حوارات في الحضارة السورية

إن التاريخ كله ، عبارة عن تاريخ معاصر، هذا ما يقوله المؤرخ الإيطالي Benedetto Croce
فليس ثمة تاريخ يعيد نفسه ،وليس هناك تاريخ لن يعود .
فحكاية الإنسانية تمتد عبر خط واحد في الزمان والمكان ، وتشابه الحدث التاريخي عبر الأزمنة لا يدل على أن التاريخ عاد، فالإنسان لا يسبح في نفس النهر مرتين .
بهذا العبارة يبدأ الدكتور بشار خليف كتابه الجديد \ حوارات في الحضارة السورية \.

يضمّ الكتاب جملة من الحوارات مع باحثين ومؤرخين أجانب وعرب وسوريين، أجريت على مدى عقدين من الزمن تقريباً.
وقد جاءت هذه الحوارات في سياق عمل المؤلف عبر حضور المؤتمرات الدولية التي عَنَت الحضارة السورية بكافة أوجهها ومراكزها وفاعليتها، بالإضافة إلى حوارات خارج السياق السابق .
و تمتد من عام /1989/ وحتى /2007/، مع الأخذ بعين الاعتبار لعامل الزمن وقد جاء في مقدمة الكتاب : (( حيث أن هذه الحوارات سواء في أسئلتها أو أجوبتها هي ابنة تاريخها، لا سيما وأننا في حقل الآثار والتاريخ في المشرق العربي، نحن أمام معطيات متجددة دائماً.
أيضاً، لا يعني هذا الأمر أننا لم نتقصد في الحوارات تلك مناقشة البنى والمعايير والاصطلاحات التي تشكّل رائز مطلق حضارة، لهذا نجد أنفسنا نتدخل في محاولة لهزّ راكد البديهيات التي وشّحت الدراسات والأدبيات التاريخية لحضارتنا.
تبتدئ هذه الحوارات بعام /1989/ عبر الندوة الدولية لتاريخ وآثار محافظة إدلب والتي انعقدت في إدلب في الفترة بين 25-28 أيلول.

وقد أجرينا خلالها لقاءات مع البروفسور باولو ماتييه PAOLO MATTHIAE
- مكتشف إبلا في تل مرديخ، الدكتورة غابرييلا ماتييه GABRIELLA MATTHIAE
، الدكتور هورست كلينغل HORST CLENGEL ، الدكتور علي أبو عساف، الدكتور عدنان البني، الدكتور أنطون سليمان، البروفسورة إيفا شترومنغر
STROMMENGER EVA
، الدكتور شوقي شعث، الأستاذ وحيد خياطة، الدكتور مانفريد كويبرنيك MANFRIED GREABERNIC
.
وعام /1990/ وفي الفترة بين 29-31 تشرين الأول، جرت وقائع الندوة الدولية لتاريخ وآثار السويداء. وقد أجرينا من خلالها حوارات عديدة مع الباحثين المشاركين:
الدكتور فرانسوا فيلنوف FRANCOIS VILLENEUVE
، البروفسور ميخائيل ماينكه MICHAEL MEINECKE
، الدكتور فرانك بريمر FRANK BRAEMER
، الدكتور كريستيان أوجيه CHRISTIAN OJET
، الأستاذ بشير زهدي، الدكتورة هيلغا زيدن HELGA SEEDEN
، الدكتور فواز الخريشة، الأستاذ محمد الخولي.
وفي الندوة الدولية لتدمر وطريق الحرير، والتي تمت في مدينة تدمر في الفترة بين 7-11 نيسان عام /1992/، أجرينا حوارات مع الأستاذ خالد الأسعد، الدكتور نقولا زيادة، الدكتور محمد حرب فرزات، الدكتور ميشيل غاوليكوفسكي MICHEL GAWLIKOWSKI
.
بالإضافة إلى إجراء استبيان عن بناء تدمر بين المرويات التوراتية والحقيقة العلمية الموضوعية. وقد رافق الندوات الثلاث جملة تساؤلات اختصت في محاولة إعادة النظر في البديهيات التاريخية التي كادت أن تُشكّل حقائق موضوعية بمجرى الزمن، منها، استخدام اصطلاح السامية، الهجرات السامية، وهل نحن أمام الأخذ بفلسفة التاريخ أم بعلم التاريخ.. إلخ.
والجدير ذكره هنا، أن معظم هذه الحوارات نُشرت في صحيفة البناء - صباح الخير اللبنانية.
أيضاً، ثمة حوارات جاءت خارج إطار تلك المؤتمرات وهي مع الدكتور حسني حداد /1991/، الدكتور نائل حنون /2006/، الدكتور محمد بهجت قبيسي /2007/، الدكتور عفيف بهنسي /2007/، الدكتور محمد محفّل / 1991/، الدكتور حميدو حمادة / 2007/.
وقد نشرت هذه الحوارات حسب ترتيب الأسماء: مجلة البناء \صباح الخير اللبنانية وصحيفة الحياة اللندنية - مجلة مهد الحضارات السورية - نشرة كلنا شركاء في الوطن الإلكترونية - نشرة كلنا شركاء في الوطن - صحيفة الديار اللبنانية .
كما نشرت دراسة مصطلح السامية واستبيانها في صحيفة تشرين السورية في /17/12/2000.
كذلك نشر استبيان ودراسة مركز الرقم المسمارية في مجلة تشرين الأسبوعي.
وبعد..
أرجو أن أكون قد وُفقت في تقديم هذه الحوارات بشكل يليق بالأسماء المحترمة واللامعة في حقل البحوث الآثارية والتاريخية السورية، مع الوقوف باحترام وتأسف على الذين رحلوا - ممن التقيناهم- إلى " بيت الأبدية " وأخص منهم: " الدكتور نقولا زيادة - الدكتور سليم عبد الحق - الدكتور حسني حداد - الأستاذ نسيب صليبي ".
وفي الختام.. باقة حب لمن آزرني وقدّم يد العون الفنّي والعملي خلال تلك الندوات ولا سيما المهندسة ماريان صفائي والأستاذ هيثم حسن من المديرية العامة للآثار والمتاحف السورية.
كذلك تقدير للآنسة شيرين علي على المساعدة الثمينة التي أمدتني بها طيلة التحضير لإعداد هذا الكتاب. )).
وقد شمل الكتاب على ملحق خاص عبارة عن ترجمة لوثائق مسمارية من مدينة ماري تتحدث عن وقائع شراء مملكة ماري من مملكة يمحاض \حلب ، مدينة تابعة ليمحاض هي مدينة آلالاخ الواقعة في سهل العمق ، وقد ترجمها الكتور حميدو حمادة .
كذلك حوى الكتاب على ملحق عبارة عن استبيان حول مصطلح السامية من الوجهة التاريخية شمل مجموعة باحثين عرب وسوريين .بالاضافة الى ملحق \ استبيان لمجموعة باحثين أجانب وعرب وسوريين حول بناء تدمر بين المرويات التوراتية وعلم الآثار.
كذلك استبيان حول ضرورة انشاء مركز للابحاث والرقم المسمارية في سوريا ، شمل عددا من الباحثين السوريين .
وقد ازدان الكتاب بصور لآخر المكتشفات الأثرية في سورية ، من مواقع : الميرا في بادية الشام. صور للجمل العملاق المكتشفة آثاره في موقع بئر الهمل في بادية الشام ويعود الى 300000 سنة .
صور من آخر مكتشفات مدينة قطنا ، وتل أسود .
جاء الكتاب في 296 صفحة من القطع المتوسط ، وصدر عن دار الرائي في دمشق .
وقد أهدى المؤلف كتابه هذا الى والده الدكتور محمد خليف والدكتور محمد محفل .

من حوارات الكتاب : حوار مع البروفسور نقولا زيادة

è دكتور نقولا...
اقرأ لي كل الأسئلة بالأول...!
è السؤال الأول عن تفاعل الثقافات عبر طريق الحرير، بين حضارات الشرق الأقصى وحضارة بلاد الشام..هل يمكننا الإضاءة على طبيعة المبادلات والعلاقات الثقافية بين كلتا الحضارتين ؟
الحقيقة أن هذا الطريق المسمى طريق الحرير، تسميته متأخرة، فالطريق هذا كان موجوداً من أواسط آسيا وحتى البحر المتوسط، عبر التاريخ، التاريخ القديم جداً. بمعنى أن أشياء كانت تُنقل من مكان إلى مكان ثم يتبادلها التجار كما تتبادلها القوافل في المرحلة الثانية. ما في شيء المقصود منه أنه كان بضاعة تُحمل. حتى الحرير ما كان يحمل من الصين إلى تدمر رأساً بنفس القافلة، دائماً كان هناك تغيير...
è محطات ؟
محطات أولاً لأنه كان هناك جماعات سياسية مختلفة، بعضها يسمح وبعضها الآخر يعارض، بعضها يريد أن يستفيد هو نفسه من النقل، ولذلك يُفضل أن يكون التجار محليين. فالتحدث عن شيء اسمه طريق الحرير، طريق القطن، أو أي طريق آخر، بمعنى أن البضاعة تشحن من الصين وتفرغ في طرابلس أو حمص أو تدمر ..لا.. ما عمره كان في رأيي كذلك..
هذا الطريق، " الحرير "، طوله 11 ألف كيلو متر، ونحن نتحدث عن أيام الدواب، حتى الجمل لم يكن معروفاً فالجمل جاء متأخراً كما نعرف.
حتى الحجاج في القرن الماضي / التاسع عشر/ وأوائل القرن الحاضر / العشرين / قبل أن تبدأ سكة الحديد كانوا ينتقلون من دمشق إلى المدينة على مراحل ويبدّلون الدواب، فأهل معان كانوا يجمعون الخيل والإبل حتى يؤجرونها أو يبيعونها..
فإذا كنا هنا أمام /1500/ كيلو متر وحج، ونحتاج إلى تبديل فما رأيك بالبضائع والسلع التجارية التي تحتوي كميات كبيرة ومختلفة.
فإذا قبلنا هذه الفكرة.. يترتب علينا عندئذ، أن لا نتساءل عن تأثير الشرق الأقصى في البادية السورية، ولكن نفتش إذا كانت تنقّلت هذه الأشياء مع الزمن من مكان إلى آخر. مثلاً، سأتحدث بشكل عام...
أنا زرت بخارى وسمرقند وطشقند، في بخارى تجد حالياً فيما تبقى من الآثار الإسلامية السامانية التي تعود للقرن الرابع الهجري / القرن التاسع والعاشر الميلادي / تجد آثار الصين في الألوان..فهناك يبدأ اللونان الأصفر والأزرق يتجاوران في البناء.
هنا في المنطقة عندنا نحن، لا يوجد تجاور أزرق وأصفر، هناك تجاور ألوان أخرى، القضية قضية جو ومناخ وشمس، لذلك تلاحظ حضرتك أنه حتى الآن الأماكن التي فيها ضوء ساطع، الألوان التي تستعمل فيها هي الألوان الفاقعة، حتى تخفف من حدة الضوء، على عكس الأماكن التي تنعدم فيها الشمس، حيث نجد استخداماً للألوان الفاتحة، كي تفتح لك قلبك.. هذه مهمة..
لما شاهدت هذا في بخارى، كنت من قبل زرت أصفهان، وهذه الأماكن ليست على ما يسمى بطريق الحرير، ولكن على الطريق الذي يؤدي من أواسط آسيا إلى بلاد الشام.
في أصفهان انعدم الجوار بين الأزرق والأصفر، صار المسجد الأكبر في أصفهان، مدرسة لطف الله أيضاً وهذه في أوائل القرن السادس عشر / الصفويين / حيث تجدها زرقاء إنما لون أزرق لطيف. أما التجاور الذي جاء من الصين ويوجد في بخارى، فلم أجده في أصفهان، يمكن أن يكون في أماكن أخرى لم أزرها. لكن الذي أريد أن ألفت النظر إليه، أن هذا التجاور ينعدم عندما نصل إلى أصفهان ونغرّب، ننتقل إلى الغرب. فإذن أي نوع من التأثير أو التأثر، يكون قد انتقل عبر قرون طويلة ونتيجة شيء شمل هذه المنطقة في وقت ما شمولاً تاماً، وهذا معناه بالدرجة الأولى بعد نشوء دولة الخلافة الإسلامية.
فلما قامت الدولة العربية الإسلامية، فتحت طريقاً أكثر من قبل، وهذه الدولة لها شخصيتها، في جوامع، مدارس، أماكن عبادة، قصور للخلفاء، قصور للسلاطين هنا وهناك.. فصار هناك شيء جديد، هنا صار مجال جديد للاستعارة والاستفادة من الجوار.
فمثلاً، حين زُينت سمرقند في أيام تيمور، كان المزينون لها، صناع دمشق، حيث لما جاء تيمور إلى دمشق، أخذ كل الصنّاع المهرة في دمشق وحلب وغيرها لتزيين عاصمته، فمن الطبيعي عندئذ أن تجد آثاراً شامية، / شامية بمعنى الشام الواسع /، وهذا رأيته أنا..وموجود بعض آثارها، تبيّن بوضوح من أين قادمة. على سبيل المثال، بعد غزو تيمور لدمشق، لم تعد دمشق تصنع الزجاج لأنه أخذ كل صنّاع الزجاج، فصارت بلاد الشام تستورد الزجاج من البندقية، / تصوّر إلى أين وصلنا /.. فهذه أمثلة عامة.. فكل ما كان لديك دولة ولو تجزأت فيما بعد، ولكن بقي اسمها العالم الإسلامي، ينتقل فيه الناس على الأقل الصناع والتجار بشيء من الحرية / بلاش نقول حرية /. الانتقالات أو الاستعارات هنا ممكنة أكثر، ولكن مع هذا كله، قندهار في أفغانستان تُمثل نموذجاً بعيداً بعيداً جداً عن بلاد اليونان في الفن اليوناني، إثر حملة الإسكندر، ليست إثر الإسكندر، إثر من جاء بعده.. وهذا ينطبق على أشياء كثيرة.
لذلك أرجو من الذين يفكرون في التفاعل الحضاري على درب الحرير، أن لا يفكروا بانتقاله مثل شوية شاي انتقلت من هناك فوراً كي تغليها في تدمر !!. لا..هذه أشياء انتقلت عبر قرون.
وهناك شيء يجب أن يذكر يتعلق بالتجارة، أكثر الذين يتحدثون عن التجارة يفكرون بالتاجر، ولكن هناك شيء آخر، هو الحاج، فاعتباراً من القرن الثاني والثالث الهجري، تدفق الناس إلى الحجاز للحج، وكثيرون لم يكونوا يحملوا معهم الدولار..! كانوا يأتون بمنتوجات جميلة، أنيقة من بلادهم تباع في الطريق، ويتزودون بثمنها وهذا لم يكن ضد الشرع، بل شيء مشروع. إذن هذا الحاج التاجر البسيط، قد يكون له أثر في نقل قطعة قماش من المغرب أو السنغال فيما بعد إلى مكة أكثر من التاجر. التاجر يقول لك من يأخذ قطعة قماش من السنغال ويبيعها في مكة ؟ والحقيقة أنا معني كثيراً بالطريقة التي تنتقل فيها الآثار الحضارية. الآثار الحضارية لم تنتقل أبداً، حتى في العصور الحديثة، بشكل قوي..
è بمعنى أنها لم تكن تنتقل بقرار رسمي ؟
لا.. هناك شيء من هذا القبيل..فلما احتلت الولايات المتحدة الفلبين، وجدت أن أهل البلاد يتكلمون عدداً من اللغات من جهة وأكثرها غير مكتوب، فقررت أن تعلمهم اللغة الإنكليزية فأصبحت اللغة الإنكليزية لغتهم الرسمية.
إسبانيا، كانت في الفلبين مدة طويلة قبل الولايات المتحدة، لم تفرض وتقرر هذا الأمر، حيث تعلّم بعض الفلبينيين الإسبانية للمنفعة. ولكن الآن أصبحت اللغة الثقافية والفكرية والأدبية والرسمية في الفلبين هي اللغة الإنكليزية. هذا قرار لنقل أثر من الآثار الثقافية مباشرة.
إذن الانتقال، التأثير والتأثر من الشرق إلى الغرب، وبالعكس، ممكن، ولكن يجب أن يفكر به على أساس أنه قد ينتقل بشكل كبير ثم يقف هناك. يعني لم تكن هناك ضرورة أن يأتي قماش من الصين أو توابل الهند، أن كل واحد أو كل تاجر هندي يصل إلى المكان الذي يريد لتجارته، حيث لم تكن يُسمح له.
في الحجاز مثلاً، وفي غرب الجزيرة العربية، أهل مكة، لم يكونوا يسمحون لأهل اليمن بأن يتاجروا مع الشام مباشرة. كانت تجارة اليمن تنتهي في مكة. عندما كانت البتراء مثلاً، لم تكن هذه تسمح للتجار من بلاد العرب أن ينقلوا البضائع إلى غزة أو دمشق..هذه كانت تعتبر فوضى..
قد يكون في هذا ظلم للآخرين، ولكن ماذا تستفيد البتراء إذا فتحت الباب لانتقال التجار عبرها..الفائدة كانت أن البتراء كانت تؤمن للناس والتجار أماكن لخزن البضائع، وهذه معروف عن البتراء ومن أشيائها المهمة. هذه الأشياء يجب أن تذكر لذلك نستطيع أن نجد أثراً دون أن يفرض عليها أنها جاءت على جمل واحد من أواسط الصين حتى وصلت إلى تدمر وحطت حمولتها.
è هل يمكن أن تحدثنا عن طبيعة حركة التجارة وانتقال السلع بشكل عام بين بلاد الشام ومناطق الشرق الأقصى ولا سيما في فترة الفاعلية الرومانية.
في فترة الإمبراطورية الرومانية، كانت هذه الإمبراطورية تشمل على مجموعة كبيرة من البشر..فيها كثير من الحضارة والرغبة في الرفاهية، ولذلك كانت تحتاج إلى أشياء كثيرة غير موجودة فيها. وأنا أقصد الإمبراطورية الرومانية هنا، حين احتلت كل البحر الأبيض المتوسط. الآن الخمور والدهون واللحوم موجودة، ولكن العطور قليلة، فالنباتات العطرية في البحر المتوسط كانت قليلة ولم يكن هناك تصنيع لها، التصنيع جاء متأخراً. التوابل لم تكن موجودة ولا الفلفل ولا القرفة ولا الزنجبيل.. ولا جوزة الطيب، وهذه الأشياء عندما يتعودها الناس في الأكل يصعب عليهم الاستغناء عنها..آنذاك اعتاد الناس على اللآلئ، على المجوهرات، على أنواع من الأقمشة كانت تصنع في الشرق الأقصى ومنها الحرير.
وهنا أودّ أن أشير إلى طريق الحرير غير البري، فالحرير في القرن الخامس والسادس الميلادي كان يأتي إلى الإمبراطورية الفارسية والبلاد المجاورة، أكثره عن طريق سيلان، كان يأتي من الصين إلى كسيلا في غرب الهند، وهناك ينتقل إلى الموانئ الهندية فسيلان ومن سيلان ينقل. والدولة التي سمحت لنفسها باحتكار تجارة الحرير رسمياً كانت دولة الساسانيين، التي لم يسمح للحرير أن ينتقل بعد سيلان إلى الغرب إلا عن طريقها.
جرّبت الإمبراطورية البيزنطية في أواخر القرن الخامس وأوائل القرن السادس أن تجذب شيئاً من تجارة الحرير، لأنها كانت من المناطق التي تستهلك كميات هائلة من الحرير، أن تأتي بالحرير عن طريق أكسوم الحبشية، فلم تنجح لأن التجار اعتادوا، ويبدو أنه كانت هناك شبه اتفاق فيما بعد بين الجماعات المؤثرة اقتصادياً أو تجارياً بالدولة البيزنطية، والجماعات المؤثرة اقتصادياً في الدولة الساسانية إما رأساً أو بالواسطة أن يتم التقاسم، فالحرير لنا وخذوا ما تشاءون. فكانت الطيوب والبخور والمجوهرات كلها تأتي من سيلان إلى الغرب بأي طريق شاءت ولا سيما عبر البحر الأحمر أو الطريق البري. فالحرير كان يصل عن طريق الساسانيين.. الآن، ما الذي كان يدفعه الغرب مقابل هذا ؟
كان الغرب يبعث بكميات كبيرة من الخمور التي كان مرغوباً فيها في الهند، خمور اللاذقية حيث كانت هذه مركز التصدير. فالخمور الطيبة في بلاد الشام هي في المناطق الجبلية، من اللاذقية إلى جنوب لبنان إلى شمال فلسطين. وهنا أقصد بالخمر النبيذ وليس العرق، لأن العرق بقي مشروب داخلي وطني. وكانوا يرسلون كميات كبيرة من الزيوت، زيت الزيتون كان مرغوباً في الهند.. الهند ليس فيها شجرة زيتون واحدة، الصين تحتوي قليلاً على أشجار الزيتون لكن لا يعرفون قيمتها.
والعالم الروماني كان مشهوراً بصنع الأدوات المعدنية، وتستغرب إن عرفت أن الحديد كان مثلاً يُنقل من شرق أفريقيا إلى الهند حيث يصنع فولاذاً ثم يؤتى به من الهند إلى اليمن لصنع السيوف.
السيوف الدمشقية / حيث كانت دمشق مشهورة بصنعها / كانت ترسل إلى الهند، وبالمناسبة، كانت ترسل أنصال السيوف فقط، حيث أن اليد والغمد يصنعان محلياً، لأن هذا يأخذ حجماً واتساعاً في التجارة. سيوف بلاد الشام عندما كانت ترسل إلى مكان آخر، كان يرسل النصل فقط وهناك يتم تركيب اليد والغمد. وكانت هناك حاجة لدى الرومان للموازنة بين صادراتهم ووارداتهم، ولذلك الإمبراطورية الرومانية فقرت بقدر ما أرسلت من الذهب والفضة ثمناً للأشياء التي كانت تستوردها. ويُخيّل إلي / حيث لا وثيقة لدي تثبت ذلك / أن الحرير الذي كان يأتي عن طريق البر، ويأتي إلى منطقة إيران حيث أن في إيران كانت هناك دولة مهما كان نوعها، ولكن فيها دولة فيها شيء من الرتابة، هذه الدولة هي التي كانت تتولى الأمر، وهي التي كانت توازن التجارة ولعل كمية كبيرة من الأشياء التي جاءت، كانت تسدد فواتيرها بالذهب وإذا لم يكن بالذهب فبالفضة. ولم تكن هناك بضائع كافية تذهب إلى الصين، فالصين بالنسبة للعالم القديم، هي البلد الذي يصنع تقريباً كل شيء. فأرضهم واسعة وشعبهم كثير وإمكانياتهم هائلة... بشكل عام الأشياء التي كانت تصدر من هنا إلى الصين كانت قليلة. وكان تصدير البضائع إلى الهند أسهل لأن البحر يحمل البخور والزيوت أسهل من ظهور الدواب. فمن البحر الأحمر إلى الهند.
لذلك في القرن الأول والثاني الميلادي، بدأت تصدر قرارات في الإمبراطورية الرومانية بمنع استيراد أشياء من الخارج، لعدم وجود الذهب لديهم ومصادر الذهب التي كانت في أفريقيا، يبدو أن الرومان لم يستطيعوا الوصول إليها، لأنه كان معروف شيئاً عن هذه المصادر منذ أيام الفينيقيين حيث كانوا يحصلون عليها من المناطق المدارية في أفريقيا.
لهذا لم يكن مورد للذهب لدى الرومان..وعرفت هذه المصادر بعد ذلك في أيام العرب لما أصبح الجمل وسيلة للنقل والتجارة فعاد الذهب يستخرج لأن سكان المنطقة المدارية يحتاجون للملح، وهذا كان يُنقل إليهم مقابل الذهب وكانت التعرفة بينهما وزناً لوزن، فصار هناك مورد جديد للذهب.
لذلك فالدولة العربية الإسلامية في أول الأمر استولت على مصادر كثيرة للذهب، منها هذه، عن طريق التجارة، والتجارة كانت قوية سواء في السودان، أو في المناطق الجبلية الأخرى، ومنها أيضاً الذهب القليل الذي كان يأتي عبر التجارة من أوروبا، وظل هذا حتى جاءت الغزوة الهلالية / في أواسط القرن الخامس الهجري، الحادي عشر الميلادي / حيث سدت طريق الذهب من أفريقيا إلى الشرق. حتى الدولة الفاطمية في مصر، لم يعد لديها ذهباً في ذلك الوقت. / وبهذه المناسبة، دعني أعود إلى الساسانيين فتسديد ثمن البضائع كان يتم بالفضة وليس بالذهب، لأن الساسانيين لم يستعملوا الذهب نقداً // عفواً أنا غلطت بهذه سابقاً // فهذا الآن الوضع الذي يمكن تصوره.
è اسمح لي أن أنتقل إلى الفترة الإسلامية.. ممكن ؟
طبعاً.. أنت تسأل وأنا بجرّب جاوب..
è المعروف في علم الاجتماع أنه حين تكون هناك ثقافة صحرواية / في الجزيرة العربية /، في مقابل ثقافة زراعية، تجارية، رعوية، / في بلاد الشام/.. فحين تأتي الثقافة الأولى إلى هذه المناطق.. حسب قوانين علم الاجتماع، نكون أمام عدة احتمالات.. فإما أن تقضي الثقافة الأدنى على الثقافة الأعلى بالمرتبة الحضارية، أو أن يتم استيعاب الثقافة الأدنى من قبل الثقافية الأعلى حضارياً..
الآن .. هل يمكنكم تحليل العلاقة بين ثقافة الفتح العربي الإسلامي / الجزيرة العربية / وثقافة بلاد الشام.. بمعنى هل كانت علاقة تصادمية، أم علاقة تناغم وانسجام أم علاقة تنافر في البدء ثم تناغم ؟
أنت ورطتني في أنك بدأت بقضية علم الاجتماع.!! أنا لا أعرف عن علم الاجتماع شيئاً !.. ولتترك السؤال كما هو.. ودون أن نحدده بقواعد علم الاجتماع.. وغيره..
هناك شيء كان اسمه الفتح العربي الإسلامي لبلاد الشام.. / حتى لا نوسّع البيكار /.. هذا تمَ في سنوات قليلة.. وهذه من الأشياء التي في رأيي كان فيها ضرر للعرب وللإسلام عامة، هذا الفتح السريع. حيث لا هؤلاء استطاعوا هضم أولئك وكذلك العكس..ويبدو أن هذا ما تريد الوصول إليه أنت !.
الآن نأتي لبلاد الشام.. هناك فتح سريع. .لكن في هذه البلاد ما كان الفتح الإسلامي، فتح جماعة أجانب بالمرّة، فأولاً: هناك عنصر عربي في الأجزاء الداخلية من بلاد الشام، جنوب فلسطين حتى قيسارية..كان في هذه المنطقة توجد قبائل عربية..فهناك شيء موجود.
ثانياً: كانت اللغة التي تستعمل في بلاد الشام عامة في ذلك الوقت، عكس كل ما يقوله الآخرون ليست اليونانية ولا اللاتينية بل اللغة الآرامية التي صار اسمها السريانية.. بهذه المناسبة اللغة الآرامية واللغة السريانية هما شيء واحد.. الآرامية تنصرت فأصبح سريانية. والسريانية نسبة لسورية...
è هل تقصد أن اسم سورية منحوت عن السريانية ..؟
لا .. السريانية من سورية.. الآن كان هناك عناصر تخفف من التصادم.. هما العنصر العربي واللغة الآرامية القريبة من العربية، يضاف إلى هذا، عنصر السكان الذي كان يغلب على بلاد الشام..وهذا العنصر الذي تكون من شعوب سامية..يعني الرومان ثم اليونان الذين جاؤوا لبلاد الشام كان عددهم قليل نسبياً.. فهذا أوجد شيء من الانسجام بين الناس ويسّر هذا الأمر.
ثم أن المتعارف عليه بين المؤرخين إذا صدقت رواية الطبري وإخوانه على أن الروم تركوا البلاد..
è من كان يقصد بالروم ؟
الروم، البيزنطيين..فالعرب لم يسمونهم بيزنطيين إلا فيما ندر.. ولا يوجد علاقة بين الروم والتسمية المسيحية، الروم.. فالروم كانت العرب تقصد بهم اليونانيون التابعون لبيزنطة.
إذن بلاد الشام لم يبق فيها عنصر أجنبي قوي.. من هنا.. وفيما يتعلق بالناس..لا تجد صداماً قوياً بين الجماعات القادمة والجماعات الموجودة في أيام الأمويين.
تجد الصدام بين الذين جاؤوا فيما بينهم، ومن يريد أن تكون السلطة له. من جهة أخرى.. في بلاد الشام بالذات، تلاحظ أنه لم تنشأ مدينة جديدة أبداً..لا البصرة ولا الكوفة ولا القيروان ولا واسط ولا سامراء، لم تنشأ في أيام الأمويين ولا بعدهم. أنشئت بعض القصور للنزهة كالرصافة.. سبب هذا، أن خروج الروم ترك فراغاً في المدن، في البيوت فتم الاستقرار فيها.
عمر بن الخطاب منع تقسيم الأراضي لكنه لم يقل شيئاً عن البيوت، ربما لم يكن يعرف أن هناك بيوتاً إلى هذه الدرجة..ما لنا..هو رجل حكيم ويعرف أشياء كثيرة. فالتمازج بين الفئات القادمة والفئات الموجودة كان هناك ما ييسّر حصوله، أكثر مما كان بين العرب حين فتحوا العراق. ولما فتحوا فارس كان الأمر ألعن وألعن. ففي فارس.. العنصر فارسي، اللغة فارسية، الدين مجوسي.. فالعرب حين أتوا بلاد الشام كان هناك مسيحيين.. وعلى الأقل كانوا يقولون " لا إله إلا الله ".. وبيتركوا التتمة معليش ما نختلف عليها.. فهذه كلها عناصر يسّرت هذا النوع من التمازج وأدت إلى قيام مجتمع جديد يختلف عن بقية المجتمعات التي قامت في ظلال الدولة العربية الإسلامية كلها.
وانتشار اللغة العربية في بلاد الشام كان أسرع من غيرها من المناطق لأن اللغة في هذه البلاد هي لغة سامية. وأريد أن آخذ مثلاً خارجياً كي أوضح فكرتي.. جزيرة مالطا، أول من استعمرها استعماراً وثيقاً هم الفينيقيون عن طريق قرطاجة، لذلك اللغة التي استعملت في البلاد كانت لغة سامية أصلية.. ثم جاء الرومان وغيرهم.. ثم جاء العرب واحتلوها لمدة، بعض السكان في مالطة يستعملون لغة من حيث التركيب هي سامية، اللغة العربية من حيث التركيب هي لغة سامية، / ركبتْ عليها /..راح العرب، ثم جاء الطليان وفرسان القديس ماريو حنا وبريطانيا.. الخ..اللغة المالطية أخذت من كل هذه اللغات.. لغات الشعوب التي حكمتها، ألفاظاً ولم تأخذ تركيباً جديداً.. وحتى الآن إذا ذهبت إلى مالطا وأخذت صحيفة.. تجد الألفاظ مكتوبة بالحرف اللاتيني..ولكن يمكنك أن تقرأها مع شيء من التمعن وتفهم كل ما فيها. لا لأن الألفاظ العربية كثيرة فيها فقط، ولكن لأن التركيب اللغوي هو الشيء الذي اعتدته أنت في بلدك ولغتك.
أنا أتحدث معك وفق تجربة شخصية، حيث كنت مسافراً عام /1949/ من مالطا إلى دمشق بالطائرة..لما وصلت إلى المطار..قيل أن الرحلة الجوية ألغيت.. كان عندي أربعة أيام.. في اليوم الثاني صباحاً.. أخذت صحيفة ورحت أقرأ فيها..فكان فيها منشور خطاب سياسي، ألقاه في مؤتمر الحزب المعارض للحكومة قبل يوم واحد، زعيم الحزب وهو منشور باللغة المالطية بالحرف اللاتيني. أمسكت قلماً وورقة وصغت الخطاب/ المقال بالعربي../ الباترّية معناها الوطن/، هذه أخذوها من الطليان، أو يجوز مما قبل لكن هذه الكلمة طليانية.. الباترية هي /لبت/ يعني الأرض، إليّ فيها تولدنا، فيها إشنا وهبينا. / الوطن، الأرض التي فيها تولدنا، فيها عشنا وحبينا /..
وهكذا.. وفي أحد كتبي أوردت هذا الأمر وهذه القصة. فهذه تجربة شخصية.. لهذا أقول أن الناس في كثير من الأحيان لا ينتبهون إلى تفاصيل صغيرة من هذا النوع.
كما علينا التذكر أن الدولة الأموية كان موقفها من الناحية هذه، موقف جماعة لم يأتوا إلى بلاد الشام ليبتزوها، لا لأنهم أقاموا دولتهم فيها، بل لأن قريش كانت تعرف تجارة الشام، فبني أمية حين أصبحوا في السلطة، أرادوا أن يتركوا للبلد شيئاً من حرية التعامل، لأنهم يعرفون قيمة هذا فهم تجار، والآن أصبحت التجارة تمتلك محاور جديدة.. فهم يستفيدون ونحن نستفيد.. فكل هذه عناصر..
ونحن لا نعرف أن الريف السوري أتلف في زمن الأمويين، حيث أتلف بعد ذلك.. كان هناك عقوبات شخصية. لذلك الشاعر العربي كان بعد خمسين سنة، شعره يفهم في أكثر المدن العربية على الأقل..فهنا الدولة الأموية كانت مدتها قصيرة.. ولو كانت مدتها أطول، فبتصوري أنه كان يمكن أن تنشأ حضارة ولكن من نوع آخر.
è ماذا تقصد بحضارة ولكن من نوع آخر ؟
لا أعرف.. ولكن..المهم أن الأسس وضعت لقيام نوع من الحضارة والثقافة في بلاد الشام، التي هي مزيج من حصة القادم، وهي الإسلام واللغة العربية في الدرجة الأولى.. وحصة أهل البلاد، الذين كان لديهم شيء من اليونان، وشيء من الرومان، إنما هذا في المدن، ولكن الريف بقي ريفاً.
الآن الذي حدث بالنسبة لبلاد الشام أنه حين انتقلت الخلافة إلى العباسيين، انتقل كل مركز الثقل إلى مكان آخر، وانتقلت الثروة الرسمية إلى مكان آخر. وأصبحت بلاد الشام ولاية عادية.. ومهملة حتى.. فبدلاً من أن يتابع العباسيون سياسة الأمويين في تقوية الأسطول في البحر المتوسط، شيء طبيعي أن ينصرفوا إلى الخليج.. طريق الهند. .فتصرفهم لم يكن خطأ بل كان يساير الواقع الطبيعي، ولم تكن لديهم سياسة.. فلم يشتغلوا بها.. وفجأة.. ألقي العالم كله وأعبائه على كاهلهم.. فبلاد الشام عانت من الركود.. ولكن بقي أهلها يشتغلون حيث كان لديهم خميرة. .خميرة أحسن من خميرة العراق بالنسبة للثقافة اليونانية.. كانت أحسن من خميرة مصر، لأن مصر كانت محدودة في الإسكندرية. البطالسة لم يبنوا مدناً كبيرة في مصر، وركزوا على الإسكندرية. في بلاد الشام كان هناك أربع مدن رئيسية بُنيت في زمن أنطيوخس الكبير حول 300 ق.م. وبعده، كل خليفة له كان يبني مدينة له.. وفي أيام الرومان كل واحد كان يبني مدينة للإمبراطور يسميها طبرية..قيسارية..إلخ..
هذه كلها كانت مراكز فيها شيء كثير من هذه الثقافة القديمة الكلاسيكية. فحين تجمع كل هذا من بعضه البعض..وأهل البلاد نشطوا..ولكن نشاطهم حُدّ بسبب انتقال الثروة إلى العراق العباسي. وظلت بلاد الشام من هذه الناحية، ليس لها أثر كبير في الحضارة العربية..لماذا..لأنها تركزت في العراق.. فهناك دار الحكمة، دار العلم، كل من يريد خدمة أو أي شيء يذهب إلى بغداد.. ومع هذا كله بقي هناك شيئان في بلاد الشام. الأول: هو فكر ديني شرعي يمثله الأوزاعي.
الثاني: هو وجود حركة أدبية لم تمت. وظهر شعراء كثر أيام العباسيين من بلاد الشام. مثل شعراء بنو حمدان والمتنبي.