تغلات بيلاصر الأول

تغلات بيلاصر الأول ملك آشوري حكم الدولة الآشورية من عام 1112 إلى عام 1074ق.م، حاول أن يعيد بناء الدولة التي أشادها توكولتي نينورتا الأول، الذي حكم آشور من عام 1243 إلى عام 1207ق.م، تبين ذلك من وثائق البناء المدونة على شكل مواشير، كانت موزعة في زوايا أساسات المعبد المزدوج للإلهين «آنو» و«هدد» في مدينة آشور.

شن تغلات بيلاصر الأول حملات واسعة في بلاد نايريري الواقعة في أرمينية[ر]، واستطاع أن ينتصر على أمرائها المحليين، ووصل إلى البحر الأسود، ثم مهّد الطريق ليصل إلى شمال سورية، واستطاع فتح بلاد بابل دون أن ينصّب نفسه ملكاً عليها، مراعياً في ذلك عادات البلاد وطقوسها، معترفاً بأسبقية بابل الحضارية على آشور، وليوجد التوازن بين الدولتين الجارتين. ومع أنه سمح لجنوده بنهب قصور الملك البابلي وإحراقها، حافظ على معابد الدولة البابلية ولم يهجّر مواطنيها. ولما توجه إلى سورية ليؤمن أشجار الأرز للأبنية التي يزمع تشييدها في بلاده، تقدم منه الأمراء السوريون حاملين الجزية إلا حاكم صور.

ركَّز تغلات بيلاصر الأول جلَّ اهتمامه على مطاردة زحوف القبائل الآرامية على الفرات، وكان الصراع مع الآراميين يراوح بين دفاع وهجوم، وكانت الضفة اليمنى لنهر الفرات محور هذا الاقتتال، حتى تمكن منهم أخيراً، وأجلاهم عنها إلى مدينة «أنات»، وتركهم ينعمون في سلام على ضفة الفرات اليسرى.

يقول في إحدى كتاباته مايلي: «جلبت الغنائم والأموال من تدمر (بلاد الأموريين)، ومن مدينة أنات من بلاد (سوخي)، ومن مدينة رقيقي من بلاد بابل إلى مدينتي آشور».

بدت المملكة الآشورية في عهد تغلات بيلاصر الأول وكأنها تنهض قوةً عظمى، مثل الدولة الحثية في عصر تل العمارنة (القرن الخامس عشر ق.م). كان الملك يقف على قمة الهرم الكهنوتي والإداري ممثلاً لإله الدولة آشور، متمتعاً بصلاحيات مطلقة، يدير بموجبها شؤون البلاد والعباد والمناطق الخاضعة للمملكة الآشورية. وكان أمراء الدول الخاضعة له (بلاد نايريري وبلاد شمال سورية) يقسمون أمامه قسم الولاء والطاعة، ولم يكن أمامهم سوى خيار واحد، إما الاستسلام والخنوع وإما الإبادة، وقصة كفاح الشعب الآشوري مع ملكه هي قصة كفاح الإله آشور للهيمنة على مقدرات العالم القديم.

وترتبط أهمية العاهل الآشوري بمدى مقدرته على تحقيق حكم العالم على أرض الواقع، أمام إله الدولة آشور، وبناء عليه قام تغلات بيلاصر الأول بتدوين سجل حافل بأعماله المجيدة، سواء في ميدان الحرب أم ميدان الصيد، ودُوِّن على شكل حوليات طويلة تتضمن أحداث السنة المتعاقبة ومواقعها الجغرافية، وقد تأخذ أحياناً شكل رسالة موجهة إلى إله الدولة.