبش : ( كلنا شركاء ) 23/7/2008
انتصار منطق الحسم العسكري وتنفيذ الحركة
جاءت الحلول الفوقية والبعيدة عن أي منطق حزبي ، ولا هدف لها إلا تحقيق الرغبة في المجابهة والمجابهة فقط ، فقد اتخذت القيادة القومية قرارا بنقل الرفيقين الرائد سليم حاطوم والمقدم عزة جديد من قطعتيهما العسكريتين من جهة ، ومن جهة ثانية تهديد كل من يحضر الدورة الاستثنائية للمؤتمر القطري ـ الواجب عقدها بتاريخ 25 شباط 1966 وفق أحكام النظام الداخلي - بالطرد من الحزب ، كما أطلقت ، أيضا ، تهديدات باعتقال الحضور ، وهذا يعني الوصول إلى نهاية الشوط في إبعاد الرأي الآخر والتخلص منه ، ومن جهة ثالثة ، كان كل من الفريق أمين الحافظ واللواء عمران يحشد مؤيديه للقيام بانقلاب لصالحه، ومن جهة رابعة ، كانت القيادة تخشى من انتقالٍ المجادلة اللفظية والتحديات الكلامية إلى الاقتتال العسكري داخل القطعات في حال تأخر حسم الأزمة .
اجتمعت القيادة القطرية المؤقتة ليل يوم 16 شباط 1966 في منزل عضو القيادة فايز الجاسم وكان كل أعضاء القيادة قد وصلوا إلى نتيجة مآلها أن الحل الوحيد المتبقي أمام القيادة هو العمل العسكري لإنقاذ الحزب والثورة والمحافظة على مصيرهما ( حسب منظورنا ) وهو ،وإن كان حلا غير نظامي ومخالفا لتقاليد الحزب الديمقراطية إلا أنه يأخذ مبرراته من التزامه المطلق بمقررات مؤتمرات الحزب والنضال الصادق لتنفيذها ، ومن العزم على إحلال الرابطة القومية مكان جميع الروابط الإقليمية والطائفية والعشائرية ، ومن الفهم الواضح للثورة بأنها إدراك دقيق للمصالح الأساسية للشعب واستشفاف كل ما يمكن أن يدعم هذه المصالح .
كانت القيادة ، بعد اختيار الحسم العسكري ، قد وافقت على ترشيح الرفاق العسكريين من أعضاء القيادة المؤقتة، لكل من اللواء حافظ الأسد لتولي مهام وزير الدفاع " ورغب أن يكلف بتسييرها " ، والعقيد أحمد سويداني لمنصب رئيس الأركان بعد ترفيعه ، يوم الحركة ، إلى رتبة اللواء ، وفي هذا الاجتماع ، أعيد تقييم الوضع في الجيش والقطاع المدني وكانت النتيجة ذاتها ، أي أن الوضع يميل بشكل كبير لصالح القيادة وتقرر القيام بالعمل العسكري في نفس الليلة ، وكلف الرفاق العسكريون بإجراء اتصالاتهم ، كما كلف الرفاق المدنيون بكتابة مشروع بيان يوضح سبب اللجوء إلى اختيارالعمل العسكري على أن تجتمع القيادة ثانية الساعة العاشرة ليلا في نفس المكان ، ولقد تم كتابة البيان الذي سيذاع على الشعب ، كما كتب بيان آخر موجها إلى الحزب في الوطن العربي .
في الاجتماع الثاني من نفس الليلة تبين أن هناك صعوبة في تهيئة اللواء المرابط في حمص ، في هذه الليلة نظرا لعدم إمكانية تبليغ الرفاق العسكريين في هذا الوقت الضيق ، لذا تم تأجيل التحرك العسكري ، وحسم الأزمة إلى وقت لاحق ، على أن :
ـ يقوم أعضاء القيادة القطرية المؤقتة، وبشكل إفرادي أيضا ، بزيارة الأمين العام للقيادة القومية وبذل المساعي الأخيرة معه ،عسى أن يقتنع بضرورة العودة إلى حل الأزمة ،عن طريق المؤسسات الحزبية ذات الاختصاص .
ـ تكثيف الاتصال بقيادات فروع الحزب المدنية والعسكرية ، ومع قيادات المنظمات الشعبية ، لمعرفة وجهة نظرها في الحل البديل ، بعد فشل كل محاولات الحل عن طريق المؤسسات الحزبية
" كنت ممن زار الأمين العام في منزله ، وفي غرفة مكتبه ، وبعد سماع وجهة نظره ، وإصراره على الآراء ذاتها ، والتي تهدف إلى التصفية ، تحدثت مبينا له ، مخاطر الإقدام على ما تنويه القيادة القومية ، وأن المراد تصفيتهم، وفق منظوره ، يعتبرون الحزب حزبهم ، ولا يسمحون العبث بمصيرهم إلا من خلال المؤسسات الحزبية ذات الصلاحية في حل الأزمة " ، وكان كل الرفاق القياديين الذين اجتمعوا معه يؤكدون وجهة النظر هذه ويحملونه ، بصفته الأمين العام ، المسؤولية الأكبر عما يمكن أن يحدث .(18)
توزع بعض الرفاق أعضاء القيادة مهمات الاتصال بالفروع ، وقمت أنا والرفيق مصطفى رستم بزيارة إلى محافظتي حماة وحمص ، يومي الاثنين والثلاثاء ، 21-22 شباط وفي حماة تم تبادل الرأي مع الرفاق في قيادة فرع الحزب ، ونوقشت الأزمة من كافة مناحيها ، كما نوقش الوضع في الحزب والسلطة مطولا ، وتم إبلاغهم بكل الاتصالات والجهود التي بذلت حتى الآن وبالطريق الذي أصرت القيادة القومية على سدها نهائيا أمام الحلول المقترحة وأدرك الرفاق في قيادة فرع حماة التوجهات البديلة المحتملة للقيادة ،وفي حمص طرحنا مع الرفيق نور الدين الأتاسي ( كان الدكتور نو الدين قد استقر في حمص منذ أن قبلت القيادة قرار الحل ) كل ما قررته القيادة ، وأعلن تأييده المطلق لأي إجراء تقوم به ، واقترحنا عليه التعرف إلى وجهة نظر الرفاق القياديين في فرع حمص .
عدت أنا والرفيق مصطفى إلى دمشق ، ووصلنا حرستا حوالي الساعة الخامسة مساء، وبالصدفة التقينا بالرفيق سليم حاطوم ـ عائدا من ثكنته ، فاستوقفنا وأبلغنا عن اجتماع سيعقد الساعة الثامنة مساء في بيت الرفيق جميل شيا ، (القريب من النصب التذكاري لعدنان المالكي).
اجتمعت القيادة بكامل أعضائها ، في الوقت المحدد ، وعرض كل رفيق نتائج اتصالاته ، وتم تقدير الوضع حزبيا وشعبيا ، وعسكريا ، كما تم توضيح سوء الحال الذي آلت إليه الأمور ،وخاصة بعد صدور قرار نقل الرفيقين عزة وسليم ، وتقرر بالإجماع ، ضرورة الحسم العسكري بعد منصف هذه الليلة الأربعاء 22/23/شباط ووقع كل أعضاء القيادة على وثيقة الحسم العسكري .
تم تكليف الرفيقين عزة وسليم بتنفيذ المهمة ،وتحريك قطعاتهما لمحاصرة قصر الضيافة الذي حشد فيه الفريق الحافظ عددا كبيرا من العسكريين وكما هائلا من الأسلحة ، وقصر الروضة ، وهو المقر السكني للفريق أمين الحافظ ، ومبنى الشرطة العسكرية ، كما تم تكليف الرفيقين حافظ الأسد وأحمد سويداني ، تبليغ قرار القيادة إلى الرفاق في القطعات العسكرية ، وتكليف الرفيق محمد رباح الطويل بمؤازرة الرفيق أحمد المير محمود قائد اللواء السبعين ، وفق الخطة المقررة ، وتم تكليف الرفيق محمد الزعبي ، السفر إلى السويداء ، لتبليغ آمراللواء هناك بقرار القيادة ،كما تم تكليف الرفاق أحمد سويداني ومحمد عيد عشاوي ومصطفى الحاج الدخول إلى مكتب وزير الدفاع اللواء محمد عمران حين بدء التحرك - كان ينام ليليا في المكتب رغم تقيم استقالته إلى القيادة - ، وجميل شيا الدخول إلى مبنى الإذاعة بالتعاون مع حراسها من سلاح المغاوير ، ومروان حبش الدخول إلى مبنى القيادة القطرية ،( كان في نهاية شارع المالكي مقابل التمثال، ) واللواء حمد عبيد الذهاب إلى القطعات في قطنا . واالمقدم مصطفى طلاس الدخول إلى اللواء المعسكر في حمص والعقيد عبد الكريم الجندي الدخول إلى معسكر القطيفة ، وتقرر عدم الموافقة على الطلب الملح للرفيق صلاح جديد الدخول إلى اللواء سبعين ، للحاجة إليه في مقر تواجد القيادة.
انفض الاجتماع وانطلق كل عضو من أعضاء القيادة للقيام بما كلف به بينما بقي البعض الآخر في المنزل ، حتى الموعد المقرر للتنفيذ.(19)
في الساعة الثانية عشر ليلا ،قمت بنقل الرفيق حمد عبيد إلي منزله في جادة الخطيب لارتداء بزته العسكرية ثم عدت وإياه إلى منزل الرفيق شيا ولقد طلب مني أن أرشحه إلى منصب وزير الداخلية بعد أن تم تكليف الرفيق حافظ الأسد بوزارة الدفاع ،لأنه ربما لا يكون حاضرا في جلسة تشكيل الوزارة ، ومن هناك توجه إلى معسكرات قطنا . بينما بقي في المنزل كل من الرفاق صلاح جديد ، ، إبراهيم ماخوس ، فايز الجاسم ، مصطفى رستم ، وفي الساعة المحددة للتحرك ،وصلت قوات المغاوير بقيادة الرفيق حاطوم أولا، تبعتها قوة مدرعة بقيادة الرفيق عزة جديد ، وكانت التعليمات صارمة وواضحة بعدم إطلاق النار إلا دفاعا عن النفس، ولكن قوات المغاوير فوجئت بإطلاق نيران غزيرة جدا من مبنى قصر الضيافة ووزارة الخارجية ، مما أوقع عددا من الضحايا، لم يكن في الحسبان.وتبين أن الرفيق أمين الحافظ قد كدس كميات كبيرة من الأسلحة المتنوعة وحشد عددا من الجنود يفوق مرات ومرات ما يحتاجه لحراسته ،وربما كان سيستخدمهم في تحركه العسكري ،وذات الشىء كان في مقر سكنه ، ولذلك ،اضطرت المدرعات إلى إطلاق مدافعها لإسكات مصادر النيران في قصر الضيافة ومنزل الرفيق أمين الحافظ ، مما أدى إلى إصابة بعض من أفراد أسرته بجروح بسيطة ، ونفذت المهمات الأخرى التي كلف بها بقية الرفاق،بدون أية عوائق أو مقاومة تذكر ، ،ودخل الرفاق سويداني ، عشاوي ،الحاج علي ، مكتب الوزير بعد استئذانه بالدخول ،وأدرك الرفيق عمران ما حصل وكان ذلك متزامنا مع تحرك القوات ،وبادرهم قائلا : نصحناهم(أي أعضاء القيادة الموسعة )بعدم إجراء تنقلات وحذرناهم من العواقب ولكنهم أصروا على ذلك .
قمت بدوري ، بالدخول إلى مبنى القيادة القطرية ،وبعدها قمت بجولة في شارع (أبو رمانة) والتقيت مع الرفيقين عزة وسليم .اللذين كانا ما يزالان يصدران الأوامر إلى قواتهما لإسكات مصادر النيران ، وأبلغاني بأنهما يأملان بعد وقت قصير بانتهاء العملية ، وعدت إلى منزل جميل شيا وأخبرت الرفيق صلاح جديد وبقية الرفاق بذلك ،(20) وبعد قليل غادر الرفيق صلاح المقر ، إلى مبنى وزارة الدفاع بناء على طلب الرفيق حافظ الأسد والرفيق أحمد سويداني ،لمساعدتهما في الاتصال مع القطعات العسكرية ولأن بعض الرفاق في هذه القطعات .يريدون سماع صوته وتلقي الأوامر منه .
كانت الهواتف مفصولة من مركز الاتصالات عن منطقة أبو رمانة والمالكي ،حيث يقع مبنى القيادة القطرية ، بناء على تعليمات الأركان العامة ، فاتصلت بالهاتف الرباعي مع الرفيق صلاح وطلبت منه إصدار أوامر لإعادة الربط الهاتفي ليتسنى لي الاتصال مع قيادات الفروع ، وما أن أنبلج الفجر وأذيع البيان في النشرة الصباحية الأولى حتى بدأت هذه القيادات إعلامي عن تأييدها للحركة .
ولابد من التنويه أن القيادة القطرية المؤقتة ، قد قررت إذاعة بلاغ باعتقال عدد من القياديين :أمين الحافظ ـ ميشيل عفلق ـ منيف الرزازـ محمد عمران ـ منصور الأطرش ـ صلاح البيطار ـ شبلي العيسمي .وذلك تفاديا لوقوع أي صدام عسكري بين الرفاق أ و التقليل من احتمالاتهـاـ كما نص البلاغ ذاته على أن المعتقلين سيقدمون للمحاكمة أمام محكمة حزبية خاصة لمحاكمتهم على ما اقترفوا بحق الحزب والثورة.
اجتمعت القيادة القطرية المؤقته فور تنفيذ العملية وقررت تسمية الدكتور نور الدين الأتاسي رئيسا للدولة ، وتسمية الدكتور يوسف زعين رئيسا للوزراء وضمت هذه الوزارة ، لأول مرة في تاريخ سورية ، وزيرا يمثل الحزب الشيوعي السوري ، إضافة الى وزراء ناصريين واشتراكيين ومستقلين .
كما تمت دعوة المؤتمر القطري الثاني ، وكانت صلاحيته ما تزال قائمة ، لعقد دورته الاستثنائية الثالثة في 10 آذار1966 ، وحضر هذه الدورة الأكثرية المطلقة ، وقاطعها أنصار القيادة الموسعة وعددهم لا يتجاوز أصابع اليد ، وانتخب المؤتمر في نهاية دورته ، قيادة قطرية جديدة ، من : نور الدين الأتاسي - صلاح جديد - يوسف زعين - حافظ الأسد - محمد الزعبي - عبد الكريم الجندي - جميل شيا - مصطفى رستم - محمد رباح الطويل - مروان حبش - محمد عيد عشاوي - فايز الجاسم - ابراهيم ماخوس - أحمد سويداني - حبيب حداد - كامل حسين . وكان باكورة قراراتها البدء باتصالات مع المنظمات القومية للحزب من أجل تشكيل لجنة اتصال قومي مهمتها الإعداد لمؤتمر قومي للحزب .
وفي الختام ، يمكن القول :
أن السؤال الأساسي ، ليس هو من أسس البعث ؟ فهذا ينسحب إلى زوايا الدراسات التاريخية ، ولكن السؤال كان ولا يزال منصبا على من سيحقق مبادئ البعث ،؟ فهو وحده الذي يجب أن يرقى إلى موقع الصدارة وأن يستمر في النضال من موقعه هذا : إنها الأجيال المتعاقبة التي تستقر المبادئ في ضمائرها وتظل محورا لكل فعالياتها بغية تحقيق مستقبل مشرق لأمتها ولكل شعوب العالم .
إن قدوم حكم جديد يقتضي وجود أفكار جديدة وممارسات متلائمة مع هذه الأفكار وأن القيادة القطرية المؤقتة كمؤسسةـ باستثناء بعض أفرادها كما تبين لاحقا وكما نوهت سابقا ـ فهمت الثورة بأنها وعد غير محدد ، وشكل متميز للتغيير ، فهمت الثورة أنها رحم لتاريخ جديد ، ويجب الحفاظ على حيويتها وقدراتها بشكل دائم .
كما أن القيادة القطرية كانت تعي بأن الثورة ليست مسألة استلام السلطة ، بل هي ، بالأساس وبالتحديد ، القدرة على استخدام السلطة بصورة ثورية لقلب بنى المجتمع المتخلفة ، وبدون هذا الهدف تتحول عملية استلام السلطة إلى عملية سطو .
إن القيادة القطرية المؤقتة التي قادت العمل العسكري صبيحة 23 شباط ، وانطلاقا من هذا الفهم كان لديها رؤية واضحة، ومنطلقات أيديولوجية بينة ،ويشاركها في نلك الأغلبية العظمى من قواعد الحزب ، وقياداته ، ولقد كانت الآمال والطموحات كبيرة في إمكانية المساهمة في خلق واقع عربي جديد يفرض نفسه على القوى الكبرى من أجل استعادة كامل حقوق الأمة العربية في كل أقطارها، والانتصار لحركات التحرر في كل أنحاء العالم .
حتى أن ، رئيس المؤتمر ، منصور الأطرش ، نادى بصوت مرتفع ، قائلا : ( يارفيق مروان ، حاجي تمرر علينا تعديلات في هذا الوقت المتأخر من الليل ، وكانت الساعة قد تجاوزت الثانية بعد منتصف الليل ) ، وأقر المؤتمر بأكثرية كبيرة ، التعديلات التي طرحت عليه .
الهوامش:
(18) لقد اطلع الرفيق مصطفى رستم على هذه الدراسة ، ودون النقاط التالية :
ان العرض جيد وكما أرى لو أنك حصلت على مذكرات عمران ، وتعليقات مجموعة صلاح البيطار والقيادة القومية ، لأن ذكر مقاطع منها يضفي موضوعية أكثر ، طبعا لا أعرف اذا كنت تستطيع الحصول عليها ، والأمر يستحق الجهد ولو أخذ منك وقتا أطول .
يمكن بلورة موقف مجموعة 23شباط كالتالي :
1- ان أطراف الأزمة عديدون : عفلق مع الحزب في القطر ، البيطار + عمران مع الجيش والحزب بشكل عام ، أمين الحافظ والقيادة القطرية .
2- ان القيادة حين حلت ، وجدت ان المواجهة الصحيحة هي في قبول قرار القيادة القومية من جهة ، والضغط عليها لتطبيق النظام الداخلي من جهة ثانية ، والتقدم بمشروع يحدد الرؤية السياسية التي على أساسها يرتقي الصراع من مستواه الشخصي الى التجاذب حول موقف وضمن اطارر الحزب ...وهنا لابد من التركيز أن المشروع كان يستند على ثلاثة محاور :
أ‌- سيادة العلاقة التي يرسمها النظام الداخلي للحزب .
ب‌- اخضاع الجيش لسلطة قيادة الحزب وكل يعمل ضمن الصلاحيات التي يحددها النظام الداخلي .
ج - كسر حلقة العداء مع القوى التقدمية من شيوعيين وناصريين وقوميين عرب الخ ...والتي سادت أواخر الخمسينات وحتى منتصف الستينات ، ومن ثم السعي لاقامة جبهة تقدمية على صعيد الوطن العربي و تكون القضية الفلسطينية هي محور الالتقاء ، وان خوض المعركة مع العدو غير ممكن من خلال الجيوش ، لأن العدو من خلال علاقته مع الغرب وأمريكا بالتحديد والتفوق التقني للغرب على الاتحاد السوفييتي ، ومن جهة ثانية ، دعم الاتحاد السوفييتي المحدود يجعل أسلوب حرب التحرير الشعبية طويلة الأمد الذي يحول الحياة في < اسرائيل > الى حياة صعبة وتفقد جاذبيتها ليهود العالم من جهة ، كما يحولها الى عبء متزايد على الغرب نفسه ، هذا الأسلوب هو الوحيد الممكن ، ومن جهة ثانية ، يجعل الجبهة التقدمية المزمع تأسيسها قادرة على استقطاب الشعب العربي ، وبذلك تحدث وحدة شعبية لابد منها لانجاز الوحدة العربية ، كما أنه يطور العلاقة بين أطراف هذه الجبهة ويضائل الخلافات فيما بينها ويساهم في عزل القوى العربية العادية ويفقدها القدرة على التأثير ، ولذلك فقد كنا نعتقد أن أسلوب حرب التحرير الشعبية استراتيجية أساسية قادرة على انجاز مهمة التحرير والتوحيد على صعيد الوطن العربي .
ان اصرار القيادة القومية على تجاوز النظام الداخلي ومباشرتها باتخاذ اجراءات التصفية حزبيا وعسكريا ، كان على القيادة القطرية أن تتعامل مع تلك التصرفات .
بادرت القيادة القطرية المؤقتة الى تشكيل لجنة من : صلاح جديد -يوسف زعين - ابراهيم ماخوس - جميل شيا - مصطفى رستم لاعداد مشروع الرؤية المستقبلية ، وكان يحق لأي عضو قيادة - اذا سمحت ظروفه - أن يحضر اجتماعات اللجنة والمساهمة في نقاشات المواضيع المطروحة .
وبعد أن حسم عضو القيادة القومية اللواء حافظ الأسد موقفه ، حضر الاجتماعات الأخيرة للجنة .
وقبل اتخاذ قرار الحسم العسكري ، اجتمعت مع الأمين العام الدكتور الرزاز في منزله ، وقد دار بيننا الحوار التالي :
- رفيق أبو مؤنس < الرزاز > ، أن حل القيادة القطرية مع أنه كان مخالفة لا مبرر لها ، واذا أردتم أن تفعلوا ذلك ، فكان عليكم ، وفق أحكام النظام الداخلي ، دعوة المؤتمر قطري لدورة استثنائية وطرح الأزمة عليه .
- هذا غير ممكن لأن المؤتمر كان من تركيب القيادة نفسها .
-لا بأس بوسعكم الدعوة لا جراء انتخابات وعقد مؤتمر قطري جديد وينتخب هذا لمؤتمر قيادة قطرية جديدة .
- أيضا ،هذا الاقتراح لا يحل المشكلة ، والانتخابات غير ممكنة قبل ابعاد عدد من الحزبيين المنحرفين واعدة من طردوا أو ابعدوا .
- لا بأس أيضا ، اننا نطالبكم بدعوة المؤتمر القومي لعقد دورة استثنائية له ، وهذا من حقنا أن نطالب به ، للطعن في قراركم وطرح الأزمة عليه ، ولا أظنكم تشككون به فهو المؤسسة الأعلى وهو الذي انتخبكم كأعضاء قيادة قومية .
- نعم ، ولكن ليس بالسرعة التي تطالبون بها ، ولا بد من اتخاذ اجراءات كثيرة قبل ذلك ،من ناحية ، وعندما نرى ، نحن ، بأن الوقت أصبح مناسبا ، من ناحية ثانية .
- رفيق أبو مؤنس ، اذا كنتم مصرين على تجاوز أنظمة الحزب وأنت تعرف الحجم الهائل الرافض داخل القطر، لقرار حل القيادة ، لذا فان الخشية هي أنكم تدفعون الطرف الآخر ليفعل نفس الشيء < أي تجاوز الأنظمة الحزبية > .
وقمت ، أخيرا ، بتوجيه رسالة خطية شخصية للأمين العام .
وفي مساء ذلك اليوم الذي اجتمعت به مع الدكتور الرزاز ، عقدت القيادة القطرية المؤقته اجتماعا لها ، تم فيه عرض الاتصالات الأخيرة مع الأمين العام ، وموقفه من كل الاقتراحات التي قدمت اليه ، وفي هذه الجلسة اتخذ قرار الحسم العسكري . (19) بعد قرار القيادة بتنفيذ الحركة ذهبت بصحبة الرفيق عبد الكريم الجندي ، إلى مطعم "أبو كمال"لتناول طعام العشاء .والتقينا هناك بالرفيق احمد الشيخ قاسم < أمين فرع الرقة > الذى وصل من الرقة لحضور المؤتمر القطرى ، كما التقينا بالرفيق المرحوم الشاعر كمال الناصر الذى اوصانا خيرا(بالختيار) ويقصد الأستاذ ميشيل عفلق .
(20وجدت الرفيقين فايز الجاسم ومصطفى رستم يغطان في نوم عميق بينما كان الرفيقان صلاح جديد وابراهيم ماخوس في شرفة المنزل ، يراقبان تطورات الأمور، وبدت على ماخوس علائم التوتر والإرهاق وهذا دفعه الى أن يقول بانفعال ، للواء صلاح ، ما كنت أحسب أن حسم الأمر سيأخذ كل هذا الوقت ، فأجابه بهدوء : لا تنسى بأننا قررنا حسم الأزمة بأسلوب عسكري .