الحياة السياسية في لبنان.. قراءة أولية

شهدت الحياة السياسية في لبنان بعض الاستقرار النسبي بعد نهاية الحرب الأهلية وتفعيل اتفاق الطائف، ودخلت بعد اغتيال رئيس الوزراء الأسبق رفيق الحريري في دوامة من الأزمات كادت تعيد البلاد إلى أجواء الحرب الأهلية.

ولكن في كل الأحوال بقيت مجموعة من السمات شاخصة في بنية النظام اللبناني وفي طريقة ممارسة الساسة للسياسة فيه، سواء في حال الاستقرار أو في حال الأزمات.

منها استمرار ضعف الدولة بشكل عام وتوزع مؤسساتها الدستورية على أساس طائفي فضلا عن تداخل صلاحياتها فيما بينها، كما تتفشى ظاهرة الوراثة في العمل السياسي وتطل برأسها من حين لآخر وفقا للتغيرات السياسية، ظاهرة التفلت من العقاب واستقواء بعض السياسيين بالسلطة على بقية أجهزة الدولة القضائية والإعلامية وغيرها، الأمر الذي يحول دون انتظام الحياة السياسية في البلاد.

وفيما يلي بعض الملامح والسمات البارزة في المشهد السياسي اللبناني.

الحياة الحزبية

الحياة الحزبية الانتخابات التداول العلاقة بين السلطات الحريات المجتمع المدني

"
أي انقسام سياسي حاد بلبنان يؤدي تلقائيا لانقسام طائفي ويفتح الباب أمام الدول الخارجية الراعية تقليديا لطوائف لبنان للتدخل والدفاع عن حلفائها
"
يفتقر لبنان حتى الساعة لقانون أحزاب عصري فما زال قانون الجمعيات العثماني الصادر عام 1909 هو المرجع القانوني لتأسيس الأحزاب، وهذا القانون يمتاز بمرونة من ناحية إتاحة الحرية بحيث إن تأسيس الجمعيات وفقه -والأحزاب من ضمنها- لا يحتاج إلى أي ترخيص، بل يكتفي المؤسسون بإعلام وزارة الداخلية بهذا التأسيس بعد حصوله، وهو ما تنص عليه المادة السادسة من القانون المذكور.

كما يكفل الدستور اللبناني في مادته 13 حرية إنشاء الجمعيات تماما كما يكفل حرية التعبير تماما.

ولكن من جهة أخرى لا يفرض هذا القانون على الأحزاب أن تكون ذات برامج وطنية حصرا بعيدا عن الأهداف المذهبية والفئوية أو أن تكون مفتوحة لكافة اللبنانيين من كل المذاهب والمناطق، وإن كان هناك بالفعل أحزاب -وهي قليلة- عابرة للطوائف.

والواقع اللبناني يقول إن الأحزاب اللبنانية المؤثرة فعلا هي في الغالب قائمة على أساس طائفي ديني، رغم كل الإصلاحات التي جرت وخاصة في اتفاق الطائف عام 1989 الذي أنهى الحرب اللبنانية.

فعلى سبيل المثال الأحزاب الفاعلة راهنا والرئيسية في لبنان هي:

حزب الله وحركة أمل، وهما خاصان بالطائفة الشيعية.
تيار المستقبل عمدته وتمثيله الأساسي للسنة رغم وجود شخصيات بارزة غير سنية فيه.
حزب التقدم الاشتراكي خاص بالدروز.
القوات اللبنانية وحزب الكتائب والتيار الوطني الحر خاصة بالمسيحيين رغم أن الأخير يضم شخصيات غير مسيحية.
ومن نتائج قيام الأحزاب على أساس طائفي أن أي انقسام سياسي بينها وخاصة الحاد منه يؤدي تلقائيا لانقسام طائفي وخصومة ذات بعد ديني، الأمر الذي يفتح الباب أمام الدول الخارجية الراعية تقليديا لطوائف لبنان للتدخل والدفاع عن حلفائها، مما يجعل أحزاب لبنان في بعض الأحيان رهينة التدخلات الخارجية.

الانتخابات

الحياة الحزبية الانتخابات التداول العلاقة بين السلطات الحريات المجتمع المدني

"
اتفاق الطائف حدد المحافظة كتقسيم انتخابي وحدد عدد النواب في 108، في حين أنه في الواقع جرت خمسة انتخابات وفق ثلاثة قوانين مختلفة وتحدد فيها عدد النواب بـ128 نائبا

"

يحظى لبنان بانتخابات دورية سواء كانت تشريعية أو رئاسية أو غير ذلك.

وقد انتظمت العملية الانتخابية في لبنان على كل المستويات خاصة بعد اتفاق الطائف (1989) الذي أنهى الحرب الأهلية اللبنانية.

وتعتبر الانتخابات النيابية اللبنانية التي تجري كل أربع سنوات، جوهرية وأساسية للحياة السياسية اللبنانية، لأن المجلس النيابي الذي ينتخب من الشعب مباشرة هو الذي ينتخب رئيس الجمهورية كل ست سنوات، كما أن رئيس الحكومة يعينه رئيس الجمهورية بناء على استشارات ملزمة من النواب، أي بمعنى آخر بانتخاب النواب له.

الانتخابات النيابية
تعاني العملية الانتخابية النيابية من عيوب بنيوية رغم كل محاولات الإصلاح وأهمها:

الثبات في التوزيع الطائفي للمقاعد الذي يفرض المناصفة -بحسب الطائف وبحسب الدستور (المادة 24 منه)- بين الفرق الإسلامية والفرق المسيحية، بغض النظر عن الفرق السكاني بين الفريقين. وهذه المعضلة يبدو أن إصلاحها بعيد المنال في المدى المنظور، لأسباب تتعلق بالنظام اللبناني الذي قام على ذلك "القران الخاص بين تراث برلماني غربي وتراث محلي طائفي"، بحسب وصف أحد السياسيين اللبنانيين.
والمعضلة الأخرى أنه لا يوجد حتى الآن في لبنان قانون انتخاب نيابي ثابت ذي تقسيمات جغرافية ثابتة للدوائر الانتخابية، وقد جرت محاولات عديدة لإنتاج مثل هذا القانون لكنها باءت حتى الآن بالفشل، وفي العادة لا يقر قانون الانتخاب إلا قبل الانتخابات بفترة قصيرة جدا.
فلبنان منذ العام 1922 أي قبل الاستقلال وحتى الآن، عرف نحو 14 قانونا للانتخاب، ويمكن القول إنه جرت فيها كل أشكال الانتخاب من الدائرة الفردية إلى القضاء فالمحافظة، حتى أن النسبية جربت، وإن بشكل بدائي.

ولم يفلح الاتفاق الوطني -أي اتفاق الطائف- في تجاوز هذه المشكلة رغم أنه حدد المحافظة كتقسيم انتخابي، وحدد عدد النواب في 108، فيما أنه في الواقع جرت خمسة انتخابات وفق ثلاثة قوانين مختلفة وتحدد فيها عدد النواب بـ128 نائبا.

فانتخابات عام 1992 جرت وفق تقسيم ثلاثي حيث أقيمت الانتخابات في بعض المناطق وفق "القضاء" أي وفق الدائرة الصغرى، وفي أخرى وفق "المحافظة" أي دوائر كبرى، وفي نفس الوقت دمجت محافظتان في الجنوب اللبناني في دائرة واحدة.

وبهذا تفاوت تمثيل النواب للشعب، فالبعض يمثلون بضعة آلاف أو أقل من المواطنين وآخرون يمثلون عشرات الآلاف.

وجرت انتخابات 1996 وفق نفس عدد النواب ووفق نفس المبدأ السابق من تفاوت في حجم الدوائر الانتخابية.

أما في عام 2000، فقد قسمت بيروت إلى ثلاث دوائر انتخابية، ومحافظة جبل لبنان إلى ثلاث دوائر، والبقاع إلى ثلاث دوائر، ولبنان الشمالي إلى دائرتين، في حين دمجت محافظتا الجنوب والنبطية في دائرة انتخابية واحدة.

وبعد مقتل رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري جرت الانتخابات الأخيرة في عام 2005 وفق قانون عام 2000 رغم إعلان كل القوى السياسية اعتراضها عليه!

ومن أسباب تغير القانون الانتخابي تغير موازين القوى بين الطوائف وتوزعها الجغرافي إضافة للتدخل الخارجي. ومن الأمثلة على ذلك إقرار كل الفرقاء بدون استثناء بعد انسحاب القوات السورية من لبنان أن الدوائر الانتخابية كانت تقسم بتفاوت من حيث الحجم والجغرافيا وفق مصلحة بعض أنصار سوريا وليس وفق معيار موضوعي واحد.

والأهم من ذلك كله أن القوى المختلفة اعتادت العمل بحرص شديد على تحديد مكاسبها ومقاعدها سلفا بقانون الانتخاب، وليس بنتيجة العملية الانتخابية فحسب.

الانتخابات الرئاسية
أما الانتخابات الرئاسية فقد استمرت طيلة فترة الحرب، وكان رينيه معوض أول رئيس ينتخب بعد الطائف عام 1989 لكنه قتل فخلفه إلياس الهراوي في نفس العام وأعيد التمديد له بعد انتهاء ولايته عام 1995 لثلاث سنوات.

ثم انتخب عام 1998 إميل لحود بعد تعديل خاص سمح له بالترشح للرئاسة لأن القانون يمنع موظفي الفئة الأولى في الدولة من الترشح، وهو كان يومها من تلك الفئة بوصفه قائدا للجيش، وبعد انتهاء ولايته تم التمديد له عام 2004 لثلاث سنوات. والتمديد له وللهراوي تم وفق تعديل دستوري خاص.

واختيار رئيس الجمهورية يتم وفق موازين القوى الإقليمية ومقدار تأثيرها على القوى الطائفية المحلية ومن ورائها الدولية، فلهذا لا يوجد ترشح رسمي للانتخابات الرئاسية، ويعلن اسم الرئيس في اللحظات الأخيرة.

اختيار رئيس الحكومة
أما رئاسة الحكومة فليست أحسن حالا من سابقتها، وإن كانت بحسب التجارب السابقة من أكثرها انتظاما من ناحية الشكل القانوني، ولكنها في المضمون تقول إن رئيس الحكومة يتحدد اسمه وفق المنطق السابق، وإن النواب قبل دخولهم على رئيس الجمهورية لإعلان مرشحهم فإن الاسم يكون قد تقرر وفق الموازين السابقة التي تحكم اختيار رئيس الجمهورية، ولكن بحيوية أكبر.

وهكذا فالمسارات الثابتة للنفوذ الخارجي -بفعل الثقافة الطائفية، وبناء القانون على أساس طائفي- دائما تؤثر في العملية الانتخابية وقد تحدد نتائجها بالإجمال سلفا، وتحول دون قيام حياة انتخابية صحيحة، ويستثنى من ذلك الانتخابات المحلية بسبب التأثير العائلي فيها.

التداول

الحياة الحزبية الانتخابات التداول العلاقة بين السلطات الحريات المجتمع المدني

"
رغم الحيوية النسبية التي تتمتع بها الحياة السياسية اللبنانية فإنها تشهد ميلا لترسيخ نوع من الإقطاع السياسي بما يعرقل التداول في مزاولة العمل السياسي

"

يتم تداول السلطة في لبنان من حيث الشكل كما هو الأمر في أي نظام جمهوري، ولكن قيام الحياة السياسية على أساس طائفي وإرث سياسي يحصر تداول بعض المناصب في فئات وطوائف محددة.

فبحسب العرف المعمول به منذ الاستقلال وهو أقوى من المواد الدستورية في النظام اللبناني، ينحصر تداول منصب رئاسة الجمهورية في الطائفة المارونية، ومنصب رئاسة المجلس النيابي في الطائفة الشيعية، ومنصب رئاسة الوزراء في الطائفة السنية، إضافة إلى حصر مناصب أخرى أقل شأنا بطوائف أقل حجما.

ومن جهة أخرى رغم الحيوية النسبية التي تتمتع بها الحياة السياسية اللبنانية، فإنها تشهد ميلا لترسيخ نوع من "التوارث السياسي" يحصر الزعامة في عائلات محددة أو في جهات محددة، بما يعرقل التداول في مزاولة العمل السياسي بشكل عام، بغض النظر عن استلام المناصب في الدولة أو الحكومة.

فالسياسيون اللبنانيون البارزون في الغالب إما هم ورثة لزعامة سياسية على سبيل المثال وليد جنبلاط، أمين الجميل ومن ماثلهم، أو هم مؤسسون "لوراثة سياسة" جديدة، ومن أبرز التجليات الحالية لهذه العملية تأسس زعامة ناشئة لآل الحريري في الطائفة السنية بعد اغتيال المؤسس لها رفيق الحريري.

ومن الموانع للتداول أيضا ثقة الخارج النافذ لبنانيا ببعض الشخصيات اللبنانية بحيث يستبقيها في مناصبها ومواقعها السياسية لمدة طويلة، أو ثقة الطائفة به وبقدرته على حفظ مصالحها الطائفية. فنبيه بري لا يزال رئيسا للمجلس النيابي منذ أول انتخابات نيابية بعد الطائف عام 1992، وترأس رفيق الحريري خمس حكومات منذ عام 1992، ومددت الولاية للرئيسين إلياس الهراوي وإميل لحود بعد تعديلات دستورية خاصة، والأخير قبل انتهاء ولايته كان قد وقع عدد من النواب عريضة قالوا فيها إنهم أكرهوا على التمديد للرئيس لحود من قبل سوريا.

والجدير بالذكر أنه نتيجة لتعديلات الطائف على الدستور فقد أضيفت المادة 95 التي تقول إنه على مجلس النواب "اتخاذ الإجراءات الملائمة لتحقيق إلغاء الطائفية السياسية وفق خطة مرحلية وتشكيل هيئة وطنية" لهذه الغاية وهو ما لم يتم حتى الآن.

العلاقة بين السلطات

الحياة الحزبية الانتخابات التداول العلاقة بين السلطات الحريات المجتمع المدني

جعلت وثيقة الاتفاق الوطني، التي توافقت عليها الأطراف اللبنانية في الطائف، السلطة موزعة على الرئاسات الثلاث، رئاسة الجمهورية ورئاسة المجلس النيابي ورئاسة الحكومة. فأصبحت السلطة التنفيذية في يد مجلس الوزراء مجتمعا كما في المادة 17 و65، وبهذا قلصت صلاحيات رئيس الجمهورية ونزعت منه معظم السلطة الإجرائية، وما تبقى منها في يده أصبح خاضعا لموافقة مجلس الوزراء أو بالشراكة معه، في حين أنيطت به مهمة عامة هي حفظ الدستور ووحدة الوطن (المادة 49)، كما عززت من شأن رئاسة المجلس النيابي بعد أن جعلته عصيا على الحل إلا في حالات نادرة وبالتوافق بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة.

ولقد كشفت الممارسة والأزمات الداخلية خاصة الأخيرة أن هذه الإصلاحات ليست كافية، فنصوص القوانين المنظمة للعلاقة بين المؤسسات الدستورية وصلاحياتها وهامش التفسير لها يسمح بالتداخل والتضارب فيما بينها بما يتطلب الانسجام بين الرئاسات الثلاث المذكورة آنفا وإلا تتعطل البلاد، كما أن للعرف والسابقة تاريخيا في النظام اللبناني سلطة كبيرة تغري كل مؤسسة دستورية بمحاولة الافتئات على صلاحيات غيرها على أمل تكريس سابقة تجري في المستقبل مجرى القانون.

وشملت الخلافات قضايا ثانوية ورئيسية وكانت تنشأ صيغ حكم ثنائية ما بين إحدى الرئاستين إذا اتفقتا، أو ثلاثية إذا اتفقت الرئاسات الثلاث، إضافة إلى مشاكل أخرى يمكن الإشارة إلى أبرزها.

فبعد انتخاب إميل لحود رئيسا للجمهورية عام 1998 فوضه بعض النواب أن يختار من يشاء لرئاسة الحكومة، وهو ما اعترض عليه رفيق الحريري وآخرون على أساس أن المادة 53 من الدستور تنص على إلزام الرئيس بنتيجة الاستشارات النيابية، وبالتالي يسمي لرئاسة الحكومة من تسميه أكثرية النواب، أما من فوضه للاختيار عنهم فتعتبر إشارتهم لاغية، وهو ما انتهى إليه الأمر بعد أن مرت البلاد بأزمة حادة.

ومن الأمثلة أيضا وأخطرها الأزمة الأخيرة التي حصلت بانسحاب الوزراء الشيعة الستة من حكومة فؤاد السنيورة، وقولهم إن الحكومة أصبحت غير شرعية لأن مقدمة الدستور تقول بأن "لا شرعية لأي سلطة تناقض ميثاق العيش المشترك"، وانسحاب ممثلي طائفة كبيرة من الحكومة يناقض ميثاق العيش المشترك، وبالتالي لا شرعية للحكومة القائمة، فيما رفض آخرون هذا الرأي وعلى رأسهم الرئيس السنيورة.

ومن جهة ثانية اتهمت الحكومة ومن يمثلها من نواب الأغلبية في البرلمان رئاسة المجلس النيابي بتعطيل انتخاب رئيس جديد للجمهورية اللبنانية بعد أن انتهت ولاية الرئيس لحود.

وقد سرت مفاعيل هذا الخلاف بين البرلمان والحكومة على كافة أجهزة الدولة وعلى علاقتها بعضها بعضا، وأصيبت البلاد جراء ذلك بالشلل وعدم انتظامها وكادت تدخل في نفق الحرب الأهلية مجددا، إلى أن انفرجت الأزمة باتفاق الدوحة الذي أعاد المسار السياسي اللبناني الدستوري إلى مساره ولو إلى حين، حيث تم انتخاب الرئيس الجديد ميشال سليمان وتشكلت حكومة من الموالاة والمعارضة.

فعدم الوضوح في العلاقة بين السلطات واستئثار كل طائفة أو أكثر بواحدة منها جعل الدولة متعددة الرؤوس والتوجهات، وهو ما ترجمته الخلافات الأخيرة حول مجموعة من القضايا الأساسية المتعلقة بتوجهات الدولة اللبنانية إزاء محيطها الخارجي، وكذلك إزاء بعض القضايا الداخلية وأهمها على الإطلاق مصير سلاح حزب الله بوصفه "سلاح مقاومة" والصورة التي يجب أن تكون عليها "استراتيجية الدفاع عن لبنان".

الحريات

الحياة الحزبية الانتخابات التداول العلاقة بين السلطات الحريات المجتمع المدني

"
هيمنة السياسيين على الحياة العامة أضعفت مصداقية القوانين التي ترعى الإعلام ومجالاته، لأن الساسة يستطيعون بسهولة النيل من الصحافيين والإعلاميين بقضايا قد لا تتصل بقانون المطبوعات أو قانون المرئي والمسموع

"

يقول الدستور اللبناني في المادة 13 منه "حرية إبداء الرأي قولا وكتابة، وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون".

ومشكلة لبنان الرئيسية التي كثرت منها الشكوى هي اتهام القضاء بالخضوع للسياسيين اللبنانيين من ذوي النفوذ، وكلما استلم فريق منهم السلطة رمى الآخر بهذه التهمة، ودعت جمعيات حقوقية عدة لإصلاح القضاء اللبناني وحمايته.

ومن الأمثلة على ذلك أنه منذ توقف الحرب الأهلية كانت التهمة موجهة لأنصار سوريا باستعمال القانون والسلطة لاضطهاد معارضيهم، وأنهم استهدفوا القوى المسيحية المناهضة للوجود السوري من أنصار ميشال عون الذي حكم عليه بالنفي وسمير جعجع الذي حكم عليه بالسجن، إضافة إلى بعض القوى السنية الموصوفة بأنها أصولية.

وبعد الخروج السوري من لبنان اتهمت المعارضة -المصنفة موالية لسوريا- السلطات اللبنانية بأنها تحتجز أربعة ضباط كبار كمتهمين في قضية اغتيال رفيق الحريري لدواع سياسية.

وعلى الصعيد الإعلامي فإن قانون المطبوعات ينص على العقوبة بالسجن للصحافيين وبالغرامة المالية، وإنشاء الصحف في لبنان ليس أمرا صعبا نسبيا ويمنح الترخيص من وزير الإعلام بعد استشارة نقابة الصحافة (المادة 27 منه).

ولكن الأمر يختلف مع قانون المرئي والمسموع الذي ينص على أن تأسيس مؤسسات الإعلام المرئي والمسموع يخضع لترخيص مسبق(المادة 3 منه)، ويمنح الترخيص بمرسوم يتخذ في مجلس الوزراء بعد استشارة المجلس الوطني للإعلام المرئي والمسموع (المادة 16 منه). ولكن المشكلة الحقيقية في قطاع المرئي والمسموع ليست في النص القانوني إنما في الطبيعة السياسية الطائفية للبلد، حيث وزعت السلطة السياسية الرخص الإعلامية للأقنية التلفزيونية والإذاعية وفق معايير طائفية ووفق موازين النفوذ السياسي، حيث يستحيل تأسيس أي مؤسسة إعلامية خارج هذا الإطار.

كما أن هيمنة السياسيين على الحياة العامة أضعفت مصداقية القوانين التي ترعى الإعلام ومجالاته، لأن الساسة يستطيعون بسهولة النيل من الصحافيين والإعلاميين بقضايا قد لا تتصل بقانون المطبوعات أو قانون المرئي والمسموع.

على سبيل المثال فقد تعرضت أكثر من وسيلة إعلامية للمضايقة والتحكم، من ذلك إيقاف تلفزيون "أم تي في" بشكل دائم أثناء الوجود السوري في لبنان بقرار قضائي صادر عن محكمة المطبوعات في الرابع من سبتمبر/أيلول 2002 بدعوى مخالفتها نص المادة 68 من قانون انتخاب أعضاء المجلس النيابي، بينما عزى القائمون على القناة السبب إلى مناهضتهم الوجود السوري.

كما أوقف رئيس مجلس إدارة تلفزيون "نيو تي في" تحسين الخياط بتهمة التعامل مع العدو والإساءة إلى دول عربية شقيقة في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2003 ورغم عظم التهمة أفرج عنه بعد 24 ساعة دون أي إيضاحات، واتهم الخياط أطرافا لبنانية وسورية نافذة في لبنان بأنها وراء الأزمة التي حلت به.

كما أن بعض الصحفيين تعرضوا للسجن لمدد مختلفة، منها على سبيل المثال إيقاف ثلاثة صحافيين يعملون في تلفزيون "نيو تي في" لدخولهم عنوة شقة أحد الشهود والعبث بالأدلة في قضية اغتيال رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري وتم سجنهم لمدة شهر ونصف ابتداء من 19 ديسمبر/كانون الأول 2006 ثم أطلق سراحهم بكفالة مالية، في حين أن القناة اعتبرت نفسها حينها مستهدفة لمعارضتها السلطة القائمة.

فضلا عما سبق فقد تعرض لبنان لموجة من التفجيرات المجهولة المصدر وتبينت خيوط بعضها بحسب مصادر لبنانية، وأودت بحياة عدد من السياسيين والعسكريين اللبنانيين إضافة إلى الصحافي جبران تويني فيما نجت الإعلامية مي شدياق من عبوة ناسفة وضعت في سيارتها.

كما تعرض صحافيون يعملون في مؤسسات لبنانية تتبع -أو متهمة بالانحياز- لجهات سياسية محلية، لاعتداءت ومضايقات من جهات سياسية أخرى مناوئة.

فلبنان بالإجمال، وقياسا على محيطه العربي، يشكو من ضعف سيطرة القانون والتفلت من العقاب ومن تلفيق التهم على خلفيات سياسية أكثر مما يشكو من نقص الحريات، خاصة في أوقات الأزمات، وهذا دفع أحد رؤساء الوزراء فيه، سليم الحص للقول:

"في لبنان الكثير من الحرية وإنما القليل من الديمقراطية، فالديمقراطية نظام وثقافة، ولبنان يفتقدها إلى حدٍ بعيد في وجهيها".

المجتمع المدني

الحياة الحزبية الانتخابات التداول العلاقة بين السلطات الحريات المجتمع المدني

ينظم قانون الجمعيات العثماني الصادر عام 1909 كافة الأشكال والتجمعات السياسية والمدنية، وتنص المادة السادسة منه على أن لا حاجة لرخصة مسبقة لتأسيس أي جمعية إنما يكفي إعلام وزارة الداخلية بذلك بعد التأسيس وهو ما يسمى إعطاء علم وخبر بالتأسيس.

كما أن الدستور اللبناني يقول في مادته الثالثة عشر: "حرية إبداء الرأي قولا وكتابة وحرية الطباعة وحرية الاجتماع وحرية تأليف الجمعيات كلها مكفولة ضمن دائرة القانون".

فبسبب النصوص القانونية الراعية للحريات وبسبب التعددية الطائفية الموجودة على أرضه، تنشط في لبنان كافة أنواع العمل التطوعي والشعبي وكافة أنواع التجمعات المستمرة والمؤقتة، العامة والخاصة، وفي العادة تفضل الحملات والنشاطات العربية أن يكون منطلقها العاصمة اللبنانية لتوفر هامشا واسعا من الحرية تسمح به ظروف لبنان وقوانينه.

ولكن ظروف عدم الاستقرار والأزمات السياسية التي تعصف بلبنان من حين لآخر فضلا عن تفشي العنف في أحيان أخرى كما هو الشأن مع الاغتيالات الأخيرة التي استهدفت عددا من السياسيين والصحافيين اللبنانيين، قد تضعف من نشاط مؤسسات المجتمع المدني.

ثم إن النفوذ الطائفي في المجتمع اللبناني كثيرا ما يفقد مؤسسات المجتمع المدني الوطنية والإنسانية قدرتها على التأثير، رغم امتياز الحرية الذي تحظى به سواء في التأسيس أو العمل.
_______________
مركز الجزيرة للدراسات

مصادر:

1- أرشيف الجزيرة نت.
2- انظر كتاب "لبنان والطائف" لعارف العبد، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت.
3- انظر "المجتمع والدولة في المشرق العربي" للوزير غسان سلامة، مركز دراسات الوحدة العربية، وفيه وصف النظام اللبناني بأنه إرث برلماني غربي وإرث طائفي محلي، صفحة 141.
4- انظر مقالة "الأداء التشريعي للمجالس التشريعية العربية (دراسة مقارنة)، الحالة اللبنانية" لعزّة وهبة، موقع برنامج الأمم المتحدة الإنمائي:
http://www.pogar.org/publications/legislature/wahby1a/section8.html
5-انظر جريدة اللواء اللبنانية، ملف قوانين الانتخاب الذي نشر على خمس حلقات في عام 2005، على التوالي في 26 و29 و30 أغسطس/آب، وفي 10 و17 سبتمبر/أيلول.
6- للاطلاع على قانون المطبوعات اللبناني انظر الموقع المتخصص الصحف كوم، تواريخ الصحافة.
http://www.elsohof.com/tawareekh0000004.html
7- للاطلاع على أبرز مواد قانون البث التلفزيوني والإذاعي انظر موقع معهد حقوق الإنسان لنقابة المحامين اللبنانيين، البث التلفزيوني والإذاعي قانون رقم 382 - صادر في 4/11/1994.
http://www.humanrightslebanon.org/arabic/CulturalRights.html
8- للاطلاع على الدستور اللبناني وتعديلاته بعد اتفاق الطائف انظر موقع مجلس النواب اللبناني:
http://www.lp.gov.lb/doustour/default.htm
9- للاطلاع على وثيقة الوفاق الوطني التي أنجزت عام 1989 بين الأطراف اللبنانية وأنهت الحرب الأهلية، انظر موقع المجلس الدستوري اللبناني:
http://www.conseil-constitutionnel.gov.lb/ar/arabic/taef.htm