تاريخ نشوء الاحرف العربية (2-2)

وذكر أهل الأخبار أن قوماً من أهل يثرب من الأوس والخزرج، كانوا يكتبون ويقرؤون عند ظهور الإسلام، ذكروا فيهم: سعد بن زرارة، والمنذر بن عمرو، وأُبي بن كعب، وزيد بن ثابت، وكان يكتب بالكتابات العربية والعبرية والسريانية، ورافع بن مالك، وأسيد بن حُضير، ومعن بن عدي البلوي، وأبو عبس بن كثير، وأوس بن خولى، وبشير بن سعيد، وسعد بن عبادة، والربيع بن زياد العبسي، وعبد الرحمن بن جبر، وعبدالله بن أُبي، وسعد بن الربيع.

وقد أرجعوا أصل علم هؤلاء بالكتابة إلى قوم من يهود يثرب، مارسوا تعليم الصبيان القراءة والكتابة، دعوهم (بني ماسكة).

وإن صدقّت هذه الرواية فيعني أن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية أيضاً، وأنهم كانوا يعلمونها للعرب، وقد تعرض البلاذري لهذا الموضوع فقال:

(كان الكُتاب من الأوس والخزرج قليلاً، وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول، فجاء الإسلام، وفي الأوس والخزرج عدّة يكتبون

ويظهر أن يهود يثرب، وربما بقية يهود، مثل يهود خيبر وتيماء وفدك ووادي القرى، كانوا يكتبون بقلمهم، كما كانوا يكتبون بالعربية. ويظهر من استعمال «البلاذري» جملة: «وكان بعض اليهود قد علم الكتابة العربية، وكان تعلمه الصبيان بالمدينة في الزمن الأول»؛ أن يهود يثرب كانوا يكتبون بالعربية، كما كان يكتب بها صبيان المدينة، وكانوا يعلمون الكتابة لصبيان يثرب في مدارسهم. غير ان ذلك لايدلل على الحرف المستعمل، هل كان الحرف العربي الذي تعرفه اليوم ام حرم ارامي ام المسند.

لنحاول أن نلقي بعض الضوء على قبيلة الأوس والخزرج وآثارهم

الأوس والخزرج
يتفق المؤرخون على أن الأوس والخزرج قبيلتان قحطانيتان، جاءتا من مملكة سبأ في اليمن على إثر خراب سد مأرب، وعندما وصلتا إلى يثرب أعجبتا بما فيها من أرض خصبة وينابيع ثرة، وقد كان سكانها ـ وخاصة اليهود ـ في حاجة إلى الأيدي العاملة لاستثمار الأراضي، فسمحوا لهم بالنزول قريباً منهم بين الحرة الشرقية وقباء، وكانت ظروف عملهم أول الأمر قاسية وبمرور الزمن تحسنت أحوالهم، فبدأ اليهود يخافون من منافستهم، فتداعى عقلاء الطرفين إلى عقد حلف ومعاهدة يلتزمان فيها بالسلام والتعايش والدفاع عن يثرب إزاء الغزاة، فتحالفوا على ذلك والتزموا به مدة من الزمن، ازداد خلالها عدد الأوس والخزرج ونمت ثرواتهم، ففسخ اليهود الحلف وقتلوا عدداً منهم وعملوا على إذلالهم، وبقي الأوس والخزرج على تلك الحال إلى أن ظهر فيهم مالك بن العجلان الذي استنجد بأبناء عمومته الغساسنة في الشام فاستجابوا له وأرسلوا جيشاً كسر شوكة اليهود فعادوا إلى الوفاق وعاشوا فترة أخرى حياة متوازنة، فعندما هاجم تبع بن حسان (يثرب) وأراد تخريبها وقف الجميع في وجهه حتى رجع عن قصده وصالحهم وفي هذه المرحلة من الوفاق تحرك أبناء الأوس والخزرج خارج الحزام الذي كانوا محتبسين فيه وبنوا المنازل والآطام في سائر أنحاء (يثرب) وتوسعوا في المزارع وصار لكل بطن من بطونهم مواقع كثيرة.

وقد التحمت العلاقات والمصالح بين الاوس والخزرج والقبائل اليهودية، الى درجة ان القبائل اليهودية انقسمت على بعضها، فتحالف بنو النضير وبنو قريظة مع الأوسيين، وتحالف بنو قينقاع مع الخزرجيين وشارك الحلفاء مع بعضهم في الحروب الناشبة مع الطرف الاخر، وهي حروب استمرت قرابة مائة وعشرين عاماً. وبموافقة الاوس والخزرج على حماية الرسول ومبايعته، انتهت الخلافات بين الاوس والخزرج، وانتهى الامر بالقضاء على قبائل اليهود الاصليين واجلاء الباقي منهم عن وطنه والاستيلاء على اموالهم واراضيهم واهلهم وتوزيعهم بين حلفاء الماضي.

ولقد رأينا عند ذكر مدينة العلا الأثرية كيف أن عرب الأوس والخزرج هم الذين أتوا إلى المنطقة وجلبوا معهم الحرف السبأي اليمني ونشروه في المنطقة وأنهم بعد أن رسخوا انفسهم في المنطقة ووصل الامر الى ان يزيد نفوذهم على نفوذ القبائل المحلية ويصبح لهم الصدارة في المنطقة, كان الطبيعي انتشار كتاباتهم التي تقوم على خط المسند فتنتشرة في المنطقة.

وفي هذا الخبر وأمثاله -كما يقول الدكتور جواد علي- دلالة على أن الكتابة كانت معروفة بين أهل يثرب قبل الإسلام، وأنها كانت قديمة فيهم؛ ولهذا فلا معنى لزعم من زعم أنها انتشرت بيثرب في الإسلام، وأن الكتابة كانت قليلة -بها قبل هذا العهد- وعلى الاغلب قصد أهل الأخبار بجملة «وكان بعض اليهود قد علم كتاب العربية» هو الكتابة بالخط العربي الشمالي ( الارامي او العبري)، لا بالقلم المسند. غير ان ذلك يدل ايضا على ان اللغة العربية كانت تكتب بحروف متعددة وليس بحرف خاص بها. ,ومن المحتمل ان اليهود كانوا يعلمون الخط الارامي الى جانب العبري من عرب الأنبار وبلاد الشام وهذا يعيدنا إلى الفرضية الأولى التي تقول أن الخط العربي قد جاء من العرب الشماليين الأنبار( أهل الحيرة) ولكن عن طريق يهود يثرب.

هناك ثلاث تفسيرات تتحدث عن إنقلاب وتغيير في شكل واستخدام الأبجدية إلى إتباع الخط العربي الحديث وتلك التفسيرات هي :

تفسير البلاذري :

جاء في كتاب المؤرخ العربي البلاذري أن الخط العربي قد تم إنشاءه من قبل ثلاثة أشخاص اجتمعوا في الحيرة فوضعوا الأحرف الهجائية العربية مستمدينها من النبطية القديمة ، حيث يذكر :

حدثنا عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن جده، وعن الشرقي بن القطامي قال: اجتمع ثلاثة نفر من طيء ببقة وهم مرا مر بن مرة وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة فوضعوا الخط، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية. فتعلمه منهم قوم من الأنفار ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار. وكان بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي ثم السكوني صاحب دومة أتجندل يأتي الحيرة فيقيم بها لحين، وكان نصرانياً. فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة.

تفسير اعلام النبلاء :

قيل لأبي سفيان ممن أخذ أبوك الكتابة قال من ابن سدرة وأخبره أنه أخذها من واضعها مرامر بن مرة قال وكانت لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة غير متصلة وكانوا يمنعون العامة من تعلمها فلما جاء الإسلام لم يكن بجميع اليمن من يقرأ ويكتب قلت هذا فيه نظر فقد كان بها خلق من أحبار اليهود يكتبون بالعبراني
سير أعلام النبلاء ج: 17 ص: 319

النظرية الحديثة :

أن الأبجدية العربية الحديثة أتت من تطور الحرف النبطي : وتبين لنا أن الأنباط الذين يعود تاريخهم إلى القرن السادس قبل الميلاد والتي بدأت مملكتهم في 85 ق م إلى 106 م والتي إمتد حكمهم الجغرافي كما هو موضح في الخارطة ادناه

كما تعرفنا على أبجديتهم ووضحناها في بحث الأنباط . ونجد أن الغساسنة الذين استعادوا مملكتهم من الأنباط, اجروا تطوير على الكتابة النبطية، إذ قاموا بتوصيل الحروف بعضها ببعض تماماً كما يفعل الأشوريين في كتابتهم فنتج معهم الخط العربي الجديد.

إن بعد التدقيق في النقشين الشهيرين نقش إمرؤ القيس العائد لعام 338 م ونقش أم الجمال العائد لعام 528 م يتبين لنا التالي :

الأبجدية رقم واحد لقد أخذت من نقش إمرء القيس, لاحظ أنها هي ذاتها الأحرف النبطية مع اختلاف بسيط بطريقة كتابة بعض حروفا كحرف الياء في نهاية الكلمة وحرف الشين والهاء.

كما تبين لنا أيضاً أن حرف الدال والذال فيهم نوع من الإختلاف البسيط الشبيه بحرف الكاف في كلمة (عكدي)

وإن غياب حرف الضاد والطاء والظاء والذال والثاء من النقش, ما جعلنا نقع في حيرة في كيفية اختيار تلك الحروف.

كما لاحظنا أنه هناك همزة يستخدمها الغساسنة في كتابتهم وهي تشبه الفاصلة وهذا دليل على أن الخط العربي الجديد هو ذاته الخط النبطي القديم ولكنه متصل.
كما أن نقش أم الجمال الذي كتب اسم جذيمة نلاحظ أن التاء المربوطة "ـة" قد اخذت من الأحرف الأشورية بدلاً من الأحرف النبطية التي تفتقر لذلك الرمز الذي لم يكن واضحاً في كلمة (مدينة) التي كتبت (مدينت),

حاول مقارنة حرف ال (ــة ) مع الأبجدية الأشورية ستجد تطابق في الحرف.

كما نلاحظ أن الشين والسين كتبت بشكل واحد ولكننا إذا دققنا لوجدنا أن الشين تختلف عن السين بإنحناء مدتها

ولقد تبين لنا أنه قد جاءت فكرة توصيل الأحرف من الأشوريين الذين بدأوا بتوصيل حروفهم من عام 200 ق م

كما تبين لنا أن حرف الصاد والضاد هم حروف قد اخذت من أبجدية أخرى موجودة في بلاد ما بين النهرين تدعى بالأبجدية المندائية :

نستنتجد من هذه الأبجدية أن أصل حرف الصاد والضاد, والحاء والفاء وإنقلاب السين بشكل أفقي بدلاً من الشكل العامودي النبطي.

ولكن من الذي فعل هذه الإضافة ؟
إذا عدنا إلى النظرية الأولى التي تتحدث عن اجتماع ثلاثة أنفار من طيء بمدينى "بقة" وهم "مرا مر بن مرة" و "أسلم بن سدرة" و "عامر بن جدرة" فوضعوا الخط، وقاسوا هجاء العربية النبطية على هجاء السريانية. نجد أن هذه الحادثة قد وقعت بعد أن تعرفوا على الخط النبطي الموصل, وأن الإضافات التي أضيفت للأبجدية العربية الجديدة كانت متعلقة ببعض الحروف كما أن وضع النقاط على بعض الحروف لتميزها عن بعضها البعض كان من أهم الخطوات التي أدت إلى ولادة الخط العربي الجديد في مدينة الكوفة في الحيرة فنتج الخط الكوفي الجديد.

ونرى أنه من أسباب انتشار الأبجدية الأشورية في العالم العربي هو بسبب نشر الديانة المسيحية عبر المبشرين الدينيين السريان في بلاد ما بين النهرين والجزيرة العربية, ومصر والسودان والحبشة, وأنه عندما اختار كتاب القرىن كتابة الحرف النبطي، كان الامر قاصرا على الصدفة وحدها، وحسب قدرة الكتاب والنساخ، ليستقر الإسلام فيما بعد على الخط النبطي الموصلي الذي جرت تسميته بتسمية الخط العربي الكوفي وخط القرآن. ومع انتشار الاسلام في بلدان الحضارة الارامية والاشورية والنبطية حيث تتشارك مع العرب بالجذر اللغوي اضطروا الى تبني الحرف الجديد، ووصل الامر بالبلدان المفتوحة الاخرى مثل فارس والهند، والتي تتكلم لغة اخرى تماما، الى ان تتبنى الحرف العربي الجديد، مع الاحتفاظ بلسانهم الهندواوروبي، على الرغم من ان الخط العربي لايناسب لغاتهم، الامر الذي دعاهم الى إضافة حركات اخرى غير موجودة بالعربية.

وهكذا نكون قد برهنا على أن الأبجدية العربية (الخط الكوفي) هي تطور الأحرف النبطية مع استعارة بعض الأحرف الأشورية والمندائية.