ياسر عبد ربه يفتح دفاتر الثورة الفلسطينية (الأخيرة)

خرجت من حواراتي مع ياسر عبدربه حزيناً. الذاكرة الفلسطينية مثقلة بالمعارك والجروح والانجازات والأخطاء. والذاكرة الفلسطينية - اللبنانية منجم آلام. ولم يتردد عبدربه في الاعتراف بأن لبنان دفع ثمن التجاذب بين القيادة الفلسطينية ودمشق وهو ما سماه ياسر عرفات يومها معركة القرار الفلسطيني المستقل.
أسجل لياسر عبدربه جرأته في مراجعة التجربة. ومجاهرته بارتكاب أخطاء. وحديثه عن ياسر عرفات الرمز والقائد من دون أن يتجاهل أن القائد يصيب ويخطئ. اعترف بأخطاء في الأردن وأخرى في لبنان وأخطاء في تجربة السلطة. أترك عبدربه مع «سكاكين الرفاق» وهنا نص الحلقة الأخيرة:

> كيف بدأت علاقاتكم في لبنان مع الأحزاب اليسارية؟

- عقد في بيروت اجتماع عام 1973 لعدد من القوى العربية اليسارية بدعوة من الحزب الشيوعي اللبناني وحضرناه كجبهة ديموقراطية واختلفنا في هذا الاجتماع، كان من الشخصيات المصرية الحاضرة لطفي الخولي. اختلفنا حول الاعتراف بالقرار 242، أنا من الناس الذين وقفوا آنذاك، وقلت إن «المشكلة ليست في أن نعترف به أو لا. هناك عناصر في القرار نقبل بها، لكننا نريد ما يكمله ويستوعب الحقوق الفلسطينية». لفت كلامي هذا الانتباه إلينا، وبدأنا نتحدث مع شخصيات أخرى من اليسار بدءا من جورج حاوي وكريم مروة ونديم عبدالصمد وخليل الدبس وغيرهم. وبدأنا العلاقة مع اليسار اللبناني حتى الوقت الذي تشكلت فيه الجبهة العربية المشاركة - الثورة الفلسطينية التي أنشأها كمال جنبلاط (أظن عام 1974) وبعد اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة، وكانت بداية أول علاقة.
أبو عمار أعطى هذه الجبهة أهمية استثنائية، لأنه كان يريدها امتدادا لبنانيا داخليا من ناحية، ومن ناحية أخرى وسيلة للتوازن مع السوريين وتيارات البعث المختلفة. كان عرفات يفضل في بداية الحرب الأهلية أن يبقي لبنان قاعدة مستقرة له، لذلك عندما انفجرت الحرب من عين الرمانة، كان ياسر عرفات يحاول أن يحسّن العلاقات مع الجميع، بمن فيهم حزب الكتائب، واستخدم علاقته مع كريم بقرادوني للتواصل معه من أجل تطوير الصلة مع الكتائب.

> هل يمكننا القول إن عرفات لم يكن يريد الحرب في لبنان؟

- أبداً، وحتى اكثر من ذلك. هو شجع مبادرة فتح حوار بيننا وبين الكتائب. وكان يحاول أن يبتعد عن الدخول في مغامرة الحرب. التقيت بياسر عرفات بعد احداث عين الرمانة في دمشق. انفرد بي وأخذ يحقق معي عن هوية الذي يطلق الهاونات. كان يريد أن يعرف هل كانت «الصاعقة» وراء ذلك. قلت له إن هناك بعض الهاونات التي تطلق، لكن هناك مبالغة في تقدير حجمها وضررها. فقال لي: «هو أصلاً هاون واحد وتشتعل الدنيا كلها». كان حذرا جدا وخائفا من اشتعال المعركة، لكنه كان يريد أن يمسك بكل شيء بيده. لم يكن يريدها أن تكون في يد السوريين ولا في يد كمال جنبلاط. لذلك عندما جاءت أول شحنة سلاح لكمال جنبلاط لم يسلمها عرفات له.

أسلحة من ليبيا

> من أين جاءت؟

- أظن من الليبيين، وبكميات كبيرة، بعدها جاء السلاح من السوفيات ومن المانيا الشرقية لمصلحة كمال جنبلاط والحركة الوطنية. غير أن عرفات لم يسلم الشحنة لجنبلاط، وظل جنبلاط يسأل أبو عمار عن السلاح، فيجيبه أبو عمار: «معقول أن مسؤول التسليح لم يسلمك الشحنة، الله لا يسامحه». لاحقاً، صار يعطيه جرعات قليلة وليس من الأسلحة المرسلة حديثا، بل من أسلحة قديمة ومستهلكة.

> ماذا كان هدف عرفات، هل كان يريد أن يضبط الحرب ويؤخرها؟

- كان يريد أن يكون قرار الصراع بيده. بقي على موقفه ضد مغامرة الحرب الى حين دخل السوريون الى بيروت واخذوا يهددون دوره ونفوذه. الأمر الذي دفع كمال جنبلاط والفرع اليساري في الحركة الوطنية الى محاولة الالتفاف على ياسر عرفات. في البداية كانوا يطلقون عليه النكات: «عامل مطارد هاونات»، يعني أينما كان يسمع صوتا، كان يقول إنها هاونات ويرسل حرسه لمعرفة كيف حصل ذلك. لاحقاً، حاول أن يسيطر على الوضع اللبناني بتناقضاته المختلفة من دون أن يكون مضطراً الى اللجوء الى الحرب كوسيلة. هذه كانت مقاربة ياسر عرفات والاختلاف بينه وبين كمال جنبلاط. جنبلاط كان يريد أن يكسر معادلة الوضع اللبناني، بينما كان عرفات يريد أن يستعمل الوضع اللبناني بتناقضاته من دون أن يفجر هذه التناقضات، إلا إذا انفجرت هي في وجهه.

> هل تعتقد أن ياسر عرفات لم يأخذ اليسار اللبناني الى الحرب، بل أن جنبلاط والحركة الوطنية هم الذين أخذوا ياسر عرفات اليها؟

- برأيي هم حاولوا الالتفاف عليه لأنه لم يقبل أن يمشي في المغامرة حتى آخرها. ياسر عرفات كانت عينه على مؤتمر السلام الدولي، ومشاركة منظمة التحرير فيه، وكان يحاول التقرب من الأميركيين بأي وسيلة. وقتها كان هناك احتمال لقاء أميركي - فلسطيني. أقام علاقات عبر خالد الحسن وماجد أبو شرف الذي كان مع اليسار. لما احتدمت الاشتباكات عام 1976 ساهم في إجلاء الأميركيين من بيروت، وكان يتوقع أن يكون له في مقابل ذلك ثمن سياسي، إلا أن ذلك لم يحصل. كمال جنبلاط واليسار التفوا عليه. عملوا صفقة مع أبو صالح وأبو موسى وأبو خالد العملة أي ما يسمى اليسار في «فتح»، والذي لم يكن في الحقيقة اليسار، بل مجموعة ضباط طامحين في «فتح»، كانوا يريدون من خلال توسيع دورهم العسكري الاستيلاء عليها.

مشروع جنبلاط

> كل كان هذا وراء اشتعال الحرب في الجبل؟

- لم يكن ياسر عرفات وراء الحرب في الجبل. كان وراء ذلك كمال جنبلاط وعدد من الضباط المحسوبين على أبو صالح ونحن في الديموقراطية والجبهة الشعبية، هذا الحلف الذي حاول الإخوان أي كمال جنبلاط والحركة الوطنية أن يمسكوه حتى يوسعوا الحرب، لأن مشروع كمال جنبلاط شيء آخر. أبو عمار لم يكن مقتنعا بمشروع كمال جنبلاط. لم يكن مقتنعا للحظة بتغيير المعادلة اللبنانية وتغيير نسب القوى اللبنانية.

> لكن انتم شاركتم في الحرب؟

- نحن شاركنا في الحرب انطلاقاً من ان هناك مشروعاً للحركة الوطنية.

> يعني أنكم أيدتم جنبلاط في الحركة الوطنية؟

- أيدنا جنبلاط، لكن لما وصلنا الى نقطة الوثيقة الدستورية صار افتراق. كان رأينا أن تتم الموافقة على الوثيقة الدستورية. ياسر عرفات كان مترددا في الموافقة، ليس لأن الوثيقة كانت جيدة أو عاطلة، بل لأنه كان يريد أن يعرف ما هي حصة السوريين في العملية. لذلك كان موقفه من الوثيقة متأرجحا. بعد الوثيقة الدستورية عام 1976 كان أبو عمار ضد الدور السوري ويخاف من الدور السوري للسيطرة على قراره. ووجد في هذا المجال تشجيعاً مصرياً كبيراً. كمال جنبلاط لم تعجبه الوثيقة الدستورية، إذ كانت أقل بكثير من طموحاته الخاصة السياسية. لكن كان رأينا بأنه لن يكون هناك ما هو أكثر. ربما كنا متأثرين بموقف السوفيات اكثر من تأثرنا بموقف السوريين في هذا المجال، لأن رأيهم كان اننا لن نتمكن من تحصيل شيء أكثر من الوثيقة الدستورية.
في تلك الفترة، دخل أبو عمار في لعبة مع المصريين. كان يريد أن يدخل في التسوية بأي ثمن. المصريون حصلوا على موقف من الأميركيين بأنه يستحيل إدخال منظمة التحرير في التسوية لأنها غير مقبولة. فوافق أبو عمار على أن يكون هناك وفد فلسطيني مع الوفد الأردني وأن يكون الوفد الفلسطيني مشكلاً من شخصيات فلسطينية - أميركية، مثل ادوار سعيد ووليد الخالدي وإبراهيم أبو لغد. أنا كنت وقتها في الأمم المتحدة، وكان إسماعيل فهمي وزير خارجية مصر. كنت أقول لفهمي إننا لا يمكن أن نقبل إلا بتمثيل كامل لمنظمة التحرير في المؤتمر الدولي. فقال لي: «روح شوف الرجل بتاعك، هو اتفق مع الريس على أن التمثيل يتم من خلال وفد من فلسطينيين - أميركيين وشخصيات مستقلة لا علاقة لها بمنظمة التحرير ومع الوفد الأردني. نحن وقتها كنا براغماتيين، لكن ليس الى هذه الدرجة. ياسر عرفات كان يتجاوزنا كلنا ببراغماتيته، وكان يبحث عن أي مسرب ولو صغير. وكان يخاف من أن يقيم العرب تسويتهم الخاصة ويبيعونا، فكان مستعدا الى أن يمسك بأي حبل مهما كان صغيرا. لذلك كان يذهب باستمرار الى السادات. كما أنه كان لدى ياسر عرفات أمر لا يتغير: عنده ثقة بالمصريين وليست عنده ثقة بالسوريين.

اللقاءات مع الأسد

> كيف كانت علاقته بالرئيس حافظ الاسد؟

- كنا نعقد لقاءات مع الرئيس الأسد منذ مطلع عام 1974، بخاصة في فترة حرب تشرين بمعدل شهري تقريبا. كان عرفات يأخذنا كلنا إلى هذه اللقاءات. وعلى رغم أنه كان يحب الكلام، فإنه وخلال هذه اللقاءات، كان أقلنا كلاما، الى حد أننا أحيانا كنا ننتقده في الخارج ولا نفهم السبب. كان يصمت صمتاً كاملاً، ولا يجيب سلباً أو إيجاباً عن أي قضية، بما فيها قضية المؤتمر الدولي والمشاركة فيه. بعد 1974 وخلال اجتماعاتنا مع حافظ الأسد، كان موقف الأسد كما قال «انتم ليست لكم علاقة بالتسوية. انتم ثوار ويجب أن تستمروا في النضال حتى تحرير فلسطين واتركوا التسوية للأنظمة». كان الأسد يعتبر انه لا يمكنه أن يسيطر علينا ولنا خطوط مع اكثر من جهة: السوفيات ومصر والسعودية. السيطرة علينا ليست سهلة، عدا عن أننا ننافس نفوذه في لبنان. لذلك كان الأسد عمليا والد جبهة الرفض الحقيقي، على رغم أنها كانت جبهة ممولة عراقياً. نحن كنا نعتقد أن المشكلة هي مشكلة وجهات نظر، فنناقشها معه ومع عبد الحليم خدام الذي كان يتولى الحوار معنا ويعبر عن مواقف الأسد في شكل كامل وأمين. حكمت الشهابي كان اكثر من يكرهنا. كان الشهابي لا يطيقنا ولا يطيق ياسر عرفات. ويعبر عن عدائه لعرفات في شكل صريح وبكل السبل.

> ربطا بياسر عرفات والأسد، أنت قلت إن موقف حكمت الشهابي كان عدائيا تجاه أبو عمار، فهل كان خدام قاسيا؟

- موقف الشهابي كان عدائياً جداً. خدام كان قاسياً معنا دائماً وعدوانياً باللغة وكان يقول لنا ما لا يقوله الأسد. لكن ليس الى درجة عداء حكمت الشهابي الذي كان مبدئيا. الشهابي كان ضد دخول أسلحة إلينا عبر سورية. حاول أن يعرقل هذه العملية بمقدار استطاعته، إلا إذا كان هناك قرار من أعلى. كراهيته كانت موجهة في الأساس ضد الرموز مثل ياسر عرفات. طبعا، أبو عمار كان يريد علاقة حذرة، لكن من دون صدام مع سورية، لكنه كان يتجنب الارتباط بها.

> هل يمكننا القول إن معركة القرار المستقل، كانت من أسباب الحرب في لبنان بسبب التنافس الفلسطيني - السوري على الإمساك بالورقة اللبنانية؟

- كان موقف ياسر عرفات دفاعيا في الحرب. هو كان يريد أن يظل ممسكا بالوضع اللبناني. ياسر عرفات لم يكن مع الرد على تل الزعتر في الدامور. أنا شاهد على ذلك. نحن حاصرنا الدامور. وحتى أكون أمينا أكثر، حتى أطراف الحركة الوطنية اللبنانية كانت مشمئزة من حصار الدامور ردا على تل الزعتر.

> من اقتحم الدامور؟

- اقتحم الدامور جناح في فتح واليسار الفلسطيني، يعني نحن مع الشعبية. لم يكن قرار ياسر عرفات أن ندخل في لعبة الدامور مقابل تل الزعتر. كمال جنبلاط لم يكن يريد ذلك أيضاً. عرفات وجنبلاط ومحسن ابراهيم وجورج حاوي وآخرون كانوا ضدها، لكن في النهاية كانوا يعرفون تداعيات المعركة فانساقوا وراءها.
أنا اذكر أن ياسر عرفات طلع إلى صوفر حيث موقع القيادة السورية - اللبنانية. كنت معه وعقدنا لقاء مع الكتائب حينها. وكان على رأس الوفد الكتائبي كريم بقرادوني وعدد من الضباط السوريين. أبو عمار اكتفى بالصمت، وتحدثت أنا بشدة عن قصة تل الزعتر، وقلت لكريم بقرادوني أن ما تفعلونه سيكون له نتائج كبيرة جدا، أنتم ترتكبون مجزرة. رد علي كريم بقرادوني بقسوة أكثر بأن انتم بدأتم المجازر وانتم تلعبون لعبة كبيرة جدا، وانتم تتولون تخريب لبنان وتتواطأون مع من يريدون أن يخربوا لبنان. قاطعه أبو عمار، قائلا: «»طبعا يا اخوي، من حقك أن تحكي هذا الكلام. تدلل. ما دام الجنرالات الجالسون - ويقصد هنا السوريين - داعمينك ومساندينك، فمن حقك أن تتكلم بهذه اللغة». أنا صرت ارتجف، فنحن عندهم. لكن ولا واحد من السوريين الذين كانوا جالسين قال كلمة. هم قالوا انهم كانوا يحاولون مسعى توفيقيا بيننا. فطلعنا، وكنت خائفا، وأبو عمار يقول: اسكت لا أحد منهم يستطيع أن يفتح فمه بكلمة مع ياسر عرفات.

> علاقة ياسر عرفات وحافظ الأسد لم تكن يوما ودية، وكانت بينهما شكوك متبادلة؟

- لم تكن مرة ودية. حتى عام 1982 وبعد خروجنا من بيروت ولما عقدت القمة في الدار البيضاء عرضت مبادرة الملك فهد للمرة الثانية. خرج أبو عمار من الطائرة آتيا من أثينا واستقبله كل الملوك والرؤساء في المطار، أما الوحيد الذي لم يستقبله، فكان الأسد. في تلك القمة كنا نناقش مبادرة الملك فهد التي كانت النواة لمبادرة السلام العربية، كانت تتحدث عن دولة فلسطينية في الضفة وغزة وعن استعداد لعقد اتفاق سلام مع إسرائيل باسم كل العرب، إذا قامت إسرائيل بهذه الخطوات وانسحبت من الأراضي الفلسطينية. لكن كانت لدى الأسد تحفظات وقال انه يريد أن يتشاور مع الفلسطينيين. التقانا عندها وحاول أن يثنينا عن هذه الفكرة. قال: «شو بدكم بهالقصة. ولماذا تدخلون من المدخل نفسه مرة ثانية. اتركوا العملية تسير من دونكم، وانتم لاحقاً تأخذون ثمارها. الملك حسين ضعيف ونظامه ضعيف، اتركوه ينهي العملية ولاحقا ترون ماذا يمكنكم أن تفعلوا». قلنا له: لا. كان عندنا الجرأة أن نقول له ذلك. كان ذلك أواخر عام 1982 وكنا قد خسرنا الحرب في لبنان، لكننا كنا كسبنا الصيت بأننا صامدون ومقاتلون، ولم يكن عندنا إلا هذه الورقة نتعلق بها. ثم أن ياسر عرفات كان بدأ في إقامة الاتصلات مع الأميركيين وفيليب حبيب. وقتها كان مشروع ريغان بدأ يظهر، ولم يكن عرفات يريده أن يُرفض. وفي عام 1983 وخلال انعقاد المجلس الوطني بقي ياسر عرفات يقاتل حتى النهاية كي لا يصدر قرار عن المجلس الوطني برفض مشروع ريغان.

تصفية حسابات

> هل كانت عودة عرفات الى طرابلس في إطار تصفية الحسابات مع سورية؟

- عاد ياسر عرفات الى طرابلس ولعبها بذكاء. السوريون كانوا بدأوا يعبثون ببيته الداخلي بعد الانشقاق في «فتح». قبل عام 1981 مرت فترة صارت هناك وحدة مصالح بيننا وبين الأسد بعد زيارة السادات القدس. لكن ياسر عرفات بقي حذرا من هذا التقارب، ولم يرد أن نضع كل أوراقنا في يد الأسد. وقتها كانوا شكلوا «جبهة الصمود والتصدي» وعملوا مشروع الوحدة العراقية - السورية بين البعثين (1979) ودخلت ليبيا على الخط، لكن ياسر عرفات ظل الأكثر حذراً في عدم الدخول في معركة ضد مصر الى حين تيقن أن المصريين عملوا اتفاق كامب دايفيد. عندما عقدوا الاتفاقية سنة 1978، وكنت مع ياسر عرفات عائدين من دمشق الى بيروت الساعة السادسة صباحاً. فتحنا الراديو على صوت أميركا، فسمعنا عبره أنهم توصلوا الى اتفاق. ظل ياسر عرفات متمسكاً بأمل أن لا يبيعنا السادات. يومها قال لي: «يا ياسر، السادات باعنا». حتى تلك اللحظة كان الأمل لا يزال لديه بأن السادات لن يبيعنا.
عندما عقد السادات لقاء مينا هاوس، وافق أبو عمار على أن نرسل وفداً فلسطينياً، لكن الإسرائيليين اعترضوا في اللحظة الأخيرة. ورفضوا عقد لقاء مينا هاوس إذا كان فيه وفد فلسطيني.
عندما اغتيل كمال جنبلاط كان المجلس الوطني منعقداً في إحدى دوراته، وأطلقنا عليها «دورة كمال جنبلاط». بعد انتهاء الدورة، عقدنا لقاء مع السادات في بيته. كانت هذه المرة الأولى التي أرى فيها الرئيس حسني مبارك. وكان نائب رئيس، وكان يسجل تفاصيل اللقاء. قال لنا السادات: «لقد التقيت كيسنجر واطمئنوا كل شيء يمشي تمام». فسألناه: «ما هو الذي يمشي تمام؟» قال السادات: «الدولة الفلسطينية». سألناه مرة جديدة: «الدولة كلها؟» فقال: «طبعاً. الضفة وغزة والقدس». قلنا: «القدس سترجع»، فقال السادات: «طبعاً». عندها أضفنا: «وماذا عن حقوق اللاجئين؟»: قال: «اللاجئون سيعودون جميعهم». من خلال هذه الصورة الوردية عرفنا أن ثمة كذبة كبيرة وصفقة ستعقد على حسابنا. خرجنا من اللقاء اكثر قلقاً من السادات مما كنا عليه قبله. هذا كان مطلع عام 1977 أي قبل أن يعلن عن زيارته القدس. بعد ذلك بأسبوع ذهبنا الى دمشق، كي نعمّد نتائج المجلس الوطني. دخلنا للقاء الأسد، وكان دم كمال جنبلاط لا يزال طريا، إذ لم يكن مضى على اغتياله إلا أسبوع واحد. وما أن جلسنا، حتى قال أبو عمار بطريقته: «اجتمعنا وسمينا الدورة باسم الشهيد كمال جنبلاط». ففاجأنا الأسد بالقول: «الله يرحمه كمال بيك، من برأيك اغتاله يا أبو عمار؟» ومع سماعي السؤال، أدرت فورا وجهي نحو الأرض كي لا يبدو علي أي رد فعل، ثم نظرت الى أبو عمار. فقال أبو عمار: «من غيرهم يا سيادة الرئيس، من غيرهم؟». وظل يكرر عبارة من غيرهم، ويبدو أن ذلك كان حتى يكسب وقتاً يفكر فيه بجواب. وهذا كان أسلوب ياسر عرفات. نظرت الى عرفات، وخفت بينما ياسر عرفات يكرر كلمة «من غيرهم»، ثم قال أبو عمار: «إسرائيل. من غيرهم. غير إسرائيل من هناك؟». غير أن الأسد سأل: «لماذا إسرائيل يا أبو عمار، ما هو دليلك على ذلك؟»، فحكى أبو عمار رواية كنا نتندر عليها: أصلاً أنا اعرف المنطقة. سيارة كمال بيك نزلت نزولاً كدا، ثم حولت وطلعت مرة ثانية ولا يعرف تفاصيل تلك المنطقة الا الاسرائيلون.