مصدر الاحرف العربية

الجزء الاول

إن عام 115 ق م تاريخ مشهور عند العرب حيث دونته قبائلهم على انه العام الذي أنهدم فيه سد مأرب الشهير والذي كان قد بناه الملك عامر الملطوم الأزدي جد الدواسر، مما دفع العديد من القبائل العربية إلى الهجرة قلب الجزيرة لتختلط عاداتهم ولهجاتهم الخاصة والمميزة مع بقية العرب.

العرب العاربة والعرب البادئة:

تاريخ العرب، هو مجموعة من الاعتقادات لازالتي في طور الاسطورة اكثر منها الحقيقة العلمية، ويجري تتداولها بتواتر غير مضمون. حسب هذه القصص، التي تتارجح بين الحقيقة مخلوطة بالخيال، فعقب سيل العرم تفرقت عرب اليمن الموضوفة بالعاربة الى ارض الجزيرة العربية ومنها الى بلاد الشام ومصر ، كما ذهبت الى السودان والحبشة. ويقال ان منهم من كان قد هاجر سابقا الشمال مثل الثموديين في العلا والذي يطلق عليهم البعض صفة العرب البائدة. ويقال انهم انصهروا فيما بعد في قضاعة الحميرية, كما كان الخيبريين واليثربيين في المدينة, فانصهروا في الاوس والخزرج الانصار الازديين, وهناك الجرهميين وهم من قحطان في مكة وانصهروا في خزاعة الازدية, والتي اجلت جرهم وصهرتها فيها واخذت ولاية البيت ، بعد ان كان متعاقبا علية في العرب العاربة الى عهد خزاعة.

قبيلة مذحج :
في القرن الاول الميلادي تقريبا عقب سيل العرم من اثر انهدام السد الشهير بمأرب كانت مذحج قبيلتي (جنب وشمران) من القبائل النازحة والمهاجرة تاركة اليمن وقاصدة مكانا اخر للعيش فيه, فاقتربت مذحج من مكة واوديتها فرأت أن خزاعة قد سبقتها إليها, ورأت أن مكة يسكنها من القبائل العدنانية بني عدوان ونضر وسدانة والبطحاء, فتكاتف العدنانيون واتحدوا ضد هذا النزوح الذي اعتبروه تهديدا لاراضي الرعي وتنافس على الموارد المحدودة فالتحم الطرفان في حرب طاحنة تعرف بيوم البيداء بقيادة عامر بن الظرب العدناني, الملقب بالعدواني, وانتصر على قحطاني مذحج وأجبرهم على النزوح جنوباً إلى تهامة. وقال فيها ابن الظرب :

أبونا مالك والصلب زيـــــد ==== معدا ابنه خير البنينــــــا
اتاهم من ذوي شمران آت ==== فظلت حولها أمد السنينــــا
فيا عوف بن بيت يالعـوف ==== وهل عوف لتصبح موعدينا
فلا تعصوا معدا إن فيهـــا ==== بلاد الله والبيت الكمينــــــــا

ومنذ ذلك الوقت والى يومنا هذا ما زالت شمران العصاة تسكن تهامة وقريبا من مكة ولها بعض العوائل القديمة التي تسكن مكة المكرمة وبذالك فإن شمران كانت معروفة في الجاهلية قبل ان تسكن السراه في القرن الثالث والرابع الهجري وكانت من عتاة مذحج الطعان ومن جنب, فأحياناً تأتي تحت مسمى مذحج واحيانا تحت مسمى جنب واحيانا تأتي صريحة هكذا كما اورد ذكرها ابن الظرب, وهذا ان دل عل شيء فإنما يدل على قوة شمران وسطوتها ناهيك عن اخوانها الجنبيين والمذحجيين, وفي نهايات القرن الثالث الهجري وبدايات القرن الرابع الهجري توسعت شمران في نفوذها الى الحجاز اعالي السراة, ونجد في تبالة وبيشة, وكان قبلها هاهناك شهران واكلب وناهس فتحالفت مع تلك القبائل تحت اسم الحلف التاريخي الشهير "خثعم" حيث قاموا بنحر جمل ثم خثعموا ايديهم بدم البعير, أي لطَّخوا ايديهم وتصافحوا على ان يكونوا يدا واحدة, ذاك مايسمى التحالف والحلف وبسبب هذا الحلف وقع الكثير من النسابة في اخطاء ولكن بقية شمران صريحة ونقية النسب عند اوثق النسابة في جنب ثم في مذحج, ولكن بقي الخلاف في القبائل الباقية وقد استطاعت شمران ان تفرض نفسها في هذه الديار الجديدة, الى ان اصبح يظن الناس وبعض النسابة ان ناهس واجزاءا من شهران هم من شمران وذالك لشهرتها ولصيتها الذائع.

ويعتبر اسم الحلف تاريخا وفخرا لهذه القبائل الاربعة (شمران واكلب وشهران وناهس ) وليس نسبا او جدا, آثرت كل قبيلة ان تستقل باسمها ونسبها الاول القديم, فمنها شمران وهم ابناء يزيد بن جنب بن مذحج, وكذالك شهران وهم ابناء انمار, وقد اختلف في عدنانية او قحطانية شهران واكلب (وناهس هم خثعم وعليان والعوامر اليوم).
اذن لقد مرت شمران عبر مراحل عدة استطاعت فيها ان تذروا سنائم المجد والعلا.
ففي الجاهلية بمذحج مع ابناء عمومتها وبعدم نكران انها بطن من بطونها الفتَّاكة كما ذكرها ابن الظرب ومن ثم بجنب ومن ثم بخثعم الحلف.

توحد قبائل سبأ وحمير:

أثناء حكم الملك شمر يهرعش هو شَمّر يهرعش بن ياسر يهنعم، 300 م وهو الملك الذي تنسب إليه الأخبار كثيرا من البطولات والأمجاد، بل هو من أبرز الشخصيات الملحمية في قصص أهل اليمن، وقد استطاع هذا الملك أن يوحد الكيانين السياسيين الباقيين وهما سبأ وحمير في في كيان واحد، وأقام حكما مركزيا قويا وحمل لقب ملك سبأ وذي ريدان وحضرموت ويمانة وانتهت مأرب كعاصمة وحلت محلها ظفار، وقد عرفت هذه الفترة التي تبدأ بتوحيد المناطق اليمنية في وطن واحد وسلطة مركزية واحدة عاصمتها ظفار بفترة حمير، وهي الفترة التي بقيت ذكراها عالقة في أذهان الناس ، وتناقل الرواة أخبارها قبل الإسلام أكثر من أية فترة سابقة في تاريخ اليمن القديم.

كتابة سبأية.

الأبجدية السبأية

ترجمة النص :

نعش | وقبر | أخيه
ن | بن | هن عبد | بن | ع
الحرف الأول غير واضح ثم : ني | ضغا | شعدغا
وفي نهاية شاهدة القبر توضع الأحرف (شعدغا) وهي للتأريخ
بحيث كل حرف له قيمته العددية حسب الأبجدية, وإذا أخذنا القيم حسب تسلسل الأحرف الأبجدية النبطية يكون التاريخ يعود إلى هذا الرقم :
ش = 500 , ع = 90 , د = 4 , غ = 1000, ا = 1
المجموع = 1595 أي سنة 1595 ولكن هذا التاريخ يعود إلى تاريخ معين محسوب من قبلهم لكننا نعلم أن هذ التاريخ يعود إلى عام 480م

ترجمة النص:

"Ammî'amar son of Ma'dîkarib dedicated to Almaqah Ra'suhumû. With 'Athtar, with Almaqah, with dhât-Himyam, with dhât-Ba'dân, with Waddum, with Karib'îl, with Sumhu'alî, with 'Ammîrayam and with Yadhrahmalik

كتابة حميرية

ويذكر نقش يمني شهير بأن عامل شَمّر يهرعش 300م في صعدة ريمان ذو حزفر اشترك في عدة حملات وجهها هذا الملك شمالا، ثم استمر غازيا، أو في سرية حتى بلغ أرض "تنوخ"، وتنوخ هو اتحاد القبائل العربية الذي كان أساس ما عرف بعد ذلك بدولة اللخميين في الحيرة، ويبدو أن امرؤ القيس بن عمرو من مؤسسي تلك الدولة - كان ممن وقف في سبيل تلك الحملة اليمنية، ويذكر نقش النمارة الذي عثر عليه على قبر امرئ القيس أنه قام بحملات عسكرية باتجاه جنوب الجزيرة بلغت نجران مدينة شمر ، ويشهد نقش عامل شمر يهرعش على أن كل شبه الجزيرة العربية كانت امتدادا حيويا للدولة اليمنية حيث لا حدود إلا حدود القوة والتمكن ، ويؤكد ذلك أيضا الحملات العسكرية المظفرة التي شنها خلفاء شمر يهرعش في منتصف القرن الرابع الميلادي في نجد والبحرين على الساحل الغربي للخليج العربي.

نقش النمارة مكتوب بالأحرف النبطية.
ترجمة النص :
هذا قبر امرئ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم الذي تقلد التاج. واخضع قبيلتي أسد ونزار وملوكهم وهزم مذحج وقاد. الظفر إلى أسوار نجران مدينة شمر واخضع معدا واستعمل بنيه. على القبائل ووكلهم فرساناً للروم فلم يبلغ ملك مبلغه. إلى اليوم. توفى سنة 223 م في 7 من أيلول (كسول) وفق بنوه للسعادة", عام 223 بتقويم بصرى الموافق لـ 338 م

وتنوخ هي الوحدة الأولى لقبائل العرب في العصر الجاهلي:

ورد ذكر تنوخ في النصوص السبئية والحميَرية وفي الكتابات الحسائية وفي كتب بطليموس. حيث تشكلت قبيلة تنوخ من اتحاد قبلي شمل أكبر القبائل العربية، ضمت :الأزد، قضاعة، وقبيص، وإياد، وتميم، والعماليق. واتفق زعماء هذه القبائل على تمليك زعيمهم مالك بن فهم الدوسي الأزدي والمناداة به ملكاً على المنطقة المحصورة بين نجد غرباً والخليج العربي شرقاً وحدود عُمان جنوباً، وحدود البصرة شمالاً ، وقد سميت هذه المنطقة الجغرافية الشاسعة البحرين.

ومن تاريخ المناطق الشمالية التابعة للفرس نورد لكم نبغة تاريخية عن أراضيها وسكانها الأصليون فيعتبر وادي الرافدين في المنظار الضيق، هو الأرض المحصورة بين نهري دجلة والفرات، شمالي أو شمالي غرب التخصر الواقع عند بغداد، في العراق الحديث، والمسماة الجزيرة. وجنوبي هذه المنطقة الممتدة من الخليج العربي من الجنوب الشرقي الى قمم جبال طوروس في الشمال الغربي وتحدها جبال زاغروس من الشمال الشرقي والهضبة العربية من الجنوب الغربي.
ان التفوق التراثي للقسم الشمالي لبلاد مابين النهرين والذي استمر لغاية حوالي 4000 ق.م، كان قد سبقه سكان الجنوب عندما استجاب السكان هناك الى التحدي الذي يفرضه الموقف عليهم.
من النادر ان تتوسع الامبراطوريات على مساحات واسعة تؤمن لنفسها واردات وذلك بسلب او اخضاع المناطق المجاورة.
ان المادة الخام التي اختصت بها حضارة بلاد مابين النهرين هي الطين, من خلال المعالم المعمارية المبنية من اللبن ومن اعداد وانواع التماثيل الصغيرة وابداعات الفخاريات، تحمل حضارة بلاد مابين النهرين الطابع الطيني كما لا تحمله حضارة اخرى، ولا يوجد مكان آخر في العالم عدا بلاد مابين النهرين، والمناطق الذي بسطت نفوذها عليها، فاستخدم فيها الطين كواسطة للكتابة.
ان مصطلحات مثل " الحضارة المسمارية"،" الادب المسماري" ، و "القانون المسماري" لا يمكن ان تنطبق الا اناس يمتلكون فكرة استخدام الطين الطري لا لصنع اللبن والجرار والتي كانت تختم لبيان ملكيتها فحسب ولكن ايضا كواسطة لوضع علامات تدل على معان - انجازات ذكية ادت الى اختراع الكتابة.

نشأت في بلاد مابين النهرين الحضارات الاولى حيث انتقل الانسان للعيش في المدينة متخليا عن حياة الرعي كما توصل الى الكتابة بسبب بدعة امتلاك الارض التي انتجتها الحياة الفلاحية، وبذلك سلب الارض من الرعاة. نشوء الحضارة جرى في قرى صغيرة ذات قرابة مشتركة، وبسبب الغنى ازدادت قوة، وتشكلت ممالك مدن، لكل مدينة سلطتها. ومن اجل تشريع سلب الاراضي البرية كان لابد من اختراع الالهة، وبسبب ضرورة حساب المنتوجات الزراعية والاراضي كان لابد من اختراع الكتابة، التي ظهرت اولا بالتأشير بواسطة اعواد، لتظهر الكتابة المسمارية.

تشكل النصوص والهياكل مؤشر على تتداخل الحضارات وقرابتها، والحضارة الاولى الفتية كانت دليل على نمو كل قرية الى مدينة منفصلة، ولهذا السبب ظانت التعددية والتنوع في إطار التشابه. مع الغنى ازداد التعرض لهجوم الغرباء وازداد الخوف من المجهول والحاجة الى أمل. لذلك ازدهرت صناعة الايمان وبناء الهياكل لرشوة الالهة. كان الانسان الاول يعتقد ان للالهة مجتمع على شاكلة الممالك الارضية، فاحتوت الهياكل على اكثر من 1000 معبود من عائلة الالهة. ومع ذلك كانت الالهة الاولى تملك تعدد الصفات وتسمى بصفاتها، في حين ان هذه الصفات اصبحت اسماء فيما بعد، ومنه نشا المزيد من تعدد الالهة. وبعض الصفات وصورة مملكة السماء وحتى اسماء الالهة القديمة انتقل الى الاديان السماوية، مثل اسم جبرائيل وعزرائيل والوهيم واله وحتى الله نفسه المنحدر عن إله وإيل.

. وقد انتقلت كل ثقافة لحقبة زمنية سابقة الى ثقافة حقبة زمنية لاحقة من التي تتالت على هذه الرقعة الجغرافية، فنرى أن الحضارة السومرية التقليدية قد اثرت بالحضارة الاكدية، وامبراطورية اور الثالثة، والتي مثلت بذاتها مركبا سومريا اكديا، والذي ظهر نفوذه في الربع الاول من الالفية الثانية قبل الميلاد. ونجد ان ديانات الحضارة السومرية وصلت حتى الى العهد الهيليني والارامية العبرية والاسلام.

كما يدين علم الرياضيات والفلك بالكثير الى البابليين - مثلا، ان النظام الستيني لحساب الوقت والزوايا والذي لا يزال عمليا بسبب قابلية القسمة للرقم 60 ؛ وتقسيم العام الى اثنى عشر شهرا والابراج الفلكية ورموزها، والسنة الشمسية، في حين كان البدو المجاورين يستخدمون الدورة القمرية بسبب حاجتهم في التنقل ليلا، وقد وصل بهم الحال الى عبادة القمر، الامر الذي يوضح اسباب وجود الهلال على اعمدة مأذن الجوامع، اضافة الى المفاهيم الحقوقية والقانونية المنحدرة عن قوانين حمورابي.

ان مفاهيم الحقوق ازدهرت وكانت متميزة، ونرى التعبير عنها بعدة مجموعات من القرارات القانونية، والتي سميت بشرائع والتي كانت افضلها شريعة حمورابي. ومن خلال كل هذه الشرائع يتكرر اهتمام الحاكم بالضعيف والارملة واليتيم والاطفال والمساواة في الحقوق بين الجنسين واحترام حقوق الملكية .

انتقلت شرائع حمورابي الى التوراة ومنه الى القرآن، حيث نجد ان بلاد ما بين النهرين جرى ذكرها في العهد القديم، ماعدا بناء برج بابل، في قرائن تاريخية حيث غير ملوك آشور وبابل مجريات الاحداث في فلسطين وخاصة تيكلاث بليصر الثالث وسنحاريب بسياستهما التهجيرية والسبي البابلي الذي قام به نبوخذنصر الثاني.

في المرحلة المتأخرة من حضارة بلاد الرافدين جرى توحيد الممالك المدن في دولة اكبر. لاحقا كان هناك رسميا ملكية واحدة و كانت منوطة بمدينة معينة واحدة في زمن معين؛ وعليه فان تغير السلالات قد جلب معه تغيرا في كرسي الملكية وانتقال الملك بين المدن الامر الذي خلق تنافس بين المدن وخلافات، هذه المدن كانت:

كيش -اوروك - اور - اوان - كيش - همازي - اوروك - اور - اداب - ماري - كيش - اكشاك - كيش - اوروك- اكد - اوروك - غوتيانس - اوروك - اور - إيسن.

ان قائمة الملوك حسب تسلسلها تعطينا عدة سلالات والتي تعرف اليوم بانها حكمت في وقت واحد، وهذه السلالات كانت تربط نفسها بنسب الاله حتى تتمكن من الحصول على شرعية الهية، واحينا كان يجري الخلط بين الملك والالهه، وبين صفات كل منهم. كانت هذه الطريقة هي المستخدمة للتأريخ ولكن كانت تتجاوز ذكر سنوات حكم ملك معين، ولذلك تفقد قيمتها بالنسبة للزمن الذي يسبق سلاللة اكد، حيث يبدو وكأن المدة التي حكم بها كل ملك او حاكم اكثر من 100 سنة واحيانا عدة مئات من السنين، وهو الامر الذي يوضح مصدر فكرة العمالقة في التراث الديني اليوم الذي اقتبسته اليهودية.

عثر على مجموعة من رقع الملوك الطينية قصة الطوفان التقليدية السومرية، وقصة مماثلة اكدية، والتي استنادا لها فان كيش كان المقعد الملكي الاول بعد الطوفان، في حين ان خمس سلالات للملوك البدائيين حكموا قبل الطوفان في اريدو، باد-تبيرا، لاراك، سيبار ، و شروباك.

الساسانيين :
كانت بلاد مابين النهرين عند نهاية الامبراطورية الاخمينية مقسمة الى ولاية بابل في الجنوب، في حين ان القسم الشمالي من بلاد مابين النهرين ضم الى سوريا ضمن ولاية اخرى. لا يعرف كم استمر هذا التقسيم، ولكن عند وفاة الاسكندر الكبير في 323 ق م ، سلخ شمال مابين النهرين من ولاية سوريا واصبح ولاية منفصلة.

عانت بلاد مابين النهرين من الحروب على طول تاريخها في الصراع بين الحضارات على الثروة والسلطة، وهي الحروب التي وضعت اساسها مملكة سومر نفسها وعلمتها للاخرين. وعندما انقسمت امبراطورية الاسكندر في 321 ق م ، استلم احد قادته سلجوق ( وعرف فيما بعد بسلجوق الاول نيكاتور) حكم ولاية بابل . وعلى اية حال فمنذ حوالي 312 ق م استولى انتيكونس الاول مونوفثالموس (اي الاعور) على حكم الولاية كحاكم لكل بلاد مابين النهرين، وهزم سلجوق والذي قبل اللجوء في مصر. وبمساعدة البطالمة المصريين تمكن من دخول بابل في 312 ق م ( حسب اعتقاد البابليين في 311 ) وتمكن من الاحتفاظ بها لفترة قصيرة امام جيوش انتيكونس قبل الاتجاه شرقا حيث اسس حكمه.

في 301 اصبح لسلجوق امبراطورية كبيرة تمتد من افغانستان الحالية الى البحر المتوسط. واسس العديد من المدن اهمها مدينة سلجوقيا على دجلة ومدينة انطاكية على نهر ارونتس في سورية. سميت المدينة الاخيرة على اسم ابيه او ابنه فكلاهما يحمل اسم انطيوخوس، واصبحت انطاكية العاصمة الرئيسية في حين اصبحت سلجوقية العاصمة للمقاطعات الشرقية.
لا يعرف تاريخ تاسيس هاتين المدينتين ولكن من المفترض ان سلجوق اسس سلجوقية بعد ان اصبح ملكا، ولكن انطاكية تاسست بعد دحره لجيش انتيكونس.

ولكن يمكن تقسيم بلاد مابين النهرين الى اربعة مناطق: كراسين ( وتدعى ايضا ميسين، في الجنوب؛ وبابل والتي سميت بعدئذ اسورستان، في الوسط؛ وشمال مابين النهرين، حيث كانت هناك فيما بعد سلسلة من الولايات الصغيرة مثل كوردين، اوسرون، اديابين، وكراميه، واخيرا مناطق الصحاري في شمال الفرات، والتي اطلق عليها في عهد الساسانيين عربستان، حيث عرب كانت تطلق على جميع القبائل المتنقلة وليس لها معنى قومي كما هو الان.

ولهذه المناطق الاربعة سجلات تاريخية مختلفة الى غاية خروج العرب من الجزيرة وفرض حكمهم في القرن السابع، بالرغم من ان جميعها كانت تابعة للسلاجقة اولا ثم البارثيين والساسانيين. وعرف من خلال الكتابات المسمارية ان الحكومات في بلاد مابين النهرين قد مارست طقوس الديانات التقليدية اضافة الى التقاليد الاخرى، وكانت هناك بعض المراكز الاغريقية مثل سلجوقية وجزيرة ايكاروس ( جزيرة فيلكه الحالية) حيث كانت تمارس تقاليد المدن الاغريقية. اما المدن الاخرى فكان فيها القليل من الموظفين الاغريق او المعسكرات ولكنها استمرت بممارساتها السابقة.

العملة الساسانية الكتابة الساسانية

الساسانيون في عصر الدعوات المسيحية :

يضع العهد الساساني نهاية للعهد القديم وبداية للعهد الاقطاعي في تاريخ الشرق الاوسط. الاديان الجديدة كالمسيحية والثنوية (الصراع بين النور والظلام) وحتى الزرادشتية واليهودية والمانية والغنوصية أنتشرت بعد ان تطورت عن الاديان التي سبقتها من الديانات والعبادات المحلية في بداية القرن الثالث, كما انتهت كل من الامبراطورية الساسانية والرومانية باتخاذ دين رسمي للدولة كأديولوجية لجمع اتباعها وتمييزهم عن المنافسين، حيث اصبحت الزرادشتية هي الديانة الرسمية في فارس والمسيحية في روما. اما في بلاد مابين النهرين فان العبادات القديمة مثل المندائية وعبادة القمر للحرانيين وقبائل الصحراء، وعبادات اخرى استمرت جنبا الى جنب مع الاديان الرسمية للممالك الكبيرة، واستمر التلاقح بين الحضارات والاديان، وبرز بوضوح على قبائل الجزيرة العربية.

حران, المدينة التي زارها ابراهيم وعشيرته, قبل أن يذهب الى ارض كنعان، حسب كتب اليهود.

الإنخرط العربي الفارسي بعد سقوط سد مأرب:
نلاحظ أن سقوط سد مأرب وهجرة قبائل اليمن إلى الشمال والشرق والغرب جلب معه اساليبهم وافكارهم الجديدة والخاصة فأثرت وتأثرت بما كان على مسرح الواقع آن ذاك. ففي 86م استطاع مالك بن فهم الدوسي الأزدي إجلاء الفرس عن عُمان وأصبح ملكاً لعُمان واتخذ من مدينة قلهات عاصمه لملكه وقد حكم عُمان أكثر من 70 سنة، وإمتد سلطان مالك في عُمان حتى ضم إليها البحرين وأطراف العراق.

بعد وفاة ملك الحيرة جذيمة الأبرش، تولى عمرو بن عدي أمور تنظيم الحكم، وحكم مابين النهرين وإقليم البحرين نحو عشرين سنة خلال هذا الفترة حدثت حروب مع عدد من الممالك المحاذية، بعد قيام دولة الساسانيين في إيران وبعد غزو الساسانيين لمابين النهرين اضطر عمرو بن عدي للإعتراف بسيادتهم.

عمرو بن عدي بن نصر بن ربيعة بن الحارث بن مسعود بن مالك بن غنم بن نمارة بن لخم (268-288) أول ملك في سلالة ملوك الحيرة, انتقل إليه الحكم بعد وفاة خاله جذيمة الأبرش الذي كان له الفضل في تنظيم أمور الحكم حيث أنه حكم عدة مناطق في مااصبح يسمى اليوم العراق. المعروف أن عمرو بن عدي هو ملك من بني لخم ولكن بعض الإخباريين يرجع أصله إلى الساطرون ملك الحضر, ويرى بعض الباحثين أنه رابع ملك من أسرة كانت تحكم حران ثم انتقلت عاصمتهم للحيرة . وصف الطبري عمرو بن عدي بأنه «أول من اتخذ الحيرة منزلاً من ملوك العرب، وأول من مجده أهل الحيرة في كتبهم من ملوك العرب بالعراق، واليه ينسبون، وهم ملوك آل نصر، فلم يزل عمرو بن عدي ملكاً حتى مات ... وكان منفرداً بملكه، مستبداً بامره، يغزو المغازي ويصيب الغنائم، وتفد عليه الوفود دهره الأطول، لا يدين لملوك الطوائف بالعراق، ولا يدينون له، حتى قسم أردشير بن بابك في أهل فارس». أي انه كان مستقلا بحكمه قبل غزو الساسانيين للعراق ولكن بعد قيام دولة الساسانيين اضطر عمرو للإعتراف بسيادتهم, كما اننا نرى انه لم يكن يحكم العراق، وانما منطقة منه، في حين كان العراق مقسما الى مناطق متنازعة تخضع لحكامها المحليين. ونجد اسمه في نقش "نرسي" ضمن قائمة الملوك الذين اعترفوا بسلطان الساسانيين عليهم.

نقش نرسي

وجذيمة الأبرش هو جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس بن عدثان بن عبدالله بن زهران الأزدي ،الملك المشهور وأصله من زهران أحد القبائل الأزدية، وكان ثالث ملوك تنوخ وأول ملك بالحيرة، وأول من حذا النعال، وأدلج من الملوك وصنع له الشمع، وكان شاعراً، وقيل له الأبرص والوضاح لبرص كان به ، ويعظم أن يسمى بذلك فجعل مكانه الأبرش.
كان جذيمة بن مالك ملكًا على الحيرة والبحرين وعلى ما حولها من السواد ملك خمساً وسبعين سنة.
وكذلك ذكر في النقوش الأثرية مثل نص أم الجمال الذي كتب بخط نبطي وفيه النص التالي: "جذيمة ملك تنوخ".

نقش أم الجمال 520 م

ويخالط الغموض قصة الحلف التنوخي، وقيام الممالك العربية في سوريا و العراق، ألا ان مؤرخي العرب يعتقدون أن القبائل العربية بعد ان تحالفوا باسم تنوخ وأسسوا إقليم البحرين تطلعوا إلى العراق ودخلوه، وكان أول ملك منهم هناك هو مالك بن فهم، وتولى الحكم بعده أخوه عمر بن فهم، فلما مات عمر تولى الملك جذيمة الأبرش.

تنقل القصص انه في أيام جذيمة كان هناك ملك على الجزيرة وأعالي الفرات ومشارق الشام يقال له عمرو بن الضرب بن حسان العمليقي، ولذلك يعتقد البعض انه من العماليق، وجرى بينه وبين جذيمة حروب فانتصر جذيمة عليه وقتلة. وكان لعمرو بنت تدعى الزباء (1) واسمها نائلة فملكت بعده وبنت على الفرات مدينتين متقابلتين وأخذت في الحيلة على جذيمة فأطمعته بنفسها حتى اغتر وقدم إليها فقتلته واخذت بثأر أبيها.

1.ملكة تدمر بالميرا.

الكتابة الآرامية في تدمر بالميرا.

العملة المتداولة في تدمر.

المناذرة :

النعمان بن امرؤ القيس بن عمرو من أشهر حكام المناذرة حكم في الفترة (403-431), ويلقب بالنعمان الأعور و النعمان السائح, وهو باني الخورنق, وفي عهده ازدهرت الحيرة ازدهارا كبيرا لم تشهد مثيله بل واقترن اسمه بالحيرة فعرفت عند بعض المؤرخين بحيرة النعمان, وقد وكل الملك الفارسي الساساني يزدجرد الأول له رعاية أبنه بهرام الخامس فرباه منذ صغره ثم ساعده النعمان بعد ذلك على تولي العرش بعد محاولة بعض النبلاء اقصاء بهرام, كان يؤمن بحرية الدين فكان متسامحا مع المسيحيين حتى أنه صهر تمثال عشتار الذهبي ووزعه على فقراءهم.

خلفه إبنه المنذر بن النعمان بن امرئ القيس سابع ملوك الحيرة. أمه هي هند بنت زيد مناة بن زيد الله بن عمرو الغساني. وبلغت الحيرة بعهده مبلغا عظيما وصار لها اسم في التاريخ, فقد أجبر كهنة الفرس على تتويج بهرام جور الذي رباه أبوه النعمان على حساب مدع قوي آخر للعرش الفارسي, وقد شارك في الحروب اتي قامت بين الفرس والروم, التي كان سببها اضطهاد المسيحيين في بلاد الفرس, فقد حاصر الروم نصيبين فأسرع بهرام لإنقاذها ومعه المنذر واشترك في المعارك, كما اتجه للإستيلاء على انطاكية إلا انه لم يحقق في ذلك نصرا, وانتهت الأمور بعقد الصلح بين الفرس والروم.

النعمان بن المنذر بن المنذر بن امرئ القيس اللخمي، الملقب بأبو قابوس (582-610 م) تقلد الحكم بعد أبيه, وهو من أشهر ملوك المناذرة في عصر ما قبل الإسلام. كان داهية مقداما. وهو ممدوح النابغة الذبياني وحسان بن ثابت وحاتم الطائي. وهو باني مدينة النعمانية على ضفة دجلة اليمنى، وصاحب يوم البؤس والنعيم؛ وقاتل عبيد بن الأبرص الشاعر، في يوم بؤسه؛ وقاتل عدي بن زيد وغازي قرقيسيا (بين الخابور والفرات). وفي صحاح الجوهري: قال أبو عبيدة: «إن العرب كانت تسمى ملوك الحيرة -أي كل من ملكها- (النعمان) لأنه كان آخرهم». كان أبرش أحمر الشعر، قصيرا وكانت أمه يهودية من خيبر.

مقتله :
ملك الحيرة إرثا عن أبيه، سنة 582م، واستمر في الحكم حتى نقم عليه كسرى كسرى أمرا بعد أن طلب منه أن يزوجه ابنته فرفض النعمان فما كان من كسرى إلا أن عزل النعمان ونفاه إلى خانقين، فسجن فيها إلى أن مات. وقيل: ألقاه تحت أرجل الفيلة، فوطئته، فهلك وكانت هذه الحادثة هي الشرارة التي أدت لاشتعال الحرب بين العرب والفرس في معركة ذي قار والذي انتصر فيها العرب انتصارا كبيرا.

يوم ذي قار هو يوم من أيام العرب في الجاهلية، وقع فيه القتال بين العرب والفرس في العراق وانتصر فيه العرب.
كان من أعظم أيام العرب وأبلغها في توهين أمر الأعاجم وهو يوم لبني شيبان من بكر بن وائل، وقبيلة عنزة بن ربيعه أبناء عمهم وهو أول يوم انتصرت فيه العرب على العجم وخبره كالتالي :
ذكر كسرى بن هرمز يوماً الجمال العربي وكان في مجلسه رجل عربي يقال له: زيد بن عدي وكان النعمان قد غدر بأبيه وحبسه ثم قتله فقال له: أيها الملك العزيز إن النعمان بن المنذر عنده من بناته وأخواته وبنات عمه وأهله أكثر من عشرين امرأة على هذه الصفة.

وأرسل كسرى زيداً هذا إلى النعمان ومعه مرافق لهذه المهمة، فلما دخلا على النعمان قالا له: إن كسرى أراد لنفسه ولبعض أولاده نساءاً من العرب فأراد كرامتك وهذه هي الصفات التي يشترطها في الزوجات. فقال له النعمان: أما في مها السواد وعين فارس ما يبلغ به كسرى حاجته ؟ يا زيد سلّم على كسرى وقل له: إن النعمان لم يجد فيمن يعرفهن هذه الصفات وبلغه عذري. ووصل زيد إلى كسرى فأوغر صدره وقال له: إن النعمان يقول لك ستجد في بقر العراق من يكفينك.

فطار صواب كسرى وسكت لكي يأمن النعمان بوائقه، ثم أرسل إلى النعمان يستقدمه، فعرف النعمان أنه مقتول لا محالة فحمل أسلحته وذهب إلى بادية بني شيبان حيث لجأ إلى سيدهم هانئ بن مسعود الشيباني وأودع عنده نسوته ودروعه وسلاحه وذهب إلى كسرى فمنعه من الدخول إليه وأهانه وأرسل إليه من ألقى القبض عليه وبعث به إلى سجن كان له فلم يزل به حتى وقع الطاعون هناك فمات فيه.

وأقام كسرى على الحيرة ملكاً جديداً هو إياس بن قبيصة الطائي وكلفه أن يتصل بهانئ بن مسعود ويحضر ماعنده من نساء النعمان وسلاحه وعتاده، فلما تلقى هانئ خطاب كسرى رفض تسليم الأمانات، فخيره كسرى إما أن يعطي مابيده أو أن يرحل عن دياره أو أن يحارب فاختار الحرب وبدأ يعد جيشاً من بكر بن وائل ومن بني شيبان ومن عجل ويشكر وعنزة بن اسد بن ربيعه والنمر بن قاسط وبني ذهل.

وفي أثناء ذلك جمع كسرى نخبة من قيادات الفرس ومن قبائل العرب التي كانت موالية له وخصوصاً قبيلة إياد ووجههم ليجتاحوا هانئاً ويحضروه صاغراً إلى كسرى.

فلما وصل جيش كسرى وحلفاؤهم من العرب أرسلت قبيلة إياد إلى هانئ: نحن قدمنا إلى قتالك مرغمين فهل نحضر إليك ونفرّ من جيش كسرى؟ فقال لهم: بل قاتلوا مع جنود كسرى واصمدوا إلينا أولاً ثم انهزموا في الصحراء وإذ ذاك ننقض على جيش كسرى ونمزقهم.

وقدم الجيش الفارسي وحلفاؤهم من إياد فوجدوا جيش هانئ قد اعتصم بصحراء لا ماء فيها ولا شجر وقد استقى هانئ لجيشه من الماء ما يكفيهم، فبدأ الفرس يموتون من العطش ثم انقضوا على جيش هانئ كالصواعق وبينما هم في جحيم المعركة انهزمت قبيلة إياد أمام هانئ وانقضت على الفرس الذين حولها فضربت فيهم ومزقتهم وقتل كل قيادات فارس الذين أرسلهم كسرى لإحضار هانئ حياً، فلما رجعت بعض فلول الفرس إلى كسرى إذا هم كالفئران الغارقة في الزيت.

وكانت ساحة ذي قار أرضاً يغطي الزفت والقطران كثيراً من أرضها فلما رآهم كسرى على ذلك الشكل قال لهم: أين هانئ ؟ وأين قياداتكم الذين لا يعرفون الفرار فسكتوا فصاح بهم فقالوا: لقد استقبلنا العرب في صحرائهم فتهنا فيها ومات جميع القادة وخانتنا قبيلة إياد حين رأوا بني جنسهم، فكاد كسرى يفقد عقله ولم يمضي عليه وقت قصير حتى مات حسرة فتولى مكانه ابنه شيرويه.

وقد حدث بعض من حضر يوم ذي قار أن قبائل بكر استصحبوا من خلفهم نساءهم وانقضوا على الجيش الفارسي فبرز أحد العلوج وطلب المبارزة فانقض عليه عربي من بني يشكر اسمه برد بن حارثة اليشكري فقتله، وكان هانئ قد نصب كميناً من وراء الجيش الفارسي فانقض الكمين على الملك الجديد الذي كان كسرى عينه خلفاً للنعمان بن المنذر، وفي أثناء ذلك أحس العرب روابط الأخوة التي تنتظمهم فانسحب من جيش فارس كثير من العرب الذين كانوا يعطون ولاءهم لفارس من قبائل تميم وقيس عيلان فانقضوا على الفرس الذين يلونهم بعد أن كانوا يدينون بالولاء لهم، وعرف العرب أنهم كانوا مخدوعين بملك رخيص كان كسرى يضحك به على بعض أذنابه منهم.

والحق أن انتصار العرب على العجم في ذي قار كان نواة لمعركة القادسية التي أعز الله فيها قبائل العرب بنور الإسلام ونبوة محمد عليه الصلاة والسلام.

لقد كوَن المناذرة مملكة قوية من أقوى ممالك العراق العربية قبل الإسلام فكانت هذه المملكة هي امتداد للمالك العربية التي سبقتها مثل مملكة ميسان ومملكة الحضر، وقد امتد سلطان مملكة المناذرة من بلاد مابين النهرين ومشارف الشام شمالاً حتى عمان جنوباً متضمنة البحرين وهجر وساحل الخليج العربي. واستمرت مملكتهم في الحيرة من (266م-633م). احتل الفرس تلك المملكة في مهدها فأصبحت مملكة شبه مستقلة وتابعة للفرس مع ذلك اكملت الحيرة ازدهارها وقوتها. وقد كان لهذه المملكة دور مهم بين الممالك العربية فقد كان لها صلات مع الحضر وتدمر والأنباط والقرشيين فكانت الآلهة في هذه المدن هي نفسها موجودة في الحيرة منها اللات والعزى وهبل، ومما يؤكد ذلك الروايات الكثيرة بصلات جذيمة الأبرش بملكة تدمر زنوبيا مثلا وعلاقتهم وعلاقة ملوك الحيرة بملوك مملكة الحضر وأحيانا ينسب المؤرخون السلالة الحاكمة في مملكة المناذرة وهم بنو لخم إلى ملوك الحضر في بلاد مابين النهرين, وكذلك نجد في النقوش الأثرية مثل نص أم الجمال الذي كتب بخط نبطي وفيه النص التالي: "جذيمة ملك تنوخ" وهذا يدل على صلاتهم الواسعة بالممالك العربية الأخرى هذا سوى الروايات الكثيرة من المؤرخين، وكان لمملكة المناذرة سوق من أشهر أسواق العرب يقام في الحيرة وفي دومة الجندل يتبادل فيه التجار البضائع ومنها البضائع الفارسية التي يجلبها تجار المناذرة وكذلك يتبادلون الأدب والشعر والخطب. أطلق ملوك المناذرة على أنفسهم لقب "ملوك العرب" ومن المؤكد أن نقش قبر إمرؤ القيس الأول المتوفى سنة (338) مكتوب عليه "هذا قبر إمرؤ القيس بن عمرو ملك العرب كلهم". وهذا الحاكم له إنجازات عظيمة من تكوين أسطول بحري في البحرين هاجم مدن فارسية إلى سيطرته على مدن تمتد من العراق حتى نجران.

وكانت كتابة شاهد قبره الذي عثر عليه حديثا هي من أقدم الكتابات بالخط النبطي المتطور إلى الخط العربي الحالي والتي عثر عليها إلى هذا اليوم, لذلك يعتقد العلماء أن الغساسنة هم مهد الخط العربي ويعارض هذا الرأي المؤرخ البلاذري حيث ينسب الكتابة العربية إلى الحيرة والأنبار. فيقول : أن الخط العربي قد تم إنشاءه من قبل ثلاثة أشخاص اجتمعوا في الحيرة فوضعوا الأحرف الهجائية العربية مستبدينها من النبطية القديمة وهذا هو نص الكتاب حيث قال :

حدثنا عباس بن هشام بن محمد بن السائب الكلبي عن أبيه عن جده، وعن الشرقي بن القطامي قال: اجتمع ثلاثة نفر من طيء ببقة وهم مرا مر بن مرة وأسلم بن سدرة، وعامر بن جدرة فوضعوا الخط، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية. فتعلمه منهم قوم من الأنفار ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار. وكان بشر بن عبد الملك أخو أكيدر بن عبد الملك بن عبد الجن الكندي ثم السكوني صاحب دومة أتجندل يأتي الحيرة فيقيم بها لحين، وكان نصرانياً. فتعلم بشر الخط العربي من أهل الحيرة.

روي أن ابن عباس قال: «أول من كتب بالعربية ثلاثة رجال من بولان، وهي قبيلة سكنوا الأنبار. وأنهم اجتمعوا فوضعوا حروفاً مقطعة وموصولة. وهم مرار بن مرة وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة، ويقال: مروة وجدلة. فأما مرامر فوضع الصور، وأما أسلم ففصل ووصل، وأما عامر فوضع الإعجام. وسئل أهل الحيرة: ممن أخذتم العربي؟ فقالوا: من أهل الأنبار» الفهرست ص6 - 7
قال ابو عمرو النقط عند العرب إعجام الحروف في سمتها وقد روى عن هشام الكلبي انه قال اسلم بن خدرة اول من وضع الاعجام والنقط (نقط المصاحف ج: 1 ص: 14

(حدثني عباس بن هشام بن محمد السائب الكلبي عن أبيه عن جده، وعن الشرقي بن القطامي. قال: اجتمع ثلاثة نفر من طيء ببقة، وهم مرامر بن مرة، وأسلم بن سدرة وعامر بن جدرة، فوضعوا الخط، وقاسوا هجاء العربية على هجاء السريانية فتعلمه منهم قوم من أهل الأنبار، ثم تعلمه أهل الحيرة من أهل الأنبار،)(فتوح البلدان ج1 ص 737)

- قيل لأبي سفيان ممن أخذ أبوك الكتابة قال من ابن سدرة وأخبره أنه أخذها من واضعها مرامر بن مرة قال وكانت لحمير كتابة تسمى المسند حروفها منفصلة غير متصلة وكانوا يمنعون العامة من تعلمها فلما جاء الإسلام لم يكن بجميع اليمن من يقرأ ويكتب قلت هذا فيه نظر فقد كان بها خلق من أحبار اليهود يكتبون بالعبراني
سير أعلام النبلاء ج: 17 ص: 319

-قال له أسلم بن سدرة وسأله ممن اقتبستها فقال من واضعها رجل يقال له مرامر بن مروة وهو رجل من أهل الأنبار فاصل الكتابة في العرب من الأنبار وقال الهيثم بن عدي وقد كان لحمير كتابة يسمونها المسند.

وبعد وفاة إمرؤ القيس في عام 338م بدأ الساسانيون العمليات الهجومية ثانية في عهد شابور الثاني، واستمرت الحرب الاولى من 337 لغاية 350؛ وانتهت من دون نتيجة لكون الرومان قد دافعوا عن نصيبس بنجاح. وفي عام 359 غزا شابور الاراضي الرومانية ثانية واحتل قلعة اميدا الرومانية بعد حصار طويل ومكلف.وفي عام 363 تقدم الامبراطور جوليان الى ضواحي المدائن، حيث توفى، ليخلفه جوفيان الذي خسر نصيبس واراضي اخرى في الشمال الى الساسانيين. اما الحرب التالية فاستمرت من 502 الى 506 وانتهت دونما تغيير. واندلعت الحرب ثانية في 527 واستمرت لغاية 531 وحتى الجنرال البيزنطي بيليساريوس لم يكن قادرا على السيادة؛ كالمعتاد، بقيت الحدود على حالها دون تغيير. وفي عام 540 غزا الملك الساساني خسرو الاول (خسرويس) سوريا وحتى استولى على انطاكيا، بالرغم من ان العديد من القلاع خلفه في شمال بلاد مابين النهرين بقيت بايدي البيزنطيين. وبعد قتال كر وفر، تم الجنوح الى السلم في 562 . استمرت الحرب مع الامبراطورية البيزنطية لعشر سنوات اخرى، واستمرت في عهد من خلف خسرو، هرمزد الرابع. ولم يستعيد البيزنطيون اراضيهم في شمال بلاد مابين النهرين الا في 591 حيث هبوا للمساعدة في استعادة العرش الساساني الى خسرو الثاني الذي فر لاجئا الى الاراضي البيزنطية. وبمقتل الامبراطور البيزنطي موريس في 602 والذي كان لصالح خسرو، واغتصاب فوكاس للعرش، فقد وجد خسرو الثاني فرصته الذهبية لتوسيع الملكية الساسانية وللثأر الى موريس. فاستولت الجيوش الفارسية على كل شمال مابين النهرين وسوريا وفلسطين ومصر وبلاد الاناضول. وبحلول 615 كانت القوات الساسانية في خالقيدونية مقابل القسطنطينية. وتغير الموقف تماما بمجئ الامبراطور البيزنطي الجديد هرقل، الذي، قام بحملة تحد شجاعة الى قلب اراضي العدو في 623 - 624 ، وهزم الساسانيين في ميديا. وتقدم في 627 - 628 باتجاه المدائن ولكنه انسحب بعد ان نهب القصور الملكية في داستاكرد شمال المدائن.

وبعد وفاة خسرو الثاني، كانت بلاد مابين النهرين مدمرة، ليس من جراء القتال وحسب بل من فيضانات دجلة والفرات، ومن انتشار الطاعون، ومن التتابع السريع للحكام الساسانيين الذي اوجد حالة من الفوضى. واخيرا في 632 فرض آخر الملوك يزدجرد الثالث النظام والاستقرار غير ان المنطقة كانت منهكة بالجوع والمرض، وفي السنة التالية عدما جاء الغزو الاسلامي كان الفرس غير قادرين على الصمود امام التوسع الاسلامي وانتهت الامبراطورية الساسانية بكاملها بضع سنوات من ذلك، لتعود وتظهر فكريا.