ياسر عبد ربه يفتح دفاتر الثورة الفلسطينية(6)

حاول ياسر عرفات تشجيع صدام حسين على المرونة تحت شعار أن القضية الفلسطينية يمكن أن تنتظر سنوات أخرى، وأن لا مصلحة للعرب في أن يعرّض العراق نفسه للأخطار. لم يطلب منه مباشرة الانسحاب من الكويت لكنه لم يكن مؤيداً للغزو. لكن عرفات استبعد وقوع حرب لتحرير الكويت وتوقع التوصل إلى تسوية في الساعة الأخيرة. في المقابل كان صدام يعتقد بأنه سيحقق ما عجز عنه الرئيس جمال عبدالناصر وكان يرى القدس كما يرى بغداد.

كان ياسر عبد ربه حاضراً في تلك اللقاءات. وهنا نص الحلقة السادسة:

> كيف كانت علاقة عرفات بصدام حسين؟

- علاقته بصدام اعترتها مراحل كثيرة. أذكر في بداية عام 1973 ذهبت إلى العراق مبعوثا من أبو عمار مع عدد من القيادات بمن فيهم أبو صالح في محاولة لإعادة العلاقات مع العراق، والتي توترت بسبب موقف العراق بالتخلي عنا خلال حرب أيلول عام 1970 في الأردن.

> هل كان عرفات يشعر بالمرارة من ذلك؟

- جدا. وكان يعتقد بأنهم باعونا ولم يفعلوا شيئا، وانهم على الأقل لو ضغطوا أو ابدوا عدم رضاهم لكانوا أوقفوا ما يحصل، من دون الحاجة إلى التدخل العسكري. وكانت قطيعة وقتها. ذهبنا الى بغداد والتقينا مع احمد حسن البكر، وبمجرد جلوسنا، قال: «كيف لحية صاحبكم؟». تساءلنا: «أي صاحبنا؟». ثم قال: «هل أدز (أرسل) له موساً، أم نصف دينار يحلق لحيته بها» (عن أبو عمار). قال هذا من باب الإهانة. هنا كنا توترنا، وبقينا نقول له: الأخ أبو عمار القائد العام يرسل إليك تحياته، ونأمل بأن نفتح صفحة جديدة في ما بيننا. صدام كان نائباً للرئيس. ولما خرجنا قال لنا: «لا تقلقوا وأبلغوا أبو عمار تحياتي ونحن إخوة والذي مضى بيننا قد مضى، وهذا سوء تفاهم». كان هناك أعضاء في القيادة القومية حريصين على العلاقة لأسباب مختلفة، بمن فيهم عبدالخالق السامرائي. حاول أبو عمار التدخل لإنقاذ حياة السامرائي بعد سنوات عدة عام 1979، ولم ينجح، لأن صدام كان أعطى وعدا للمؤتمر القومي عنده، بأن «من هالشنبات لن يبقى عبدالخالق حياً». كان ياسر عرفات يخاف من تآمر صدام عليه، وكان يعتقد بأن صدام بالذات ليس عنده محرمات، فكان يراعيه مراعاة شديدة. أحيانا كان يخاطبه بالقول: أنت أمل الأمة وقائدها. صدام لم يكن يرد بالاعتذار أو بالطلب من عرفات عدم المبالغة، بل كان يرد عليه بكلمات من نوع: «هذا واجبنا تجاه الأمة يا أبو عمار». بمعنى أنه كان موافقا على أنه بطل وقائد كبير. على رغم ذلك، تفاوتت العلاقة مع العراقيين بين مرحلة «أبو نضال» ومرحلة جبهة الرفض التي كانوا يريدون منها أن يُنشئوا تكتلا خاصا للسيطرة على المنظمة من الداخل، والمرحلة السورية - العراقية. ربما بدأت الأمور بالتحسن بعد عام 1982 وخروج المنظمة من بيروت. عندها بدأت العلاقة تتطور، وبخاصة بسبب التوتر الشديد الذي أصاب العلاقة السورية - الفلسطينية، فتكررت الزيارات.

بدأ العراق يقدم مساعدات سخية لأبو عمار ومنظمة التحرير، وأصبح هناك دور مشترك فلسطيني - عراقي في مواجهة الدور السوري في لبنان. أي طرف لبناني، بما في ذلك الأطراف المسيحية التي كانت معادية لمنظمة التحرير في السابق، وصولا إلى دعم ميشال عون.

> هل حصل ميشال عون على دعم فلسطيني؟

- لم يكن هناك دعم فلسطيني بالمعنى المباشر، بل كان هناك دعم عراقي، أموال عراقية ومساعدات.

> هل حصل على دعم عراقي؟

- طبعا، وكان هذا يتم من خلالنا كفلسطينيين. كنا نحن الواسطة التي تحضر بعض القيادات اللبنانية إلى بغداد للقاء العراقيين.

> هل تذكر بعض هذه القيادات؟

- اعتقد بأن عددا من قيادات «القوات اللبنانية» أخذناهم إلى بغداد. وكانت هناك علاقة وإغداق أموال بالملايين لشراء أسلحة في لبنان. وتوجت هذه المرحلة على أبواب القمة العربية في بغداد التي عقدت في أيار (مايو) عام 1990. بعد هذه القمة دعانا صدام كقيادة فلسطينية إلى العراق. كان ذلك في شهر رمضان. وفي القمة حرضنا على أن نشارك في الحملة ضد بعض دول الخليج، ومطالبتها بأن تكون كريمة في الدفع. ألقى أبو عمار خطابا وقتها فيه نقد لبعض دول الخليج لأنها ليست كريمة وأشار إلى حاجتنا كفلسطينيين وحاجة الدول العربية الفقيرة التي لا تتم تلبية حاجاتها، خطاباً بما معناه «اللهم ارفع عنا ذل السؤال.. وشيئاً من هذا القبيل». كل هذا بتحريض من صدام. بعد القمة عقد اجتماع دعيت إليه اللجنة التنفيذية للمنظمة مع أبو عمار. استمر الاجتماع من الصباح حتى وقت الإفطار. بدأ صدام الحديث بأننا نريد أن نقيم اتفاقا استراتيجيا بيننا وبينكم بعد انهيار الاتحاد السوفياتي وأوروبا لا يمكنها أن تقف في مواجهة أميركا. ورأى أن لا أحد يمكنه أن يواجه القطب الأميركي سوى الأمة العربية، وبخاصة العراق لأن عنده إمكانات وجيشاً قوياً خاض حرباً ضد إيران وانتصر وإمكانات مادية وقيادة عندها قرار. لذلك نريد أن نقيم حلفا ونواجه المرحلة المقبلة التي سيكون للعراق فيها دور طليعي بفضل إمكاناته الهائلة، ملمحا إلى إمكانيات جديدة. لم يقل سلاحا نوويا أو غيره، وهذا سيكون معركة تحرير فلسطين. أبو عمار لم يعلق على هذا الكلام. تعليقاته كانت عامة جدا: سيادة الرئيس أنت أمل الأمة ونحن كلنا معك ونقدرك ونثق بك. يعني مدائح شخصية أكثر مما هي استجابة للكلام المطروح. البعض منا تجرأ مثل جمال الصوراني. أنا من الذين فضلوا الصمت. رد عليه البعض بأن هذا الحلم الذي تتحدث عنه كان عند عبدالناصر وقاد إلى كارثة، وقبله كان عند محمد علي باشا، فلماذا ستنجح أنت؟ قال: «صحيح أن هذا الحلم كان عند عبدالناصر، لكن عبدالناصر لم يكن عنده فلوس. العرب لم يكونوا يعطونه شيئا، نحن ما شاء الله مكتفين وعندنا إمكانيات ولن نكرر أخطاء عبدالناصر». آنذاك قلت في نفسي: لن تكررها، بل سترتكب ما هو أفدح منها بكثير. فهذه كانت واحدة من الخطوات التي فتحت أعيننا على أن صدام في صدد القيام بشيء ما. انتهى من المغامرة الإيرانية ويبدو انه في صدد مغامرة أخرى. فلما صار احتلال الكويت، تمت الدعوة إلى القمة الطارئة في القاهرة، وكان فيها موقف حاد تجاه العراق، وطُلب منه أن يخرج خلال فترة وجيزة.

كان طارق عزيز في منتهى القسوة، إنما أبو عمار كان قلقا للغاية. اجتمعنا مع طه ياسين رمضان الذي كان ممثل العراق في القمة، وأوحى لنا بأن كل العملية وقتية وظرفية وموقتة وغير دائمة وأن الأمور ستتراجع خلال أيام قليلة وان هذه مجرد هزة عصا وهي غير جدية. لم نكن نتخيل أن الأمر سيصير احتلالاً فعلياً للكويت. هذا ما طمأن ياسر عرفات إلى أنها أزمة لن تطول. وفعلا بعد يومين قيل إن القوات العراقية بدأت تنسحب، ثم توقف انسحابها. خلال هذه الفترة ذهبنا إلى العراق اكثر من مرة مع ياسر عرفات.

> والتقيتم صدام؟

- نعم التقينا صدام.

> ماذا كان يقول؟

- في أحد اللقاءات كنا مع أبو اياد. دعانا صدام، حدد موعدا وكانوا حريصين عليه أمنيا. أخذونا في سيارات مغلقة، كل واحد بمفرده. أرسلوا سيارة إلى فندق الرشيد حيث كنت أنا وأبو اياد، وسيارة أخرى أخذت أبو عمار إلى المكان حيث صدام. لاحقا اكتشفنا أن هذا المكان داخل حديقة الزوراء. لما أرسلوا السيارات، طلبوني أنا وأبو اياد بالاسم. أبو اياد قال فجأة إن عنده مغصاً ولن يذهب. ذهبت وحدي. ولما دخلت كان صدام وأبو عمار فقط. سأل أبو عمار: أين أبو اياد؟ فأجبت بأن ابو اياد أصيب بعارض صحي سيئ جدا، ولذلك يعتذر عن عدم تمكنه من المجيء. اعتقد أن صدام فهم أن المسألة ليست عارضا صحيا لذلك لم يعرض إرسال أطباء إليه، بل سكت. كان صدام يعطينا تطمينات شديدة إلى انه لن تكون هناك حرب، وأن العراق قوي إلى حد سيمنع وقوع الحرب. في حين كانت مئات الألوف من قوات التحالف تتدفق إلى المنطقة. أبو عمار كان يقول عبارات من نوع: سيادة الرئيس، فلسطين وقعت فيها الكارثة ومضى عليها 40 أو 50 سنة، وتتحمل 15 سنة إضافية، لكننا لا نريد كارثة ثانية في العراق. فأمسكه صدام من يده وأخذه إلى الشرفة، أنا طلعت أيضا، وكانت أضواء بغداد مشعة، فقال له صدام: «أنا شايف القدس أمامي، مثل ما شايف أضواء بغداد». عادة هكذا خاتمة درامية تختم أي نقاش،لأنه لن يعود هناك عقلانية ولا حوار. فغادرنا.

> هل اقترح عليه أبو عمار الانسحاب؟

- لم نكن نتحدث عن حلول عملية. في الفترة نفسها حصل لقاء رباعي ضم الملك حسين وعلي سالم البيض عن اليمن والعراق، واعتبرت هذه دول الضد والمواجهة. كنت حاضرا مع أبو عمار وعدد من أعضاء اللجنة التنفيذية. عقد اللقاء في بغداد. قدم صدام مداخلة مطولة عن أن العراق قادر على أن يصمد في وجه قوات التحالف.

ربما كان هذا الكلام قبل أسبوعين أو ثلاثة من بدء الحرب، وقبل لقاء طارق عزيز مع جيمس بيكر في جنيف. بعض الحضور مثل رئيس وزراء الاردن مضر بدران كان يقول: يا سيادة الرئيس ابق ممسكا بالكويت ولا تتركها حتى يساوموك على فلسطين. وراح صدام يشرح لنا كيف أن الجيش العراقي قادر على مواجهة كل الاحتمالات. علي سالم البيض كان يوجه إليه الأسئلة من نوع أنهم قادرون على تعطيل الطيران العراقي، وبذلك يعطلون وسائل الاتصال وحركتك والتموين، فكيف ستواجههم؟ كان صدام يجيب أنه حاسب حساب كل شيء وأن الطيران قادر وجاهز كما أن الجيش العراقي تحت الأرض. ليس هناك أي برميل فوق الأرض، كله مخفي. أقمارهم الاصطناعية مشلولة لأنها لا ترى شيئاً، كما أنني أعطيت أوامر حتى آخر وحدة في الجيش العراقي ألا يوقفوا القتال او يستسلموا حتى لو سمعوا صوت صدام حسين في الإذاعة يقول لهم أوقفوا القتال أو استسلموا، وعندهم تعليمات كافية حتى لو انقطع الاتصال معهم، وهناك خطط لمنع انقطاع التموين. أبو عمار أعاد مقولته بأننا لا نريد أن نخسر العراق، وتكفينا خسارة فلسطين، لأنه ما زالت هناك فرصة والمؤامرة كبيرة على العراق وفلسطين والجميع. صدام كان يرد: أن الموضوع هو موضوع إعادة فلسطين، وإذا أرادوا منا أن نخرج من الكويت فليعيدوا إلينا فلسطين. ثم طلبوا منا أن نعد مشروع بيان عن الاجتماع، فخرجت ومعي طارق عزيز. طبعا طارق عزيز تحدث خلال الاجتماع أمام صدام بتطرف أكثر من صدام، أن كل هذه الحشود لا قيمة لها وقادرون على هزيمتها بالإرادة والتصميم، وراح يخطب. أثنى عليه عزت الدوري باللهجة نفسها. وبينما نحن خارجون لصياغة البيان، كلمني طارق عزيز همسا، وقال: «اطلب من أبو عمار أن يشد على رئيسنا في الكلام الذي قاله». يعني طارق عزيز يريد أن يلملم الموضوع، لكنه غير قادر على قول ذلك أمام الرئيس.

أخبرت أبو عمار ذلك في ما بعد، فقال: أنا اعرف أنهم لا يستطيعون. أبو عمار بقي على موقفه العلني يريد أن يساير صدام، لكن موقفه الداخلي كان مختلفاً. كان مشككا في إمكانية وقوع الحرب. وكان يعتقد أنهم سيحلونها بطريقة سلمية في النهاية. وهو كان يظن أن خسائر كبيرة ستقع في صفوف قوات التحالف على أيدي الجيش العراقي، وهم لا يريدون أن يغامروا بخسائر كبيرة. وفي الوقت نفسه كان يعتقد بأن صدام يشد الخيط حتى الآخر ثم سيرخيه، لأنه يعرف أنه سيواجه قوة هائلة، لن يتمكن من أن يقاتلها. وكان مقتنعا بأن أي تسوية ستنقذ العراق، وبالتالي فلينقذ علاقته مع العراق، أما العلاقات العربية الأخرى فيمكن ترميمها في وقت لاحق، بخاصة أن العراق كان قوة دعم كبيرة له، ليس فقط بطريقة مباشرة، إذ لما كان أبو عمار يواجه مشاكل في تونس، كان يذهب إلى بغداد ويقيم هناك أكثر من شهر، معتكفا، ولم يكن له ملجأ آخر.

> كيف كان يعاني؟

- أحيانا كانت له مطالب وكان التونسيون يعتبرون أنها تمس الأمن التونسي الداخلي. كان يريد أن يدخل عناصر من جماعته، مثل هواري الذي طرده التونسيون ورفضوا إدخاله. وظل هذا الموقف إلى الفترة التي سبقت اندلاع حرب تحرير الكويت. قبل اندلاع الحرب أرسلني عرفات إلى الكويت بالاتفاق مع صدام من اجل اللقاء بسبعاوي (شقيقه) وعلي حسن المجيد (ابن عمه) اللذين كانا مسؤولين عن الكويت، من اجل مناقشة وضع الجالية الفلسطينية هناك. نحن كنا في بغداد وجاءنا مندوبون عن الجالية، وقالوا إن حالة الجالية مأساوية. من ناحية انخفضت مداخيلها إلى الصفر، بخاصة صغار الموظفين، من كان يتقاضى 400 دينار كويتي صاروا يعطونه 400 دينار عراقي، لأن العراق قرر أن يساوي الدينار الكويتي بالعراقي، والبنوك مقفلة والحالة مزرية. طلب ياسر عرفات من صدام أن يرسل أشخاصا إلى هناك. فذهبنا والتقينا سبعاوي والمجيد وكانت جلسة من الجنون المطبق. بدأ سبعاوي بالهجوم علينا بأن الشعب الفلسطيني في الكويت شعب خائن سنوزعهم على كل المحافظات العراقية، لماذا يتجمعون في المحافظة الـ19؟ (أي الكويت)، فليذهبوا إلى الموصل أو أي مكان آخر. ثم لماذا لم يستجب أحد منهم لدخول الجيش الشعبي الذي فتحنا أبوابه لهم، فلم يتطوع منهم أحد في المعسكرات تمهيدا لمواجهة الغزو، وبعضهم له علاقات مع مؤيدي أمير الكويت ويتعاونون مع المقاومة الكويتية. نحن كنا نريد أن نقول لهم أن يخففوا عن الفلسطينيين قليلا، وإذا بهم يريدون أن ينهوا الوضع. أما علي حسن المجيد فكان يحاول أن يبدو اكثر عقلانية، فلما تكرر الهجوم من سبعاوي وبعنف، كتبت ورقة إلى المجيد، قلت فيها: إذا استمر هذا الجو فالأفضل أن نعتذر ونعود إلى بغداد. شاهدني سبعاوي اكتب ورقة، فقال: ما هذا؟ تبعثون أوراق لبعضكم بعضا وأنا موجود. عندها رد المجيد بأن لا شيء يحصل بل مجرد كلام بيننا. حاول المجيد أن يهدئ الوضع، لكننا لم نخرج بشيء. في اليوم التالي عدت إلى بغداد، وقدمت تقريرا إلى أبو عمار قلت فيه: الله يحمي المساكين جماعتنا في الكويت حيث الوضع مأساوي ولا حل له. عدا عن الفوضى السائدة في البلد، فإن البلد كانت تنهب.

أرسلني أبو عمار خلال الحرب حاملا اقتراحا من السوفيات إلى العراق، بأن يخرجوا من الكويت، وتصير هدنة 3 أيام كي ينظموا خروجهم من الكويت حتى الحدود القديمة. أعطاني السوفيات هذا المقترح، وذهبت أنا وابو مازن الى موسكو. حاولنا الاتصال بالعراقيين عبر سفارتنا فلم يكن الاتصال ممكنا. قال أبو عمار إن الأفضل أن يذهب أحدنا إلى بغداد، فجئت إلى تونس فعمان، ثم عبر طريق البر في رحلة جنونية إلى بغداد. تعرضنا إلى اعمال قصف على الطريق. كان معي رجلان أو ثلاثة في سيارتين ومعنا سيارة تموين. فوجئنا في الطريق بالجنود العراقيين وكان بعضهم يقول لنا إنه منذ ثلاثة أيام لم يصلهم طعام. نحن قلنا: إذا كانت هذه حال الذين على حدود الأردن، فكيف بالمساكين على الجبهة العراقية - الكويتية؟ وأخيراً وصلنا بغداد.

طارق عزيز متخفياً

> من التقيت في بغداد؟

- وصلنا بغداد متأخرين في اليوم نفسه، فاتصلنا بالعراقيين عبر السفارة والسفير، وطلبوا مني أن أداوم في السفارة منذ صباح اليوم التالي، وأن أحدهم سيأتي ليأخذني. طلبت أن التقي صدام. بعد الظهر وجدنا سيارة تويوتا بيضاء قديمة، نزل منها شخص يرتدي دشداشة عراقية وعلى رأسه حطة وطلع إلى مكتبنا في السفارة الفلسطينية في الطابق الثاني. وإذا به طارق عزيز متخفياً، لأنهم كانوا خائفين من مطاردة الطائرات لهم. سألته عن الوضع، فقال: «خسائرنا في البشر قليلة، لكن خسائرنا في المعدات باهظة. 90 في المئة من معداتنا في الكويت دمرت». قلت له إنني مبعوث وعندي اقتراح، إذا كنتم مستعدين. قال: «نحن مستعدون»، بلهفة شديدة. كانت حركاته عصبية جدا، وواضح عليه الارتباك الشديد. أبلغته بالاقتراح السوفياتي وهو هدنة لثلاثة أيام وأن يخرجوا من الكويت. وقلت له: «أخ أبو زياد، ألا تريد أن تراجع؟». فقال: «من دون مراجعة، نحن موافقون». استغربت هذا الكلام، لكنه أعطاني انطباعا بأن حالتهم كانت مرتبكة جدا، ويريدون أي هدنة حتى ينقذوا ما تبقى. رجعت فورا إلى عمان فوجدت ياسر عرفات بانتظاري، أخبرته عن انطباعي بأن وضع العراقيين في غاية السوء وحالتهم مرتبكة وبأنني عرضت عليهم الاقتراح السوفياتي ووافقوا. فقال: «لا تخبر أحدا عن انطباعك عن حالتهم». في اليوم الثاني ذهب ياسر عرفات إلى بغداد. بقي يومين ثم عاد، أظن أنه لم يقابل صدام، لأنه كان مختفياً لأسباب أمنية، لكن عرفات تلقى الانطباع نفسه. ذهبنا إلى موسكو ووجدنا طارق عزيز أيضا هناك. كان هناك اقتراح من غورباتشيف بأن الاتحاد السوفياتي يقترح هدنة ووافق طارق عزيز مع القيادة السوفياتية على الهدنة، لكن الأميركيين ردوا بالرفض، وطالبوا أن يبدأ العراق بسحب قواته، وبأنهم سيتعاملون مع الوضع كما يرونه مناسبا. لم يلتزموا بوقف العمليات، ففشل الاقتراح.