هروبا من الحضارة التافهة نحو البربرية الفاتنة

يعُد اسم غروترودة بيل، من أهم الأسماء الغربية التي لعبت دورا خفيا وخطيرا في تاريخ السياسة العراقية الحديثة، منذ نشوء دولة العراق في بداية العشرينات من القرن الماضي. لكن ما الذي جاء بها إليه؟ تقرير أندرياس بفليتش

كانت البريطانية غرترودة بيل مفتونة بأصالة وعنفوان العرب في الصحراء . ولكنها رأت على عكس ذلك في المدن الحديثة، حيث انتشار التأثير المفسد للغرب، والإنحطاط غير الصحي والمتضارب مع الطبيعة. وأخيراً وليس آخراً كانت الحداثة الأوروبية والإحساس بثقل تأثيراتها الجانبية قد دفعا بغرترودة بيل للقيام بأسفارها.

ولدت بيل عام 1868 في كنف عائلة إنكليزية، صناعية، ميسورة الحال. إذ جمع جدها ثروة طائلة من إمتلاكه لمناجم فحم ومصانع للحديد الصلب. يعود الفضل لوالد بيل لإنفتاحه ولتوفيره التحصيل العلمي لها، الذي لم يكن عاديا لفتاة في ذلك الزمن. فأنهت دراسة التاريخ في جامعة أكسفورد بدرجة إمتياز عام 1888.

شدت غرترودة بيل الرحال عام 1892 لأولى رحلاتها إلى الشرق. وبينما كان رحالة القرن الثامن عشر يستكشفون البلاد الأجنبية معرضين أنفسهم وحيواتهم لمخاطر جمة، وتحت وطأة جهود جسدية هائلة وأعباء مالية باهظة، سهلت خطوط الملاحة البحرية، الدورية، بين أوروبا وشرق المتوسط، وأولى خطوط السكك الحديدية، السفر في أواخر القرن التاسع عشر.

كان توماس كوك Thomas Cook أول من افتتح مكتباً للسفر في إنكلترا عام 1845 وأسس كارل بيدكرز Karl Baedekers عام 1827 في كوبلينتس Koblenz أول دار نشر تُعنى بدليل الرحلات، فتزود المسافرون منها بالمعلومات اللازمة.

الهروب من التقاليد المحافظة

لم تكن رحلة بيل التي قادتها بدايةً عبر باريس وميونيخ وفيينا، ومنها إلى القسطنطينية، ومن ثم إلى بلاد فارس عبر جورجيا هرباً من التشدد الإجتماعي السائد في إنكلترا الفيكتوريانية وحسب. آه! ليت هذه التقاليد غير موجودة كما دونت في دفتر ترحالها الذي نشر عام 1894 في لندن، كم مرة سيجلس المرء بجانب إنسان من لحم ودم، بدلاً من الجلوس بجانب بدلة سهرة رسمية!

كانت بيل تصبو لرؤية أناس من لحم ودم في الشرق، لم يُزجوا في مشد الحداثة الضيق بعد. لكنها لم تسعى يوماً كي تعيش بنفسها تلك الحياة الشرقية البسيطة، المزعومة، التي كانت تتشوق لها، فقد سافرت مع مرافقة ضخمة ضمت فيما ضمته ثلاثة طباخين وعشرين خادماً وقافلة كاملة من البغال.

وفي ذات الوقت استهزأت بيل بتجاهل المسافرين الآخرين. بعض الناس تقول بيل محتجة على بدايات ازدهار السياحة يجوبون العالم بحثاً عن أفضل الفنادق ويذكُرون أمامك بإعجاب كيف أنهم قبل فترة وجيزة سافروا في روسيا.

أما عندما تسألهم، فسوف تتأكد من أنهم لن يستطعوا إخبارك أكثر من أن الراحة كانت متوفرة في موسكو فعلياً، تماماً كما في أوطانهم، لا بل أنها أكثر زخراً، إذ كان على المائدة في الفندق ثلاثة أصناف من اللحوم البرية .

سر الشرق الغامض

كان الشرق بالنسبة لبيل عالما خياليا مليئا بالأسرار، على غرار ما خبرته منذ نعومة أظفارها من قصص ألف ليلة وليلة. تقول سابحة بخيالها المشرق المليء بالأسرار و المفاجآت الأخاذة .

ويتعين على الشرق أن لا يفقد غرائبيته. ثيوفيل غاوتير Gautier Théophile عبر عن تخوفاته من إمكانية أن حضارتنا التافهة سوف تُفني صورة البربرية الفاتنة . حين قابلت بيل أميراً هندياً في فارس بدت مشدوهة لعدم إكتنافه الأسرار، وخاب ظنها بشدة بسبب إنكليزيته السلسة: هذا يشوه، بشكل ما، الطابع المحلي للمشهد .

بالرغم من إنتفاء السحر جزئياً لم تبق هذه الرحلة، رحلتها الأولى والأخيرة للشرق. إذ سافرت بعد فترة وجيزة إلى فلسطين ولبنان وسوريا. لا يستطع المرء أن يبقى بعيداً عن الشرق بعد أن يكون قد ولجه إلى الأعماق كما كتبت لوالدها.

تعرفت بيل على عالم آثار في باريس، أيقظ فيها حب البحث العلمي، فنشرت عدداً من الكتب والمقالات في علم الآثار جلبت لها إعتراف العاملين في هذا المضمار. عملت أثناء الحرب العالمية الأولى لصالح الإستخبارات البريطانية، بداية في القاهرة ومن ثم في بغداد والبصرة.

دعمت فيصل الهاشمي في العراق لتحقيق طموحاته بالعرش وبعد أن تتوج ملكاً في عام 1921 أضحت بيل مستشارته. في ذات الوقت بنت المتحف الوطني في بغداد. ربما كان طول وقت عملها وتعدد اهتماماتها وعدم ركونها للراحة هي أوجه متنوعة لدواعي هربها. توفت غرترودة بيل في بغداد في تموز/يوليو 1926 عن عمر يقارب 58 عاماً بسبب جرعة زائدة من مادة منومة.

أندرياس بفيلتش
ترجمة يوسف حجازي
قنطرة