فرع المعلومات: هكذا نُفِّذ الدهم الذي فجّر الحرب (1/7)

من معارك اليوم الأول في شارع المئتين (أرشيف - بلال جاويش)مع تأليف حكومة الوحدة الوطنية والبحث في التعيينات، بدأ الكلام السياسي عن دور فرع المعلومات وهوية الأجهزة الأمنية، وأحد أكثرها إثارة للجدال فرع المعلومات. على سبع حلقات، تبدأ «الأخبار» اليوم بنشر ملف فرع المعلومات، وتعرِض في الحلقة الأولى للدور المهم الذي أدّاه هذا الفرع بنشوب حرب مخيم نهر البارد التي أدت إلى سقوط أكثر من 400 قتيل

حسن عليق
استفاق اللبنانيون صباح 20 أيار 2007 على مقتَلَتين. حصدت الأولى 10 من المنتمين إلى «فتح الإسلام» في مدينة طرابلس، وتلتها الثانية التي راح ضحيتها 14 فرداً من الجيش اللبناني على تخوم مخيم نهر البارد. بدأت أحداث ذلك الليل بدهم فرع المعلومات 5 شقق سكنية في «مبنى عبده» ومجمع «البستان» في شارع المئتين بمدينة طرابلس.
وكانت تلك العملية شرارة معارك مخيم نهر البارد التي امتدّت ما يزيد على مئة يوم، ودُمِّرَ فيها الجزء الأكبر من المخيم، وسقط أكثر من 400 قتيل بينهم 163 من أفراد الجيش اللبناني وضباطه. ونتج من العملية لجهة أخرى زيادة انقسام اللبنانيين حول فرع المعلومات ودوره. فمنهم من رأى أن قرار الدهم أنقذ البلاد من مخطط كان سيؤدي إلى تقسيمها وإنشاء إمارة أصولية في الشمال؛ فيما بدا آخرون متيقنين من أن ما نفّذه الفرع هو إحدى حلقات سلسلة توخّت ضرب الجيش وتمهيد الطريق أمام تحويل لبنان أرضاً خصبة للتنظيمات الأصولية التي ستستخدم لاحقاً لضرب حزب الله. ودليل أصحاب الرأي الأخير على ما يقولونه هو عدم تنسيق فرع المعلومات مع الجيش قبل معركة شارع المئتين.
الانقسام حول الفرع لم يكن وليد تلك اللحظة، بل هو رفيقه منذ وضعه على سكة العمل في عام 1993، عندما أراد الرئيس رفيق الحريري أن يمده بالمعلومات جهازٌ أمني يثق هو به. وزاد اختلاف السياسيين حوله بعد تفعيله عام 2005، ثم تحويله إلى شعبة في عام 2006. فمن ناحية، ينظر إليه القسم الأكبر من فريق الأكثرية كـ«درة تاج» حكم ما بعد الخروج السوري من لبنان. أما معارضوه، فلا يرون فيه أكثر من ذراع أمنية لخصومهم. إلا أن الحادثة الأشد إثارة للجدل السياسي في حياة الفرع كانت عملية شارع المئتين.
أربع من الشقق الخمس في الشارع المذكور كانت خاضعة لرصد جهاز أمني منذ ما يزيد على شهرين، وكان يشغلها أفراد من «فتح الإسلام» وتنظيم القاعدة. وكانت مديرية استخبارات الجيش تنوي دهم الشقق المذكورة يوم 14 نيسان 2007، بحسب ما يؤكّد ضباط في المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي. لكن العملية ألغيت، بعدما شعر رجال القاعدة بأمر يجري التخطيط له، فرحلوا قبل توقيفهم.
وبعد إلغاء المهمة، ورد إلى مديرية استخبارات الجيش تقرير من أحد مصادرها في «فتح الإسلام»، يتحدّث عن مخطط لدى القاعدة و«فتح الإسلام» لتحويل منطقة الشمال إلى إمارة إسلامية، عبر ضرب القوى الأمنية في المنطقة المذكورة بالتزامن مع تفجير نفق شكا وأحد أكبر فنادق العاصمة ومراكز للأمم المتحدة وللقوى الأمنية في بيروت.

■ خلل في المراقبة والتنسيق؟

الرائد الشهيد وسام عيد (أرشيف)بقيت شقق شارع المئتين تحت المراقبة، واستأجر فرع المعلومات في بداية أيار منازل مشرفة عليها. وتولى المكتب الفني الذي كان يترأسه النقيب وسام عيد رصد هذه الشقق، وخاصة عبر ملاحقة هواتف المشتبه بهم، وكان العمل يجري ببطء شديد. في العاشر من أيار 2007، يؤكّد ضباط رفيعون أن مديرية الاستخبارات تلقّت تقريراً من أحد مصادرها داخل المخيم يتحدّث عن نية «فتح الإسلام» مهاجمة موقع الجيش في تلة المحمرة، على خلفية مناوشات سابقة بين الطرفين، أدت إحداها إلى وفاة طفلة على حاجز للجيش ثم استشهاد جنديين برصاص أطلقه أقارب الفتاة. وفي الثلث الثاني من أيار، يقول ضباط من المديرية العامة لقوى الأمن الداخلي، إن ريبة «المعلومات» ازدادت من النشاط الكثيف في شارع المئتين، فاتصل رئيسُ الفرع المقدم وسام الحسن بمدير استخبارات الجيش العميد جورج خوري ليخبره بأن المديرية ستدهم الشقق المذكورة.
ويوم 18 أيار 2007، تضيف الرواية، أبلغ مراقبو «المعلومات» قيادتهم بوصول أكثر من 20 فرداً من «فتح الإسلام» إلى شارع المئتين. كانت تلك المرة الأولى التي يجتمع فيها هذا العدد الكبير من المشتبه بهم دفعة واحدة. قررت القيادة الدهم، وطلبت دعم القوى السيارة. لكن بدا أن القوة المجهزة لن تتمكن من تنفيذ ما طُلِب منها بسبب ضيق الوقت، فأرجِئت العملية. في اليوم التالي، يقول أحد ضباط فرع المعلومات، وقعت عملية السطو على مصرف البحر المتوسط في الكورة، وتبيّن لمكتب معلومات الشمال أن السارقين انتقلوا إلى شارع المئتين. يضيف الضابط أن رئيس الفرع المقدّم وسام الحسن كان في فرنسا ذلك اليوم، ولما أبلغ بما وقع استأجر طائرة خاصة وعاد إلى بيروت. وُضِعَت خطة الهجوم، وبدأ انتشار قوة الفهود ومكتب التدخل والحماية في فرع المعلومات، فضلاً عن دور رئيسي للمكتب الفني في الفرع، ولمكتبَي الشمال والأمن القومي.
بدأ التحضير للتنفيذ، فأحكِمَت 3 أطواق حول الشقق المستهدفة، بحسب ما يشير أحد ضباط المعلومات الذين كانوا متابعين للعملية. وضمن الطوق الثاني، يقع منزل ضابط رفيع في استخبارات الجيش. اتصل الأخير بأحد ضباط المعلومات وسأله عما يجري، فأخبره بما يُحضَّر. وإضافة إلى ذلك، توجه رئيس مكتب معلومات طرابلس الرائد عبد الناصر غمراوي إلى الملعب البلدي، حيث تتمركز قوة من الجيش، وتدخل ضمن نطاق الطوق الثالث. وأبلغ غمراوي قوة الجيش المذكورة بما يجري في شارع المئتين.
بدأت عملية الدهم بعد منتصف الليل، وفُتِّشَت 4 شقق مشتبه بها، وأوقف عدد من قاطنيها. وخلال انتقال القوة الداهمة إلى الطبقة الأرضية، وكان في عدادها النقيب وسام عيد، سُمِع صوت تلقيم سلاح داخل شقة لم تكن لدى الأمنيين أي معلومات عنها.
أراد عيد اقتحام الشقة المذكورة، وعندما فُتِح الباب، بادره من بداخلها بإطلاق النار، فأصيب في رِجله. جلس عيد في مكان آمن، إلا أن الاشتباكات ازدادت حدة، وبقي ينزف أكثر من ساعة.
كان يظن أن حياته شارفت على النهاية، لكن أحد زملائه خاطر بحياته وسحبه «تحت الرصاص» خارج دائرة الاشتباكات. وحتى الصباح، لم تكن الاشتباكات قد هدأت، وتضاعفت بعدما رفضت قيادة الأمن الداخلي عرض «فتح الإسلام» الذي نقله إليها الشيخ داعي الإسلام الشهال، ومفاده: «فُكوا الحصار عن شارع المئتين، وإلا فسنهاجم الجيش».
مع سقوط العرض، بدأ هجوم «فتح الإسلام» على مواقع الجيش المحيطة بالمخيم، وخاصة تلة المحمرة، حيث قُتِل أفراد الجيش وهم نيام. بعدها، ساند الجيش قوى الأمن الداخلي في شارع المئتين، وتمكن من السيطرة على منطقة الاشتباكات التي توسّعت رقعتها.
ما يتردد بين ضباط الفرع والأمن الداخلي عن الاتصالات مع الجيش لا يُقنِع الكثيرين. فقنوات التنسيق أكثر وضوحاً من تلك التي استخدمت، بحسب أحد ضباط الجيش. ويورد الأخير دليلاً على ما يقول أن الاتصال الرسمي الوحيد هو الذي أجراه تلك الليلة رئيس مكتب معلومات الشمال برئيس فرع استخبارات الجيش في المنطقة ذاتها، لكن هاتف الثاني كان مقفلاً. و لم يُبذَل أي جهد لفتح قناة تواصل أخرى. ويضيف الضابط أن سير العمل أثبت أن القرار كان متسرعاً. أما في الأمن الداخلي، فيؤكّد ضباط معنيون أن ما جرى كان كافياً، وما تعرّض له الجيش في تلة المحمّرة كانت مديرية الاستخبارات قد حذّرت منه قبل 10 أيام.

--------------------------------------------------------------------------------

الدور السوري في شارع المئتين

أسهم عاملان رئيسيان في اتخاذ قرار دهم شارع المئتين. يتمثل الأول بنظرة الأمن الداخلي إلى السطو على مصرف في الكورة على أساس أنه خطوة تمويلية لعمليات ستُنَفَّذ لاحقاً. أما العامل الثاني، فهو دخول أحد أبرز قادة «فتح الإسلام»، مجد الدين عبود، الملقب بـ«أبو يزن»، إلى إحدى الشقق المرصودة. وأبو يزن مطلوب للقضاء اللبناني بتهمة التخطيط لجريمة عين علق يوم 13 شباط 2007. وتمكّن رجال «المعلومات» من التعرف إليه بفضل الصور التي حصلت عليها السلطات اللبنانية من الإنتربول، الذي كان بدوره قد تلقاها من السلطات السورية. فالأخيرة، بحسب ضباط في الأمن الداخلي، كانت قد سلمت الشرطة الدولية معلومات عن أكثر من 50 من أفراد «فتح الإسلام»، بعدما أعلنت السلطات اللبنانية في 13 آذار مسؤولية الحركة عن جريمة عين علق.