تاريخ العلاقات اللبنانية ـ السورية منذ عام 1920

أكثر من سؤال يطرح حول «قبول» سوريا، أخيرا، إقامة علاقات دبلوماسية مع
لبنان. سؤال أول: لماذا لم تنشأ هذه العلاقات من قبل، على غرار تلك القائمة
بين سوريا وكل الدول العربية الأخرى، ورغم استقلال البلدين منذ خمسة وستين
عام وتكريس كيانيهما المستقلين في الأمم المتحدة وجامعة الدول العربية؟ سؤال
ثان: لماذا اعتبر لبنان إنشاء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين إنجازا وطنيا
لبنانيا كبيرا؟ وسؤال ثالث: هل ستغير إقامة سفارة سورية في بيروت من نظرة
سوريا إلى لبنان ومن تعاملها مع حكومته وشعبه؟
للإجابة على هذه الأسئلة المستغربة، لا بد من العودة إلى عام 1920، وهو العام
الذي أصدر المفوض السامي الفرنسي، بصفته ممثلا لفرنسا المنتدبة على سوريا
ولبنان، قرارا بإنشاء «دولة لبنان الكبير»، وعدة دول في الداخل السوري، هي
دولة الشام ودولة حلب ودولة اللاذقية ودولة جبل الدروز وسنجق أسكندرون (التي
ستدمج بعد سنوات في «الدولة السورية» التي هي اليوم «الجمهورية العربية
السورية» الحالية، باستثناء سنجق الأسكندرون.
المسلمون في «دولة لبنان الكبير» رفضوا، في أكثريتهم، الدولة والكيان الوطني
اللبناني، عند نشوئه لثلاثة أسباب هي: 1ـ ان الدولة الجديدة جعلت منهم أقلية،
وهم الذين كانوا جزءا من الأكثرية المسلمة الحاكمة في العهد العثماني. 2ـ لأن
أمنيتهم، بعد الانسلاخ عن السلطنة العثمانية، كانت الانضمام إلى «دولة
عربية»، برئاسة الأمير فيصل، تضم «سوريا الكبرى» أي سوريا حاليا ولبنان
وفلسطين والأردن والعراق. 3ـ لأنهم كانوا رافضين للانتداب الفرنسي أي حكم
دولة أجنبية.
لم تعترف الحركة الوطنية السورية وممثلوها في لبنان، من الزعماء السياسيين
المسلمين، بالكيان اللبناني، إلا عندما بدأت المفاوضات بين الحكومة الفرنسية
معها في مطلع الثلاثينات، عندما اشترطت فرنسا ان تسلم الحركة الوطنية
«السورية» بالكيان اللبناني، لقاء توقيع معاهدة تعترف فيها فرنسا باستقلال
سوريا ولبنان. ولقد قبل ممثلو الحركة الوطنية (أو تظاهروا بالقبول). الأمر
الذي أحدث تصدعا في صفوف السياسيين المسلمين «الوحدويين» في لبنان، وراح
بعضهم «يتلبنن» (خير الدين الأحدب) والبعض الآخر يبحث عن صيغة للتوفيق بين
ولائه «القومي العربي»، وبين اعترافه بالكيان اللبناني (رياض الصلح). ومن عام
1930 إلى عام 1943، راحت «صيغة) رياض الصلح ـ وغيره من طلاب الاستقلال ـ
تتبلور، إلى ان تحولت إلى ما سمي بالميثاق الوطني اللبناني، وهو يقوم على
المعادلة التالية: من أجل بلوغ الاستقلال، على المسيحيين ان يتنازلوا عن مطلب
حماية فرنسا لهم، وأن يتنازل المسلمون عن طلب الانضمام إلى الداخل السوري ـ
العربي.
ولقد توافقت هذه الصيغة الوطنية ـ الاستقلالية، مع الحركة الوطنية في دمشق،
عشية استقلال البلدين، كما وافقت السياسة البريطانية التي كانت ترسم معالم
الشرق الأوسط بعد كسب الحرب على ألمانيا. فكان استقلال البلدين عام 1943. في
السنوات الست الأولى من استقلال البلدين، كانت العلاقات بين بيروت ودمشق جيدة
بل ممتازة. ولكن الأمور بدأت تتردى وتتوتر مع أول انقلاب عسكري سوري، عام
1949، بقيادة حسني الزعيم. ومنذ ان حكم العسكر والأحزاب القومية والعقائدية
في دمشق، بدأت سلسلة من الأزمات بين بيروت ودمشق. فمن دعم حسني الزعيم للحزب
القومي في محاولة الثورة على الدولة اللبنانية عام 1949 (ثم التخلي عنه)، إلى
أزمة الانفصال الاقتصادي والمالي بين البلدين في عهد حكومة خالد العظم، الى
التدخل السوري السافر في «ثورة 1958»، الى حقبة الستينات.. وصولا الى حكم
الرئيس حافظ الاسد، الذي دشن سياسة سورية جديدة في تعامله مع لبنان، كانت
العلاقات السورية ـ اللبنانية سلسلة «طلعات ونزلات»، غير واضحة الأهداف
وأساليب التعامل.
ومما لا شك فيه هو ان الحكم السوري، لعب في لبنان، بين عام 1970 و2005، أي
قبل وخلال وبعد الحرب الأهلية اللبنانية، دورا أساسيا في تقرير الأمور او
تعطيلها، حينا لتحجيم المقاومة الفلسطينية (وخاصة «فتح»)، وحينا آخر لدعمها،
وإفشال المشروع الإسرائيلي في لبنان، وأحيانا أخرى كورقة في يدها تستخدمها في
سياستها العربية والدولية.
لقد قام في لبنان أكثر من حكم موال او منقاد لسوريا، كما قام حكم معارض بل
ومناوئ لها، ولكن سياسة أنظمة الحكم في سوريا لم تتخل عن تحفظها في اعتبار
لبنان دولة مستقلة، وعن حرصها على ان لا يستعمل، حكما او ارضا، من قبل
أعدائها (إسرائيل) او خصومها الدوليين والإقليميين «الموسميين» (أي بعض الدول
العربية او العراق او الاردن او منظمة التحرير وغيرها.
ومن هنا كانت سياسة «التبعية» او «وضع اليد» او «الأمن القومي»، التي اتبعتها
سوريا مع لبنان، والتي بلغت في مرحلة ما بعد اتفاق الطائف، او ما سمي بـ«عهد
الوصاية» حدود الدولة المنتدبة،الحاكمة والمقررة والممسكة بكل مقاليد الحكم
والرقابة والتوجيه.
لقد كانت انتفاضة آذار 2005، بعد اغتيال الرئيس الحريري، ضربة موجعة لسوريا،
لم «تهضمها» حتى الآن، كذلك قرارات مجلس الأمن المتعلقة بلبنان، ولاسيما
إنشاء المحكمة الدولية التي تعتبرها رمحا سياسيا دوليا ولبنانيا موجها ضدها.
ولم تخف غضبها من الفريق السياسي اللبناني المناوئ لها، بعد آذار 2005، ولم
تخف دعمها للمعارضة اللبنانية، التي نجحت، الى حد بعيد، في شل الدولة
والمؤسسات الدستورية اللبنانية لمدة عامين، تقريبا. ولكن ماذا الآن؟ ماذا بعد
ان «تحلحلت» الأوضاع في لبنان، وانتخب رئيس للجمهورية وفاقي، وشاركت المعارضة
في الحكم، وخرج النظام السوري، نوعا ما، عن عزلته الدولية، واتفق الرئيسان
الأسد وسليمان على إقامة علاقات دبلوماسية بين البلدين؟
واهمون هم الذين يعتقدون بان العلاقات السورية ـ اللبنانية قد دخلت «شهر
عسل». وأن إقامة سفارة سورية في بيروت سيضع حدا لتدخل دمشق في الشؤون
السياسية اللبنانية، ودعمها «لأصدقائها» ـ كما تسميهم ـ وهم اصدقاء ايران،
ايضا، في لبنان. لاسيما أن ايران اعلنت عن اتخاذ لبنان ساحة لتصفية حساباتها
النووية وغير النووية مع الولايات المتحدة واسرائيل. وانها لن تبذل جهدها لكي
يفوز «اصدقاؤها» بالاكثرية في الانتخابات القادمة بعد سبعة او ثمانية اشهر.
اما ما سيحدث بعد ذلك، فلا احد يمكنه التنبؤ عنه، حتى دمشق نفسها. لأنه مرهون
بتطورات الأوضاع في العراق وفلسطين والسياسة الاميركية الجديدة في الشرق
الأوسط.
صحيح ان التاريخ والجغرافيا والقومية تفرض على سوريا ولبنان، علاقات «طبيعية»
و«ودية» و«أخوية»، وان «امن لبنان هو من امن سوريا، والعكس»، وأن لبنان ـ كما
جاء في بيان حكومة الاستقلال الأولى ـ يجب ان «لا يشكل ممرا لاستعمار جيرانه»
(أي سوريا)، او للضغط عليها ولكن لبنان، بعد استقلاله وبحكم تعدديته وحرياته
السياسية والاقتصادية، سلك طريقا يختلف كثيرا عن الطريق التي اختارته لسوريا
الأنظمة الانقلابية الاشتراكية، وبات من الصعب اخضاعه او الحاقه،
بالاستراتيجية السورية، قومية الأهداف كانت، ام وطنية، ام في خدمة النظام.
ولكن، ان لم يكن من المحتم، ان يكون لبنان «خاضعا» لسوريا، او «تابعا» او
«مستسلما» لها، او مسرحا لمناوراتها السياسية، فليس من المحتم، ايضا، ان يكون
خصما او عدوا لها، ومركزا للضغط او التهديد لنظامها.
ان إنجاز التوازن الوطني ـ السياسي الندي والودي، في العلاقات بين البلدين،
لا يتطلب من الحكم في سوريا التخلي عن نظراته وأساليب تعامله «الفوقية» مع
لبنان، فحسب، بل يتطلب، أيضا، من أهل السياسة في لبنان، ان يغيروا أساليبهم
في «التعامل» مع سوريا، ومع بعضهم البعض، سواء كانوا في الحكم أو في
المعارضة.