منظمة التحرير لن تنجح في عمل سري لأنها مخترقة في أعلى المستويات

كمال عدوان: المنظمة لم تعترض على مفاوضات مصر مع إسرائيل لكنها رفضت أن ينسحب ذلك على الأردن * الملك حسين ميال لزيارة القاهرة * التضحية بوصفي التل خوفا من أن يترك الأردن خارج الحساب في أي صفقة

يبدو ان هناك الكثير الذي سيتكشف حول احداث سبتمبر (ايلول) عام 1970 في الاردن، وهي الاحداث التي حملت لاحقا اسم ايلول الاسود وتشكلت لها منظمة فلسطينية.
ومع اننا لسنا بصدد اجترار ذكريات او مرارات تلك الاحداث التي استدعت قمة طارئة بالقاهرة رحل بعدها جمال عبد الناصر، واستحدثت لجنة للهدنة واتفاقا حمل اسم اتفاق عمان، الا اننا نريد الاشارة الى اجتماع بين دبلوماسي بريطاني اسمه سي.بي كارتر، (طبيعة اسئلته توحي بانه مسؤول استخبارات) ومسؤول من منظمة التحرير الفلسطينية هو كمال عدوان حول تلك الاحداث. وحسب الوثائق السرية البريطانية عن عام 1971 والتي افرج عنها اخيرا فان عدوان احاط المسؤول البريطاني باسرار كثيرة، في مقدمتها، نية منظمة التحرير الفلسطينية بتحويل نشاطها الى عمل من تحت الارض على خلفية احداث سبتمبر لتتحول مثل هذه الاحاطة الى نقد وتحليل في تقرير كارتر لمنظمة التحرير ولحد القطع بانها مخترقة في مستوياتها العليا.

الحدث الآخر المثير للفضول، قطع عدوان بأن المنظمة اعطت للسادات ضوءا اخضر ليتفاوض منفردا مع اسرائيل من اجل استعادة اراضيه فيما حرمت ذلك على الاردن.

الوثيقة الاخرى الجديرة بالملاحظة مصدرها زيد الرفاعي الذي تبوأ مناصب دبلوماسية وتنفيذية في تاريخ الاردن. وعلى صلتها باحداث سبتمبر، الا انها القت بعض الضوء على مخاوف الملك حسين من حل منفرد تقدم عليه القاهرة.

وعودة لاحداث سبتمبر 1970، تكشف الوثيقة رقم 11 ان الملك حسين ووفق رواية العقيد اميل جمين فكر ومنذ ديسمبر (كانون الاول) عام 1969 باستدعاء المشير حابس المجالي لمهمة انقاذ البلاد من الكوماندوز على حد تعبيره.

منظمة التحرير مخترقة وثيقة رقم 12 التاريخ: 5 مارس 1971 الى: سي.دبليو. لونج ـ إدارة الشرق الادنى الموضوع: المحادثات مع كمال عدوان.

1 ـ اجتمعت في 25 يناير (كانون الثاني) الماضي بكمال عدوان وهو نائب السكرتير لما يعرف يمجموعة التسعة الخاصة وهي سكرتارية للجنة المركزية. الثمانية الاخرون هم ياسر عرفات، جورج حبش، نايف حواتمة، ابراهيم بكر، صلاح خلف، بهجت ابو غربية، حماد ابو صدقة، وضافي جماني (ستلاحظ ان لفتح وحلفائها الاغلبية). فهمت ان كمال عدوان وابراهيم بكر هما، وبصفة عامة، اللذان يثيران القضايا مع وصفي التل. كمال عدوان قال لي ان اللجنة المركزية لا تجتمع مؤخرا بشكل منتظم لان السيطرة الفعالة في يد السكرتارية التي يتمكن اعضاؤها من حضور الاجتماعات، ولم يعترض على ملاحظتي بان الاجتماعات تعقد في شمال الاردن.

2 ـ سألت حول تقرير صحيفة «الاهرام» الاخير بأن اللجنة المركزية لم تعترض على مفاوضات مصر حول استعادة اراضيها، قال ان ذلك حقيقة، وجورج حبش، وبرغم معارضاته على العكس قال ان الامور تعود اليه، وقال عدوان بصورة قاطعة ان ضوء اللجنة المركزية الاخضر ينطبق على الجمهورية العربية المتحدة (مصر) وحدها وليس على الحكومة الحالية في الاردن والتي لا يثقون بها لخطوة واحدة. وقال كمال ان المؤتمر الوطني الفلسطيني سينعقد يوم 27 فبراير (شباط). ولم يقل اين مكان الاجتماع.

3 ـ كمال عدوان قلق او مشفق تجاه العلاقات الحالية بين الحكومة الاردنية والفدائيين. وصفي التل يواصل الوعود بان خطوات محددة (مثل انهاء الطبيعة العسكرية لنقاط الشرطة) سيتم اتخاذها. ولم يحدث ذلك، وذلك يعني اما ان يكون وصفي بلا سلطات لتنفيذ وعوده او انه جزء من المؤامرة على الثورة. ثم مضى كمال في تعليقات وسرد لقائمة من سوء سلوك الحكومة على النحو الذي ظهر في تصريحات ابراهيم بكر في دورية فتح.

وركز تحديدا على تدخلهم في حرية الحركة ورفض السلطات الاعتراف بوثائق الهوية الصادرة عن اللجنة المركزية. هذه الوثائق اجراء جديد اعترفت به الحكومة مؤخرا على خلفية اتفاقية عمان. يقول كمال ان من الواضح ان الملك حسين يقامر باستطاعته العودة للضفة الغربية من دون الفدائيين، ولن ينجح ومن الافضل له ان يقامر بالتعاون معهم وفي النهاية قد ينجح الملك فقط في احداث غربة بين الفلسطينيين والاردنيين او ابعادهما عن بعضهما البعض. ولمح الى ان الفلسطينيين قد يضطرون الى خيار دولة خاصة لهم وكيف سيكون حال الاردنيين من غير الضفة الغربية؟ سألت ما اذا كان موضوع دولة بالضفة الغربية ستتم مناقشته في المؤتمر الوطني الفلسطيني، قال ان ذلك قرار يعود للمؤتمر. واضاف انه وفي كل حال فمسؤولية انشقاق تبدو ملازمة للحكومة.

4 ـ قال بعدها ان ظهر الثورة الفلسطينية الآن للحائط، واذا استمرت الحكومة في تطبيق ضغوطها والمفاوضة بدون اخلاص، فستجبر الثورة على العمل من تحت الارض. تساءلت حول توقيت قرار كهذا؟ قال: خلال اسبوع او شهر اذا استمرت الحكومة على سلوكها الحالي. اعترضت قائلا انه سيكون من الصعب على حركة في حجم فتح ان تعمل تحت الارض. قال ان ذلك لن يكون صعبا، بل ان الخطة نفسها قد وضعت، وليس مهما كم عدد الذين ستسجنهم الحكومة، لانها لن تستطيع سحق الثورة. تساءلت ما اذا كانت حركة سرية او تحت الارض ستعمل ضد الحكومة الاردنية ام ضد اسرائيل. قال ضد النظام الاردني وليست هناك حجة للذهاب لاسرائيل من دون قاعدة آمنة للعمل منها، وشدد مرة تلو الاخرى بأن الدخول في عمل من تحت الارض سيكون الطريق الوحيد للفدائيين وستتأثر المصالح البريطانية، ثم قدم ملاحظات حول الفائدة التي يمكن ان تقدمها الجاليات الفلسطينية بالكويت والسعودية.

5 ـ كمال عدوان متحدث شرس، وهو من الذين عاشوا على قناعة بان انقساما سيحدث في الجيش الاردني ابان احداث سبتمبر 1970 وان الفدائيين سينتصرون. بوسعنا، في اعتقادي، اخذ المعلومات في الفقرتين 1 و2 بثقة وربما تلك التي في الفقرة 3 ايضا. بوضع الاعتبار لملاحظات كمال في الفقرة 4، لا بد ان نحمل في الذهن الآتي:

أ ـ ان الفدائيين، وبلا جدال، يأملون ان شيئا مما يقولون به لنا سيتم توصيله للاردنيين.

ب ـ شخصية كمال عدوان بما فيها من خداع للذات.

6 ـ في هذا المجال، قد تهتم بالتعليقات التي قال بها اصدقاؤنا في السلك الدبلوماسي هنا حول المصاعب التي ستواجهها فتح اذا اتجهت للعمل من تحت الارض. وهي: أ ـ المخابرات الاردنية تملك اسماء وصور كل محاربي منظمة التحرير الفلسطينية، واماكنهم ومنازلهم وذخيرتهم... الخ. والأدهى ان فتح لا تعرف الامتداد الكامل لهذه المعلومات. وتلك نقطة ضعف قاتلة.

ب ـ لم يكن امن الفدائيين يوما جيداً جداً، دعك من عجزها الضخم في الملاحظة (أ) اعلاه، اضف الى ذلك ان فتح ستواجه ضعفا اكثر واكبر من خلال الانشقاقات وخيبات الامل، وتلك فرصة تقليدية لاي جهاز استخبارات للعمل عليها ويحول المنشقين كعملاء. وهذه المنظمات مخترقة سلفاً وبصورة كبيرة.

جـ ـ الولع بالاعلام، وخداع الذات، وكلاهما يمارسان بصورة ضخمة من المنظمات الفلسطينية منذ 1967، من اسوأ الارضيات الممكنة لخلق عمل سري، وليست هناك خبرة او ارادة حقيقية لتشغيل بنيات الخلية المعقدة والوعي المتبادل للوحدات الفرعية في المنظمة والتي تستطيع وحدها حماية حركة تحت الارض.

وبالتعريف، فمنظمة التحرير الفلسطينية تحمل في داخلها تهديدا كبيرا لانها صغيرة ومع ذلك فهي مخترقة على المستوى العالي.

د ـ الضوابط التي تفرضها الاجهزة الامنية على المنظمات السرية التي تعمل من تحت الارض كثيرة واصعب من ان تحصى هنا، ولكن بوسع المرء ان يستشهد بامثلة كثيرة للفشل في السنوات الاخيرة، ومن قبل منظمات اكثر تأهيلا وتدريبا من الفدائيين. من الصعب جدا الاحتفاظ بالروح المعنوية.

7 ـ وباختصار، فان افضل فرصة لنجاح عملية من تحت الارض، تكون في مبادرة من تحت بواسطة عدد صغير من رجال اقل شهرة يمكنهم الاختفاء ومعهم اموال كافية، وقدرة على الوصول للوثائق المزورة واسلحة التخريب المتخصصة وذلك يعني عادة الدعم الخارجي، وعلى سبيل المثال، من مصر وسورية والعراق وربما الصين، وفوق ذلك سلوك عالي المهنية.

سي.بي.كارتر الأردن ومصر.. شكوك متبادلة وثيقة رقم: 13 التاريخ: 18 مارس 1971 الى: آر. ام. ايفانز الخارجية البريطانية عزيزي.. ريتشارد 1 ـ عمان امتلأت بالاشاعات التي تقول ان الملك حسين سيقدم قريبا على إعفاء وصفي التل او ان الاخير قد يتقدم باستقالته.

2 ـ زيد الرفاعي، كما ستعرف، ظل مع الملك حسين في العقبة طوال الايام العشرة الماضية وهو ينوي العودة للندن غدا عبر جنيف (انظر برقيتي رقم ـ 1 ـ بتاريخ 18 مارس المعنونة لتونس). وقد علق زيد حول هذه الاشاعات لواحد من المستخدمين بالسفارة بصورة غاية في السرية. زيد والملك متخوفان جدا من ان الجمهورية العربية المتحدة (مصر) تبلور بجدية صفقة ثنائية منفصلة مع اسرائيل، لتترك الاردن يترنح او يتمايل مع المشاكل في الضفة الغربية والقدس والفدائيين وهي بلا حلول، ومع منظور يتجه الى امكانية قطع العون المتبقي من قمة الخرطوم (مع انه يبدو لي، ان السعوديين قد لا يلجأون في مثل هذه الظروف الى وقف عونهم للاردن مهما فعلوا من تخفيض مع مصر). ولذلك، فالملك حسين ميال لزيارة القاهرة متى ما كان ذلك ممكنا للاستئناف لدى السادات (ربما باثارة شبح ناصر). بان لا يترك الاردن خارج الحساب في اي صفقة مع الاسرائيليين. ولكن وصفي التل، المتألم من رفض القاهرة لاستقباله، كان قاسيا في نصح الملك بان لا يذهب الى القاهرة الا اذا كان وصفي نفسه برفقته. واذا كان للملك ان يتجاهل نصيحته، فالاقرب بالطبع ان يستقيل. والملك يشعر ان توقيت ذلك غير مناسب خاصة ان الوضع الامني الداخلي وسلطة الحكومة، قد تمت استعادتهما بقدر كبير، وان لم يكن كليا. ولا يبدو وصفي متجاوبا مع هذه الفرضية بما انه شخصيا غير محبوب بالقاهرة في ذات الوقت الذي يقال فيه ان مصالح الاردن تتطلب زيارة الملك حسين لها، والاخير سيذهب بدونه، وعلى وصفي ان يبتلع ببطولة كبرياءه ويواصل. وهكذا فالملك يبدو كمن يمسك بعصا مشقوقة، ولا اريد التنبؤ بالكيفية التي سيخرج بها، رغم اني، واذا اجبرت على ذلك، سأكون ميالا الى التفكير حول ما اذا كانت هناك علامات محددة للتقدم تجاه تسوية ثنائية مصرية ـ اسرائيلية.

نفوذ زيد سيهب، والملك سيزور القاهرة من غير وصفي التل حتى لو حمل ذلك مخاطرة استقالة الاخير.

3 ـ في النهاية، علي ان اطلب بان تتم معاملة تعليقات زيد الرفاعي بمنتهى السرية.

جي.اف.فيلبس سبتمبر (أيلول) 1970 بدأ في ديسمبر 1969 وثيقة رقم 11 التاريخ: 1 فبراير 1971 الى: ديري شير مكرر بي.اس.الغري.. عمان 1 ـ احاطني العقيد اميل جمني مساعد الامير محمد بثقة وسرية خلال وجوده في بيروت لبضعة ايام ان هدف الزيارة الوصول لاتفاق ما مع السوريين. والتوصل لتفاهم حول التعاون العسكري بين رؤساء الاركان في البلدين. لم يتوسع فيما هو اكثر، اكتفى بالقول ان نتائج ذلك الاجتماع كانت التحركات الاخيرة للقوات المسلحة الاردنية على الحدود.

2 ـ جمين احاطني ايضا ان منصب رئيس المجلس القبلي الجديد الذي شكل اخيرا في الاردن كنوع من «مجالس الشيوخ» لتمثيل قبائل البدو بالضفة الشرقية، سيوكل اليه قريبا.

3 ـ يعتقد ان الكوماندوز الفلسطينيين لم يقض عليهم تماما، ومع ذلك ونتيجة اجراءات كثيرة وكناتج للعداوات المرفوضة التي ابدوها، سيكون من السهل التعامل معهم، وقد تدهورت شعبيتهم لدى الجمهور العام وخاصة في الارياف، فيما اقدم قرويون كثيرون ومن تلقاء انفسهم على طردهم، كما اضطر الجيش مؤخرا لحماية جماعات الكوماندوز من غضب السكان المحليين في السلط SALT ورغم ذلك اطلق السكان رصاصا عليهم وقتلوا منهم عددا.

4 ـ حينما تساءلت حول مستقبل عدد من الشخصيات الفلسطينية في المواقع الرسمية مثل محمد كمال مدير التلفزيون الاردني، لمح الى ان معظمهم يعتبرون الآن اردنيين من اللون الخطأ وسيفقدون وظائفهم قريبا.

5 ـ عرفت جمين خمسة عشر عاما وهو قائد مسيحي طرد من الاردن خلال نظام سليمان نابلسي في 1956، عمل اخيرا في الاستخبارات العسكرية، ظل باستمرار قريباً جداً من الملك حسين والمشير حابس المجالي، وجمين صديق قوي لبريطانيا، ومعلوماته ظلت صحيحة، وقد اخبرني في ديسمبر 1969 ان المشير المجالي سيتم استدعاؤه ان اجلا او عاجلا لانقاذ البلاد من الكوماندوز.

بي.جوي السفارة البريطانية ـ بيروت شرح صور:

الملك حسين: مخاوف من الحلول الثنائية وصفي التل: عارض زيارة العاهل الأردني للقاهرة ياسر عرفات: ضوء أخضر للسادات